يُعدّ خطاب الرسول بولس لشيوخ كنيسة أفسس في ميليتُس (أع ٢٠: ١٧-٣٨) خطابًا فريدًا واستثنائيًا في سفر أعمال الرسل؛ فهو الخطاب الحصريّ الوحيد الموجّه إلى داخل البيت المسيحي (إلى قادة مؤمنين ورُعاة كنيسة)، في حين اتّسمت باقي خطابات السفر بالطّابع البِشاريّ أو الدّفاعيّ الموجّه لجمهور خارجي -كرؤساء الكهنة، أو الوثنيين والفلاسفة، أو الحكام والرّومان. وبدلًا من لغة التبشير والدّفاع، يُمثّل هذا الخطاب وثيقة رعويَّة تنفرد بعمقها العاطفيّ واللّاهوتيّ؛ إذ يفتح بولس قلبه لرفقاء الخدمة ليرسم لهم “دستور القيادة الكنَسيَّة” وكيفيَّة حراسة القطيع، ناقلًا بذلك شعلة المسؤوليَّة من عصر الرُّسل إلى عصر الشّيوخ المحليين.
كان بولس في طريق عودته إلى أورشليم في نهاية رحلته التّبشيريَّة الثّالثة، مستعجلًا ليصل قبل يوم الخمسين (أع ٢٠: ١٦). ولأنَّه لم يرد أن يستغرق وقتًا طويلًا في إقليم أسيا، تجنب النزول في مدينة أفسس نفسها —والتي قضى فيها سابقًا نحو ثلاث سنوات (أع ٢٠: ٣١)— واستدعى شيوخ الكنيسة إلى ميليتُس (التي تبعد نحو ٥٠ كيلومترًا جنوب أفسس). هذا الخطاب يُمثّل وصيّة وداعيّة ترسم ملامح القيادة الرّعويّة في العهد الجديد.
ولنا في هذا الخطاب خمس إشارات، هي:
- أولًا: نموذج الخدمة – التّواضع والبكاء والصبر
- ثانيًا: الأمانة في إعلان الحق دون انتقائيّة
- ثالثًا: القوة الدّافعة – الرّوح القدس والهدف الأبديّ
- رابعًا: الحذر من الذّئاب الخاطفة ورعاية القطيع
- خامسًا: المقياس الحقيقيّ للنّجاح – العطاء لا الأخذ
أولًا: نموذج الخدمة – التّواضع والبكاء والصبر
«وَمِنْ مِيلِيتُسَ أَرْسَلَ إِلَى أَفَسُسَ وَاسْتَدْعَى قُسُوسَ الْكَنِيسَةِ. فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ دَخَلْتُ أَسِيَّا، كَيْفَ كُنْتُ مَعَكُمْ كُلَّ الزَّمَانِ، أَخْدِمُ الرَّبَّ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ وَدُمُوعٍ كَثِيرَةٍ، وَبِتَجَارِبَ أَصَابَتْنِي بِمَكَايِدِ الْيَهُودِ.» (أع ٢٠: ١٧-١٩)
يبدأ بولس خطابه بالإشارة إلى سيرته العمليّة، وكأنّه يريد أن يضع أمام شيوخ أفسس قبل كل شيء نموذجًا حيًّا لما ينبغي أن تكون عليه الخدمة. فالقيادة في فكر العهد الجديد لا تبدأ من المنبر، ولا تتأسّس على التّعليم الشَّفهيّ وحده، بل تنطلق من حياةٍ تُعاش أمام الآخرين؛ إذ إنّ الخادم يقدّم في سلوكه اليوميّ تفسيرًا عمليًّا لما ينادي به بلسانه. ولذلك، فإنّ بولس حين يستعرض خدمته لا يتحدّث عن إنجازاته بقدر ما يكشف عن الملامح التي طبعت حياته في وسط الجماعة، وفي مقدّمتها التّواضع الرّعويّ.
وفي هذا السّياق، يستخدم بولس التّعبير اليونانيّ تابينوفروسيني (ταπεινοφροσύνη, tapeinophrosynē)، وهو تركيبٌ لفظيّ يعني «تواضع الفكر» أو «التّواضع القلبيّ». وتزداد دلالة هذا التّعبير حين يُقرأ في ضوء الثّقافة الإغريقيّة الرّومانيّة التي كانت سائدة في ذلك العصر؛ فقد كانت كلمة tapeinos تُستخدم في كثير من السّياقات بمعنى الوضاعة أو الانحطاط، وتحمل أحيانًا دلالةً تحقيريّة، ولا سيّما في وصف من هم في منزلةٍ اجتماعيّة متدنّية كالعبيد. أمّا الإنجيل، فقد قلب موازين القيم هذه، فلم يعد التّواضع علامةً على الدّونيّة، بل صار من أسمى فضائل القيادة؛ لأنّ عظمة الخادم لا تُقاس بقدر ما يفرضه من سلطان، بل بقدر ما يستطيع أن يتنازل عنه من أجل الآخرين.
وهذا بالضبط ما نراه متجسّدًا في حياة بولس. فلم يتعامل مع المؤمنين بوصفه صاحب سلطان يطالبهم بحقوقه، بل اختار أن يجعل من خدمته صورةً حيّة للتّواضع الذي ينادي به. لذلك عمل بيديه في صناعة الخيام (أع ١٨: ٣)، ولم يكن ذلك مجرّد وسيلة لكسب الرزق، بل كان في مواضع كثيرة تعبيرًا عن استعداده لتحمّل المشقّة والتّنازل عن حقّه المشروع في النفقة، متى رأى أنّ استعمال هذا الحق قد يصبح عائقًا أمام انتشار الإنجيل. ولهذا يقول: «إنْ كانَ آخَرونَ شُرَكاءَ في السُّلطانِ علَيكُمْ، أفَلَسنا نَحنُ بالأولَى؟ لكننا لَمْ نَستَعمِلْ هذا السُّلطانَ، بل نَتَحَمَّلُ كُلَّ شَيءٍ لئَلّا نَجعَلَ عائقًا لإنجيلِ المَسيحِ» (١ كو ٩: ١٢). وهكذا لم يكن تواضع بولس مجرّد موقفٍ داخليّ أو فضيلةٍ يتحدّث عنها، بل صار طريقةً في ممارسة السلطة والخدمة؛ فقد استخدم سلطانه بالتّنازل عنه، وأثبت قيادته بخدمته للآخرين.
