الإنجيل العلاجيّ: كيف أثّر علم النفس على فهمنا ووعظنا بالإنجيل؟

أتدري ما هو أشهر فصل في كل الأدب الغربيّ يمكنه أن يُصوّر لنا جاذبية “الإنجيل العلاجيّ”؟

يحمل أحد فصول كتابه الأشهر “الإخوة كارامازوف” عنوان “المُحقق الكبير”، والذي فيه يتخيّل فيودور دوستويفسكي أن المسيح عاد إلى إسبانيا في القرن السادس عشر. ولكن السُلُطات لم تُرحّب به، وتم القبض عليه وسجنه والحُكم عليه بالموت من قِبَل كاردينال إشبيليّة. والسبب هو أن الكنيسة غيّرت مسارها. فقد قررت تحقيق رغبات الإنسان الفطريّة، بدلًا من دعوة الناس إلى التوبة. قررت جعل رسالتها تتماشى مع الاحتياجات الحسيّة، عوضًا عن التركيز على حرية الإيمان التي تعمل من خلال المحبة. فقد بدى أن يسوع ورسالته أمور صعبة للغاية على النفوس الضعيفة، فقد قررت الكنيسة توسيع الطريق الضيّق الذي رسمه المسيح.

كان المُحقق الكبير، الذي يُمثل صوت تلك الكنيسة الضالة، يستجوب يسوع في زنزانته. وقد اتخذ صف المُجرّب والأسئلة الثلاث التي طرحها على يسوع في البرية قبل عدة قرون مضت. وصرّح قائلًا إن الكنيسة ستُقدم لشعبها خبزًا أرضيًا وليس سماويًا. كما ستُقدم العجائب والمعجزات بدلًا مِن أن تُقدم الإيمان بكلمة الله. وستُمارس سُلطة أرضية زمنية بدلًا مِن أن تدعو الناس إلى الحرية. باختصار، قال المُحقق ليسوع: “لقد أصلحنا عملك”!

إن إنجيل المُحقق الذي نقرأ عنه في رواية دوستويفسكي هو ذاته الإنجيل العلاجيّ! هذا الإنجيل الآخر الذي أساسهُ هو إعطاء الناس ما يرغبون فيه، وليس تغيير تلك الرغبات! وهو متمركز بشكلٍ أساسيّ حول رفاهيّة الإنسان وسعادتهُ الوقتية، متغاضيًا عن مجد الله الذي في المسيح. ومتجاهلًا الطريق الضيق والصعب الذي يجلب نضجًا إنسانيًا عميقًا وفرحًا أبديًا لنا. كما يقبل ذلك الإنجيل نقاط ضعف البشر وخطاياهم، ويسعى إلى إخفائها والتخفيف من قبحها وفداحتها. ويأخذ فساد الطبيعة البشرية كأمر مُسلم به يجب قبوله، معتقدًا أن الطبيعة البشرية يصعُب تغييرها. إنه إنجيل لا يحتاج أن يأتي ملك السماء إلى أرضنا. ولا يسعى إلى تغيير قلوب الناس ليحبوا الله حقًا من خلال إدراك من هو المسيح، وطبيعته، أو عمله.

الإنجيل العلاجيّ المعاصر

بكل تأكيد، تختلف احتياجاتنا الحسيّة الفطرية اليوم عن تلك الاحتياجات التي تحدث عنها دوستويفسكي في كتابه الأشهر. فنحن نتعامل مع حصولنا على الغذاء، ومع والاستقرار السياسي على أنها أمور مُسلّم بها. كما استبدلنا سعينا وراء المعجزات بعجائب التكنولوجيا. فأصبحت احتياجاتنا اليوم أكثر رفاهة، وأصبحنا أكثر حساسيّة تجاه مصلحتنا الذاتية:

فأنا أريد أن أشعر بأني محبوب على طبيعتي، وأن من حولي يُشفقون عليّ بسبب كل ما عانيت منه. أريد أن أشعر بأن هناك من يفهمني بعمق. أحتاج أن يُقَدم لي قبول غير مشروط.

أريد أن أشعر بأهميتي وبأن لحياتي مغزى وهدف. أحتاج أن أكون ناجحًا في حياتي المهنية، وأن أشعر أن لحياتي أهمية، وبأني مؤثر أينما ذهبت.

