ماذا يقول الكتاب المقدس عن الأشباح؟ | أسئلة كتابية

لدى ثقافتنا العربيّة ميل قوي للخرافات المتوافقة مع التديُّن الشعبي الذي يؤمن بالأشباح وأماكن سكناهم، والمسيحيون بحاجة إلى التمييز في هذا الصدد.

وهذا ليس شيئًا جديدًا، لأنه بالفعل في العهد القديم، اختار الله شعبًا ليكون مختلفًا عن الأمم المجاورة، والتي كان لديها ميل إلى الإيمان بالخرافات، بسبب التصوف وتعدد الآلهة وتعاليم الأمم المحيطة بهم.[1] يقال اليوم أن الشبح هو “صورة شخص ميت، بحسب البعض، يظهر للأحياء”، وهذا هو المفهوم الذي آمنت به أيضا الأمم المذكورة في الكتاب المقدس.

تظهر كلمة شبح في بعض المقاطع الكتابيّة والتي سنتناولها هنا، وسنوضح كيف تُبيّن لنا الكلمة أن الأشباح لا وجود لها. الكتاب المقدس هو الترياق المضاد لسموم الإيمان بالخرافات.

لم تر العرافة التي قابلها شاول شبحًا

يقتبس البعض، عند الحديث عن الأشباح، القصة المذكورة في صموئيل الأول 28: 7-19 والتي طلب فيها الملك شاول من العرّافة إحضار روح صموئيل النبي من عالم الموتى. ولكن عند الفحص الدقيق لهذا المقطع الصعب، لا يمكننا القول أن من تكلم لشاول في هذا المشهد كان “شبح” كذلك الذي تتناوله الروايات الخرافيّة عن ذلك الكائن الشرير الذي يقوم بتخويف الأحياء.

وهناك عدة تفاسير لهذا المشهد. ففي الوقت الذي افترض فيه بعض المفسرين أن الذي دعته العرافة كان شيطانًا أو شبحًا آخر، وليس صموئيل، افترض آخرون أن الله قد سمح لصموئيل بأن يظهر ليتنبأ بنهاية شاول الكارثية، معاقباً خطيته في استحضار الأرواح وأن هذه كانت فقط مناسبة خاصة في الكتاب المقدس. كما أن هناك رأي آخر يقوم أن هذا المشهد ما هو سوى تمثيلية قامت بها العرافّة مع أحد معاونيها الذي أدعى أنه روح صموئيل. وما يؤيد هذا الرأي الأخير هو أن عادة انتحال صفة أحد الأموات ليست بجديدة، بل ومستمرة حتى يومنا هذا، كما أن ما قاله ذلك الشخص لشاول لم يكن بالأمر الجديد، بل سبق صموئيل وقاله لشاول أثناء حياته.

لم ير أليفاز شبحًا

في سفر أيوب 4: 16، يروي أليفاز كيف ظهر له كائن أطلق عليه في عدد ١٥ بالعبري “رواخ” (روح)، وفي عدد ١٦ أطلق عليه بالعبري “מַרְאֶה” وقد تُرجمت الكلمة الى “روح” و”خيال” في كلٍ من ترجمتي كتاب الحياة والترجمة العربيّة المشتركة. كما تُرجمت الكلمة “מַרְאֶה” إلى “صورة” في (الخروج 20: 4؛ التثنية 4: 15).[2]

ومع ذلك، فإن أليفاز هنا لا يصف شبحًا. فالكلمة العبريّة “מַרְאֶה” لا تحمل هذا المعنى أبدًا في العهد القديم.[3] لهذا السبب، فهي لا تعنى “شبح” في هذا السياق. وما يؤكد ذلك هو الرسالة التي أعطاها هذا الكائن لأليفاز من خلال سؤالين: “هل الشخص الفاني بار أمام الله؟ هل الإنسان طاهر أمام خالقه؟”. ويعتقد المُفسر الأسباني “لويس ألونسو شوكيل” و”والتر رويرز”[4] أن الريح الهادئة والغامضة التي يتحدث عنها هنا أليفاز في أيوب ٤: ١٥-١٦، هي حضور الله أو أحد رسله. ويُذكّرنا هذا المشهد بما رآه إيليا في سفر الملوك الأول 12: 19.[5]

صوت الخيال في إشعياء يعني “ضعف”