لكن هذا التّواضع لم يكن برودًا أو مسافةً تفصل الخادم عن الذين يخدمهم، بل كان نابعًا من قلبٍ يحملهم في داخله. ومن هنا ينتقل بولس بصورة طبيعيّة من الحديث عن تواضعه إلى الحديث عن دموعه؛ فالتّواضع الحقيقيّ لا يجعل الخادم بعيدًا عن آلام النّاس، بل يقرّبه منها، حتى تصبح أفراحهم أحزانه وأوجاعهم أوجاعه. ولذلك لم تكن دموع بولس ضعفًا عاطفيًّا أو انفعالًا عابرًا، بل كانت تعبيرًا عن عمقٍ روحيّ وغيرةٍ صادقة على النّفوس. فالرّاعي الذي يرى الإنسان في ضوء الأبديَّة لا يستطيع أن يقف أمام سقوطه أو مقاومته للحق بلامبالاة، بل يتألّم من أجله كما يتألّم الأب من أجل ابنه.
ولهذا يقول بولس عن الذين انحرفوا عن طريق المسيح: «لأَنَّ كَثِيرِينَ يَسِيرُونَ مِمَّنْ كُنْتُ أَذْكُرُهُمْ لَكُمْ مِرَارًا، وَالآنَ أَذْكُرُهُمْ أَيْضًا بَاكِيًا، وَهُمْ أَعْدَاءُ صَلِيبِ الْمَسِيحِ» (في ٣: ١٨). كما يصف خدمته في أفسس قائلًا إنّه كان يعظ وينذر «بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ.» (أع ٢٠: ٣١). إنّ هذه الدموع تكشف عن وجه آخر للقيادة المسيحيّة؛ فالخادم لا يقود من موقعٍ مرتفع ينظر منه إلى الناس، بل يقترب منهم بقلبٍ منكسر من أجلهم. ومن ثمّ تصبح الدّموع امتدادًا طبيعيًّا للتّواضع؛ فمن يتواضع يستطيع أن يحمل الآخرين في قلبه، ومن يحملهم في قلبه لا بدّ أن يتألّم من أجلهم.
غير أنّ القلب الذي يبكي على النّفوس يحتاج إلى ما يحفظه ثابتًا حين تأتي المقاومة، لأنّ الخدمة لا تجري دائمًا في أجواء القبول والاستجابة. ولذلك، بعد أن يكشف بولس عن تواضعه ودموعه، يلفت الأنظار إلى ما احتمله من مكايد واضطهادات، ولا سيّما «مكايد اليهود» التي واجهها في آسيا. فقد كانت خدمته محاطةً بالمقاومة والمؤامرات؛ وشهدت مراحلها في كورنثوس وأفسس تصاعدًا مستمرًّا في المعارضة، حتى بلغت ذروتها في شغب ديمتريوس الصّائغ وما صاحبه من اضطراب واضطهاد (أع ١٩: ٢٣–٤١). ومع ذلك، لم تسمح له هذه الضغوط أن يتراجع عن رسالته أو أن يتخلّى عن أمانته للرب.
وهنا يظهر بُعدٌ ثالث في صورة الخادم، هو الاحتمال والصّبر، أو ما يعبّر عنه المصطلح اليوناني هيبوموني (ὑπομονή, hypomonē)، الذي يدلّ على «الاحتمال» و«الصّبر» و«الثّبات تحت الضّغط». وليس المقصود مجرّد تحمّلٍ سلبيّ للمتاعب، بل القدرة على البقاء ثابتًا عندما تشتدّ الضغوط، والاستمرار في الطّريق عندما تصبح الأمانة مُكْلِفَةً. وهكذا يكشف بولس أنّ القيادة المسيحيّة لا تقوم فقط على قلبٍ متواضعٍ وعيونٍ باكيةٍ، بل تحتاج أيضًا إلى روحٍ صابرة تستطيع أن تحتمل المكايد دون أن تفقد محبّتها، وأن تواجه المقاومة دون أن تتخلّى عن رسالتها. فالتواضع يجعله خادمًا، والدموع تكشف محبته للنفوس، والاحتمال يحفظه أمينًا للرب وسط كل ما يمكن أن يعترض طريق الخدمة.
ثانيًا: الأمانة في إعلان الحق دون انتقائيّة
«كَيْفَ لَمْ أُؤَخِّرْ شَيْئًا مِنَ الْفَوَائِدِ إِلاَّ وَأَخْبَرْتُكُمْ وَعَلَّمْتُكُمْ بِهِ جَهْرًا وَفِي كُلِّ بَيْتٍ، شَاهِدًا لِلْيَهُودِ وَالْيُونَانِيِّينَ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللهِ وَالإِيمَانِ الَّذِي بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ…لأَنِّي لَمْ أُؤَخِّرْ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِكُلِّ مَشُورَةِ اللهِ.» (أع ٢٠: ٢٠-٢١، ٢٧)
بعد أن استعرض ملامح حياته وخدمته، يكشف بولس عن وجه آخر من وجوه أمانته، إذ لم يتعامل مع كلمة الله بمنطق الانتقاء أو المساومة، ولم يسمح للخوف أو الرّغبة في إرضاء السّامعين أن يجعلاه يحجب عنهم شيئًا مما أُوكل إليه. ويستخدم في هذا السّياق الفعل اليونانيّ هيبوستيلو (ὑποστέλλω, hypostellō) في الآيتين (٢٠ و٢٧)، وهو فعل يرتبط في خلفيته بصورة التّراجع أو الانسحاب، وقد استُخدم في سياقات مختلفة للدلالة على «الانكماش» أو «التراجع» أمام الخطر. وفي هذا السياق، تصبح الكلمة ذات دلالة تفسيرية عميقة؛ فبولس يؤكد أنه لم يتراجع أمام المقاومة، ولم يطوِ أشرعة الحق عندما اشتدت الرّياح، ولم يُخفِ شيئًا من التّعليم الإلهي خشيةَ الملاحقة أو رغبةً في استرضاء سامعيه. كانت أمانته للحق أقوى من رغبته في تجنب الصدام، ولذلك لم يسمح للتّهديد أن يحدِّد ما يقوله أو ما يسكت عنه.