أُريد أن أنال تقدير لذاتي، كيما أشعر أنني بخير، ولأكون قادر على التعبير والتأكيد على آرائي ورغباتي.

أُريد أن أستمتع، وأن أشعر بسعادة تملئني مِن خلال التدفق اللامتناهي للعروض التي تبهج عيني وتدغدغ أذنيّ.

أُريد أن أشعر بالحماس، والعاطفة، والإثارة، والمُغامرة، حتى أشعر أنني أحيا حياة مُثيرة ومُنطلقة.

تستمد هذه النسخة المعاصرة مِن الإنجيل العلاجيّ المُقدم لنا اليوم من هذه القائمة الطويلة مِن الرغبات والاحتياجات. يُمكننا القول إن هذا الإنجيل يخاطب في الأساس احتياجات الناس النفسيّة، وليست الاحتياجات الجسدية التي تظهر مِن خلال العيش في ظروف اجتماعية صعبة. أي أنه يمكننا القول بأن إنجيل “الرخاء والصحة والثروة” والهوس الحاضر بالآيات و”المعجزات” يُشبهان النسخة القديمة من الإنجيل العلاجيّ الذي يطرحه دوستويفسكي في المُحقق الكبير.

بحسب هذا الإنجيل الجديد، لا تستدعي “الشرور” العظيمة التي يجب إصلاحها أي تغيير جوهري في اتجاه قلب الإنسان. إذ يدعي أرباب هذا الإنجيل أن جذور المشكلة تكمن في الأساس في الشعور بالرفض مِن الآخرين؛ وفي خبرات قسوة الحياة المؤذية؛ وفي الشعور بالذنب وإدانة الذات وعدم الثقة في النفس.

تلك هي الاحتياجات اليومية التي يزعم ذلك الإنجيل بأنها “مهمة” ويسعى إلى إشباعها. في نظرهم، إن يسوع والكنيسة موجودان ليُشعروني بأني محبوب، ومهم، ومؤيّد، ولإمتاعي، وتشجيعي. يستهين ذلك الإنجيل بحالة الإنسان المؤسفة ويسعى ليجعلك تشعر بتحسن حيال ذاتك. إن أساس منطق ذلك الإنجيل هو “المسيح الذي لي أنا”، الذي يُلبي رغباتي الفردية ويُخفف من آلامي الجسديّة.

إن النظرة العلاجية ليست شيئًا سيئًا إذا وضعناها في مكانها الصحيح. فبحكم تعريفها، إن النظرة الطبية العلاجية تهتم في الأساس بمشاكل الآلام الجسدية. فأنت لن تدعو أحدًا ليتوب عن سرطان القولون، أو كسر في العظام. بل ستسعى لعلاجه.

ولكن في الإنجيل العلاجيّ الذي يُقدّم اليوم، يمتد تعريف النظرة الطبيّة لتشمل الرغبات النفسية. يتم تعريف تلك الاحتياجات تمامًا كما تُعَرف المشاكل الطبية. إن كنت تشعر بالسوء لأي سببٍ كان، فإن العلاج النفسيّ سيُشعرك بالتحسن.

فإن تعريفهم للمرض يتجاهل قلب الإنسان الفاسد. أنت لست مسؤولًا، بأي شكل مِن الأشكال، عن أعمق مشاكلك، ولكنك مجرد ضحية تُعاني مِن احتياجات غير مُسددة. كما يغيب عن سكة التعافي التي يقدمونها ذلك المُخلّص الذي حَمَل خطايانا. فالقضيّة في رأيهم ليست في التوبة عن الخطية، وعن الشر والإرادة الشريرة. كما أن الخطاة غير مدعوين إلى تغيير مسار حياتهم وأن يحيوا بطريقة مختلفة، بل أن يقبلوا أنفسهم كما هم.

يُؤله ذلك الإنجيل حب الذات. وفي منطقه يسمو تركيزك على حب نفسك فوق محبة الله والآخرين. قد يذكُر ذلك الإنجيل اسم “يسوع”، ولكن إن نظرت بدقة ستجد أنه يُحوله إلى مُلبي احتياجات؛ مجرّد مُساعد وليس مُخلصك مِن خطاياك. إنه يُغير مِن عمل المسيح، بل ويُفكك أساس الإنجيل أيضًا.

