في مدينة الألعاب توقّفتُ أمام لعبةٍ لا أذكر اسمها، وربما كان هذا جزءًا من الحكمة؛ فالأشياء التي تُخيف البشر حقًا لا تحتاج غالبًا إلى أسماء دقيقة. ارتديتُ النظارة، واخترتُ الفضاء، وجلستُ على مقعدٍ معدنيّ يشبه كرسيَّ اعترافٍ كهربائيّ. ثم بدأ كل شيء. ودون أن أتحرّك شبرًا واحدًا، انطلقتُ عبر المجرّات. وهذه، بالمناسبة، هي الطريقة الحديثة للسفر؛ أن يظلّ الإنسان ثابتًا تمامًا بينما يفقد أعصابه بالكامل.
كانت المركبة تشقّ طريقها بين الكواكب والنيازك، بينما يظهر Stephen Hawking كأنّه سائح بريطاني ضلّ طريقه إلى الأبدية. ومع كل ارتطامٍ بصخرة، أو سقوطٍ مفاجئ، أو دورانٍ مجنون حول كوكبٍ مشتعل، كان قلبي يخفق كما لو أنني أول إنسان اكتشف أن للموت سرعة. لكن الأمر العجيب أنّني، وسط كل هذا الرعب الفضائي، كنت أطمئن بالنظر إلى أسفل.
كانت هناك فتحة صغيرة جدًا، أسفل المركبة الوهمية، تكشف الأرضية الخشبية الحقيقية لمدينة الألعاب. وكنت، كلّما شعرت أنني سأهوي في الفراغ، أنظر إليها سريعًا، فأهدأ. لا لأنني توقفت عن الخوف، بل لأنني تذكّرت أن الخوف نفسه موضوع فوق ألواحٍ خشبية آمنة. وهنا تكمن المفارقة التي لا يفهمها الملحدون ولا المتشائمون: فالإنسان لا يستمتع بالمغامرة لأنه شجاع، بل لأنه يعرف سرًا أن هناك شيئًا يحمله.
الأرض التي تسمح بالسقوط
إن أكثر الناس طلبًا للمغامرات ليسوا أولئك الذين يظنون الكون عبثًا، بل أولئك الذين يؤمنون -ولو دون اعتراف- أن هناك أرضية تحت أقدامهم. فالطفل لا يقفز من فوق السرير لأنه يحب السقوط، بل لأنه يثق بذراع أبيه. والرجل لا يضحك في السفينة أثناء العاصفة لأنه يجهل البحر، بل لأنه رأى اليابسة يومًا. لهذا يبدو الإيمان المسيحي غريبًا جدًا للعالم؛ لأنه لا يَعِد الإنسان بإلغاء التنين، بل بأن التنين لن يكون الكلمة الأخيرة. لقد أراد العالم الحديث أن يصنع للإنسان مغامرة بلا أساس، فحوّل البطولة إلى قلق، والحرية إلى دوار، والفضاء إلى فراغ بارد. لكن المسيحية فعلت العكس تمامًا؛ لقد وضعت تحت أقدام الإنسان خشبة. ولهذا أيضًا ظلّ الصليب دائمًا أكثر عمليةً من الفلسفات الحديثة. فالناس لا يحتاجون إلى تفسيرٍ للهاوية بقدر حاجتهم إلى شيءٍ يمنعهم من السقوط فيها.
كنتُ أعود بعيني إلى تلك الأرضية الخشبية الصغيرة كل بضع دقائق، فأبتسم. فمن المضحك حقًا أن الإنسان يدفع المال أحيانًا لكي يخاف، بشرط أن يكون الخوف مضمون النهاية. وربما لهذا يحب البشر القصص، والرحلات، والغابات المظلمة، وأفلام الوحوش، وألعاب الفضاء؛ لأنهم لا يريدون الأمان وحده، بل يريدون أمانًا يسمح بالمغامرة. نريد أن نحبس أنفاسنا أمام غابات أفريقيا، شرط أن لا نقوم من على الأريكة في النهاية. فنحن لا نطلب النجاة فقط، بل نطلب دهشة لا تقتلنا. يبدو أننا لا نريد الجنة بوصفها غرفة انتظارٍ بيضاء، بل بيتًا أبديًا نستطيع منه أن نركض، ونتعثّر، ونضحك، ثم نعود إليه سالمين. ولهذا، بينما كنتُ أطير وسط المجرّات الوهمية، أدركت فجأة أن الإيمان ليس قيدًا يمنع الإنسان من الطيران، بل هو الأرضية الخشبية الصغيرة التي تسمح له بأن يجرؤ على الطيران أصلًا.
