3 طرائق لمساعدة المسلمين على فهم الصليب

يعرف الذين يألفون بالإسلام أنَّ الحوار المسيحيَّ المُسلم في الألف وأربعمئة سنة منذ صدرَ الإسلام تمركزت جزئيًّا على الجدال بشأن السؤال التاريخيِّ القائل: “هل حقًّا مات المسيح على الصليب؟” يؤكِّد القرآن في الآية المئة وسبع وخمسين من سورة النساء، أنَّه لم يُصلَب قط، في حين الكتاب المقدَّس يربط الإنجيل بموت الربِّ يسوع ودفنه وقيامته ربطًا وثيقًا (1 كورنثوس 15: 3-5). ولأنَّ مشاركة الإنجيل تتطلَّب مؤمنًا للمناداة بموت الربِّ يسوع، فلا مفرَّ من مواجهة هذه النقطة الخلافيَّة.

على الرغم من المحوريَّة التي لا شكَّ فيها حيال السؤال التاريخيِّ لموت الربِّ يسوع، حين يضحى لُبُّ الجدال يُغطِّي على سؤال لاهوتيٍّ لا يقلُّ أهمِّيَّة وهو “لماذا مات المسيح على الصليب؟” إنَّ منطق الموت الكفَّاريِّ للربِّ يسوع ذبيحةً متجَذِّرٌ في سفر اللاويِّين في العهد القديم كما أوضح كاتب الرسالة إلى العبرانيِّين.

وحقًّا، إنَّ إهمال طقس ذبائح العهد القديم سيقود أحبَّاءنا المسلمين إلى سوء فهم لإيماننا بالموت الكفَّاريِّ للربِّ يسوع على ثلاث جبهات على الأقلِّ.

الجبهة الأولى: الكفَّارة تحمل معنًى مختلفًا

سوء التفاهم الأوَّل يبرز من الجبهة اللغويَّة. يستخدم القرآن لفظة (كفَّارة) لوصف الحِلِّ من الخطايا. لكنَّ هذه الكلمة عينها يستخدمها الكتاب المقدَّس العربيُّ ترجمة عن الكلمة العبريَّة “كِيبر” التي منها اشتُقَّ مصطلح “يوم كيبور” أي يوم الكفَّارة. وفي الكتاب المقدَّس، تنطوي الكفَّارة على كاهن يعمل ممثِّلاً نائبًا، وذبيحة بديلة، ودم يُقدَّم أمام الله رمزًا عن الحياة. ونتيجة هذه الكفَّارة غفران الخطيَّة وتطهير النجاسة.

لكن في القرآن، الله هو وكيل الكفَّارة وليس الكاهن. والأنكى، الله يعذر ويستر الخطيَّة مقابل تديُّن الإنسان وأعماله الصالحة وتوبته عن الأعمال الشرِّيرة. ففي الإسلام لا حاجة إلى كاهن أو ذبيحة نيابيَّة لنيل الغفران أو التطهير. فعلى الرغم من استخدام كلمة كفَّارة عينها في النصَّين المقدَّسين، فمعناهما مختلف كلِّيًّا.

الجبهة الثانية: الكفَّارة تحمل قصدًا مغايرًا

يولي القرآن اهتمامًا بتقديم أضحيَّة. فالمسلمون حول العالم يشاركون في أضاحيَّ حيوانيَّة سنويَّة ذكرى لطاعة إبراهيم وابنه وخضوعهما لله (سورة الصافات: 99-111). في حين يرى غالبيَّة المسلمين هذا بأنَّه تذكير لمقاربة إيمان إبراهيم، يرى القرآن الأضحيَّة طقسًا أنزله الله لإثبات مصداقيَّة إيمان كلِّ جماعة (سورة الحج: 34-67).

وعليه، فبالنسبة إلى الإسلام، إنَّ الأضحيَّة السنويَّة فرض يسبق بل ينسخ اليهوديَّة والمسيحيَّة. إذ يظهر هذا في الآية السابعة والستِّين من سورة آل عمران التي تقول (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).  فبدلاً من أن تعمل الأضحيَّة وسيلة لتحقيق الكفَّارة، تعمل على تحديد المسلم مشاركًا في التقليد الإسلاميِّ ولترسيخ العقيدة الإسلاميَّة بأنَّها الشريعة الدينيَّة الحقُّ.

