الصوابية السياسية؛ مقال ليس سياسيًا

“لا تتحدّث هكذا” كانت يومًا صرخةَ أبٍ في وجه ابنه العاصي لتهذيبه، أمّا الآن فقد صارت صرخةَ الجميع، في وجه الجميع، حتى لو لم يكونوا آباء، ولا مهذّبين. لم يعد العالم يعاني من قسوة فظّة بقدر ما يعاني من قسوة مهذّبة؛ ترتدي بدلة لغوية أنيقة، وتتحدث عن العدالة وهي تمحو بابتسامة صفراء معناها كلمةً كلمة. بدون ربطة عنق. لم يعد العالم يخاف من الشر كما كان، بل صار يخاف من تسميته شرًّا، حتى لو كان هذا هو اسمه الأصيل، الاسم الذي يحمل لقب العائلة.

صرّحت الممثلة الفرنسية بريجيت باردو، في حوار مع صحيفة إيطالية، بتصريحٍ وُصف بأنه صادم و”غير صائب سياسيًا”. قالت إن جائحة كورونا يمكن اعتبارها أمرًا إيجابيًا، لأن “عدد البشر كبير، وكوفيد يعيد ترتيب الطبيعة”. وأضافت أنها غير خائفة من الفيروس لأنها لا تخرج من منزلها وتعيش مع حيواناتها. وحين سُئلت عن الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، لم تُخفِ ضيقها، بل أعلنت تأييدها لحكومة استبدادية “تنظّم هذه الفوضى”. المثير في الأمر لم يكن مضمون التصريحات، بل طريقة تلقّيها. لم تُناقَش الأفكار في ذاتها، بل أُدينت اللغة. وُصفت الكلمات بأنها: غير لائقة، غير حسّاسة، أو “غير صائبة سياسيًا”. وهنا نصل إلى جوهر المسألة: لسنا أمام خلاف سياسي، بل أمام نظام أخلاقي لغوي جديد يُدعى: الصوابية السياسية.

قُل ولا تقُل

ظهر مصطلح Political Correctness أو الصوابيّة السياسيّة في أواخر ثمانينات القرن العشرين، بدعوى نبيلة: تجنّب الإساءة، مقاومة التهميش، حماية الفئات الضعيفة من التنمّر اللغوي، أو العنف اللفظي. ورُفع الشعار الشهير: قُل ولا تقُل. قل: ذو إعاقة – متحدّي إعاقة، ولا تقل: معاق – معوّق. قل: ذو متلازمة داون، ولا تقل: متخلّف عقليًا. قل: قصير القامة، ولا تقل: قزم. قل: كفيف، ولا تقل: أعمى. قل: ذو وزن زائد، ولا تقل: سمين. في البداية، بدت هذه المحاولة مقبولة، بل إنسانية. لكن المشكلة لم تكن في تهذيب اللغة، بل في المرحلة التالية: حين صار تغيير المصطلح بديلًا عن مواجهة الواقع. فلا تقل: شاذ جنسيًا، بل قل: مختلف الجنس. لا تقل: إجهاض، بل قل: موت بكرامة. لا تقل: خطأ، بل قل: مجرد اختلاف في وجهات النظر. يبدو أن اللغة لا تشفي الجراح، لكنها قد تُخدّر الإحساس بها. إن الكلمات ليست بريئة. لا تغيّر العالم مباشرة، لكنها تغيّر قدرتنا على رؤيته. حين نغيّر المصطلح دون أن نغيّر الواقع، نُطمئِن ضميرنا أننا فعلنا شيئًا، بينما لم نفعل سوى إعادة ترتيب الجُمل.