يقين الخشبة
وهكذا صار السقوط نفسه آمنًا، لا لأنه اختفى، بل لأن شيئًا ما تحته لا يسقط. عند هذه النقطة فهمتُ لماذا بدت تلك الخشبة الصغيرة أعظم من المجرة كلها. لأن الخشبة، في النهاية، ليست مجرد تفصيل في اللعبة. إنها الفكرة كلها. فالإنسان المسيحي لا يعيش مطمئنًا لأنه بارع في الإمساك بنفسه، بل لأنه ممسوك أصلًا. ولا يسير نحو الأبدية لأنه يثق في ثبات قلبه، بل لأنه يثق في ثبات من أمسكه أولًا. ولهذا يبدو الصليب غريبًا جدًا للعالم؛ بل عن بعض المسيحيين أيضًا.
فالعالم يبحث دائمًا عن سلّم يصعد به الإنسان إلى السماء، بينما المسيحية تبدأ بخشبة نزل عليها الله إلى الإنسان. ومن العجيب أن البشر يخافون أحيانًا من يقين الخلاص، كأن الاطمئنان على النهاية سيحوّل الحياة إلى كسل روحي. لكن الحقيقة العكس تمامًا. فالطفل الذي يعرف أن أباه لن يطرده من البيت، هو وحده القادر أن يتعلّم المشي دون رعب. أما الذي يعيش مذعورًا من الطرد عند كل تعثّر، فلن يمشي، بل سيزحف نفسيًا طوال عمره. وهكذا أيضًا، لم أكن أجرؤ على الاستمتاع بالرحلة لأنني كنتُ قويًا، بل لأن الأرضية الخشبية كانت هناك طوال الوقت.
لم تكن مهمة الخشبة أن تمنع الاهتزاز، بل أن تمنع السقوط النهائي. وهذا هو الفرق بين حياة مع قدر من النعمة، وحياة ترتكز على الصليب، محمولة بالنعمة. الأولى تجعل الإنسان يعيش كمن يسير فوق حبلٍ معلق فوق الجحيم، مترقبًا هلاكه عند أول خطأ. أما الثانية، فتعطيه الجرأة أن يركض، ويتعثّر، ويقوم، لأنه يعلم أن هناك خشبة سبق أن حملت سقوطه كله. ولهذا، ربما لم يكن الصليب مجرد أداة موت كما ظنّ الرومان. بل كان، بسخرية إلهية مدهشة، الأرضية الخشبية الوحيدة القادرة أن تحوّل السقوط نفسه إلى طريق عودة. فنحن لا نُخلَّص لأننا لم نهتزّ قط، بل لأن المسيح ظلّ ثابتًا بينما كان العالم كله يهتزّ من حوله. ولعلّ الإيمان، في جوهره، ليس أن ينجح الإنسان دائمًا في التمسك بالله، بل أن يكتشف -وسط ارتباكه كله- أن الله لم يتركه يسقط خارج يديه قط.