الإنجيل الكامل الوحيد

إن الإنجيل الحقيقي هو الأخبار السارة عن الكلمة المُتجسد، المُخلص الذي حَمَل عنا خطايانا، رب الأرباب المُقام مِن الأموات: “[أنا هو] الحَيُّ. وكُنتُ مَيتًا، وها أنا حَيٌّ إلَى أبدِ الآبِدينَ!” (الرؤيا 1: 18). إن هذا المُخلص يقلب العالم كل رأسًا على عقب. كما يُغير الروح القُدُس مفهومنا عن الاحتياجات الحسيّة نتيجة تأثير وقوة حضورهُ فينا. ولأن مخافة الرب هي أساس الحكمة، فإننا نُدرك، حين يظهر الله في المشهد، بأن هناك مجموعة أخرى مختلفة مِن الاحتياجات. فيستبدل رغباتنا الفطرية (في الأغلب بالتدريج) بالوعي المُتزايد لاحتياجاتنا الحقيقية:

إني في احتياج دائم لرحمة الله قبل أي شيء آخر: “اِرْحَمْنِي يَا اَللهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ”، “مِنْ أَجْلِ اسْمِكَ يَا رَبُّ اغْفِرْ إِثْمِي لأَنَّهُ عَظِيمٌ” (مزمور 1:51؛ 11:25).

أحتاج أن أقتني الحكمة، وأن أتخلّص مِن انشغالي الدائم بذاتي: “هِيَ أَثْمَنُ مِنَ الَّلآلِئِ، وَكُلُّ جَوَاهِرِكَ لاَ تُسَاوِيهَا” (أمثال 15:3).

أحتاج أن أتعلم أن أحب الله وأحب قريبي بصدق: “وأمّا غايَةُ الوَصيَّةِ فهي المَحَبَّةُ مِنْ قَلبٍ طاهِرٍ، وضَميرٍ صالِحٍ، وإيمانٍ بلا رياءٍ” (تيموثاوس الأولى 5:1).

أن أشتاق أن يتقدّس اسم الرب، وأن يأتي ملكوته، وأن تكن مشيئته على الأرض.

أريد أن يُرى مجد المسيح، ولطفه، وصلاحه على الأرض، وأن يملأها كلها كما يملأ الماء المحيطات.

أنا محتاج أن يُغيّرني الله مما أنا عليه بسبب طبيعتي، واختياراتي، وممارساتي.

أحتاجه ليُخلصني مِن ذلك الهوس بالبر الذاتيّ، وليقتل كل رغباتي لتبرير نفسي، حتى أتمكّن من الشعور بعمق حاجتي للرحمة التي لي في المسيح، وحتى أتعلم أن أتعامل بلطف مع الآخرين.

أحتاج يد الله القديرة والحانية التي تجعلني أريد وأفعل تلك الأشياء التي تدوم إلى الحياة الأبدية، عوضًا عن إهدار أيام حياتي سُدى.

أريد أن أتعلم كيف أحتمل التجارب والصعاب وأن يكون قلبي مليء بالرجاء، وانتظر حتى يعمّق إيماني ويتطهر.

أحتاج ـن أتعلم كيف أعبد بحق، وكيف أبتهج، وأضع ثقتي في الله، وأشكرهُ، وأتضرع وأصرخ وألجأ إليه، وأن يكون كل رجائي فيه.

أحتاج القيامة: “نَحنُ أنفُسُنا أيضًا نَئنُّ في أنفُسِنا، مُتَوَقِّعينَ التَّبَنّيَ فِداءَ أجسادِنا”.

أحتاج شخص الله نفسه: “أرني مجدك”؛ “مَارَانْ أَثَا”؛ “آمين. تعال، أيها الرب يسوع”.

يا أبو الرحمة، حقق ذلك! أيها فادي من كل ما هو ظلام ومحطّم، استجب!