ومن هنا يتّضح أنّ عدم احتجاز بولس للحقّ لم يكن مجرد موقف شجاع في مواجهة المعارضة، بل كان منهجًا متكاملًا في التبشير. فهو يصف خدمته بأنّها كانت «جَهْرًا وَفِي كُلِّ بَيْتٍ»، وهي عبارة تكشف عن اتساع دائرة خدمته، إذ جمعت بين التّعليم العلنيّ أمام الجماعة، وبين الرعاية الشّخصيَّة التي تصل إلى البيوت وتخاطب الإنسان في واقعه الخاصّ. وقد ظهر الجانب العلنيّ من خدمته بوضوح في التّعليم الذي مارسه في مدرسة تيرانُس (أع ١٩: ٩)، بينما امتدّ الجانب الرّعويّ إلى البيوت، حيث لم يكن الإنسان مجرد فرد في جمهور كبير، بل شخصًا يحتاج إلى تعليم وإرشاد وتحذير وتشجيع. وهكذا لم تكن البشارة عند بولس محصورة في مكان أو أسلوب واحد، بل كانت تتحرك من السّاحة العامّة إلى البيت، ومن التّعليم الجماعيّ إلى الرّعاية الفرديّة، لأنّ الرّسالة التي يحملها الخادم تستهدف الجماعة والإنسان معًا.
ولم تكن شمولية البشارة في طريقة تقديمها فحسب، بل في مضمونها أيضًا؛ إذ يقول بولس إنه لم يحتجز شيئًا من «كُلِّ مَشِيئَةِ اللهِ». فالإنجيل الذي أعلنه لم يكن مجموعة من الوعود المريحة التي ينتقي منها الخادم ما يرضي السّامعين، بل كان إعلانًا كاملًا لمشيئة الله، بما تتضمنه من عقيدة وتعليم، ومن توبيخ وتشديد، ومن دعوة إلى التّوبة والطّاعة، ومن إعلان لعقيدة الصّليب وما تقتضيه من تغيير في حياة الإنسان وسلوكه. ولذلك فإن أمانة الخادم لا تُقاس فقط بقدرته على إعلان الحقائق التي يحب النّاس سماعها، بل باستعداده أيضًا لإعلان ما يصحِّحهم ويوبخهم ويضع أمامهم مطالب الإنجيل. فبولس لم يكن يقدّم إنجيلًا مخففًا يتلاءم مع رغبات السّامعين، بل كان يعلن مشيئة الله كاملة، حتى عندما تكون هذه المشيئة ثقيلة على الإنسان أو تتعارض مع ما يرغب فيه.
ومن هنا تبرز خطورة مسؤوليّة الخادم، إذ إنّ إعلان الحق لم يكن عند بولس خيارًا شخصيًّا، بل أمانة سيُسأل عنها أمام الله. ولذلك استطاع أن يقول إنّه بريء من دم الجميع، مستحضرًا في خلفية كلامه صورة حارس حزقيال الذي أُقيم مسؤولًا عن إنذار الشّعب. فالحارس لا يتحمل مسؤوليّة سقوط الإنسان إذا رفض التّحذير، لكنه يصبح مسؤولًا إذا رأى الخطر ولم يُنذر. ولهذا يقول النّص: «وَسَمِعَ السَّامِعُ صَوْتَ الْبُوقِ وَلَمْ يَتَحَذَّرْ، فَجَاءَ السَّيْفُ وَأَخَذَهُ، فَدَمُهُ يَكُونُ عَلَى رَأْسِهِ.» (حز ٣٣: ٤). وفي ضوء هذا المبدأ، يفهم بولس خدمته؛ فهو لا يستطيع أن يضمن استجابة كل من يسمع، لكنه يستطيع أن يضمن أمانته في إعلان ما ائتمنه الله عليه. مسؤوليته أن ينفخ في البوق، وأن يحذّر، وأن يعلن الحق كاملًا، أما موقف السّامعين من هذا الحق فيقفون عنه هم أمام الله.
وهكذا تتكامل صورة بولس بوصفه خادمًا أمينًا: فهو لا يتراجع أمام الخطر، ولا يطوي أشرعة الحق عندما تشتد رياح المقاومة، ولا يحجب جزءًا من مشيئة الله حتى يضمن قبول الناس، بل يعلنها جهارًا، ويمتد بها إلى كل بيت، مقدمًا التّعليم العامّ والرّعاية الشّخصيّة في آنٍ واحدٍ. ومن خلال هذه الأمانة يستطيع أن يقف بضمير نقي أمام الله، لأنه لم يحتجز ما ينبغي أن يُعلن، ولم يجعل الخوف من النّاس أو الرّغبة في إرضائهم سببًا في كتمان كلمة الله. وهنا تبلغ الخدمة جوهرها الحقيقي: فنجاح الخادم ليس في أن يقبل النّاس كل ما يقوله، بل في أن يكون هو أمينًا في قول كل ما ائتمنه الله عليه.
ثالثًا: القوة الدَّافعة – الروح القدس والهدف الأبديّ
«وَالآنَ هَا أَنَا أَذْهَبُ إِلَى أُورُشَلِيمَ مُقَيَّدًا بِالرُّوحِ، لَا أَعْلَمُ مَاذَا يُصَادِفُنِي هُنَاكَ. غَيْرَ أَنَّ الرُّوحَ الْقُدُسَ يَشْهَدُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ قَائِلًا: إِنَّ وُثُقًا وَشَدَائِدَ تَنْتَظِرُنِي. وَلكِنَّنِي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلَا نَفْسِي ثَمِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَالْخِدْمَةَ الَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لأَشْهَدَ بِبِشَارَةِ نِعْمَةِ اللهِ. » (أع ٢٠: ٢٢-٢٤)
بعد أن يكشف بولس عن أمانته في إعلان كلمة الله كاملة، ينتقل إلى الكشف عن القوة الداخليّة التي كانت تحكم مسيرته، فيقول إنّه ذاهب إلى أورشليم «مُقَيَّدًا بِالرُّوحِ». ويستخدم هنا التعبير اليوناني دِدِمينوس تَو بنيوماتي (δεδεμένος τῷ πνεύματι, dedemenos tō pneumati)، الذي يعني حرفيًا «مُقيَّدًا بالروح» أو «أسيرًا بالروح». والصورة التي يرسمها التّعبير قويّة؛ فبولس لا يرى نفسه صاحب قرار مستقلّ يتحرك وفق طموحه الشّخصيّ أو حساباته الخاصّة، بل إنّ حياته وخدمته أصبحتا تحت قيادةٍ إلهيّة تحكم اتجاهه وتحدِّد خطواته. إنّه نوع من «الإسار» المقدّس، لا يفقد فيه الإنسان إرادته، بل يضع إرادته طوعًا تحت سلطان الله، حتى تصبح حركة حياته استجابةً لما يقوده إليه الرّوح القدس.