الفستق، والفن، والمسيحية
فإذا كان الله لا يترك الإنسان يسقط خارج يديه، فإن العالم نفسه لا يعود مجرد فراغٍ بارد، بل يصبح مكانًا يمكن احتماله. ولهذا، ربما لا تكون أعظم مشكلة في النظرة الإلحادية أنها تنكر السماء، بل أنها تجعل الأرض نفسها أقل احتمالًا. فالإنسان لا يعيش بالنجاة وحدها، وإلا لاكتفى بالخبز والماء وسقفٍ يمنع المطر. لكن الإنسان -هذا الكائن الغريب- يصرّ على إضافة أشياء لا ضرورة لها إطلاقًا للبقاء: الروايات، والموسيقى، والشعر، وكرة القدم، والرحلات، والنكات، وتحميص اللوز، وتقشير الفستق ببطءٍ مهيب بينما يشاهد فيلمًا عن نهاية العالم. وهذا، في الحقيقة، تصرف غير عقلاني تمامًا، إن كان الكون مجرد صدفة باردة. فلو كانت الحياة مجرد معركة للبقاء، لكان أعقل البشر هو أكثرهم اختصارًا للحياة، لا أكثرهم احتفالًا بها.
لكن الإنسان يفعل العكس دائمًا؛ إنه يحوّل الطعام إلى وليمة، والأصوات إلى موسيقى، والكلمات إلى أدب، والوقت إلى عيد. وكأن روحه تعرف شيئًا أكبر من فكرة “النجاة”. ولهذا أيضًا لا يحب الإنسان المغامرة فقط، بل يحب أن يرويها بعد ذلك. فالطفل لا يكتفي برؤية البحر، بل يعود ليحكي كيف بدا الموج. والرجل لا يشاهد المباراة فقط، بل يعيد تحليلها كما لو أنها ملحمة هوميروسية. والعاشق لا يكتفي بالحب، بل يكتب الشعر الرديء أيضًا، وهذه إحدى البراهين القوية على سقوط الإنسان. لكن كل هذه الأشياء الصغيرة تكشف سرًا ضخمًا: أن الإنسان لم يُخلق فقط ليستمر، بل ليفرح. ومن دون هذه الفكرة، يصبح العالم أشبه بمدينة ألعاب معطلة؛ آلات تدور، وأضواء تلمع، لكن لا أحد يعرف لماذا ينبغي أن يبتسم أصلًا.
أما المسيحية، ففعلت شيئًا أكثر جرأة بكثير. إنها لم تطلب من الإنسان أن يهرب من العالم، بل أن يستعيده. لم تقل له إن النجوم شريرة، ولا إن الضحك سطحي، ولا إن الولائم خطية، بل قالت له إن كل الأشياء الجميلة ليست أوهامًا، بل تلميحات عن فرح أعمق وأبدي. ولهذا لم يكن غريبًا أن يحوّل المسيح الماء إلى خمر، لا إلى محاضرة. فالإيمان الحقيقي لا يقتل الدهشة، بل يمنعها من التحول إلى يأس. والصليب لم يُوضع في قلب التاريخ لكي يطفئ المغامرة البشرية، بل لكي ينقذها من العبث. وهكذا، حين كنتُ أنظر إلى تلك الفتحة الصغيرة أسفل اللعبة، وأرى الأرضية الخشبية الثابتة تحت كل هذا الجنون الفضائي، فهمت شيئًا بسيطًا جدًا: أن الإنسان لا يستطيع الطيران طويلًا إذا ظنّ أن السقوط هو الحقيقة النهائية. لكنّه يستطيع أن يضحك، ويجرب، ويحب، ويتعثر، ثم يقوم من جديد، إذا كان يعلم أن هناك خشبة تحمله حتى عندما ترتجف قدماه.
ولهذا لم تعد الخشبة بالنسبة لي مجرد جزء من لعبة. لقد صارت صورة للعالم كله. فنحن نعيش وسط دورانٍ هائل، ومجرّات من الأسئلة، وارتطامات لا تنتهي، لكن تحت هذا كله توجد حقيقة ثابتة، لا نراها دائمًا، لكنها تحملنا دائمًا، بيقين لا غشّ فيه. خشبةٌ حملت يومًا جسد المسيح، فصارت -بسخريةٍ إلهية لا يقدر إلا الله أن يكتبها- الشيء الوحيد القادر أن يجعل الإنسان يجرؤ على الحياة دون خوفٍ نهائي.

