كيف قرأت اللاهوت؛ وكيف قرأني اللاهوت؟

أبدأ كلماتي من حيث انتهى المسيح بالسؤال: “كيف تقرأ؟” ولطالما ظننت أن هذا السؤال من أبسط الأسئلة الممكنة. فالناس يسألون عادة: ماذا تقرأ؟ أما المسيح فسأل: كيف تقرأ؟ وذلك فرق يشبه الفرق بين من يسأل رجلًا عن نوع السفينة التي يركبها، ومن يسأله إن كان يعرف أصلًا إلى أين يبحر.

كان الناموسي يبحث عن الحياة الأبدية، لكن المسيح حوّل نظره فجأة من الكتاب إلى القارئ، ومن النص إلى النفس، ومن المعرفة إلى طريقة المعرفة. ولعل هذا ما جعلني أتذكر سقراط وهو يعلن عبارته الشهيرة: “الحياة التي لا تُفحص لا تستحق أن تُعاش.” وقد أحببت هذه العبارة منذ سنوات طويلة. بل ربما أحببتها أكثر مما ينبغي. فالفلاسفة لديهم عادة لطيفة وخطيرة في الوقت نفسه؛ إذ يقنعوننا أن الإنسان يفحص العالم، بينما المشكلة الحقيقية أن العالم كثيرًا ما يفحص الإنسان.

العقل بين الشمس والمصباح

وقد دخلت دراسة اللاهوت وأنا أحمل هذا الوهم الجميل. كنت أظن أنني سأدرس اللاهوت. وأنني سأفحص النصوص. وأنني سأزن الأفكار. وأنني سأحاكم العقائد. لكن ما حدث كان أشبه بمزحة إلهية رقيقة. فبينما كنت أجلس أمام الكتب لأدرسها، كانت الكتب تجلس أمامي لتدرسني. وكلما فتحت صفحة لأفحص فكرة، وجدت الفكرة تفحصني أنا. وكلما أمسكت الحقيقة بين يدي، اكتشفت أنها أمسكت بي قبل ذلك بوقت طويل. وهنا بدأت رحلتي الحقيقية مع التعليم اللاهوتي.

ولم تكن فائدته في أنه ملأ رأسي بالمعلومات، بل في أنه أعاد ترتيب الرأس نفسه. فالفرق بين التعليم الحقيقي والتعليم الزائف يشبه الفرق بين من يملأ غرفة بالأثاث ومن يبني بيتًا. الأول يضيف أشياء. أما الثاني فيغيّر البنية كلها. وهذا ما فعله اللاهوت بعقلي. لقد اكتشفت أن العقل البشري يشبه مصباحًا رائعًا، لكن مشكلته أنه إذا نسي أنه مصباح، حاول أن يصبح شمسًا.

ومن هنا يقع الإنسان بين خطأين متناقضين. فإما أن يعبد العقل. وإما أن يهمله. بينما يرفض اللاهوت المسيحي الأمرين معًا. فهو يطلب من الإنسان أن يستخدم عقله بكل قوته، لكنه يذكّره في الوقت نفسه أن العقل نفسه جزء من الخليقة. لقد تعلّمت أن التفكير ليس عدو الإيمان، بل أحد أدواته. وتعلّمت أن السؤال الصادق لا يخيف الحقيقة. فالحقيقة لا ترتجف أمام الأسئلة، بل أمام الأكاذيب. ولهذا لم أخرج من دراسة اللاهوت بعقل أصغر، بل بعقل أكثر اتضاعًا. وهي مفارقة أخرى من مفارقات الحياة. فالجهل غالبًا ما يرفع الأنف. أما المعرفة الحقيقية فترفع الرأس. وهناك فرق كبير بين الأمرين. لقد شعرت أن رأسي صار أعلى من ذي قبل، بينما صار أنفي أقل ارتفاعًا من أي وقت مضى.

اللاهوت الملموس

لكن اللاهوت لم يعلمني احترام العقل فقط. بل علمني أيضًا احترام الحواس. وهذه مفارقة لا يتوقعها كثيرون. فالبعض يظن أن الدين يبدأ عندما تتوقف الأدلة. لكن المسيحية بدأت بإله صنع الطين، ثم تجسد في جسد، ثم دعا الناس ليلمسوا آثار المسامير في يديه. إنها ديانة غريبة للغاية. غريبة لأنها لا تطلب من الإنسان أن يهرب من المادة، بل أن يكتشف معناها. ولهذا قال المسيح لتوما: “هات إصبعك إلى هنا.” وكأن الله نفسه يقول للبشرية كلها: لا تخجلوا من أعينكم التي أعطيتكم إياها. ولا من أيديكم التي خلقتها لكم. ولا من عقولكم التي نفخت فيها نسمة الحياة.

