ما هي الدعوة الفعالة؟ | أسئلة كتابية

أحيانا، يستخدم اللاهوتيون عبارات غير موجودة في الكتاب المقدس للحديث عن قضايا كتابية هامة. على سبيل المثال، لا تظهر كلمات مثل: “الثالوث” و”اللاهوت الكتابي” في الكتاب المقدس، ولكنها كلمات تعكس حقائق هامة وثمينة جدًا موجودة في الكتاب المقدس!

عبارة “الدعوة الفعالة” تنتمي لهذه الفئة من التعبيرات التي تعكس حقائق كتابية غير مذكورة بحصر اللفظ في الكتاب المقدس. وقد تم استخدامها من قبل اللاهوت المُصلَح للحديث عن كيفية دعوة الله للخطاة بنعمته السياديّة ليدفعهم للتوبة والإيمان من خلال معرفة عظمة وجلال يسوع المسيح.

الدعوة الفعالة في الكتاب المقدس

تُعتبر كورنثوس الأولى 1: 22-24 أهم نص يتحدث عن الدعوة الفعالة في الكتاب المقدس:

“لأَنَّ الْيَهُودَ يَسْأَلُونَ آيَةً، وَالْيُونَانِيِّينَ يَطْلُبُونَ حِكْمَةً، وَلكِنَّنَا نَحْنُ نَكْرِزُ بِالْمَسِيحِ مَصْلُوبًا: لِلْيَهُودِ عَثْرَةً، وَلِلْيُونَانِيِّينَ جَهَالَةً! وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ.”

عندما يتحدث الرسول بولس عن الكرازة بالإنجيل لليهود والأمم، فمن الواضح أنه يتحدث عن دعوة عامة مُقدمة للجميع ليؤمنوا برسالة الإنجيل (متى 22: 14). ومع ذلك، نري في ذات النص أيضًا من رسالة كورنثوس الأولى أن هناك دعوة داخلية خاصة من الله للكثير من الخطاة في قوله: “وَأَمَّا لِلْمَدْعُوِّينَ: يَهُودًا وَيُونَانِيِّينَ، فَبِالْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ.” (آية 24)

نُطلق على هذه الدعوة تعبير الدعوة الداخلية لأنها تختلف عن دعوة الكرازة العامة، وهو أمر يفعله الله شخصيًا في قلوب الناس. نرى عبر صفحات الكتاب المقدس والاختبارات الشخصيّة أن من تلقى هذه الدعوة الداخلية، استجاب للدعوة الخارجية أي الكرازة بالإنجيل. يستجيب هؤلاء ليروا ما هو الإنجيل حقًا، ثم استجابةً لذلك، يؤمنوا بالخلاص. لهذا السبب، فإن هذه الدعوة الداخلية هي دعوة فعّالة، والله وحده هو من يستطيع أن يفعلها.

نري هذه الدعوة الفعالة في رومية 8: 30: “الَّذِينَ سَبَقَ فَعَيَّنَهُمْ، فَهؤُلاَءِ دَعَاهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ دَعَاهُمْ، فَهؤُلاَءِ بَرَّرَهُمْ أَيْضًا. وَالَّذِينَ بَرَّرَهُمْ، فَهؤُلاَءِ مَجَّدَهُمْ أَيْضًا.” يوضح لنا هذا النص أن الله يدعو من سبق وعيّنه للخلاص بطريقةٍ تجعله يؤمن حقًا بالإنجيل، ثم يتبرر، ويتمجد لاحقًا.

ثمة مقاطع كتابية أخرى هامة لدراسة هذا التعليم:

“الَّتِي أَيْضًا دَعَانَا نَحْنُ إِيَّاهَا، لَيْسَ مِنَ الْيَهُودِ فَقَطْ بَلْ مِنَ الأُمَمِ أَيْضًا.” (رومية 9: 24)

“وَلكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ” (غلاطية 1: 15)

“فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ: أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا.” (افسس 4: 1)

“وَأَمَّا نَحْنُ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ كُلَّ حِينٍ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ الرَّبِّ، أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَصِ، بِتَقْدِيسِ الرُّوحِ وَتَصْدِيقِ الْحَقِّ. الأَمْرُ الَّذِي دَعَاكُمْ إِلَيْهِ بِإِنْجِيلِنَا، لاقْتِنَاءِ مَجْدِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ.” (تسالونيكي الثانية 2: 13-14)

الدعوة الفعالة في اللاهوت المُصلح

أشهر وأهم استخدام لعبارة “الدعوة الفعالة” في اللاهوت المُصلح يرد في إقرار إيمان وستمنستر لعام 1647. يمكن قراءة الشرح الكلاسيكي لهذا التعليم في الفصل العاشر من هذا الإقرار:

إن كل أولئك الذين قد سبق الله فعينهم للحياة، وأولئك فقط، يُسر في وقته المعين والمقبول، أن يدعوهم بشكلٍ فعّال، بكلمته وبروحه، من حالة الخطية والموت، التي هم فيها بالطبيعة، إلى النعمة والخلاص، بيسوع المسيح؛ منيرًا عقولهم روحيًا وخلاصيًا لكي يفهموا أمور الله، نازعًا منهم قلب الحجر، ومعطيًا لهم قلب لحم؛ مُجددًا إرادتهم، وبواسطة قوته القديرة، موجّهًا إيّاهم لما هو صالح، وجاذبًا إيّاهم بشكلٍ فعّال ليسوع المسيح: ومع ذلك، هم يأتون بأشد حريّة، لكونهم يُجعلون راغبين لذلك بنعمته.[1]

