يُمثِّل اللاهوتيّ الأرميني روجر أولسون تيّارًا فكريًّا يتّسم بكونه محدودَ النطاق من جهة، وواسعَ الانتشار من جهةٍ أخرى. فمن ناحيةٍ، يُعَدّ هذا التيّار واسعَ الحضور بين الإنجيليّين الأميركيّين وأتباع الكنائس التقليديّة، حيث تمثّل الأرمينيّة لديهم موقفًا بديهيًّا قوامه أنّ إلهًا مُحبًّا لا يمكن أن يُرسِل الناس إلى الجحيم من دون أن يمنحهم فرصةً عادلةً للخلاص (هذا إن سلّموا أصلًا بأنّ الله قد يُرسِل أحدًا إلى الجحيم).
لكنّه، من ناحيةٍ أخرى، تيّارٌ محدود، إذ يقتصر من حيث التأصيل اللاهوتي على عددٍ قليلٍ من اللاهوتيّين، من أمثال جاكوب أرمينيوس، وجون ويسلي، وتشارلز فيني.
ويقف الأرمينيّون في موقفٍ دفاعيٍّ مُثقَلٍ بالأعباء عندما يُوضَعون في كفّة المقارنة مع حيويّة اللاهوت الكلفيني المُصلَح، الخصمِ الرئيس الذي يُنازله روجر أولسون في كتابه ضدّ الكلفينيّة. ففي العقود الأخيرة، عزّزت الكلفينيّة نفوذها وتماسكها الفكري عبر عددٍ من الكلّيّات اللاهوتيّة المشيخيّة المحافظة، وكذلك من خلال الكلّيّة المعمدانيّة الجنوبيّة للاهوت، فضلًا عن إسهامات لاهوتيّين بارزين حقّقوا تأثيرًا واسعًا، من أبرزهم: آر. سي. سبراول، وألبرت مولر، وجون بايبر، وتيموثي كيلر، وجون ماك آرثر.
وقد أظهر الكلفينيّون الجدد براعةً لافتة في تسخير أدوات الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيّما من خلال ائتلاف الإنجيل، لبثّ رسائلهم ونشر دعوتهم. ومن ثمّ، فإنّ الأثر العميق الذي يتركه هؤلاء الكلفينيّون في نفوس الشباب ومرتادي كليّات اللاهوت ليس أمرًا عابرًا، ولا يُتوقّع له أن يضمحلّ سريعًا.
وكما يُقِرّ أولسون صراحةً، فإنّ الكلفينيّة تنبع من شعورٍ عامٍّ بعدم الرضا عن السطحيّة والرخاوة النسبيّة التي تتّسم بها كثيرٌ من التعاليم الإنجيليّة المعاصرة. وتجد الكلفينيّة صدىً واسعًا لدى هذا الجيل؛ لأنّها تتجاوز الخطاب العلاجيّ المُسَكِّن، لتشتبك بدلًا من ذلك مع الحقائق القاسية المتعلّقة بالخطيّة وبشاعة الحالة الإنسانيّة، ثم تضع هذه الحقائق في تضادٍّ صارخ مع معجزة النعمة الإلهيّة الممنوحة لأناسٍ مثلنا.
يُرحِّب أولسون باللاهوت الصارم الذي يتبنّاه الكلفينيّون الجدد، غير أنّه يرى أنّ الأرمينيّة التقليديّة تمثّل بديلًا أكثر كتابيّةً وعقلانيّة. ويعتقد أولسون أنّ لديه حججًا قويّة ضدّ الكلفينيّين، وأنّ الكلفينيّة إذا طُبِّقت تطبيقًا متّسقًا تُحوِّل الإله الذي تُقدّمه إلى “وحشٍ أخلاقي”.
وهذه الحجّة القديمة جديرةٌ بإعادة النظر اليوم؛ إذ غالبًا ما تحتاج الحركاتُ اللاهوتيّة، مثل الكلفينيّة الجديدة، إلى الجدل اللاهوتي من أجل أن تُحدِّد بدقّة ما تؤمن به حقًّا. ولنا في جوناثان إدواردز عبرةٌ واضحة؛ ذلك اللاهوتيّ الكلفينيّ الذي يُعَدّ أعظم لاهوتيٍّ أنجبته الولايات المتّحدة على الإطلاق، إذ ما كان ليبلغ تلك المنزلة الرفيعة لولا السجالات اللاهوتيّة التي خاضها تحت ضغطٍ من الأرمينيّين وغيرهم من النقّاد.
تتمثّل لبّ حجّة أولسون ضدّ الكلفينيّة في أنّ مبادئها الأساسيّة بحسب رأيه تُسيء إلى شخصيّة الله وصفاته. وانطلاقًا من الاختصار الشهير لعقائد اللاهوت المُصلَح (TULIP)، يرى أولسون أنّ العقائدَ الثلاثَ الوسطى هي الأكثر إشكاليّة، وهي: الاختيار غير المشروط، والكفّارة المحدودة (التي يفضّل كثيرٌ من الكلفينيّين تسميتها بالكفّارة الفعّالة)، والنعمة التي لا تُقاوَم.