تعبر الصلاة عن رغباتنا العميقة، وعن شعورنا بالاحتياج. كما تعبر الترانيم عن ابتهاجنا بالله وامتناننا له. وتعبر أيضًا عن مفهومنا بمَن هو الله وما يُقدمه لنا. ولكن لا تتبع أي صلوات أو ترانيم في الكتاب المقدّس الاحتياجات النفسية التي نسمعها تُردد من فوق منابر كنائسنا اليوم. تخيل إن كنا نُصلي قائلين، “أبانا الذي في السماوات، ساعدني أن أقبل نفسي كما أنا. احميني اليوم مِن الاضطرار لفعل أشياء قد تصيبني بالملل.” أو “هللويا، ليس لي مثيل، وكل ما أفعله له تأثير حقيقي على الأخرين، لذلك يُمكنني أن أشعر بالرضا عن حياتي.” أمام مثل هذه الصلوات، لا يسعني سوى أن أتضرّع قائلًا: نجنا يا الله مِن مثل هذه الصلوات! ولكن، بدلًا مِن ذلك، نجد في الكتاب المقدّس الكثير مِن صرخات الاحتياج والابتهاج تقودنا نحو احتياجنا الحقيقي والوحيد، مُخلصنا يسوع المسيح.

عطايا صالحة، وآلهة باطلة

إذا فهمنا بشكل صحيح احتياجاتنا وفسرناها بدقة، سنكتشف أنها عطايا صالحة، ولكن آلهة ضعيفة! اسعى نحو الأشياء الأساسية أولًا. أطلب أولًا ملكوت الله وبرهُ، وكل هذه العطايا الأخرى ستُزاد لك.

مِن السهل ملاحظة ذلك مِن خلال العطايا الثلاثة التي يُقدمها الإنجيل العلاجيّ بحسب المُحقق الكبير. إنه لأمر جيد أن يكون لدينا مصدر ثابت للطعام “خُبزَنا كفافَنا أعطِنا اليومَ” (متى 6: 11). يطلب جميع الناس في كل مكان الطعام والماء واللباس (متى 6: 32). أبانا يعرف احتياجاتنا جميعها، ولكن يدعونا لنطلب ملكوته أولًا. نحن لا نحيا بالخبز وحده، بل بكل كلمة تخرج مِن فم إلهنا. إذا عبدنا احتياجاتنا الجسدية، سنموت. ولكن إذا عبدنا الله، الذي هو أساس كل عطية صالحة، سنحيا دائمًا في شكر لكل ما يُقدمه لنا؛ وسيظل لدينا رجاء حتى إذا عانينا مِن نق في احتياج ما، وسنشبع مِن المائدة الأبدية التي يُقدمها لنا.

إن الشعور بالدهشة والانبهار أمر جيد أيضًا. ولكن يجب أن نحذر مِن الوقوع في فخ اعتقاد أن الله هو ذلك ساحر السِرك، الذي يعمل العجائب بلا هدف، فقط مِن أجل الإبهار والامتاع. رفض يسوع عمل عرض معجزات واستعراض قوته ليُظهر ذاته وسط حشود الهيكل. لعلنا نرى أن خضوعه التام واليوميّ لله هو الأعجوبة الأسمى! اسع نحو الأشياء الأساسية أولًا، ثم سترى مجد الله في الأشياء الصغيرة كما في الأشياء العظيمة. وفي النهاية، ستعرف كل العجائب والأسرار، سواء ما يحدث (الرؤيا 4) أو ما قد حدث (الرؤيا 5). ستعرف الله غير المُدرك، خالقنا وفادينا، الذي اسمهُ عجيب!

وبالمثل، فإن الاستقرار السياسيّ عطية جيدة أيضًا. علينا بكل تأكيد أن نُصلي مِن أجل السُلطات كيما تحكم بعدل، حتى نقضي حياة هادئة مطمئنة (تيموثاوس الأولى 2: 2). ولكن إذا عشت مِن أجل تحقيق العدالة في المجتمع، سيخيب أملك دائمًا. مرة أخرى أطلب أولًا ملكوت الله، واعمل مِن أجل تحقيق نظام اجتماعيّ عادل، واستمتع بالقدر الذي يُمكن تحقيقهُ الآن، ولتُدرك دائمًا أنك يجب أن تكون مستعدًا لتحمل الظلم. ولكن في النهاية، ستعرف، يوم ما، الفرح الحقيقي الذي لا يوصف عندما يخضع الجميع لسيادة الملك الحقيقي.