ويضيف إقرار إيمان وستمنستر في المقطع التالي:

هذه الدعوة الفعّالة هي من نعمة الله المجانية والخاصة وحدها، وليست من أي شيء يُرى مسبقًا على الإطلاق في الإنسان، الذي هو غير فعّال تمامًا في ذلك، إلى أن، لكونه مُحيىّ ومُجدّد بالروح القدس، يتمكن بالتالي من أن يجيب هذه الدعوة، وأن يقبل النعمة المُقدمة والمنقولة فيها.[2]

يُلّخص هذا التفسير الكلاسيكي ما يتعلق بالدعوة الفعالة: إنها دعوة خاصة يوجهها الله إلى قلوب مختاريه، من خلال كلمته وروحه القدوس، لإحداث تغيير عميق فيهم حتى يؤمنوا بالإنجيل بحريّة من خلال غرس رغبة عميقة داخلهم لتبعية المسيح التي ليست بالطبيعة فيهم (فيلبي 2: 13).

بسبب هذه الدعوة، بدأنا نُدرك أن المسيح أغلى بكثير من كل ما يمكن للعالم أن يقدمه لنا وما يمكن أن يأخذه الموت منا! فلم نعد ننظر فقط إلى مجرد حقائق عقليّة مجردة عن يسوع، ولكننا نري الآن مقدار جمال هذه الحقائق. أو بحسب كلمات بولس، ما بَدَا يومًا حماقة وضعفًا، هو الآن حكمة الله وقوته أمام أعيننا.

يمكن مشابهة هذه الدعوة الفعالة بدعوة يسوع للعازر ليخرج من القبر: إنها دعوة تُحيينا روحياً حتى نؤمن ونخلص، مع أننا كنا قبلًا أمواتًا بالذنوب والخطايا، حين لم يكن باستطاعتنا الاستجابة له بسبب خطيتنا التي أعمتنا روحيًا.

الدعوة الفعالة ومجد الله

مثل كل عقائد الكتاب المقدس، فليس الغرض من هذا التعليم أي فذلكة فكرية، وإنما لتدفعنا إلى عبادة أعظم للرب وللثقة به. هذا الحق يعزز مجد الله بثلاثة طرق على الأقل:

تدفعنا الدعوة الفعالة للاتضاع أمام الرب، إذ أن إيماننا بالإنجيل لا يرجع لكوننا أفضل او أحكم من غير المؤمنين. ولكن ذلك بسبب رحمة الله ونعمته. هذا التعليم يُرجع الفضل في خلاصنا وتجديدنا للرب وحده، وبالتالي يعزز من اتضاعنا ويجعلنا أكثر امتنانَا له. كما يُظهر لنا أن معرفتنا به كانت معجزة نعمته!

كما تعطينا هذه الدعوة الفعالة رجاءً ونحن نصلي لأجل خلاص الآخرين. فالله صاحب السيادة الذي تغلب على قساوة قلوبنا، ودعانا دعوة فعالة إلى سيادته، هو بنعمته قادر على القيام بنفس العمل القوي في أي شخص مستخدمًا صلواتنا. لذلك، هذا يذكِّرنا أن بكائنا الصادق من أجل خلاص الآخرين ليس مضيعة للوقت، والمجهود، والدموع.

تجعلنا الدعوة الفعالة أكثر شجاعة وأمانة في الكرازة. لأن اهتداء الناس لا يعتمد علينا نهائيًا، ولكن على دعوة الله ذات السيادة، فلا نحتاج أن نشعر بالعجز من خلال التفكير في أن عبء نجاح الكرازة يقع على عاتقنا.

في الوقت نفسه، تذكرنا أنه لا يتعين علينا تحريف أو تخفيف رسالة الإنجيل لنجعلها أكثر “استساغة” للناس، لأن الله وحده هو الذي يجعل الناس تعتنق عار الإنجيل لمدح اسمه.

في الختام، فإن عقيدة الدعوة الفعالة هي عقيدة كتابيّة، وقد عُلمت بأمانة في تاريخ الكنيسة، ولها آثار عملية لتعزيز مجد الله في حياتنا. دعونا نسعى للتعمق فيها من أجل مدح مجد نعمته.


[1]  راجع مقاطع مثل رومية 8: 30 و11: 7؛ أفسس 1: 10-11؛ تسالونيكي الثانية 2: 13-14؛ كورنثوس الثانية 3: 3-6؛ رومية 8: 2؛ تيموثاوس الثانية 1: 9-10؛ أفسس 2: 1-5؛ أعمال الرسل 16: 18؛ كورنثوس الأولى 2: 10، 12؛ أفسس 1: 17-18؛ حزقيال 36: 26-27 و11: 19؛ فيلبي 2: 13؛ تثنية 30: 6؛ أفسس 1: 19؛ يوحنا 6: 44-45؛ نشيد الأنشاد 1: 4؛ مزمور 110: 3؛ رومية 6: 16-18.

[2]  راجع مقاطع مثل تيموثاوس الثانية 1: 9؛ تيطس 3: 4-5؛ رومية 9: 11؛ كورنثوس الأولى 2: 14؛ رومية 8: 7؛ أفسس 2: 5؛ يوحنا 6: 37؛ حزقيال 36: 27؛ يوحنا 5: 25.

شارك مع أصدقائك