هل من العدل أن الله يأمر بحروب العهد القديم؟

أصعب مشكلة دائمًا في المقارنات إنها تبدو للوهلة الأولى أن هناك تطابق، بينما الحقيقة -إذا ما دققنا النظر- هو أن شتان الفرق بين مشهد الحروب في سفر يشوع ومشاهد الحروب الإسلامية على مدار 1400 سنة. فمثلًا، لا يمكن لشخصٍ رشيد أن يوازي بين العمليات العسكريّة التي يقوم بها الجيش المصريّ أو العراقيّ اليوم للقضاء على متطرفي الدولة الإسلامية (أو ما يُعرف بداعش) في سيناء وغيرها من الأماكن، والإرهابيين أنفسهم؛ بحجة أن كلاهما يستخدم القتل والعنف. فما يقوم به الجيش المصري هو حق أصيل وشرعيّ لتنفيذ ذلك القضاء العادل ضد أولئك المجرمين.

الأمر ذاته يمكن قوله حول الحروب المذكورة في سفر يشوع. فقد كانت حروب استثنائية، غير مكررة ولا مبررة مرة أخرى في التاريخ، ولا متاحة أو مباحة لأي زمان أو شعب أو دين آخر! وما أقوله يمكن أن نستنبطه من قلب العهد القديم نفسه دون أي محاولة لليّ النصوص أو اقتطاعها من سياقها.

من خلال سفر التثنية 20، نفهم أن الرب قسّم شعوب العالم بالنسبة لإسرائيل إلى قسمين: الشعوب البعيدة التي خارج حدود كنعان، وشعوب أرض كنعان. في تثنية 10:20–15، أوصى الله شعبه في العهد القديم بألا يبادروا الشعوب البعيدة بالعداء، بل يدعوها للصُلح. فإذا ما رفضت هذه الشعوب السلام وقامت للحرب، سُمح لشعب إسرائيل بمحاربتهم دفاعًا عن أنفسهم.

ولنا أن نتوقف هنا لنتذكّر ما فعله يشوع مع الجبعونيين (وهم شعب من داخل أرض كنعان، لكنهم خدعوا إسرائيل وأوهموهم بأنهم من الشعوب البعيدة) ليصنعوا معهم معاهدة سلام. ورغم اكتشاف يشوع لاحقًا كذب وخداع الجبعونيين، إلا أنه لم يقدر أن يكسر عهده معهم بالسلام وسكنوا وسط إسرائيل (يشوع 15:9–27). وحين هاجمت بعض الممالك الكنعانية الجبعونيين، قام يشوع وشعب إسرائيل بالدفاع عنهم ومحاربة الكنعانيين. حتى بعدها بمئات السنين، حين نكث شاول الملك ذلك العهد مع الجبعونيين وقتل بعضًا منهم، اجتاحت مجاعة أرض إسرائيل في أيام داود، والسبب الذي قاله الله لداود: “هُوَ لأَجْلِ شَاوُلَ وَلأَجْلِ بَيْتِ الدِّمَاءِ، لأَنَّهُ قَتَلَ الْجِبْعُونِيِّينَ” (2 صموئيل 1:21).

في تثنية 16:20–18، نتقابل مع تعاملات مختلفة واستثنائية مع شعوب أرض كنعان. فقد أمر الله شعب إسرائيل ألا يصنعوا معها صُلحًا ولا يُبقوا منها شيئًا حتى الحيوانات.[1] وهنا نرى أن الرب لم يعط الإسرائيليين تفويضًا مفتوحًا مُطلقًا بقتال كل من خالفهم العقيدة، أو رغبة في نشر الدين الحنيف؛ إنما أمر فقط بإبادة شعب مُحدد هم الكنعانيين (بمختلف ممالكهم)، ولأسباب محددة.[2]

ما هي أسباب أمر الله لإسرائيل بإبادة الكنعانيين؟

يُقدم لنا العهد القديم ثلاث أسباب رئيسيّة دعت الله لأن يأمر إسرائيل بهلاك الكنعانيين:

