عند الصليب: يتسع ثقب الإبرة للجمل!

يفاجئنا كُتّاب الدراما في بعض أعمالهم بدخول مفاجئ لشخصية معينة تظهر في ذروة الأحداث. الدخول ده غالبًا ما يتحدى ذهن القارئ ويدفعه للتفكير في طبيعة الشخصية دي وسبب ظهورها غير المتوقع، وخصوصًا لو مفيش أي ذكر صريح أو تلميح حتى لاسمها من بداية القصة!

يوسف الرامي التلميذ

بطلنا النهاردة هو يوسف الرامي، تلميذ يسوع المسيح سرًا بسبب الخوف من اليهود، ولكن إيمانه أُعلن في أحلك الأوقات وشاف النور بعد تسجيل اسمه في الأناجيل الأربعة مجتمعة (متى٥٧:٢٧-٦٠؛ مرقس ٤٢:١٥-٣٦؛ لوقا ٥٠:٢٣-٥٤؛ يوحنا ٣٧:١٩-٤٢). يوسف مكانش مجرد ضيف شرف ظهر فجأة مساء جمعة الصليب عشان يطلب بجرأة من بيلاطس جسد يسوع المسيح لتكفينه، واللي بحسب الشريعة جسد معلق على خشبة يعني ملعون (تثنية ٢٣:٢١؛ غلاطية ١٣:٣).

برغم كونه شخصية ثانوية، إلا إن دوره في لف جسد المسيح بالكتان النقي لتكفينه ثم دفنه في القبر الجديد اللي نحته في الصخر ووضعه للحجر على باب القبر. التكفين والدفن من العناصر الأساسية لتاريخية الإنجيل اللي بشر به الرسل، واللي بتأكد موت المسيح وبالتالي مصداقية قيامته بالجسد:

‏وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا ٱلْإِخْوَةُ بِـٱلإِنـْجِيلِ ٱلَّذِي بَشَّرْتـُكُمْ بِهِ، وَقَبِلْتُمُوهُ، وَتَقُومُونَ فِيهِ، وَبِهِ أَيْضاً تَخْلُصُونَ… فَإِنـَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي ٱلْأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضاً: أَنَّ ٱلْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ ٱلْكُتُبِ، وَأَنـَّهُ دُفِنَ، وَأَنـَّهُ قَامَ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّالِثِ حَسَبَ ٱلْكُتُبِ. (١كورنثوس١:١٥-٤)

يوسف الرامي شاهد العيان

بالإضافة لدوره في تكفين ودفن المسيح، ذِكره بالاسم كشاهد عيان يَدعم مصداقية الأحداث، ولا سيما في واحدة من التفاصيل اللي مفيش شخصية من التلاميذ الاثني عشر قدر يتابعها لسبب خوفهم وهروبهم من مسرح الأحداث بعد الصليب. عشان كده حَرص كُتّاب الأناجيل على ذكر الشخصيات الثانوية بالاسم باعتبار أنهم شكلوا الذاكرة الحية اللي كانت شاهدة على الحدث، وبعضهم كان معروف بالاسم هو وأولاده لرعية الكنيسة، مثال: “سِمْعَانُ ٱلْقَيْرَوَانِيُّ أَبُو أَلَكْسَنْدَرُسَ وَرُوفُسَ” الشخص اللي حمل الصليب عن المسيح في طريق الجلجثة (مرقس٢١:٥)، وكان معروف بالاسم وأولاده أعضاء في كنيسة روما، وذكرهم بولس الرسول في تحياته للكنيسة: “سَلِّمُوا عَلَى رُوفُسَ ٱلْمُخْتَارِ فِي ٱلرَّبِّ وَعَلَى أُمِّهِ أُمِّي.” (رومية ١٣:١٦).[1]

يوسف الرامي الرجل الغني

الدور الأخير اللي محتاجين نلتفت إليه مرتبط بالصفة اللي اختارها متى دونًا عن باقي الأناجيل الأربعة عشان تكون أول وصف ليوسف الرامي: “رَجُلٌ غَنِيٌّ” (متى٥٧:٢٧). واللي بيفكرنا بكلام المسيح في متى ١٩ عن الشاب الغني! خلينا نرجع بالأحداث فلاش باك.

كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونـُونَ آخِرِينَ وَآخِرُونَ أَوَّلِينَ

(متى ٣٠:١٩)

قصة الشاب الغني في متى ١٩ غنية عن التعريف، ولا سيما تعليق المسيح في نهايتها لما رفض الشاب الغني إنه يبيع أملاكه ويعطي الفقراء عشان يكون له كنز في السماء ويدخل الحياة الأبدية. لكن تسلسل الحوار بين المسيح والتلاميذ بعد رحيل الشاب الغني في غاية الأهمية. تابع معايا!

أولًا: تعليق المسيح على حُزن الشاب الغني

أول تعليق للمسيح على حزن الشاب الغني. قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنـَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ. وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضاً: إِنَّ مُرُورَ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ ٱللّٰهِ.” (متى ٢٣:١٩-٢٤)

باختصار، دخول الأغنياء الملكوت صعب، ويمكن يكون مستحيل لو تمكنت محبة المال من قلب الإنسان. لأنه المسيح وفي نفس الإنجيل حذرنا قبل كده: “لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنـَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ ٱلْوَاحِدَ وَيُحِبَّ ٱلْآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ ٱلوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ ٱلْآخَرَ.لا تَقْدِرُونَ أنْ تَخْدِمُوا ٱللّٰهَ وَٱلْمَالَ.” (متى ٢٤:٦)

ثانيًا: استنكار التلاميذ وتأكيد المسيح

رد التلاميذ باستفسار بنكهة الاستنكار لصعوبة الخلاص في تعليم يسوع المسيح: “فَلَمَّا سَمِعَ تَلاَمِيذُهُ بُهِتُوا جِدّاً قَائِلِينَ: إِذاً مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟ (متى ٢٥:١٩). وكان رد المسيح واضح جدًا بإن الخلاص أو دخول الحياة الأبدية، غير مستطاع عند الناس.

لكن كمل وقال إن الله يقدر يحرر الإنسان من سيادة إله المال (راجع متى ٢٤:٦)، وقال لتلاميذه: “هَذَا عِنْدَ ٱلنَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلَكِنْ عِنْدَ ٱللّٰهِ كُلُّ شيء مُسْتَطَاعٌ.” (متى ٢٦:١٩). وهنا للأسف، أغلبنا بيوقف قراءة قصة الشاب الغني عند التعليق ده! كمل معايا الجولة الثالثة من الحوار ده.

ثالثًا: تعليق بطرس الحماسي ورد المسيح

بطرس هنا بيقول: “عفوًا، نحن نختلف عن الشاب الغني!” إحنا نجحنا في اللي فشل فيه وسيبنا كل شيء، إيه هي المكافأة اللي منتظرانا؟! فقال:”هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْئٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟ (متى ٢٧:١٩) رد المسيح ووعد ببركات كتيرة تنتظر كل من ترك شيء لأجله، لكن ختم كلامه بتعليق مفاجئ ومثل يشرح فيه التعليق. التعليق اللي وجهه لبطرس كان: “كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونـُونَ آخِرِينَ وَآخِرُونَ أَوَّلِينَ” (متى ٣٠:١٩)، والمثل كان مثل أصحاب الساعة الحادية عشر.

لثاني مرة بيفتح يسوع المسيح المجال لانقلاب الأوضاع؛ المعجزات بتحصل وغير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله. لكن كمان ممكن اللي في المكانة الأولى -اللي هو بطرس والتلاميذ في الحوار- يصير أخير. واللي في المكانة الأخيرة -واللي بيمثله في قصتنا الإنسان الغني- ممكن يصير في المكانة الأولى!

