سَيُدْعَى نَاصِرِيًّا

تظهر الصعوبة في قول متى: «لِكَيْ يَتِمَّ ما قِيلَ بِالأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيًّا» (متى 2: 23) لعدم وجود نبوّة مسجّلة في العهد القديم بهذه الصيغة، كما أنّ مدينة الناصرة لم تكن قائمة في زمن الكتابة العهد القديم. لذلك يرى كثير من المفسرين أن متّى لا يقتبس نبوّة حرفية، بل يستند إلى معنى نبوّي عام معروف في تقليد الأنبياء.

هذا الأسلوب ليس جديدًا. فمثلاً، يعتمد بولس على مبدأ «كما يقول الناموس» بشأن خضوع المرأة (1 كو 14: 34)، مع أنّه لا يوجد نص حرفي بهذا الشكل، بل مبدأ عام مستمد من ترتيب الخليقة (تك 3: 16). على هذا الأساس، من المشروع فهم قول متّى ضمن إطار نبوّي غير حرفي.

هناك ثلاثة اتجاهات رئيسية لتفسير الآية:

ناصري بمعنى غُصن

يُرجّح عدد من المفسّرين أن متّى البشير ربط لقب «ناصري» بالجذر العبري «نِتسِر» (נֵצֶר)، أي غُصن. وممّا يعزّز هذا الربط أنّ العبرية، شأنها شأن العربية، تعتمد في أصل كتابتها على الحروف الساكنة، فيتطابق جذر «ناصرة» مع الجذر الذي تُشتق منه كلمة «غصن».

وليس هذا المصطلح غريبًا عن النصوص النبوية، بل إن لقب «المسيا الغُصن» من الأوصاف الراسخة في الأسفار، ولا سيما في نبوّة إشعياء القائلة:

«وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى، وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ، وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ…» (إشعياء 11: 1–2).

وهذه النبوّة تُعدّ من أوضح النصوص التي تُشير إلى يسوع المسيا، الخارج من نسل يسى والد داود، والذي ظهر كغُصن حيّ يخرج من جذعٍ عتيق. أمّا العدد الثاني فيرتبط مباشرةً بحلول الروح القدس عليه في معموديته عند نهر الأردن، وهو الحدث الذي يورده متّى في مطلع الأصحاح الثالث، مباشرة عقب ذكر الآية موضوع البحث (متى 2: 23).

لذلك، فإن هذا التفسير — القائم على الخلفية اللغوية والنبوية والسياق الإنجيلي — يحمل وزنًا معتبرًا لا يمكن تجاهله.

اقتباس من خارج الأسفار المُقدَّسة

يُحتمل أن يكون متّى البشير قد استند إلى نبوّة لم تُحفظ في أسفار العهد القديم، بل كانت متداولة في مصدر آخر معروف لقرّائه الأوائل، بينما اندثر أثره بالنسبة إلينا اليوم. غير أنّ هذا الاحتمال — على ما فيه من وجاهة مبدئية — يظل ضعيفًا، لأنه يقوم في جوهره على حجّة من الصمت، وهي حجّة لا يمكن التعويل عليها في التفسير العلمي للنصوص المقدّسة.

التعبير عن الاحتقار والرفض

يرى فريق من المفسّرين أن متّى استخدم لفظ «ناصري» ليُبرز جانبًا نبوّيًا في شخص المسيا، وهو كونه مُحتقرًا ومرفوضًا بين الناس. فقد كانت الناصرة في القرن الأول بلدة صغيرة مهمّشة، تبعد نحو خمسٍ وخمسين ميلًا عن أورشليم، وتحمل سمعة وضيعة في نظر اليهود. بل إنّ الجليل بأسره كان موضع ازدراء، وكانت ناصرة الجليل أكثر ازدراءً من غيرها. ويكفي أن نتذكّر قول نثنائيل المتعجّب:
«أمِنَ الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟» (يوحنا 1: 46).

إن صحّ هذا الاتجاه في التفسير، فإن متّى يكون قد أحال — بصورة غير مباشرة — إلى النبوّات التي تصوّر المسيح في هيئة العبيد المتألمين والمحتقرين، مثل قول داود في المزمور المسياني:

«أمّا أنا فدودةٌ لا إنسان، عارٌ عند البشر ومحتقَرُ الشعب. كلّ الذين يرونني يستهزئون بي…» (مزمور 22: 6–7).

فالآية المذكورة على لسان داود النبي مأخوذة من أحد أبرز المزامير المسيانية، وهو المزمور الذي استشهد به المسيح نفسه عند الصليب قائلاً: «إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟»، مستحضرًا بذلك كامل الإطار النبوي لآلامه.

وكذلك تتردّد الصفة ذاتها في نبوّة إشعياء عن العبد المتألّم، إذ يصف المسيا بأنه ينبت كفرخ ضعيف و«كعرقٍ من أرضٍ يابسة»، لا هيئة له تجذب الأنظار، بل هو «مُحتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن» (إشعياء 53: 2–3).

وإذ كان أهل الناصرة أنفسهم موضع احتقار في المجتمع اليهودي، أمكن للناظر أن يرى في هذه النبوّات — التي تصوّر المسيا مرفوضًا ومُزدرى — انعكاسًا غير مباشر لارتباط يسوع ببلدته الناصرة مسقط رأسه. فالصورة الاجتماعية للمدينة تنسجم مع الصورة النبوية للمسيا المتواضع الذي لم يُعطَ له مجد الناس.

وليس أدلّ على ذلك من أنّ المسيح قدّم نفسه لشاول المضطهِد على طريق دمشق بالقول: «أنا يسوع الناصري الذي أنت تضطهده» (أعمال 22: 8)، محافظًا على هذا اللقب الذي حمل معنى الاتضاع والازدراء في ذلك العصر. بل إن بولس نفسه استخدم اللقب بعد اهتدائه (أعمال 26: 9)، كما دُعي أتباع المسيح — قبل أن يُعرَفوا مسيحيين — بـ «شيعة الناصريين» (أعمال 24: 5).

يتبيّن أن التفسيرين الأوّل والثالث هما الأوسع انتشارًا بين المفسّرين، ولكلٍّ منهما وجاهته وأدلّته. غير أنّ الميل الغالب يميل إلى التفسير الأوّل، القائل بربط لقب «الناصري» بنبوّات الغُصن، لما يقدّمه إشعياء (11: 1–2) من صورة صريحة للمسيا الخارج من جذع يسى، ولما يعزّزه سفر زكريا بقوله:

«هُوَذَا الرَّجُلُ ٱلْغُصْنُ اسْمُهُ، وَمِنْ مَكَانِهِ يَنْبُتُ وَيَبْنِي هَيْكَلَ الرَّبِّ» (زكريا 6: 12).

ويزداد هذا التفسير قوّة حين نلحظ إمكان الجمع بين رمزية الغُصن المتواضع — الذي يبدو صغيرًا في أعين الناس — وبين السمعة المحتقرة لمدينة الناصرة في القرن الأول.

شارك مع أصدقائك

جورج بشاي

يدرس حاليًا درجة الدكتوراة في الفلسفة (.Ph.D) في العهد الجديد من كليّة موور للاهوت، بأستراليا. كما عمل في السابق كمدرس لمواد اللاهوت الكتابي والعهد الجديد في كلية اللاهوت الأسقفية بمصر.