مشاعر الحمار

لم تتوقف الصوابية السياسية عند الخطاب اليومي، بل تسلّلت إلى الفن والإعلام. أعلنت أكاديمية الفنون السينمائية (الأوسكار) مجموعة من الشروط لترشيح أي فيلم للجائزة، من بينها:

  • وجود دور رئيسي واحد على الأقل يمثل جماعة غير ممثَّلة تمثيلًا كافيًا.
  • ألا تقل نسبة الأدوار الثانوية عن 30% لمجموعتين من هذه الفئات.
  • أن تدور القصة الرئيسية حول واحدة من هذه المجموعات، مثل: ذوي البشرة الملوّنة، ذوي الاحتياجات الخاصة، النساء، المثليين، والمتحولين جنسيًا.

لم يعد السؤال: هل الفيلم جيّد؟ بل: هل الفيلم مُستوفٍ للحصص الأخلاقية؟ أو لِنكن أكثر دقّة: للحصص اللاأخلاقية، من يدري؟ ولم يتوقّف الأمر عند كتابة سيناريوهات تُرضي لجان التفتيش، بل تجاوزه إلى حذف مشاهد من أفلام كلاسيكية ناجحة، لا لأنها كاذبة، بل لأنها -للأسف- صادقة أكثر مما يسمح به المزاج الأخلاقي المعاصر. وكمفارقة إضافية، دعت منظمة الدفاع عن حقوق الحيوان (PETA) إلى التوقّف عن تشبيه البشر بالحيوانات باعتباره إهانة، بحجّة أن هذه التشبيهات تعزّز أسطورة تفوّق الإنسان على الحيوان. فلا تنعت إنسانًا بالحمار، لا لأن الإنسان أسمى، بل حرصًا على ألّا تُجرَح مشاعر الحمار. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: حين نحاول ألّا نُهين أحدًا، ننتهي بإهانة الإنسان ذاته، لا لأنه أخطأ، بل لأنه تجرّأ أن يكون إنسانًا.

لقد وصل الحذر من مناقشة القضايا الجدلية -بحجّة إصلاحها- إلى حدّ الامتناع عن الحديث عنها أصلًا. لم نعد نخشى الخطأ بقدر ما نخشى الكلمة. وهكذا لم تُحلّ المشكلات، بل صمتنا عنها، فكبرت في الظل كما تكبر الأشياء التي نرفض النظر إليها في وضح النهار. بهذا المنطق، لم تُنقَذ الأقليات فقط، بل حُصّنت. لم يعد السؤال: هل نحن نظلم أحدًا؟ بل: هل استخدمنا الكلمة الصحيحة؟ لم يعد الهدف إزالة الظلم، بل إزالة الانزعاج. فصارت القوانين تحمي المشاعر أكثر مما تحمي الحقيقة، وتُطالِب الجميع أن يسيروا بحذر لغوي شديد، على حبال الكلمات، حتى لا يتعركل أحد في كلمة، ولو كان يجري في باطل.

المسيحية المتشائمة

قد يبدو كل هذا في ظاهره ترفًا ثقافيًا، جدلًا لغويًا لا يتجاوز صالات الفن وصفحات الجرائد. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين تكفّ الصوابية السياسية عن العبث بالكلمات، وتبدأ في العبث بالعقول، ثم -وهنا الكارثة- تدخل الكنيسة من الباب الخلفي. فالصوابية لا تكتفي بأن تُهذّب الألفاظ، بل تطمح، بابتسامة مهذّبة، إلى إعادة تعريف المعاني نفسها. وعند هذه النقطة تحديدًا، لا يعود السؤال: كيف نتكلم عن الخطية؟ بل: هل ما زال يُسمح لنا أن نؤمن بوجودها أصلًا؟

