الصُّوفيَّة والروحانيّة المسيحيَّة [2]: كيف نعرف أن الروحانيَّة “كتابيَّة” بحق؟

في المقال السابق، تحدثنا عن لمحة عن نشأة الصوفيّة وأشهر روّادها. في هذا المقال، سنعطي لمحة عن الروحانيّة الكتابية، على أن نُكمل في الأسابيع القادمة الحديث عن نقاط التماس والاختلاف بين التصوّف والروحانيّة الحقيقيّة التي تُقدمها لنا كلمة الله.


ما هي الروحانيَّة الكتابيّة؟

يُمكن تعريف الروحانيَّة الكتابيَّة على أنها السعي نحو الالتصاق بالله الثالوث –الآب والابن والروح القُدُس – وفقًا لما أعلنهُ عن ذاته، والذي تحركه وتدفعه النعمة ويُنتج ثمر الروح القدس. إن الحياة الأبدية هي الحياة مع ذلك الإله، وهذه الحياة ننالها فقط مِن خلال العمل الوسائطيّ للابن المُتجسد، والمصلوب، والمُقام، والذي يملُك من الآن وإلى الأبد. فهو قال: “أَنَا هُوَ ٱلطَّرِيقُ وَٱلْحَقُّ وَٱلْحَيَاةُ لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى ٱلْآبِ إِلَّا بِي” (يوحنا 14: 6). وبالمِثل، فإن “المُعَزي”، “روح الحق” يشهد للمسيح (يوحنا 15: 26)، ويُعلّمنا، ويُذكّرنا بكل ما علّمهُ المسيح على الأرض (يوحنا 14: 26).

ما هي أهداف الروحانيَّة الكتابيّة؟

إن هدف الروحانيَّة الكتابيَّة هو ذاته هدف الحياة المسيحية: أن نُمَجد الله الثالوث مِن خلال التمتع بمعرفته والشركة معه ونحن نتغير إلى صورته ونُماثل شخصيته. وكل عُنصر من عناصر هذا الهدف نراها بوضوح في كلمة الله. فإنه يتعين علينا أن نفعل كل شيء–حتى الأمور الروتينيّة البسيطة كالمأكل والمشرب– “لِمَجْدِ ٱللهِ” (كورنثوس الأولى 10: 31). ونحن نقوم بذلك لأننا نحسب كل شيء خسارة “مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ” ربنا ومُخلصنا (فيلبي 3: 8، 10).

فالهدف الأساسيّ من عَمل المسيح على الصليب هو “كَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى ٱللهِ” (بطرس الأولى 3: 18). وإرادة الله من نحونا هي قداستنا (تسالونيكي الأولى 4: 3)، ولذا يجب علينا أن نُرَوِّضُ أنفسنا على التَّقوى (تيموثاوس الأولى 4: 7). وبينما نحن نقوم بذلك، فإننا نعمَله وفقًا لخطة الله التي عينها لنا أن نكون: “مُشَابِهِينَ صُورَةَ ٱبْنِهِ” (رومية 8: 29).

ما هي وسائل الروحانيَّة الكتابيَّة؟

لتحقيق تلك الغاية، يجب علينا الانخراط في المُمارسات الروحيّة، أي وسائط النعمة-تلك العطايا الإلهيّة التي علينا الاشتراك فيها باستمرار أثناء سعينا لنكون في شركة مع الله، مِن أجل مجده وحده، لنتغيّر إلى صورته ونُماثل شخصيته. يُمكن أن تكون تلك الوسائل شخصية (مِثل الصلاة الفردية) وجماعية (مَثل الصلاة وسط جماعة)، وتتضمن مُمارسات تَتم مرة واحدة (مِثل المعمودية)، وأخرى تَتم بانتظام (مِثل كسر الخبز)، وأخرى ينبغي أن تُمارس بشكلٍ مستمر (مِثل الصلاة والتأمل في كلمة الله؛ انظر تسالونيكي الأولى 5: 17؛ يشوع 1: 8).