مش بس كده، مَثَل أصحاب الساعة الحادية عشر اللي أخدوا فيه نفس الأجر اللي أخدوه اللي اشتغلوا طول اليوم، حكاه المسيح في نفس السياق عشان يكمل رده على كلام بطرس لما سأل: “هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْئٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟ (متى ٢٧:١٩) لاحظ مَثَل أصحاب الساعة الحادية عشرة في متى ١:٢٠-١٦وتحديدًا آخر عددين، واللي المسيح ختمه بكلام يرجعنا مرة تانية لقصة الشاب الغني: “أَوَ مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَفْعَلَ مَا أُرِيدُ بِمَا لِي؟ أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟” قارن مع (متى ١٧:١٩)، وكرر مرة تانية العبارة الشهيرة: “هَكَذَا يَكُونُ ٱلْآخِرُونَ أَوَّلِينَ وَٱلْأَوَّلُونَ آخِرِينَ.” (متى ١٦:٢٠أ) وأضاف لها: “لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ.” (متى ١٦:٢٠ب)

لحظة التحوّل

جه الوقت اللي نشوف فين في الإنجيل بحسب متى حصل التحول العجيب ده؟! عند الصليب: بطرس والتلاميذ يكونون آخرين، ويتقدم رجل غني آخر، اسمه يوسف الرامي، تلميذًا ليسوع! لو بتقرأ الأناجيل بتمعن، هتعرف كويس إن تلاميذ يوحنا المعمدان هما اللي طلبوا جسد يوحنا ودفنوه: “فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَرَفَعُوا ٱلْجَسَدَ وَدَفَنُوهُ. ثُمَّ أَتَوْا وَأَخْبَرُوا يَسُوعَ.” (متى ١٢:١٤)

لكن العجيب إن الوقت اللي كان المفروض التلاميذ يكونوا بيكرموا معلمهم كانوا خايفين من اليهود! واللي كان خايف قبل كده بسبب اليهود -يوسف الرامي (يوحنا ٣٧:١٩-٣٩) واللي متى وصفه باعتباره رجل غني (متى ٥٧:٢٧) تقدم وطلب جسد المسيح وقام بدور التلميذ. فاستخدم المال لشراء أكفان، لشراء آخر مقر لجسد ابن الإنسان اللي في حياته مكانش له مسند رأس (متى ٢٠:٨). والأهم من المال اللي بذله لأجل المسيح هو استعداده للتضحية الأكبر بسبب إعلان إيمانه وإكرامه لجسد معلمه اللي في نظر اليهود مجدف. وميت ميتة العار واللعن!

الختام

عند الصليب، كَثِيرُونَ أَوَّلُونَ يَكُونـُونَ آخِرِينَ وَآخِرُونَ أَوَّلِينَ. الاستطاعة البشرية ليس لها الكلمة الأخيرة. وقت ما تفكر إنك عملت وعشت وضحيت لأجل المسيح وتسأله: ماذا يكون لي؟ هستمع وعود رائعة، مع تحذير ضروري يفكرك إن القوة ليست فينا. وارد إن الأدوار تتبدل! القوة في المصلوب اللي بحسب المنظور البشري ضعيف على الصليب، لكن بقوته استطاع تحرير رجل غني من سيادة المال -رجل غني هو يوسف الرامي وضع حياته على المحك!

صحيح إن “مُرُورَ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ ٱللّٰهِ” (متى٢٣:١٩-٢٤)، لكن صحيح كمان إن “هَذَا عِنْدَ ٱلنَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلَكِنْ عِنْدَ ٱللّٰهِ كُلُّ شيء مُسْتَطَاعٌ.” (متى ٢٦:١٩).

عند صليب المسيح، ثقب الإبرة كان واسع بما فيه الكفاية ليدخل منه يوسف الرامي.


[1] Richard Bauckham, Jesus and the Eyewitnesses: The Gospels as Eyewitness Testimony (2nd ed.; Grand Rapids: Eerdmans Publishing, 2017), 53.

شارك مع أصدقائك

چورچ د. بشاي

يدرس حاليًا درجة الدكتوراة في الفلسفة (.Ph.D) في العهد الجديد من كليّة موور للاهوت، بأستراليا. كما عمل في السابق كمدرس لمواد اللاهوت الكتابي والعهد الجديد في كلية اللاهوت الأسقفية بمصر.