وفي المقابل، يبدو أولسون أكثر تصالحًا مع مبدأ الفساد الكلّي، بمعنى أنّ الخطيّة قد أفسدت شتّى جوانب الحياة البشريّة، كما يظهر قابلًا بمبدأ ثبات القدّيسين من دون أدنى ارتياب. غير أنّه يرى من غير المنطقي الجزم بأنّ الله محبّة مع الاعتقاد، في الوقت نفسه، بأنّه يحصر هبة الخلاص في المختارين فقط.
لا أظنّ أنّ معظم الكلفينيّين سيجدون هذه الحجّة مُقنِعة؛ إذ يبدو أولسون وكأنّه يُصِرّ على أنّ الله ينبغي أن يُثبِت محبّته بطريقةٍ تتوافق مع الحساسيّات المعاصرة حول معنى المحبّة. ولا شكّ أنّ أولسون يؤمن بالكتاب المقدّس، غير أنّه يمنح وزنًا كبيرًا أيضًا لسلطة مفاهيم العدالة والإنصاف كما تبلورت في مطلع القرن الحادي والعشرين.
وفي المقابل، سيؤكّد الكلفينيّون أنّ الله مختلفٌ جوهريًّا عنّا، وأنّه لا ينبغي لنا أن نتوقّع فهمَ طرقه فهمًا كاملًا. أمّا أولسون، فيرى أنّ الإحالة إلى سريّة مقاصد الله ليست سوى تهرّبٍ من الإشكال، ولذلك يوجّه نقدًا متكرّرًا ولا سيّما إلى جون بايبر، بسبب لجوئه إلى تعقيد الدوافع الإلهيّة المُعلَنة كتابيًّا. (واللافت أنّني، على نحوٍ غير متوقّع، وجدتُ نفسي أكثر تعاطفًا مع بايبر بعد قراءة هذا الكتاب).
غير أنّ ما يُقلِق أولسون حقًّا هو الإشكال الأوسع المتمثّل في أنّ عقيدة سيادة الله الدقيقة والشاملة توحي بحسب رأيه بأنّ الله هو مصدرُ الشرّ والخطيّة. ومن هنا، يسعى أولسون حثيثًا إلى رسم خطٍّ فاصلٍ وحاسم بين سماح الله بوقوع الشرور والمآسي، وبين تسبُّبه المباشر بها. غير أنّ هذا التمييز، مرّةً أخرى، يبدو غيرَ مُقنِع على نحوٍ خاص، إذ يظهر وكأنّه مجرّد تلاعبٍ بالألفاظ.
فكلّ من يؤمن بأنّ الله كُلّيُّ العلم بالمستقبل (وهي عقيدةٌ بدأ بعض اللاهوتيّين يشكّكون فيها اليوم) وبأنّه خالقُ كلّ شيء، لا بدّ له بالضرورة من مواجهة حقيقة أنّ الله قد مضى في خلق الكون وهو يعلم يقينًا أنّ الخطيّة والمعاناة ستقعان فيه.
يذهب أولسون إلى أبعد من ذلك، إذ يُصِرّ على أنّ الكلفينيّين يتجاهلون الفظائع المروِّعة التي تقع في هذا العالم (مثل الهولوكوست، والاعتداءات على الأطفال، والأمراض التي تفتك بالصغار) حين يترنّمون بابتهاج بـ”سيادة الله”. غير أنّ تصوّر أولسون القائل بأنّ الله الخالق قد “سمح” بوقوع الشرّ والمعاناة لا يقدّم حلًّا لمعضلة العدالة الإلهيّة يفوق في كفايته ما تقدّمه الكلفينيّة.
فحتّى بعد الانتهاء من قراءة هذا الكتاب، يظلّ السؤال قائمًا: لماذا يخلق إلهٌ صالحٌ الكونَ وهو يعلم مقدار الألم الهائل والظلم الذي سيقع على البشر بمجرّد عصيانهم بالأكل من الشجرة المُحرَّمة؟
ويبدو أنّ أولسون يُفَضِّل التصوّر القائل بأنّ الله خلق عالمًا كان يعلم أنّه سيسقط، من دون أن يكون لديه قصدٌ معيّن من وراء ذلك الفعل. أمّا الكلفينيّون فيُفَضِّلون النظر إلى التاريخ كلّه بوصفه ذا غايةٍ ومعنى، مهما بدا ذلك غامضًا لعقولنا القاصرة؛ إذ يؤمنون بأنّ جميع الأشياء (سواء أكانت بسماحٍ إلهي أم بتدبيرٍ مُسبق) تؤول في النهاية إلى مجد الله.
وبصورةٍ عامّة، يطرح كتاب أولسون (ضدّ الكلفينيّة) الانتقاداتِ الأرمينيّة للكلفينيّة بأسلوبٍ مُحكَمٍ ومنطقيّ، بحيث سيجد فيه حتّى أكثرُ الكلفينيّين تمسّكًا بمذهبهم مادّةً نافعة. فالكتاب جديرٌ بالقراءة، سواء من قِبَل أولئك الذين استعادوا حيويّة إيمانهم بفضل الكلفينيّة، أو من قِبَل الذين تراودهم شكوكٌ حول معتقداتها.
إنّ الكلفينيّة تعيش اليوم أزهى عصورها، غير أنّه ينبغي على الكلفينيّين الجدد أن يتذكّروا أنّ ثمّة تقليدًا أرمينيًّا راسخًا وقويًّا لا يجوز الاكتفاء بازدرائه أو تجاهله، بل يجب مواجهته والردّ عليه بجدّيّةٍ ولاهوتٍ مسؤول.