كيف نعرف ما إذا كانت الروحانيَّة “كتابيَّة” بحق؟

من الأمور الأساسية لمُمارسة الروحانيَّة الكتابيَّة أن تكون تلك المُمارسات والمعتقدات اللاهوتية مبنية على أساس كتابيّ صحيح. ولكن تظهر هنا مُعضلة حقيقية. فكل الممارسات والمعتقدات اللاهوتية التي تُنسَب لاسم المسيح، يدعي أصحابها أيضًا أنها كتابية! ولكن هناك فرقًا جذريًا بين المُمارسات التي تنشأ مِن النص الكتابيّ وتلك التي لا تَمُتُّ للنص بِصِلَة. لذلك، يدعونا الرسول بولس بالروح القُدُس قائلًا: “ٱمْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ، تَمَسَّكُوا بِٱلْحَسَنِ.” (تسالونيكي الأولى 5: 21) ونحن مدعوين لامتحان كل شيء مِن خلال كلمة الله المعصومة، والواضحة، والكافية، والضرورية لخلاصنا.

لقد صلّى يسوع إلى الآب لكي نتقدس في الحق، وأضاف بقوله للآب “كَلَامُكَ هُوَ حَقٌّ” (يوحنا 17: 17). أكّد يسوع باقتباسهُ من سفر التثنية أثناء تجربته على الجبل من قِبَل الشيطان أن كلمة الله لا غنى عنها “لَيْسَ بِٱلْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا ٱلْإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ ٱللهِ” (متى 4: 4).  كما سلَطَ كاتب سفر العبرانيين الضوء على الدور الأساسيّ الفعال الذي تقوم به كلمة الله في تشكيل حياتنا الروحيّة وانتصارنا في الصراع ضد الخطية: “لِأَنَّ كَلِمَةَ ٱللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ ٱلنَّفْسِ وَٱلرُّوحِ وَٱلْمَفَاصِلِ وَٱلْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ ٱلْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ” (العبرانيين 4: 12).

كيف لنا ممارسة الروحانيَّة الكتابيّة؟

ما قلته حتى الآن يُمكن أن يترك انطباعًا خاطئًا إذا انفصلت مُمارسة التدريبات الروحية وحياة التقوى عن شكل أو بُنية الحياة المسيحية الأساسية، لأنه وفقًا لكلمة الله المُقدسة، لا يُمكن لأي شخص القيام بأي عمل “روحيّ” إلا إذا كان بِداخله روح الله.

نرى في العهد الجديد فرقًا شاسعًا بين أولئك الذين “ولدوا ثانيةً” وأولئك الذين لم يولدوا ثانيةً (انظر يوحنا 3: 3 وما يليها). فبحسب بولس، إن “ٱلْإِنْسَانَ ٱلطَّبِيعِيَّ” لا يقبل ما لروح الله، في حين أن “الإنسان الروحيَّ” له “فِكْرُ ٱلْمَسِيحِ” (كورنثوس الأولى 2: 14-16). ولكن، يبدأ الجميع في العهد الجديد مِن ذات النقطة، فالجميع أعوزَهم مجد الله (رومية 3: 23)، لدرجة أنه لا يوجد بارٌ واحد (رومية 3: 10 وما يليها). فبسبب الخطية والموت اللذان دخلا إلى العالم بحسب آدم (رومية 5: 12 وما يليها)، نحن جميعًا في أشد الحاجة للنعمة الإلهية، وإلى بِر العهد الذي حققهُ رئيس الكهنة الجديد، الكامل، مُمثلنا في العهد.

وفي هذه المُبادلة العظيمة، يأخذ المسيح على نفسه خطايانا ويُعطينا بِره بكل محبة (كورنثوس الثانية 5: 21). ونحن نقبل هذا ليس مِن خلال ميراثنا الماديّ، أو هويتنا الوطنية، ولكن بالنعمة مِن خلال الإيمان (رومية 5: 1؛ أفسس 2: 8-9). وبعد قبولنا وتبنينا بالكامل، وبعدما صرنا خاصة الله ومُمتلئين بحضوره، علينا أن نسلُك في الأعمال التي سبق الله فأعدها لنا (أفسس 2: 10). وباتحادنا مع المسيح المصلوب والمُقام مِن بين الأموات، نستمر في التغيير إلى هويتنا القانونية كقديسين مُبررين (رومية 6: 1-11)، وتصبح الخطية بالنسبة لنا واقع لا يُمكننا العيش فيه؛ إذ هو مُناقض لواقع حياتنا (رومية 6: 23-12). إن عمل التقديس هذا مُستمر فينا حتى بلوغ ذروته عند تمجيدنا النهائيّ، حتى أنه عندما يظهر يسوع في اليوم الأخير “نَكُونُ مِثْلَهُ، لِأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ” (يوحنا الأولى 3: 2).

شارك مع أصدقائك

ماثيو بينيت

نائب الرئيس التنفيذي في دار Crossway للنشر.