هل قامت العرّافة بإحضار روح صموئيل النبيّ؟

إنَّ لِقاءَ شاولَ اللَّيلي مع عرَّافة عين دور في 1 صموئيل 28 يمثِّل إطلاق رصاصة الرحمة على فترة حُكمه المأساوية في إسرائيل. ففي هذا النصِّ، بلغ شاول مَلِك إسرائيل قاعَ الهاوية الأخلاقية واللاهوتية بلُجوئِه إلى ممارساتٍ سحرية كان قد منعها بنفسه وواضعًا لها عقوبةَ الموت. وقد أقدمَ على ذلك في محاولةٍ يائِسة لمعرفة ما سيحدث في معركتِه الوشيكة مع الفِلِسطينيِّين على جبل جلبوع.

يروي هذا النصُّ نقطةَ تحوُّلٍ بالغة الأهمية في تاريخ إسرائيل. فنهاية الأُسرة المَلَكية الأولى صارت وشيكةً، وها هو الحاكِم الطويل القامة سيسقط. فشاول، الذي معنى اسمه “سُئِلَ/ مطلوب”[1]، يريد معرفةَ المُستقبَل من مَقرِّ المَوتى – “شيول” أي الهاوِيَة. وتعني هذه الكلمة “المكان الذي يطلب”، رُبَّما لأنّ الموتَ لا يكفُّ عن طلبِ المزيد.[2] والمُفارقة هنا هي أنّ الهاويّة أو “المكان الذي يطلب” سيحصل على طلبِه قريبًا (أي: شاول/ “المطلوب”). فشاول وشيول مُرتبِطان ارتباطًا وثيقًا.

يثير هذا النصُّ كُلَّ أنواعِ الأسئلة اللاهوتية. فمثلًا، هل كان لدى العرَّافة قدرةٌ على إحضار أرواح المَوتى للتنبُّؤ للأحياء بالمُستقبَل، أم كان هذا مجرَّد خداعٍ شيطاني؟ ألا يملك الله وحدَهُ القدرةَ على التنبُّؤ بالمُستقبَل؟ أم أنَّ أرواحَ المَوتى والأرواح الشرِّيرة يفعلون ذلك أيضًا؟ وماذا عن مصادر الإعلان الأُخرى غير كلمة الله؟ ألا يُثبِت هذا النصُّ وجودَ مثل هذه المصادر؟

ولكي نتناول هذا النصَّ، دعونا نلخِّصه بإيجازٍ ثمَّ نحاول الوصول إلى فَهمٍ شامل لما يقوله قبلما نصل إلى استنتاجاتٍ لاهوتية.