1. قضاء وعقاب من الله لهم على شرورهم

نفهم من أسفار العهد القديم أن حروب الرب ضد الكنعانيين مُستخدمًا في ذلك شعب إسرائيل كعصا تأديبٍ، جاءت بعد أن وصلت شرور الكنعانيين إلى ذروتها، إذ وصلوا من الانحطاط الأخلاقيّ ما لم ينافسهم فيه أحد من الشعوب عبر العصور. فنقرأ أنهم مزجوا عبادتهم الوثنية بطقوسٍ جنسيّة وبتقديم أطفالهم كذبائح بشرية.[3]

يُعطينا سفر اللاويين أصحاح 18 لمحة عن فوضى العلاقات الجنسية التي كانت منتشرة بينهم والتي كان على شعب إسرائيل وهو داخل أرض كنعان تحريمها وعدم تقليدها. فقد كانوا يُمارسون الجنس مع آبائهم وأبنائهم، وإخوتهم، بجانب العلاقات المثلية والبهيميّة (6-23). ويختم الرب هذا الجزء من سفر اللاويين بتحذيره للشعب قائلًا:

لكِنْ تَحْفَظُونَ أَنْتُمْ فَرَائِضِي وَأَحْكَامِي، وَلاَ تَعْمَلُونَ شَيْئًا مِنْ جَمِيعِ هذِهِ الرَّجَسَاتِ، لاَ الْوَطَنِيُّ وَلاَ الْغَرِيبُ النَّازِلُ فِي وَسَطِكُمْ، لأَنَّ جَمِيعَ هذِهِ الرَّجَسَاتِ قَدْ عَمِلَهَا أَهْلُ الأَرْضِ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ فَتَنَجَّسَتِ الأَرْضُ. فَلاَ تَقْذِفُكُمُ الأَرْضُ بِتَنْجِيسِكُمْ إِيَّاهَا كَمَا قَذَفَتِ الشُّعُوبَ الَّتِي قَبْلَكُمْ. (لاويين 26:18-28)

وفي أكثر من موضع يتحدث سفر التثنية عن تقديمهم ذبائح بشرية. فيقول الله على لسان موسى: “لاَ تَعْمَلْ هكَذَا لِلرَّبِّ إِلهِكَ، لأَنَّهُمْ قَدْ عَمِلُوا لآلِهَتِهِمْ كُلَّ رِجْسٍ لَدَى الرَّبِّ مِمَّا يَكْرَهُهُ، إِذْ أَحْرَقُوا حَتَّى بَنِيهِمْ وَبَنَاتِهِمْ بِالنَّارِ لآلِهَتِهِمْ” (تثنية 31:12). وكذلك يقول بوضوح في تثنية 18:

مَتَى دَخَلْتَ الأَرْضَ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، لاَ تَتَعَلَّمْ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ رِجْسِ أُولئِكَ الأُمَمِ. لاَ يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ… لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ. وَبِسَبَبِ هذِهِ الأَرْجَاسِ، الرَّبُّ إِلهُكَ طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكَ. (الآيات 9-12)

2. حتى لا يتأثر بهم شعب الله

برغم أننا نفهم من سفر القضاة وكذلك من سفر أخبار الأيام الأول 11 أن يشوع وشعب الله في زمانه كان قد ابتدأ تحريم الشعوب الكنعانية، ولكن كان لا يزال العديد من هذه الشعوب يعيش وسط حدود إسرائيل، إلا أن الغرض الأساسي الذي أراده الله من أمر إبادة الكنعانيين هو أن يظل شعبه منفصل عنهم وألا يتأثر بأي من رجاسات العبادة الكنعانية أو عاداتهم في السحر والشعوذة (راجع تثنية 2:7-5؛ 16:20-18؛ 9:18-12).