وهذا يفسّر لماذا لم تكن تحركات بولس في خدمته نابعة من طموح شخصيّ أو رغبة في صناعة مجد ذاتيّ؛ فقد كان مستعدًا لأنّ يسير في الطريق الذي يريده الله، حتى عندما يقوده هذا الطريق إلى مكان لا يحمل له وعدًا بالرّاحة أو الأمان. فالقيمة الحقيقيّة للخدمة، في نظره، لم تكن في أن يختار الخادم الطّريق الأسهل، بل في أن يكون مستعدًا لأن يسلك الطّريق الذي يحدّده له الله. ولذلك لم يكن السؤال الذي يحكم قراراته هو: ماذا أريد أن أفعل؟ بل: إلى أين يقودني الروح، وما الذي يطلبه مني الرب؟
ومن هذا الإحساس بالقيادة الإلهيَّة ينبع أيضًا وعي بولس بالغاية التي تتجه إليها حياته. فهو لا ينظر إلى خدمته بوصفها سلسلةً من الأعمال المتفرّقة، بل يرى لها مسارًا واضحًا وهدفًا نهائيًا يريد أن يبلغ إليه. ولهذا يستخدم مصطلح دروموس (δρόμος, dromos)، وهو في أصله يشير إلى «المضمار» أو «مسار السِّباق» الذي يركض فيه المتسابق نحو غايته. والصّورة هنا تكشف أنّ الخدمة عند بولس ليست حركة عشوائيّة، بل سباق له اتجاه وهدف، وأنّ قيمة الرحلة لا تُقاس بمدى سهولتها، بل ببلوغ الغاية التي وُضع الخادم من أجلها.
ولهذا كان بولس قادرًا على مواجهة الشّدائد دون أن تفاجئه أو تثبطه؛ فقد كان يعرف أنّ الطّريق الذي يسلكه ليس طريقًا خاليًا من الألم، وأنّ الوصول إلى الغاية قد يمرّ عبر القيود والموت نفسه. ويتّضح ذلك بصورة جليّة عندما تنبأ أغابوس في قيصريّة بأنّ بولس سيُقيَّد في أورشليم، فبكى المؤمنون وحاولوا أن يثنوه عن الذهاب (أع ٢١: ١٠–١٣). لكن ردّ بولس يكشف عن رجلٍ حسم أمره، ولم يعد يقيس أمانته بمقدار ما يمكن أن يتجنبه من الألم، إذ أجابهم: «مَاذَا تَفْعَلُونَ؟ تَبْكُونَ وَتَكْسِرُونَ قَلْبِي، لأَنِّي مُسْتَعِدٌّ لَيْسَ أَنْ أُرْبَطَ فَقَطْ، بَلْ أَنْ أَمُوتَ أَيْضًا فِي أُورُشَلِيمَ لأَجْلِ اسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ».
وهكذا يتّضح أنّ «الإسار بالروح» و«إتمام المضمار» ليسا فكرتين منفصلتين في حياة بولس، بل وجهان لحقيقة واحدة: لقد سلّم اتجاه حياته للرّوح القدس، ولذلك أصبح قادرًا على الاستمرار في السِّباق حتى نهايته، مهما كان الثّمن. فالذي يقوده الرّوح لا يجعل سلامته الشّخصيّة غايته العليا، والذي يعرف المضمار الذي وُضع فيه لا يسمح للعقبات أن تغيّر اتجاهه. ومن هنا يصبح استعداد بولس للقيود والموت امتدادًا طبيعيًّا لأمانته السّابقة؛ فهو لم يكن مُستعدًا لأن يطوي أشرعة الحقّ أمام المقاومة، ولا أن يتراجع عن الطّريق عندما ظهرت أمامه كُلفة الأمانة، بل كان مستعدًا لأن يمضي حتى النّهاية، لأن الغاية بالنّسبة إليه لم تكن حفظ حياته، بل أن يتمّم «دَرُومُوسه» بأمانة، ويكمّل الخدمة التي استلمها من الرب يسوع.
رابعًا: الحذر من الذئاب الخاطفة ورعاية القطيع
«اِحْتَرِزُوا إِذًا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ الَّتِي أَقَامَكُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعَوْا كَنِيسَةَ اللهِ الَّتِي اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ. لأَنِّي أَعْلَمُ هَذَا: أَنَّهُ بَعْدَ ذِهَابِي سَيَدْخُلُ بَيْنَكُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ لَا تُشْفِقُ عَلَى الرَّعِيَّةِ. وَمِنْكُمْ أَنْتُمْ سَيَقُومُ رِجَالٌ يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ لِيَجْتَذِبُوا التَّلاَمِيذَ وَرَاءَهُمْ.» (أع ٢٠: ٢٨-٣٠)
ينتقل الخطاب الآن إلى جوهر التّكليف الذي يتركه بين يدي شيوخ أفسس. فكل ما سبق من حديث عن الأمانة والاحتمال وعدم احتجاز الحق لم يكن مجرد استعراض لسيرة خادم، بل كان تمهيدًا لتسليم مسؤوليّة الرّعاية إلى رجالٍ سيحملون الرّسالة من بعده. ومن هنا تُمثّل هذه الفقرة النّواة التّكليفية للخطاب، إذ ينتقل بولس من الحديث عن خدمته هو إلى تحديد طبيعة الخدمة التي ينبغي أن يمارسها القادة، وفي مقدّمتها أن يعرفوا من هُم، وما الذي أُوكل إليهم، ولمن تنتمي الرّعيَّة التي أقيموا عليها.
ويكشف التّدقيق في الألقاب التي يستخدمها النّص عن تكامل واضح في مفهوم القيادة الرعوية في العهد الجديد؛ فلقبا «القسوس/الشّيوخ» بريسبيتيروي (Πρεσβύτεροι, Presbyteroi) و«الأساقفة» إبيسكوبوي (Ἐπίσκοποι, Episkopoi) لا يقدمان هنا درجتين منفصلتين في سلّم هرمي، بل يُستخدمان للإشارة إلى القادة الكنسيين أنفسهم من زاويتين متكاملتين. فلقب «الشيوخ» يبرز ما يتصف به الخادم من حكمة ووقار ورصانة روحيّة، بينما يركّز لقب «الأساقفة» على ما أُوكل إليه من وظيفة ومسؤوليّة، أي الحراسة والنّظارة والافتقاد. وهكذا يجتمع في الخادم بُعدان لا ينبغي فصلهما: شخصيّة تقيّة تليق بالخدمة، ومسؤوليّة عملية يمارسها بأمانة. فلا تكفي الخبرة أو المكانة وحدهما إذا غابت الحياة التي تليق بالرّاعي، كما لا تكفي التّقوى الشّخصيّة إذا لم تتحوّل إلى ممارسة فعليّة لمسؤوليّة الرّعاية.