تلخيص القصة

  1. كما ذكرنا سابقًا، يُعتبَر هذا النصُّ محوريًّا في سِفرَي صموئيل لأنّه يروي أحداثَ اليوم السابق لمُلاقاة شاول وأبنائه ذلك المصير المأساوي على جبل جلبوع في المعركة مع الفِلِسطينيِّين. وكما كان الحال مُنذُ أنْ فارقَ روحُ الربِّ شاول حين عصى الربَّ، حاول شاول أن يجد بصيرةً وإرشادًا فائِقيْنِ للطبيعة من أجل مُلْكِه، ولكن دون جدوى.[3] هنا، وقبل معركة بالغة الأهمية، كان شاول القائدُ العسكري، في أمسِّ الحاجة إلى بعض التوجيهات فوق الطبيعية، كما هو الحال عادةً قبل أيِّ معركةٍ في العالَم القديم.[4] لكنّ يأسَه لا يلقى حلًّا، لأنّ اللهَ كان صامتًا بواسطة الأنبياء، والأُوريم والتمِّيم، والأحلام. وإذ لم يقبلْ شاول بالصمت الإلهيِّ إجابةً، تخطَّى الحدودَ اللاهوتية المحظورة بانتهاكِه العمليِّ للمُحرَّمات، وطلبَ إرشادًا من عرَّافةٍ، وهي امرأة تُدعى “صاحبة جان”.[5] ويُطلَق على هذه المرأة عادةً “عرَّافة عين دور”، غالبًا لأنّها كانت ذائعةَ الصيت في هذه المنطقة. وقد يُشير اسم “عين دور” نفسه إلى مكانٍ اِشتهر بالعِرافة واستحضار الأرواح.[6] وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ شاول هنا قد تجاوز لاهوتيًّا نقطة اللاعودة، لأنّه كان قد سعى سابقًا إلى القضاء على كلِّ هؤلاء العرَّافين وأصحاب الجان من إسرائيل واضعًا الموتَ عقوبةً لهم.[7] والآن هو يتحدَّى كلمةَ الربِّ علانيةً، وباستشارته عرَّافة إنَّما يحكم على نفسِه بالموت.[8]
  2. أخذَ شاول خادمَيْنِ، وتنكَّر في هيئةٍ مختلفة، وخدعَ العرَّافة بشأن هُويَّته، وطلب منها إصعاد روحَ صموئيل النبيِّ من عالَم المَوتى ليُخبِرَه صموئيل بنتيجة المعركة الوشيكة. وقبل أن تنخرط المرأةُ في ممارسة السحر والتنجيم، تردَّدَتْ وذكَّرَتْه بالحظر الذي كان قد فرضَه. وحين ظهرَتْ روحُ صموئيل، صرخَتْ العرَّافةُ مَذعورةً لكنَّها عرَفتْ شاول في الحال، رُبَّما لأنّ روحَ صموئيل قد أنارَتْ بصيرتَها. ولكنَّها في الوقت نفسِه اُضطُرَّتْ إلى أن تنتظر حتَّى يُعلِن شاول هُويَّةَ صموئيل بعد وصفِها له. أيُّ نوعٍ من العرَّافين كانت هذه المرأة؟ فمقدورها هي وحدها أن ترى الروحَ، لكن لا بُدَّ أن يُخبِرها شاول روح مَن هذه. وعندما تحدَّث صموئيل أخيرًا، أخبرَ المَلِكَ بما يعرفه بالفعل، وهو أنّ اللهَ قد حكم عليه بسبب عصيانِه وأنّه أعطى المملكةَ لآخرَ. فصموئيل المَيْتُ هو نفسه صموئيل الحيُّ! وفي النهاية، أضاف صموئيل أنّ شاول وأبناءَه -الأسرة الحاكِمة- سينضمّون إلى صموئيل في “شيول” في اليوم التالي حين تخسر إسرائيلُ المعركةَ ضِدَّ الفِلِسطينيِّين. وعند سماعه هذا النبأ، اِنهار شاول الطويل القامة. وبعدما أنعشَتْهُمُ المرأةُ بالطعام، غادرَ هو ورِجالُه المكان. وفي اليوم التالي هُزِم إسرائيل في جلبوع، وقُتِل شاول وأبناؤه.
  3. من الواضح أنّ روحَ صموئيل ظهرَتْ للعرَّافة وتحدَّثت إليها. فما مِن طريقةٍ أُخرى لفَهم النصِّ في العددين 15 و16، الذي يذكر أنّ صموئيل قد تحدَّث. لكن هناك أسئلة أُخرى لا بُدَّ من طرحها. لماذا صُدِمَتِ العرَّافةُ حين رأتْ روحَ صموئيل؟ ولماذا لم تتعرَّف عليه بل كان عليها أن تنتظر تأكيدَ شاولَ لهُويَّة صموئيل؟ يبدو أنّ هذه التجرِبة كانت مختلفةً عن ممارستها المُعتادة في استحضار أرواح المَوتى. ولكن لماذا؟ رُبَّما لأنَّ الراوي هنا يسخر منها. ولكن السبب في تقديري يتعلَّق بالسياق الأعمِّ لصموئيل. فهذه القصة تحديدًا هي مِثالٌ على إصعاد الله للمَوتى من الهاوِيَة (صموئيل) وإنزال الأحياء إلى الهاوِيَة (شاول)، ورفْع المُتواضِعين وإذلال المُتكبِّرين. في تسبحة حنَّة التي يبدأ بها سفر صموئيل الأول، تُغنِّي حنَّة عن قوَّةِ الربِّ، فتقول: “الرَّبُّ يُمِيتُ وَيُحْيِي. يُهْبِطُ إِلَى الْهَاوِيَةِ وَيُصْعِدُ” (1 صموئيل 2: 6). ويبدأ سفر صموئيل الثاني أساسًا برثاء داود على أسرة شاول التي هلكت، ويُذكِّرنا قرارُ ترنيمته بتسبحة حنَّة: “كَيْفَ سَقَطَ الْجَبَابِرَةُ!”