نعرف جميعًا، بلا شك، أن الله يعطي عطايا صالحة، ولكن يجب أن نتيقن أيضًا أنه يُعطي ما هو أفضل؛ العطية التي تفوق كل العطايا الأخرى. لقد حاول المُحقق الكبير أن يفوز بحجته على المسيح ليمحو ذكر العطية الحقيقية ومُعطيها أيضًا. لقد اختار أن يُعطي الناس عطايا جيدة، ولكن تغاضى عن الأشياء التي بالحقيقة يجب أن تكون أولًا.

ولكن تشخيص الإنجيل العلاجيّ المعاصر وتحديد كافة الأشياء التي يقدمها لنا قد يكون أمرًا صعبًا. ولكن على الأقل، يمكننا أن نشتم رائحة الرغبات الذاتية والهوس بالذات وهي تفوح من قائمة الرغبات التي تقول “أريد ______”. ولكن حتى تلك الرغبات، إذا أعدنا صياغتها وتفسيرها بعناية، سنجد إنها تُشير إلى عطايا جيدة. ففي الواقع، يسعى كل “إنجيل آخر” (غلاطية 1: 6) أن يكون معقولًا بتقديمهُ قطع مكعبات صغيرة من الواقع، ولكن حين توضع معًا، تتشكّل بُنية تُناقض الحق المعلن!

كانت تجربة الشيطان لآدم وحواء معقولة جدًا، لأنها تضمنت عناصر واقعية بدت وكأنها تُشير إلى الحق، ولكنها كانت بعيدة كل البُعد عنه: “انظر كم تبدو الشجرة جميلة للنظر وشهية للأكل. إن الله عالم بأنه بإمكانك اكتشاف الخير والشر بمجرّد أن تذوق منها. لذا، مِن الممكن أن تكون نتيجة اختيارك هي الحياة وليس الموت. فكما أن الله حكيم، يُمكنك أن تصير مثله. تعال الآن وكُل.” قد تبدو كلمات الحيّة معقولة ومنطقيّة جدًا، ولكنها في الواقع أبعد ما يكون عن الحق.

تأمل العناصر الخمس التي حددناها في الإنجيل العلاجيّ:

1. “الاحتياج إلى الحب”؟

مِن المؤكد أنه لأمر رائع أن تشعر أنك معروف ومحبوب أيضًا. إن الله الذي يفحص القلوب والنوايا يُحبنا محبة ثابتة لا تتغير. ولكن، هذا يختلف اختلافًا جذريًا عن رغبتنا الفطرية الفاسدة في أن يقبلنا الله كما نحن. الله يُحبني محبة واضحة وشخصية بالرغم مِمَن أكون. إننا مقبولون بسبب شخص المسيح، وعمله الذي فعله في الماضي، ولا يزال يفعله، وسيفعله في المستقبل أيضًا. إن الله يقبلك بحق، وإن كان هو معك، فمَن عليك؟ ولكنه في كل هذا لا يؤيد أو يوافق على ما نحن عليه، بل يبدأ في تغيرنا إلى أشخاص مختلفين تمامًا. بحسب الإنجيل الحقيقيّ والوحيد تعرف وتتيقن من أنك محبوب حقًا، ويتضاءل أمام هذه الحقيقة “الجوع إلى الحب”.

2. “الاحتياج إلى الشعور بالأهمية”؟

بلا شك ما من شيء أروع من أن تَثبت أعمال يديك في النهاية وتكون بحسب مقاييس الله: ذهب وفضة وحجارة الكريمة، وليست خشب وعشب وقش. إنه بحق أمر رائع أن كل ما نفعله بحياتنا يكون مهمًا، وأن تتبعنا أعمالنا في الأبديّة. ولكن الإنجيل الحقيقيّ يقلب ترتيب الأشياء التي يدعيها الإنجيل العلاجيّ رأسًا على عقب. فالرغبة في عمل تأثير واشتياقنا للشعور بالأهمية هي واحدة مِن “الشهوات الشبابية” التقليدية التي تفور داخلنا، وهي في الأساس رغبة وثنية تُسيطر على قلب الإنسان. والله ليس مسؤول عن تلبية حاجتك للشعور بالأهمية؛ ولكنه مسؤول عن تلبية احتياجك الحقيقيّ للرحمة وأن يُنجيك مِن هوسك بأهميتك الشخصية. وعندما تتحرر مِن العبوديّة للخطيّة وتعود إلى الله، عندها فقط يكون لأعمالك قيمة. فلم يُصمَمَ إنجيل يسوع وثمر الإيمان به (أي الأعمال الصالحة) “لتسديد احتياجاتك”. بل هو في الأساس يُحررك مِن طغيان احتياجاتك، ويضع في قلبك مخافة الله ويُساعدك لتحفظ وصاياه (الجامعة 12: 13). مِن المُبدع في النعمة الإلهية، أن هذا وحده ما يُعطي قيمة حقيقية دائمة لكل ما تفعلهُ بحياتك.