المسيحية تُتَّهَم كثيرًا بالتشاؤم حين تتحدث عن الخطية، لكنها في الحقيقة أكثر واقعية من كل التفاؤلات السطحية. فهي لا ترى الخطية زلّة يمكن مسحها بمنديل أخلاقي، ولا مرضًا يمكن التعايش معه بنظام غذائي روحي، بل تمرّدًا كاملًا على الله، نتج عنه انفصال وموت: موتٌ بدأ روحيًا، ولم يتأخر جسديًا. والموت، وهنا تكمن المشكلة، لا يُعالَج، ولا يُلطَّف، ولا يُعاد تعريفه؛ الموت يُدفن. ولهذا لا تقدّم المسيحية للإنسان دورة علاجية لتحسين السلوك، بل جنازة. لا تُقترح مسكنات للضمير، بل قبرًا فارغًا. فحين حاول الإنسان قديمًا أن يخفف فداحة الحقيقة، لم ينقش الأمل على الجدران، بل نقَش الأجساد على القبور، كأنما كان يقول: إن لم نستطع هزيمة الموت، فلنُجمِّله على الأقل.

فماذا إذًا؟ هل نكفّ عن الحديث باحترام؟ أم نكفّ عن الحديث من الأصل؟ المسيحية لا تقترح هذا ولا ذاك. إنها تقدّم حلًّا أكثر جذرية، وأقل تهذيبًا ورِقّة: الولادة الجديدة. لا بوصفها تحسينًا أخلاقيًا تدريجيًا، ولا حديثًا لطيفًا بعد تلعثم طويل، بل إحياءً حقيقيًا، قيامة بعد موت. ولهذا لم يكن الفداء خطاب تعاطف إنساني، بل حدثًا تاريخيًا. لم يكن رأيًا يُناقَش، بل واقعة تُغيِّر مسار الزمن. غير أن الصوابية السياسية، حين تسلّلت إلى التفكير اللاهوتي، لم تُلغِ هذا الخطاب، بل أفرغته. صار مكتوبًا بحبر أبيض على ورقة بيضاء، بدون قلم: موجود شكليًا، غائب فعليًا.

سقوط الأعمدة، أم سقوط التعريف؟

لم تُنكر الصوابية السياسية الخطية، لكنها لطّفتها؛ صارت الخطية “تعقيدًا إنسانيًا” دون عكس العبارة بالعامية “إنسان معقَّد”، والسقوط صار “رحلة شخصية” يُحضّر لها المرء أغراض الرحلة، والتوبة صارت “مساحة آمنة للنمو” دون أي تأمين للحياة من الأصل. وهكذا تحوّل الموت إلى مرض خفيف، والقبر إلى غرفة علاج، يتعايش فيها الموتى بأريحية، أو لعلّهم أحياء، لغويًا فقط. ومع هذه النظرة المخفَّفة للخطية، ظهرت عبارات من نوع: “صحيح أنه كان زانيًا وغير مخلص، لكنه لاهوتي عظيم وهدية للكنيسة” العبارة هنا ليست مجرد زلة أخلاقية، بل زلزال معرفي: تفصل اللاهوت عن الحياة، وتحوّل الإيمان إلى مجرد نظرية، والقداسة إلى هامش جانبي على صفحة المصطلح، دون معنى.

هذا اللاهوتي -بدون ذكر أسماء، أو لعله لكثرة الأسماء- مأساته الحقيقية ليست فقط السقوط الأخلاقي، بل محاولته تبرير السقوط لاهوتيًا. عاش علاقة آثمة مع مساعدته ودعاها للعيش مع أسرته؛ ليست مجرد جرأة، بل حدث يحتاج إلى شجاعة لغوية لا أجرؤ على كتابتها كاملة هنا! ولم تُختم الحكاية بتوبة، بل بإعادة صياغة المفاهيم. كتب معترفًا أن “تجربته” جعلته أكثر تساهلًا ورحمة، ثم أضاف لاحقًا: “لا يمكن أن يكون هذا عمل الشيطان فقط… لا أرى فرصة للتوقف”. وهنا تكمن الكارثة: المادة الخام للقداسة تُستخدم لتبرير النجاسة، ويصبح السقوط ليس مجرد سقوط، بل مشروعًا لاهوتيًا، محميًا بلغة اللباقة، بينما الواقع الصارخ يتعرض للإخفاء. وكأننا، بدلًا من محاربة الخطية، صرنا خبراء في تنظيفها بالمسطرة والقلم الرصاص؛ ننتج نسخة مهذّبة تكاد تبتسم، لكنها ليست سوى خربشات رمادية تكره الألوان. لا تُصلح اللوحة، بل تخدشها أكثر، في عالمٍ يحمل كثير من التجاعيد، تحت هذا التجميل الرحيم، الذي أراد أن يُريح الإنسان، فلم يفعل إلا أن أراح الشر، ومنحه مقعدًا مركزيًا في قلب العالم.