يبدأ إشعياء ٢٩ برثاء أريئيل (أورشليم). وهو اسم ساخر لأنه يعني “أسد [أري] الله [إيل]”، مما يدل على القوة والملكية. ومع ذلك، فإن نتيجة حصار أورشليم (أريئيل) ستكون إذلال وسجود (آية ٤). صوت أبطال يهوذا، صارخًا مثل زئير الأسد، سيرتفع من الأرض مثل صوت خيال أو شبح (بالعبري ‎א֤וֹב).[6] بعبارة أخرى، سيكون صوته مكتومًا، ضعيفًا، مثل الهمس، يتم إسكاته أمام جبروت ملك أشور.[7]

لم ير تلاميذ يسوع شبحًا

تروي الأناجيل أن التلاميذ في بحر الجليل، ظنوا على سبيل الخطأ أن المسيح شبحًا (خيال) وذعروا (متى 14: 26؛ مرقس 6: 49؛ يوحنا 6: 19). وقد كان الإيمان بالأشباح شائعًا على المستوى الشعبي في العصور القديمة، على الرغم من تعارضه مع التعاليم اليهودية حول القيامة من الموت.[8]

الكتاب المقدس لا يُدعّم الإيمان بالأشباح

مما سبق، لا تشير أي من الآيات السابقة إلى ما يعتقده البعض عن الأشباح. فالكتاب المقدس يُعلّمنا بأنه بينما تسكن أجساد الموتى في القبور، فإن أرواح المؤمنين تذهب على الفور إلى مكان حضور الرب، وأرواح غير المُخلّصين إلى مكان العقاب والانفصال الأبدي عن حضور الله (كورنثوس الثانية 5: 6، 8؛ فيلبي 1: 23؛ لوقا 23: 43).[9] فيقول الكتاب المقدس “وَكَمَا وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ” (العبرانيين ٩: ٢٧).

ومع ذلك، نحن نعلم أن الشيطان وأعوانه بإمكانهم أن يظهروا ليخدعونا. لهذا السبب نحن بحاجة لمعرفة ما يُعلّمه الكتاب المقدس عن الملائكة والشياطين، كي لا نعظم من أهميتهم وخطورتهم أكثر مما ينبغي (متى ٨: ١٦؛ مرقس ٧: ٢٦؛ أعمال الرسل ٥: ١٦).

تذكر أن ما يدور في ذهنك وقلبك غالبًا يكون مردوده للبيئة والثقافة المحيطة، فأحترز أن تحتفل به وتروج له. لهذا يجب أن نقيم كل المعتقدات الثقافية من خلال الكتاب المقدس حتى يمكننا إخضاع كل فكر للمسيح (كورنثوس الثانية ١٠: ٥). فلنتكلم بحق الإنجيل حتى يحرر المسيح أهل العالم من الظلمة وتأثيرها.


[1] لقد تطورت هذه المعتقدات الشعبيّة كجزء من مفهوم اليهود لعلم الشياطين (demonology) في الترجوم اليهودي. فيتم تصنيفها إلى أرواح ليلية، ونهارية ومسائيّة (Targum of Songs 4:9). راجع Alfonso Ropero, “Especto”, Great encyclopedic dictionary of the Bible (Barcelona: Editorial Clíe, 2014) p. 1365.

[2] Hebraic Bible Stuttgartensia, Editio quinta (Germany: Deutsche Bibelgesellschaft, 1997) p. 1231.

[3] Alfonso Ropero, “Especto”, Great encyclopedic dictionary of the Bible (Barcelona: Editorial Clíe, 2014) p. 1365.

[4] Walter Roehrs, Concordia Bible Commentary (Missouri: Concordia Publishing, 2004) p. 675.

[5] Luis Alonso Schökel, Job: The sacred books, volume III (Madrid: Ediciones Cristiandad, 1971) p. 38.

[6] Jamieson, Fausset, Brown, Exegetical and Explanatory Commentary on the Bible: Volume I, The Old Testament (El Paso, Texas: Baptist Publishing House, 2003) p. 693.

[7] Mundo Hispano Biblical Commentary, volume X, Isaías (El Paso, Texas: Editorial Mundo Hispano, 1993) p. 107.

[8] Craig S. Keener, Commentary on the cultural context of the Bible: New Testament (El Paso, Texas: Editorial Mundo Hispano, 2003) 81.

[9] Wayne Grudem, Biblical Doctrine (Miami, Florida: Editorial Vida, 2005) p. 352, 355.

تم نشر هذا المقال بتاريخ 6 نوفمبر 2020

على موقع The Gospel Coalition: Spanish Edition

شارك مع أصدقائك

نمرود لوبيز

محرر في TGC ويعيش في الإكوادور، وهو أستاذ في كليّة اللاهوت المعمدانيّة.