3. “الاحتياج إلى تقدير الذات والثقة بالنفس”؟

إن اكتساب الثقة في هويتك أمر عظيم. نقرأ في رسالة أفسس تصريحات كثيرة عن هويتنا الجديدة في المسيح، والتي يستخدمها الروح القُدُس ليُشجعنا على أن نحيا حياة شجاعة ملؤها الإيمان والمحبة. فقد صرنا ملكًا لله، قديسين، مُختارين، أبناء بالتبني، أولاد أحباء، أهل بيته، عبيدهُ، وجنودهُ؛ عاملين معه، وجزء مِن عروسه، ومسكنهُ. كل جانب من جوانب هويتك هذه أساسه هو أنك في المسيح، وليس ذاتك، ولا يهدف لتغذية تقديرك لذاتك. إن رأيك في نفسك هو أقل أهميّة بكثير من رأي الله فيك، وتقييم ذواتنا الحقيقيّ ينبع من تقييم الله لنا. والله هو أساس هويتنا ومرجعيَّتها. ووعينا الذاتي الحقيقيّ يرتبط بمدى تقديرنا للمسيح. وفي الحقيقة، تزداد ثقتنا وتقديرنا للمسيح بمقدار إدراكنا ووعينا بمدى فشلنا وعدم ثقتنا في ذواتنا. في الواقع، إن سعينا لإثبات آرائنا ورغباتنا المتحجرة، يجعلنا حمقى. فقط عندما تحررنا مِن طغيان رغباتنا وآرائنا، يُمكننا أن نُقيمها بتدقيق، ثم نقدر أن نعبر عنها بالشكل المناسب.

4. “الاحتياج إلى الشعور بالمتعة”؟

في الواقع، يقدم لنا الإنجيل الحقيقيّ وعد باختبار فرح عميق بلا حدود، فيه نشرب مِن نهر نِعَم ومُتع الله (مزمور 36). هذا في الأساس وصف لمحضر الله. ولكن كما رأينا في النقاط السابقة، فإن ما يقدمه الإنجيل الحقيقيّ هو تغيير لرغباتنا الفطرية، وليس سعيًا لإشباعها. إن طريق الفرح الحقيقيّ هو طريق مليء بالضيقات، والتحمل، والطاعة في الأمور الصغيرة، والاستعداد للتعامل مع أسى الفساد البشري، والاستعداد للتخلص مِن أكثر رغباتنا وشهواتنا إلحاحًا. إننا لسنا في حاجة للترفيه، ولكننا في أشد الحاجة لنتعلم كيف نقدم عبادة صادقة مِن كل قلوبنا.

5. “الاحتياج إلى الشعور بالمغامرة والإثارة”؟

إن مشاركتك في ملكوت المسيح يتضمن أن لك دور في قصة أعظم مغامرة على الإطلاق. إن مفارقة قصة الفداء أنها تقلب العالم رأسًا على عقب. إذ تأخذ المغامرة الكتابيّة الحقيقيّة طريق الضعف، والصراع، والتحمل، والصبر، بل واللطف. كما أن الطريق إلى الحكمة غير مبهر. فقد يقضي مَن حولك عطلات في أماكن أفخم مِن التي ترتادها، وقد يكون زواجهم مفعم بالحماس أكثر مِن زواجك. ولكن، تستدعي تبعية يسوع شجاعة وخضوع أكثر من الإثارة. لقد كان على يسوع أن يخضع ويتحمل أكثر بكثير مما احتاج الإثارة وجذب الانتباه. وقد لا تُشبع مملكتهُ رغباتنا في المغامرة والإثارة، ولكن الأفراح الصلبة والكنز الذي يدوم لا يدركه سوى أولاد الله.