جحيم النوايا الحسنة

ليس هذا اللاهوتي حالة فريدة؛ فهناك كثيرون وقعوا في المنزلق ذاته، حين أخذوا بتأليف القصص في الأمور المتيقنة عندنا، ونسوا أن المشكلة ليست مجرد التأليف الخطأ، بل في تبريره لاهوتيًا. فالكنيسة لم تُبنَ على قديسين بلا عيوب، بل على تائبين. المشكلة تكمن حين يصبح اللاهوت أداة لتخفيف ثقل الخطية بدل فضحها. ليس لأن اللاهوت به ثغرات، بل لأن الثغرات الفاسدة لا يملؤها اللاهوت أبدًا. هكذا تسللت الصوابية السياسية إلى الكنيسة بهدوء. لم تأتِ لتنكر الإيمان، بل لجعله مريحًا. لم تحارب الحق، بل جعلته غير قابل للنطق. صار الخوف ليس من الخطية، بل من تسميتها؛ ليس من السقوط، بل من “الإساءة”. فرسم الكثير من الخدَّام طريقًا مليئًا بالفضائل الباهتة، التي لا يدوم أثرها، فتُضلِّل تابعيها. وهنا تتحقق مفارقة دانتي الشهيرة: “الطريق إلى الجحيم مليء بالنوايا الحسنة”. في الأخير أقول: ليس القلق في تصريحات الممثلة برجيت اصطلاحيًا، بل بما وراء المصطلح. تمامًا كما بدأت مقالتنا: لم يعد العالم يخاف من الشر، بل يخاف من تسميته، وها نحن نراه يتكرر في كل زاوية، في اللغة، في الفن، وفي التفكير. فحين تُهذَّب اللغة، يُترك الشر حرًا. أخطر ما في الصوابية السياسية أنها لا تطلب من الإنسان أن يكون صالحًا، بل أن يكون لبقًا. واللباقة لا تُخلّص أحدًا. فالشر لا يُهزم بتغيير اسمه، بل حين نسمّيه، ثم نموت عنه. وكل محاولة لتجميل الخطية، مهما بدت رحيمة، تنتهي دائمًا بإعلان غير مقصود، أو لعله مقصود، أو ربما الإثنين معًا: أن الإنسان أحقّ بالراحة من الحق، وبالقبول أكثر من التوبة. وهكذا، في هذا الممر الضيق بين الخلاص واللباقة، نكتشف الحقيقة الساخرة: الإنسان بلا خلاص ليس مجرد خطأ، بل هو معجزة مهذّبة، مضحكة نوعًا ما، بلا نهاية. وهذا بكل لطف، ليس إنسانية، بل إنسان بلا خلاص، مبتسمًا بلا سبب.

شارك مع أصدقائك

أمير عادل

مهندس معماري. كاتبٌ ومُزوِّد مقالات في عددٍ من المجلَّات والدَّوريَّات والمواقع الإلكترونيَّة. يدرس الآن درجة ماچستير الآداب في اللَّاهوت، قسم اللاهوت وتاريخ الكنيسة بكليَّة اللَّاهوت الإنجيلية المشيخية – القاهرة. صدر له ثلاثة كتبٍ، وكتابين قيد النشر. تجمع بين اللاهوت والفلسفة والأدب.