ومن اجتماع هذين البعدين يتضح الفعل المحوري الذي يحدّد طبيعة عملهم: «ترعوا»، أو بويماينين (Ποιμαίνειν, Poimainein)، وهو فعل يستعير صورة الرّاعي الذي يقود قطيعه ويطعمه ويحميه ويرشده. فالرعاية في مفهوم العهد الجديد ليست مجرد إدارة جماعة أو الإشراف على أنشطتها، بل هي مسؤوليّة متكاملة تجاه حياة القطيع الرّوحيّة؛ أن يُغذّى بالحقّ الكتابيّ، وأن يُحمى من الأخطار، وأن يُقاد في الطّريق الذي يتوافق مع مشيئة الله. ومن ثمّ فإن القائد لا يمارس سلطته لمجرد أن له منصبًا، بل لأن عليه أن يقوم بوظيفة الرّاعي، والرّاعي الحقيقيّ لا يبحث عن مصلحته في القطيع، بل عن سلامته ونموه وأمانه.
ولهذا يبدأ بولس التكليف بعبارة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تحمل ترتيبًا روحيًا بالغ الأهمية: «اِحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ الرَّعِيَّةِ». فهو لا يبدأ بالرّعيّة، بل بأنفسهم أولًا؛ لأن الرّعاية الصّحيحة تبدأ من حياة الرّاعي قبل أن تمتد إلى حياة الآخرين. فالخطر الذي يهدّد الخدمة قد لا يأتي دائمًا من الخارج، بل قد يبدأ من الدّاخل، من ضعفٍ غير مراقَب في حياة الخادم، أو من انحرافٍ شخصيّ يسمح له فيما بعد بأن يتحوّل إلى انحراف رعويّ. ولذلك فإن أول واجبات الرّاعي أن يسهر على نفسه؛ إذ لا يستطيع أن يقود الآخرين في طريق القداسة إذا كان هو نفسه لا يحرس خطواته، ولا يستطيع أن يحمي القطيع من الضّلال إذا سمح للضّلال أن يجد لنفسه مكانًا في قلبه.
ثم يذكّرهم بولس بالقيمة الإلهيّة الفريدة للرّعيّة التي أُوكلت إليهم، فيقول إن الله «اقْتَنَاهَا بِدَمِهِ». وهذه العبارة ترفع مسؤوليّة الرّاعي إلى مستوى لاهوتي عميق؛ فالكنيسة ليست ملكًا للرّاعي، ولا ملكًا للمجلس الكنسيّ، ولا مجالًا لممارسة النّفوذ الشّخصيّ، بل هي شعب اقتناه الله لنفسه بثمن لا يُقدَّر. ولذلك فإن القائد لا يتعامل مع الرّعيّة بوصفها ملكيّة شخصيّة أو مساحة لفرض الذّات، بل بوصفها قطيعًا يخصّ الله وقد دُفع فيه أثمن ثمن. وكلما أدرك الرّاعي قيمة القطيع في عيني الله، ازداد حرصه عليه، وتحوّلت سلطته من وسيلة للسيطرة إلى مسؤوليّة للحراسة والخدمة.
غير أنّ هذه المسؤوليّة تصبح أكثر إلحاحًا عندما يدرك القادة طبيعة الأخطار التي تحيط بالقطيع. فبولس لا يقدّم لهم صورة مثاليّة خالية من التّهديد، بل يحذّرهم من أخطار ستأتي من خارج الجماعة ومن داخلها معًا. فمن الخارج ستأتي «ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ» لا تشفق على الرّعيّة، في صورة المعلمين الكذبة والمضطهدين وكل من يحاول أن يفتك بالقطيع أو يبعده عن الحقّ. لكن الخطر الأخطر هو أنّ التّهديد لن يبقى خارج الأبواب؛ إذ يقول بولس: «وَمِنْكُمْ أَنْتُمْ سَيَقُومُ رِجَالٌ يَتَكَلَّمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ لِيَجْتَذِبُوا التَّلاَمِيذَ وَرَاءَهُمْ.» فبعض الأخطار لا تأتي في صورة عدو واضح، بل تظهر من داخل الجماعة نفسها، ومن أفواه أشخاص كانوا في موضع التّعليم والخدمة.
ويزداد التّحذير وضوحًا في وصف بولس لما سيتكلم به هؤلاء، إذ يستخدم التعبير اليونانيّ ديستريفينا (διεστραμμένα, diestrammena)، الذي يعني «المُحرَّفة» أو «المعوجّة عن الاستقامة». فالمشكلة ليست مجرد اختلاف في الرّأي أو تنوع في وجهات النّظر، بل تحريف للحقّ عن مساره المستقيم، بحيث تُستخدم الكلمات لتغيير اتجاه التّلاميذ وجذبهم وراء أشخاص بعينهم. وهنا يظهر خطر التّعليم المنحرف في صورته الحقيقيّة؛ فهو لا يكتفي بتقديم فكرة خاطئة، بل يعيد تشكيل ولاء الجماعة، فيتحوّل التّلاميذ من اتباع المسيح إلى اتباع معلمين يطلبون لأنفسهم النّفوذ والتّأثير.
ولم يكن هذا التّحذير مجرد احتمال نظريّ، بل أثبت التاريخ اللاحق لكنيسة أفسس مدى واقعيته. فقد ظهرت بالفعل انحرافات من داخل الجماعة، كما يشير بولس في رسالته الأولى إلى تيموثاوس إلى هيماينس وألكسندر، اللذين انحرفا عن الإيمان وانتهى بهما الأمر إلى تأديب كنسيّ صارم (١ تي ١: ١٩–٢٠). كما ظهرت لاحقًا في أفسس مواجهة مع تعاليم النقولاويين، التي يشير إليها سفر الرؤيا في رسالة الرب إلى الكنيسة (رؤ ٢: ٦). وهكذا يتّضح أنّ الخطر الذي حذّر منه بولس لم يكن أمرًا بعيدًا عن واقع الكنيسة، بل كان تهديدًا حقيقيًا سيظهر في مسيرتها، الأمر الذي يجعل يقظة الرّعاة جزءًا أساسيًا من أمانتهم.