تقييم المعنى

هناك قوَّةٌ فوق طبيعية ومُظلِمة سعى العرَّافون والوسطاء في العالَم القديم للوصول إليها. أمَّا بالنسبة للإسرائيليِّين، فكانت هذه القوَّة محظورةً.[9] كان “يهوه” هو القوَّة المُطلَقة، وكان سُمُوُّه يعني أنَّ إسرائيل لا بُدَّ أن تثِق به وحدَهُ. لم تكُنِ القوَّةُ المُظلِمة تضاهي يهوه، كما أنها سرعان ما تكشف عن وجهها القبيح والمُدمر لمن يتواصل معها. فعلى سبيل المثال، لم تكُنْ كُلُّ القوى الشيطانية وراء عبادة البعل الكنعانية تضاهي نبيَّ اللهِ إيليا على جبل الكرمل.[10] أمَّا في هذا المثال في 1 صموئيل 28، ونتيجةً لاستمرار شاول في تحدِّي الله حتّى النهاية، فكان من الطبيعي أن تكون نهايُته بسبب تمرُّدِه، والذي كان نتيجةً للعصيان. إنّ مدى الانحدار الذي وصل إليه شاول بطلبِه المشورة من عرَّافةٍ إنَّما يؤكِّد كلماتِ صموئيل النبويَّة حين كان حيًّا بَعدُ وأدانَ شاول في المرَّةِ الأولى على عصيانِه: “لأَنَّ التَّمَرُّدَ كَخَطِيَّةِ الْعِرَافَةِ، وَالْعِنَادُ كَالْوَثَنِ وَالتَّرَافِيمِ”.[11]

رُبَّما اِعتقَدَ شاول في ذلك الوقت أنّ هذه الكلماتِ هي مُبالغةٌ نبوية “زائِدة عن الحدِّ”. ولكن كم كان مخطِئًا! فلقد أعاد اللهُ صموئيل النبيَّ من بين الأموات ليُذكِّرَ شاول بهذه الحقيقة. وخروج شاول إلى المعركة في اليوم التالي يُثبِت حقيقةَ ما قاله أبونا إبراهيم الذي تحدَّث إلينا جميعًا من العالم الآخَر: “إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ، وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ”.[12] وهكذا تُذكِّرنا قصةُ “عين دور” جميعًا بأهمية كلمة الله ووضوحها. فمَن يتحدَّث إلى المَوتى سرعان ما ينضمُّ إليهم.[13]


[1] من المُحتمَل أن يكو ن المعنى في الأصل: “سُئِل” من الله.

[2] ويمكن أن تعني “شيول” أيضًا: الحفرة أو القبر حيث يحدث استحضار الأرواح، أي حيث يسأل العرَّافون المَوتى للحصول على معلوماتٍ.

[3] اُنظُر 1 صموئيل 14: 37، 16: 14، 18: 12.

[4] اُنظُر 1 ملوك 22، حزقيال 21: 21.

[5] يُشير هذا التعبير في الأصل إلى “صاحب حفرة” ومن هذه الحفرة تُستحضَر الروحُ. كان لدى هذه المرأة مكانٌ مُعيَّن، مرتبِط بحفرة أو قبرٍ بطبيعة طقسية (شيول)، حيث كانت تُباشر عملها ليلًا. وبمدِّ الخط على استقامته، تصبح الحفرة التي أُصعِدت منها الروح مُرتبِطة بالروح نفسها، بل ومُرتبِطة بالعرَّافة نفسها. اُنظُر المَرجع التالي:

Harry A. Hoffner Jr., “Second Millennium Antecedents to the Hebrew ’Ôb,” Journal of Biblical Literature 86 (1967): 401.

[6] “ينبوع الجيل (الأجيال)” (وهو معنى اسم عين دور) يُشير إلى مكان يمكن فيه استشارة الأجيال السابقة. لاحظ أيضًا مدى سرعة استجابة خُدَّام شاول لطلبه بإحضار عرَّافين.

[7] 1 صموئيل 28: 3.

[8] اُنظُر تلخيص سفر أخبار الأيَّام لهذا الحدث: 1 أخبار 10: 13-14.

[9] لقد رأوا هذه الممارسة مُنتشِرةً على نطاقٍ واسع في العالَم القديم ورُبَّما كانت فعَّالة، ولكن بالنسبة إليهم كانت ممارسة محظورة. كانت هناك قوى مُظلِمة مُنِعوا من الوصول إليها وذلك لخيرهم. اُنظُر:

Philip S. Johnston, Shades of Sheol: Death and Afterlife in the Old Testament (Downers Grove, IL: IVP Academic, 2002), 158.

[10]  1 ملوك 18.

[11] 1 صموئيل 15: 23.

[12] لوقا 16: 31.

[13] Peter D. Miscall, 1 Samuel: A Literary Reading (Bloomington, IN: Indiana University Press, 1986), 172.

شارك مع أصدقائك