3. لإعطاء الأرض لشعبه

نفهم من أسفار الكتاب المقدس أن الرب قد أزال الكنعانيين من الأرض وإعطائها لشعب إسرائيل كعقاب لما اقترفوه من شرور ورجسات.[4] فيؤكد الله لإسرائيل في سفر التثنية أنه لن يُعطيه الأرض بسبب تقواه أو تميّزه، ولكن كعقاب لإثم هذه الشعوب. فيقول: “لَيْسَ لأَجْلِ بِرِّكَ وَعَدَالَةِ قَلْبِكَ تَدْخُلُ لِتَمْتَلِكَ أَرْضَهُمْ، بَلْ لأَجْلِ إِثْمِ أُولئِكَ الشُّعُوبِ يَطْرُدُهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ أَمَامِكَ، وَلِكَيْ يَفِيَ بِالْكَلاَمِ الَّذِي أَقْسَمَ الرَّبُّ عَلَيْهِ لآبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ.” (تثنية 5:9)

هل من العدل أن الله يأمر بإبادة هذه الشعوب؟

  1. لدة الله الحق المُطلق لاختيار الوسيلة التي يراها مناسبة لتأديب الشعوب والبشر.
  2. لقد استخدم الله ذات الوسيلة مع أمم وشعوب أخرى:

* استخدم الله أمم وثنية لمعاقبة شعوب وثنية أخرى

نقرأ هذا في توصيات الرب للجيل الثاني من شعب إسرائيل قبل دخول الأرض بألا يطمعوا في أخذ أراضي بني عمون وآدوم (بني عيسو) وغيرهم بتأكيده أن الرب هو من طرد من أمام بني عمون وبني عيسو أمم أخرى وأعطاهم هذه الأرض. فيقول:

فَمَتَى قَرُبْتَ إِلَى تُجَاهِ بَنِي عَمُّونَ، لاَ تُعَادِهِمْ وَلاَ تَهْجِمُوا عَلَيْهِمْ، لأَنِّي لاَ أُعْطِيكَ مِنْ أَرْضِ بَنِي عَمُّونَ مِيرَاثًا، لأَنِّي لِبَنِي لُوطٍ قَدْ أَعْطَيْتُهَا مِيرَاثًا. هِيَ أَيْضًا تُحْسَبُ أَرْضَ رَفَائِيِّينَ. سَكَنَ الرَّفَائِيُّونَ فِيهَا قَبْلاً… شَعْبٌ كَبِيرٌ وَكَثِيرٌ وَطَوِيلٌ كَالْعَنَاقِيِّينَ، أَبَادَهُمُ الرَّبُّ مِنْ قُدَّامِهِمْ، فَطَرَدُوهُمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ. مَا فَعَلَ لِبَنِي عِيسُو السَّاكِنِينَ فِي سِعِيرَ الَّذِينَ أَتْلَفَ الْحُورِيِّينَ مِنْ قُدَّامِهِمْ، فَطَرَدُوهُمْ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ إِلَى هذَا الْيَوْمِ. وَالْعُوِّيُّونَ السَّاكِنُونَ فِي الْقُرَى إِلَى غَزَّةَ، أَبَادَهُمُ الْكَفْتُورِيُّونَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ كَفْتُورَ وَسَكَنُوا مَكَانَهُمْ.” (تثنية 19:2-23)

* استخدم الله شعوب وثنية كأداة لمعاقبة شعب إسرائيل

لأن الله عادل وليس عنده محاباة، كما استخدم شعب إسرائيل لمعاقبة وإبادة الكنعانيين، هكذا استخدم الله الآشوريين والبابليين لمعاقبة شعب إسرائيل حين مارس ذات الممارسات والعبادات الأثيمة. فيقول إرميا النبيّ قبل السبيّ البابليّ:

وَأَنْتُمْ أَسَأْتُمْ فِي عَمَلِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ آبَائِكُمْ. وَهَا أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ كُلُّ وَاحِدٍ وَرَاءَ عِنَادِ قَلْبِهِ الشِّرِّيرِ حَتَّى لاَ تَسْمَعُوا لِي. فَأَطْرُدُكُمْ مِنْ هذِهِ الأَرْضِ إِلَى أَرْضٍ لَمْ تَعْرِفُوهَا أَنْتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ، فَتَعْبُدُونَ هُنَاكَ آلِهَةً أُخْرَى نَهَارًا وَلَيْلاً حَيْثُ لاَ أُعْطِيكُمْ نِعْمَةً. (إرميا 12:16-13)

* لقد أعطى الله الشعوب الكنعانية مئات السنين ومئات الفرص لعلهم يتوبوا.

ربما دار في ذهنك وأنت تقرأ الحجج السابقة سؤالًا مشروعًا: “أين رحمة الله؟” وفي الحقيقة أننا يمكننا أن نرى رحمة الله جليّة وواضحة في مشهد حروب الله ضد الكنعانيين. فقبل مئات السنين من تنفيذ يشوع وشعب إسرائيل قضاء الله ضد الكنعانيين، نرى الله يقول لإبراهيم:

اعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ نَسْلَكَ سَيَكُونُ غَرِيبًا فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ لَهُمْ، وَيُسْتَعْبَدُونَ لَهُمْ. فَيُذِلُّونَهُمْ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ. ثُمَّ الأُمَّةُ الَّتِي يُسْتَعْبَدُونَ لَهَا أَنَا أَدِينُهَا، وَبَعْدَ ذلِكَ يَخْرُجُونَ بِأَمْلاَكٍ جَزِيلَةٍ… وَفِي الْجِيلِ الرَّابعِ يَرْجِعُونَ إِلَى ههُنَا، لأَنَّ ذَنْبَ الأَمُورِيِّينَ لَيْسَ إِلَى الآنَ كَامِلاً. (تكوين 13:15-16)

لقد تأنى الرب وانتظر على الآموريين (اسم آخر للشعوب الكنعانية) لأكثر من 400 سنة ولم يُدمرهم كسدوم وعمورة، “لأَنَّ ذَنْبَ الأَمُورِيِّينَ لَيْسَ إِلَى الآنَ كَامِلاً”. ثم بعد أن أخرج الله شعب إسرائيل من العبودية في أرض مصر، وسار بهم في البرية ليعطيهم أرض كنعان، نراه يتأنى مرة أخرى على هذه الشعوب لأربعين سنة أخرى مدة تيهان شعب إسرائيل في البرية. وما إن دخلوا الأرض وحاصروا أريحا، نجده يمنح سكان أريحا فرصة سبعة أيام كاملة، لعلهم يؤمنون كما آمنت راحاب الزانية (عبرانيين 31:11).


[1]  بول بوشان ودني فاس، العنف في الكتاب المقدس (بيروت: دار المشرق، 2005)، 32.

[2] وهذا أبرز ما يُميّز حروب الرب في العهد القديم عن الحروب الإسلامية. فعلى مدار أكثر من 1400 سنة، كانت أرجل المسلمون مُسرعة إلى سفك الدماء، مدفوعون بآيات الجهاد التي تحض على قتال غير المسلمين دون آية تضح حدًا أو تكبح مثل هذا العنف.

[3] J.D Douglas, International Dictionary, 479

[4] J.D Douglas & Merrill C. Tenney, The New International Dictionary of the Bible. (Michigan: The Zondervan Corporation, 1987), 43

شارك مع أصدقائك

مينا م. يوسف

حاصل على ماجستير الآداب في الأديان المقارنة من Columbia International University، بولايّة ساوث كارولاينا، وماجستير اللاهوت من كلية اللاهوت المعمدانية الجنوبية (Southern Seminary)، بولاية كنتاكي، الأمريكية. ويدرس حاليًا درجة الدكتوراة (Ph.D.) في مقارنة الأديان في ذات الكليّة.