ومن ثمّ، فإن التكليف الذي يتركه بولس لشيوخ أفسس لا يمكن اختزاله في إدارة الكنيسة أو تنظيم شؤونها، بل هو دعوة إلى السّهر على أنفسهم وعلى الرّعيّة، وإلى ممارسة الرّعاية بوصفها أمانة أمام الله، وإلى حماية القطيع من كلّ ما يهدِّد سلامته، سواء جاء من خارج الجماعة أم نشأ من داخلها. فالرّاعي الذي أدرك أنّ القطيع ليس ملكه، وأنّه قد اقتناه الله بثمن الدّم، لن يتعامل مع التّعليم باستخفاف، ولن يقف موقف المتفرج أمام الانحراف، بل سيظل يقظًا، لأنّ أمانته للرّاعي الأعظم تظهر في أمانته للقطيع الذي ائتمنه عليه.
خامسًا: المقياس الحقيقي للنجاح – العطاء لا الأخذ
«وَالآنَ أَسْتَوْدِعُكُمْ يَا إِخْوَتِي للهِ وَلِكَلِمَةِ نِعْمَتِهِ، الْقَادِرَةِ أَنْ تَبْنِيَكُمْ وَتُعْطِيَكُمْ مِيرَاثًا مَعَ جَمِيعِ الْمُقَدَّسِينَ. فِضَّةَ أَوْ ذَهَبَ أَوْ لِبَاسَ أَحَدٍ لَمْ أَشْتَهِ. أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ الَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ الْيَدَانِ. فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرَيْتُكُمْ أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنَّكُمْ تَتْعَبُونَ وَتَعْضُدُونَ الضُّعَفَاءَ، مُتَذَكِّرِينَ كَلِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ أَنَّهُ قَالَ: مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ». » (أع ٢٠: ٣٢-٣٥)
بعد أن حمّل بولس شيوخ أفسس مسؤوليّة السّهر على أنفسهم وعلى الرّعيّة، والتّحذير من الأخطار التي يمكن أن تأتي من الخارج أو تنشأ من الدّاخل، يصل إلى لحظة الفراق، فيكشف لهم عن المصدر الذي يستطيع أن يحفظهم بعد رحيله. فهو لا يتركهم معتمدين على حضوره الشّخصيّ، ولا يجعل استمراريّة الكنيسة متوقفة على شخص الخادم، بل يقول: «وَالآنَ أَسْتَوْدِعُكُمْ يَا إِخْوَتِي لِلَّهِ وَلِكَلِمَةِ نِعْمَتِهِ، الْقَادِرَةِ أَنْ تَبْنِيَكُمْ وَتُعْطِيَكُمْ مِيرَاثًا مَعَ جَمِيعِ الْمُقَدَّسِينَ». ويستخدم هنا الفعل اليونانيّ باراتيثيمي (παρατίθεμαι, paratithēmi)، الذي يحمل معنى «أن يضع شيئًا بجوار شخص» أو «أن يودع شيئًا في عُهدة شخص أمين». وفي الاستعمالات التي تحمل معنى الأمانة والاستيداع، تتّضح صورة تسليم شيء ثمين إلى من يستطيع حفظه. وهكذا، فإنّ بولس، وهو على وشك أن يغيب عنهم، لا يترك الكنيسة بلا سند، بل يستودعها لله ولكلمته؛ فالله هو الحافظ، وكلمته هي الوسيلة التي بها يبني شعبه ويثبّتهم ويحفظهم في الإيمان.
وهذه الحقيقة تضع حدًا لأي تصور يجعل استمرار الكنيسة مرهونًا بوجود قائد بعينه. فبولس يعرف أنّه راحل، لكنه يعرف أيضًا أنّ العمل ليس عمله في النّهاية، وأنّ الذي حفظ الكنيسة في حضوره قادر أن يحفظها في غيابه. لذلك يستودعهم «لِلَّهِ وَلِكَلِمَةِ نِعْمَتِهِ»؛ فالقوة التي تحتاج إليها الكنيسة بعد رحيل الخادم ليست في الحنين إلى شخصه، بل في الثبات في الله والالتصاق بكلمته. والكلمة التي أعلنها بولس لهم ليست مجرد تعليم نظري، بل «كلمة نعمة»؛ كلمة تبني، وتثبّت، وتقود إلى الميراث الذي أعدّه الله لجميع المقدسين.
غير أنّ بولس لا يكتفي بأن يسلّمهم إلى الله وكلمته، بل يعود إلى سيرته الشّخصيّة ليقدّم لهم برهانًا عمليًّا على طبيعة الخدمة التي يوصيهم بها. فيرفع أمامهم نموذجًا للخادم الذي لم يجعل من خدمته وسيلة لتحقيق منفعة شخصيّة، بل يقول: «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ الَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ الْيَدَانِ». فهاتان اليدان اللتان عملتا في مهنةٍ شاقة أصبحتا شاهدتين على تجرّد بولس ونزاهته المالية. ولم يكن هذا الأمر تفصيلًا ثانويًا في خدمته، بل كان جزءًا من شهادته أمام الكنيسة؛ إذ أراد أن يبرهن أن دافعه في إعلان الإنجيل لم يكن الرّبح أو المكسب الشّخصيّ.
وتزداد أهميّة هذا الموقف إذا وضعناه في سياقه الاجتماعيّ في العالم اليونانيّ الرومانّي؛ فقد كان بعض المعلمين والفلاسفة الجوالين يعتمدون على ما يحصلون عليه من تلاميذهم أو من رعاة التّعليم الذين يدعمونهم. وفي وسط هذا المناخ، حرص بولس على أن تكون خدمته بعيدة عن أي شبهة استغلال مالي، فعمل بيديه، وتحمّل مشقة العمل، ورفض أن يجعل الإنجيل وسيلة للثراء أو النّفوذ. ومن هنا تصبح اليدان اللتان عملتا في صناعة الخيام جزءًا من رسالة بولس نفسها؛ فقد كان يعلن بعمله كما يعلن بكلامه أنّ الخادم لا يخدم لكي يأخذ، بل لكي يبذل، وأن نقاوة الدّافع جزء من أمانة الرّسالة.
ومن هذا النموذج العملي ينتقل بولس إلى مبدأ يلخّص روح الخدمة كلها، إذ يختم بقوله: «مُغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الْأَخْذِ». وهذه العبارة المنسوبة إلى الرب يسوع لا ترد في نصوص الأناجيل الأربعة، ولذلك تُعدّ من الأقوال التي تُعرف في الدّراسات المسيحيّة باسم الأجرافا (Agrapha, Ἄγραφα)، أي «الأقوال غير المكتوبة» في الأناجيل القانونيّة، وهي أقوال نُسبت إلى يسوع وحُفظت خارج النّصوص الإنجيليَّة المكتوبة.[1] وتكشف العبارة، في سياق خطاب بولس، عن جوهر عميق في مفهوم الخدمة: فمقياس نجاح الخادم ليس مقدار ما يجمعه من مال أو مكانة أو تقدير، بل مقدار ما يستطيع أن يبذله من نفسه ومن وقته ومن موارده من أجل الآخرين.