لقد تعلمت من اللاهوت أن المادة ليست نقيض الروح. بل إحدى لغاتها. وأن العالم ليس جدارًا يحجب الله. بل نافذة تشير إليه. بل إنني أجرؤ على القول إن كثيرين لا يفشلون في رؤية الله لأن العالم يخفيه، بل لأنهم توقفوا عن الدهشة أمام العالم. فالطفل يرى الأعجوبة في شجرة. أما الفيلسوف المتعب فيحتاج أحيانًا إلى مجلدات ليقنع نفسه بأن الشجرة موجودة أصلًا.

اللاهوت والمعنى

لكن أعظم ما منحه لي اللاهوت لم يكن العقل ولا البرهان. بل المعنى. فالإنسان يستطيع أن يعيش بلا رفاهية. ويستطيع أن يعيش بلا شهرة. ويستطيع أحيانًا أن يعيش بلا نجاح. لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلًا بلا معنى. والعصر الحديث مليء بأشخاص يعرفون كيف يعيشون. لكنهم لا يعرفون لماذا يعيشون. إنهم يملكون ساعات دقيقة جدًا. لكنهم فقدوا الاتجاه. ولهذا اكتشفت أثناء دراستي أن السؤال المركزي ليس: ما مهنتي؟ ولا: ما هوايتي؟ ولا حتى: ما أحلامي؟ بل: ما القصة التي أعيش داخلها؟ وهنا وجدت الإجابة الكبرى. فالإنسان ليس حادثًا كونيًا ضائعًا بين نجمين. وليس رقمًا بيولوجيًا في سجل الطبيعة. بل شخص مدعو للدخول في قصة الله. ولذلك لم تعد القضية الكبرى بالنسبة لي فلسفة ولا سياسة ولا فنًا ولا علمًا. مع أنني أحب هذه الأشياء كلها. بل أصبحت القضية هي قصة الله مع الإنسان.

فجأة وجدت أن الحياة كلها تأخذ مكانها الصحيح. فالأفراح لم تعد مصادفات. والآلام لم تعد عبثًا. والنجاحات لم تعد آلهة. والهزائم لم تعد نهاية العالم. لأن كل شيء أصبح جزءًا من قصة أكبر مني. وأجمل ما في القصة أنها لا تتمحور حولي. وهذه أيضًا إحدى المفارقات السعيدة. فالإنسان لا يجد نفسه عندما يجعل نفسه مركز الكون. بل عندما يكتشف أنه ليس مركز الكون. إن الكواكب لا تدور حولي. لكن محبة الله تشملني. وهذا أكثر روعة بكثير.

وبعد سنوات من القراءة والبحث والنقاش، حصلت على درجة الماجستير. لكن المفارقة أنني لم أشعر أنني أصبحت عالمًا. بل شعرت أنني أصبحت تلميذًا للمرة الأولى. لقد خرجت من الدراسة بشهادة أكاديمية. لكنني خرجت أيضًا بدهشة طفل. وكلما نظرت إلى بحر المعرفة شعرت أنني لم أفعل أكثر من تبليل قدمي عند الشاطئ. ولعل هذا هو التعليم الحقيقي. ليس أن تصل إلى اللحظة التي تقول فيها: “الآن عرفت.” بل إلى اللحظة التي تقول فيها: “الآن بدأت أفهم كم أنني لا أعرف.” لذلك عندما يسألني أحد عن فائدة دراسة اللاهوت، لا أقول إنها تمنح الإنسان معلومات دينية إضافية. بل أقول إنها تساعده أن يجد ثلاثة أشياء يبحث عنها الجميع: عقلًا يفكر. وبرهانًا يطمئن. ومعنى يعيش لأجله. ولهذا أدعو كل إنسان إلى هذه الرحلة. ليس لأن اللاهوت مجموعة حقائق تُقرأ فقط. بل لأنه حق تُقرأ به الحياة كلها. لهذا أستطيع أخيرًا أن أقول لسقراط في قبره: نعم، عشت حياة تُفحص. لكن المفاجأة التي ربما كانت ستسعدك أنت أيضًا: أن الذي فحصني في النهاية لم يكن عقلي. بل كلمة الله الحية. واكتشفت الحقيقة الأبسط والأثقل والأجمل: أن الإنسان قد يفتش العالم كله عن المعنى، ثم يكتشف بدهشة طفل أن المعنى كان يبحث عنه هو. فلم تكن النهاية أن أعرف نفسي أكثر. بل أن أعرف ذاك الذي عرفني أولًا.

شارك مع أصدقائك

أمير عادل

مهندس معماري. كاتبٌ ومُزوِّد مقالات في عددٍ من المجلَّات والدَّوريَّات والمواقع الإلكترونيَّة. حاصل على درجة ماچستير الآداب في اللَّاهوت، قسم اللاهوت وتاريخ الكنيسة بكليَّة اللَّاهوت الإنجيلية المشيخية – القاهرة. صدر له ثلاثة كتبٍ، وكتابين قيد النشر، تجمع بين اللاهوت والفلسفة والأدب.