الجبهة الثالثة: الشخصيَّات عينها تروي قصَّة أخرى

بالنظر إلى هذه الرؤى المختلفة نحو الكفَّارة والذبيحة، يسهل استيضاح سبب صعوبة شرح الموت الكفَّاريِّ للربِّ يسوع إلى أيِّ مُسلم. ربَّما يعود أهمُّ سبب إلى هذه الصعوبة أنَّه في الإسلام تنطوي كلٌّ من الكفَّارة والذبيحة على مفاهيم مختلفة كلِّيًّا لقصَّة علاقة الله بالخليقة. فالإسلام لا يكترث بإخبار الناس عن كيفيَّة استرداد علاقتهم بالله، بل يهتمُّ بالأكثر بتذكيرهم بكيفيَّة السلوك أمام الله.

يقدِّم القرآن الحياة على أنَّها امتحان فيه على البشر الخضوع لله واتِّباع وصاياه وتذكُّر طرقه. لكن يظلُّ الله متعاليًا بعيدًا لأنَّه يستحيل على المخلوق إقامة علاقة وثيقة مع خالقه. كما يصف القرآن طرقًا ليطهِّر الإنسان نفسه وطرقًا أخرى ليطلب المغفرة على أفعاله الشرِّيرة. فالمرء بحسب القرآن سيُدان في اليوم الأخير بحسب الأعمال التي صنعها أو اقترفها في حياته. وعليه بالنسبة إلى المسلم فإنَّ فكرة صلب رجلٍ في القرن الأوَّل الميلاديِّ على صليب رومانيٍّ سينتج عنها علاقة مع الله سليمة هي محض سخافة وبعيدة كلُّ البُعد عن مفهوم الإسلام عن الكفَّارة.

فمن أين نبدأ؟

إنَّ هذه العوائق الثلاثة يصعبون إيصال المفهوم المسيحيِّ للكفَّارة إلى أنصار الإسلام. مع ذلك، إنَّ رسالة الكتاب المقدَّس -التي تضمُّ المشكلات الثلاث: الكفَّارة والذبيحة والقصَّة- أكثر واقعيَّة وتماسكًا وجاذبيَّة. ففي المسيحيَّة، خلق الله الخليقة من أجل مشاركته لها بذاته.

فهو لطالما يعلن مقاصده من خلق البشر الذين سيدعوهم باسمه وسيقيم في وسطهم. إنَّ سفر اللاويِّين (لا سيَّما الإصحاحين السادس عشر والسابع عشر) يسرد العطايا التي قدَّمها الله ليحلَّ حضوره القدُّوس الطاهر البارُّ في محلَّة شعب شرِّير ونجس ومذنب. مشروطًا بهذا المفهوم اللاويِّ، يرى كاتب العبرانيِّين الربَّ يسوع رئيس الكهنة الذي إليه رمز الكهنة اللاويُّون، والذبيحة الأبديَّة التي رمزت إليها الذبائح السابقة.

في ضوء هذه الحواجز الثلاثة، نجد أنَّ رسالة العبرانيِّين نقطة انطلاق مثاليَّة لبلوغ فهم أفضل عن سبب تأليه المسيحيِّين لذبيحة الربِّ يسوع وكهنوته. فإنَّ دعوة صديقك المسلم إلى دراسة سفر العبرانيِّين، يسمح للكتاب المقدَّس بتعريف الكفَّارة وإظهار القصد من الذبيحة له وما ينطويان عليه من غفران وتطهير. إنَّ رسالة العبرانيِّين تسرد قصَّة إله، قبل التجسُّد بأزمان، قصد السُكنى وسط شعبه.

لطالما يستمرُّ الصراع اللاهوتيُّ بين المسيحيَّة والإسلام، سأصلِّي أن يعمل الروح القدس بكلمته المقدَّسة ليُعرِّف الكفَّارة ويضع الذبيحة في سياقها المناسب داخل قصَّة مقاصِد الله الفدائيَّة. فقصَّة الفداء أكثر واقعيَّة من أيِّ قصَّة أخرى تُسرَد.

شارك مع أصدقائك

هو أستاذ مساعد للاهوت الإرساليات بجامعة سيدارفيل.