وهكذا يعود بولس في نهاية خطابه إلى الفكرة التي حكمت خدمته منذ البداية: الخدمة الحقيقيّة هي عطاء لا استغلال، وبذل لا اكتساب، وأمانة لا بحث عن مكسب شخصيّ. لقد بدأ حديثه بتواضعٍ عاشه، ودموعٍ ذرفها، واحتمالٍ احتمله، وأمانةٍ لم يحتجز معها شيئًا من مشيئة الله؛ ثم سلّم الرّعاة لله ولكلمة نعمته، وأراهم بيديه العاملتين نموذجًا للخادم الذي لا يعيش من أجل ما يأخذ، بل من أجل ما يستطيع أن يعطيه. لذلك تأتي كلمة الرب: «مُغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الْأَخْذِ» كأنها الخلاصة التي تختصر روح هذا الخطاب كله؛ فالراعي الذي اقتدى بالمسيح لا يقيس نجاحه بما جمعه لنفسه، بل بما بذله من أجل القطيع، ولا يرى عظمة خدمته في مقدار ما أخذه من الآخرين، بل في مقدار ما استطاع أن يقدِّمه لهم.
خاتمة: المشهد الوداعي
«وَلَمَّا قَالَ هَذَا جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ مَعَ جَمِيعِهِمْ وَصَلَّى. وَكَانَ بُكَاءٌ عَظِيمٌ مِنَ الْجَمِيعِ، وَوَقَعُوا عَلَى عُنُقِ بُولُسَ يُقَبِّلُونَهُ مُتَوَجِّعِينَ، وَلَا سِيَّمَا مِنَ الْكَلِمَةِ الَّتِي قَالَهَا: إِنَّهُمْ لَنْ يَرَوْا وَجْهَهُ أَيْضًا. ثُمَّ شَيَّعُوهُ إِلَى السَّفِينَةِ.» (أع٢٠: ٣٦-٣٨)
بعد أن أتمّ بولس حديثه، لا ينتهي المشهد بكلمات إضافيّة، بل يتحوّل الخطاب إلى فعلٍ يعبّر عن كل ما قيل بطريقة أعمق من الكلام؛ إذ «جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ مَعَ جَمِيعِهِمْ وَصَلَّى.» وكأنّ الخادم، بعد أن تحدّث عن أمانة الخدمة ومسؤوليّة الرّعاية وأخطار الطّريق، يعود الجميع إلى الموضع الوحيد الذي يستطيع فيه الرّاعي والرّعيّة أن يقفا على قدم المساواة: أمام عرش النّعمة. فالجثو هنا ليس مجرد وضع جسدي، بل صورة للخضوع والانكسار المشترك أمام الله؛ إذ يضع بولس نفسه، كما يضع الشّيوخ، تحت سلطان الرّاعي الأعظم الذي منه تأتي القوة والحكمة والحفظ. وبعد الصّلاة يظهر عمق العلاقة التي صنعتها سنوات الخدمة المشتركة في مشهد العناق والتّقبيل والبكاء؛ فلم تكن العلاقة بينهم علاقةً وظيفيّة تنتهي بانتهاء المهمة، بل محبّة حقيقيّة نمت عبر الّسنين، وصار الفراق بسببها مؤلمًا إلى هذا الحدّ. وهكذا يكشف الختام أنّ الخدمة المسيحيّة لا تُبنى على أداء الواجبات فقط، بل على علاقات روحيّة عميقة تتشكل عبر الصّلاة والتّعب والمشاركة في آلام الرّسالة وأفراحها.
سادسًا: تطبيقات رعوية معاصرة للشيوخ والقادة
ومن هذا المشهد الختاميّ يمكن الانتقال إلى الحاضر، إذ لا يزال خطاب بولس لشيوخ أفسس يحمل قوة توجيهية كبيرة للقيادة الكنسية المعاصرة، ولا سيما في ظل التّحولات الثّقافيّة والروحيّة التي تجعل مهمة الشيوخ أكثر تعقيدًا. فأول ما يلفت الانتباه هو التّحدي الذي يفرضه عصر الانفتاح الرّقميّ؛ فقد أصبح القائد والكنيسة أمام سيل هائل من الأفكار والتّعاليم والمحتويات التي تصل إلى المؤمنين بلا حواجز، وبعضها يقدِّم إيمانًا مُخفّفًا صُمم لإرضاء الجمهور ودغدغة المسامع. وفي هذا السّياق تصبح أمانة الشّيوخ للإنجيل أكثر إلحاحًا؛ إذ لا يمكن للقيادة أن تستسلم لمنطق الشعبيّة أو أن تختار من الحقّ ما يتوافق مع المزاج الثّقافيّ السّائد، بل عليها أن تظل ثابتة في إعلان «كُلِّ مَشِيئَةِ اللهِ»، وأن تقدّم تعليمًا كتابيًا متينًا ومستقيمًا، حتى عندما يتعارض مع بعض الاتجاهات الثّقافيّة أو يعرّضها لعدم القبول.
لكن الثّبات في التّعليم لا يمكن أن ينفصل عن حياة الذين يحملون مسؤوليّة التّعليم؛ ولذلك يأتي التّحذير الثاني من داخل حياة الرّاعي نفسه. فالانشغال المستمر بالاجتماعات والقرارات والمشكلات الإداريّة والرّعويّة يمكن أن يستنزف الخادم تدريجيًا، حتى يصبح منشغلًا بخدمة الآخرين بينما تضعف حياته الرّوحيّة الخاصّة. وهنا تظل وصيّة بولس: «احْتَرِزُوا إِذَنْ لأَنْفُسِكُمْ» ذات أهميّة مباشرة؛ فالوقاية من السّقوط ليست أمرًا ثانويًا يأتي بعد إنجاز العمل، بل هي جزء من العمل نفسه. ولذلك تحتاج حياة الشّيوخ إلى عناية جادة بالشّركة الشّخصيّة مع الله، والانضباط في الصّلاة والكتاب، واليقظة الأخلاقيّة، والنّزاهة في الحياة الزّوجيّة والأسريّة؛ لأن حماية الراعي لنفسه ليست أنانيّة، بل هي في النّهاية إحدى أهم وسائل حماية الرّعيّة التي ائتمنه الله عليها.