نحن نشكر ونقبل كل هذه العطايا والأمور الصالحة، ولكن يجب أن نرتب أولوياتنا بشكل صحيح. فبينما يضع الإنجيل العلاجيّ المعاصر قائمة رغباتنا في المقدمة، ويُشجعنا على التركيز وانتظار العطيّة؛ ماحي بذلك تركيز عبادتنا على المُعطي. الذي يُقدم لنا العطية الأعظم؛ إذ يرحمنا مِما نُريده بالفطرة، ويدعونا لنتوب توبة حقيقية. أن الإنجيل العلاجيّ يتعامل مع الله على أنه مصباح علاء الدين الذي تتركز مهمته في إشباع رغباتك الشاردة. يجب أن تظل هذه الأمور الثانوية تحت خدمة وسيادة الرب الذي له الأولويّة.

دعونا نراجع أولويات حياتنا. ولنتبع الإنجيل الذي مركزهُ تجّسُد ابن الله، وصلبه، وقيامته، ومجده. لنحيا إنجيل التوبة، والإيمان، والتغيّر لنصير مشابهين صورة ابن الله. أعلن إنجيل يوم المسيح الآتي الذي فيه ستُعلن الحياة الأبدية والموت الأبدي.

أي إنجيل نتبع؟

أي إنجيل ستختار؟ أي إنجيل ستُعلنه في خدمتك وتكرز به؟ ما هي الاحتياجات التي ستشير إليها وتخاطبها في حياة الآخرين؟ أي مسيح ستختار ليكون هو مسيح كنيستك؟ هل ستختار الصورة المزيفة التي للمسيح الذي يُشبع الاحتياجات والرغبات فحسب؟ أم ستختار المسيح الذي يقلب العالم رأساً على عقب ويصنع كل شيءٍ جديدًا؟

كان المُحقق الكبير مترفق للغاية باحتياجات الإنسان، وشديد التعاطف مع الأشياء التي يبحث عنها جميع الناس مِن أعماق قلوبهم، كما أنه كان متفهمًا جدًا لصعوبة تغيير أي شخص. ولكنه ظهر في النهاية أنه وحش مفترس!

هناك قول مأثور في خدمات الرحمة تقول: “إن كنت لا تسعى إلى تلبية احتياجات الناس الجسديّة، فأنت بلا قلب، ولكن إن كنت لا تُقدم لهم يسوع المصلوب، والمُقام، والذي سيأتي ثانيةً، فهم بلا رجاءّ!”

لقد أطعم يسوع الجياع خبزًا، لكنه قدّم أيضًا جسده المكسور كخبز الحياة الأبدية. إنه لأمر قاسٍ أن نترك الناس في نهاية المطاف في خطاياهم، مُستعبدين لرغباتهم الفطرية، في حالة ميؤوس منها، وتحت اللعنة.

قد يبدو الإنجيل العلاجي المعاصر رقيقًا وطيبًا في البداية، بل وحساس لآلام الناس وخيبة أملهم. لكنه في النهاية، يظهر على حقيقته القاسية والتي ليس للمسيح مكان فيها. إنه لا يُعزز معرفة ذواتنا الحقيقية، ولا يُعيد صياغة مبادئ العالم، ولا يخلق صلاة أو يُشجع على عبادة حقيقيّة بالروح والحق.

إن هدف هذا المقال لا أن نكون أقل حساسيّة تجاه احتياجاتنا واحتياجات الآخرين، وإنما هي دعوة لنكون أكثر تمييزًا. يقلب يسوع احتياجاتنا البشرية رأسًا على عقب، ويُخرج مِن قلبها صلوات. إنه هو عطيتنا الحقيقية التي لا توصف، والتي تخلق فينا ترانيم وعبادة صادقة. وهو وحده مُعطي ومصدر كل العطايا الصالحة، مِن الآن وإلى الأبد. فلتنحني له وحده كل ركبة، ولتُسبح كل نسمة اسم الرب إلهنا.


تم نشر هذا المقال أولًا على موقع 9Marks

شارك مع أصدقائك

ديفيد بوليسون

عمل كالمدير التنفيذي في مؤسسة المشورة والتعليم المسيحيّ، والتدريس في كليّة وستمنستر للاهوت. كما أنه قام بتحرير دوريّة المشورة الكتابيّة.