ومن هنا تظهر أهميّة البعد الجماعيّ في القيادة. فالنّص لا يقدّم صورة قائد منفرد يحتكر السّلطة ويستأثر بكل القرارات، بل يخاطب شيوخ الكنيسة ويحمّلهم معًا مسؤوليّة السّهر على أنفسهم وعلى الرّعيّة. وهذا يقدّم مبدأً مهمًا للقيادة الكنسية المعاصرة؛ إذ إنّ الحراسة المشتركة أكثر أمانًا من السّلطة الفرديّة، وتوزيع المسؤوليّات يتيح للقادة أن يكمّل بعضهم بعضًا، وأن يراجع أحدهم الآخر، وأن يحملوا معًا أعباء الخدمة بدل أن تتركز كلها في يد شخص واحد. ومن ثمّ فإن القيادة الجماعيّة لا تعني مجرد تقسيم المهام الإداريّة، بل تعني الاشتراك في حمل المسؤوليّة الروحيّة عن الكنيسة، والعمل بروح الفريق، والحدّ من نزعات السّيطرة الفرديّة التي قد تجعل القائد مركز الحياة الكنسيّة بدل أن يبقى المسيح هو المركز.
ويبقى الجانب المالي من أكثر المجالات التي تكشف حقيقة قلب الخادم، ولذلك تظل صورة بولس وهو يعمل بيديه ذات قوّة خاصّة في زمن يمكن أن تختلط فيه الخدمة أحيانًا بالشّهرة أو النّفوذ أو المكاسب الماديّة. فحين تصبح الخدمة وسيلة للحصول على المال أو المكانة، تفقد شيئًا جوهريًّا من طبيعتها؛ أما نموذج بولس فيذكّر القادة بأنّ نزاهة الخادم الماليّة جزء من شهادته، وأنّ الشفافيّة في إدارة الموارد، والوضوح في التّعامل مع الأموال، وتجنب تضارب المصالح، كلها أمور ضروريّة لحماية الكنيسة وثقة المؤمنين. فالخادم لا يُقاس فقط بما يقوله عن العطاء، بل بما يكشفه أسلوب حياته عن موقفه من المال. ولذلك يظل المبدأ الذي ختم به بولس نموذجه العملي حاضرًا بقوة: «مُغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الْأَخْذِ». فالقائد المسيحي مدعو إلى أن يكون قلبه قلبًا باذلًا، يرى ما بين يديه أمانةً لخدمة الآخرين، لا وسيلةً لبناء مجده الشّخصيّ.
وهكذا يعود خطاب بولس في نهايته إلى النقطة التي انطلق منها: القيادة المسيحية ليست منصبًا يُمارَس من أعلى، بل أمانة تُعاش أمام الله وأمام الناس. إنها تواضع في ممارسة السلطة، ودموع من أجل النفوس، وثبات أمام المقاومة، وأمانة في إعلان الحق، وحراسة للقطيع، ويقظة على حياة الرّاعيّ نفسه، وتجرّد في التّعامل مع المال، وشركة بين القادة، ومحبّة تتجسد حتى في لحظة الفراق. ولعل أجمل ما يكشفه المشهد الأخير أنّ كل هذه المسؤوليّات، على ثقلها، تنتهي بالجثو والصّلاة؛ فالخادم مهما بلغت خبرته، ومهما امتلك من معرفة أو سلطة، يظل محتاجًا إلى أن ينحني مع إخوته أمام الله، مستودعًا الكنيسة لمن يستطيع وحده أن يحفظها ويبنيها ويقودها إلى الميراث المعدّ لجميع المقدسين.
مراجع تفسيريّة وتاريخيّة للنّص
Bruce, F. F. The Book of the Acts (The New International Commentary on the New Testament). Grand Rapids: Eerdmans, 1988.
Stott, John. The Message of Acts: The Spirit, the Church & the World (The Bible Speaks Today). Downers Grove: InterVarsity Press, 1990.
Witherington III, Ben. The Acts of the Apostles: A Socio-Rhetorical Commentary. Grand Rapids: Eerdmans, 1998.
Bock, Darrell L. Acts (Baker Exegetical Commentary on the New Testament). Grand Rapids: Baker Academic, 2007.
Fee, Gordon D. God’s Empowering Presence: The Holy Spirit in the Letters of Paul. Peabody: Hendrickson Publishers, 1994.
[1] توجد في رسائل العهد الجديد عبارات أخرى ينسب فيها بولس تعليمًا أو توجيهًا إلى الرب، مثل قوله في موضوع نفقة خدام الإنجيل: «هَكَذَا أَيْضًا أَمَرَ الرَّبُّ: أَنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَ بِالإِنْجِيلِ، مِنَ الإِنْجِيلِ يَعِيشُونَ» (١ كو ٩: ١٤)، وقوله في موضوع الزواج: «لاَ أَنَا بَلِ الرَّبُّ: أَنْ لاَ تُفَارِقَ الْمَرْأَةُ رَجُلَهَا» (١ كو ٧: ١٠)، وكذلك قوله في حديثه عن مجيء الرب: «فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هَذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ» (١ تس ٤: ١٥). غير أن هذه النصوص تحتاج إلى تمييز دقيق؛ فليس كل قول يقول عنه بولس «الرب» يُعدّ بالضرورة «أجرافا» بالمعنى الاصطلاحي نفسه، لأن بعض هذه الأقوال قد يكون تقليدًا يسوعيًا شفهيًا محفوظًا، أو تعليمًا رسوليًا تلقّاه بولس، أو إعلانًا مرتبطًا برسالته الرسولية. ولذلك ينبغي التعامل مع كل نص في ضوء. وقد حفظت لنا كتابات آباء الكنيسة في القرون الأولى نماذج أخرى من الأقوال المنسوبة إلى يسوع خارج الأناجيل القانونية، كما نجد إشارات إلى مثل هذه الأقوال لدى كتّاب مسيحيين مبكرين مثل أكليمندس الإسكندري وجاستن الشهيد وغيرهما. غير أن وجود هذه الأقوال في المصادر المسيحية القديمة لا يعني تلقائيًا أنها تتمتع بالسلطة نفسها التي تتمتع بها الأناجيل القانونية. كما ينبغي التمييز بوضوح بين الأجرافا والأبوكريفا؛ فالأجرافا تشير إلى أقوال منسوبة إلى يسوع وحُفظت خارج الأناجيل القانونية، بينما تشير الأبوكريفا إلى كتابات أو مؤلفات دينية توسعت في سرد حياة يسوع أو الرسل وتعاليمهم، ولم تُقبل ضمن قانون العهد الجديد.

