“العمل مصدر للشقاء.” هكذا كان العمّال في اليونان القديمة يرفعون شعارًا صريحًا لا يعرف المجاملة. ولم يكن هذا الشعار مجرد تذمّر نقابي مبكر، بل تعبيرًا فلسفيًا متماسكًا؛ فالعالم، في نظرهم، ينقسم بوضوح شديد: فلاسفة يتأملون الحقيقة، جنود يحمونها بالسيف، وعمّال… يتعبون في تحقيقها كي لا يتعب الآخرون. كان العمل علامة نقص، لا كرامة. والعامل، في أفضل الأحوال، عبدٌ لم يُعتَق بعد. قد نظنّ أن البشرية تجاوزت هذا المنطق، لكن الحقيقة أكثر سخرية: لقد استبدلنا احتقار العمل بـ عبادته، والنتيجة في الحالتين واحدة: إنسانٌ مكسور، إمّا لأنه يعمل، أو لأنه لا يعمل بما يكفي.
في العصر الحديث، أصبحت نظرة العمل أكثر تهذيبًا، وأشد قسوة. حين حاول الكاتب الأمريكي بوب بلاك أن يدافع عن العامل، فهاجم العمل نفسه. كتب عام 1985 مقالته الشهيرة: إبطال العمل، معلنًا أن الشرور تولَّدت من العمل الإجباري، وأن خلاص الإنسان يمرّ عبر إلغائه. كانت الفكرة نبيلة في ظاهرها، لكنها مأساوية في عمقها: أن تُنقذ الإنسان… بإلغاء ما يجعله إنسانًا. والأكثر بؤسًا حين يتسرّب هذا التفكير إلى بعض المسيحيين، فيتصوّرون العمل كشرٍّ مؤقت، سيُمحى يومًا ما عندما “نترقّى” أخيرًا إلى السماء، حيث لا مكاتب، ولا مصانع، ولا ساعات حضور وانصراف، وكأن الفردوس هو إجازة أبدية مدفوعة الأجر.
الاشتراكية، الرأسمالية… والإنسان الضائع
دعنا من هذه النظرة، ولنجرّب نغمة أخرى. هتفت الاشتراكية: “العمل غايته خير المجتمع”. يا له من هدف نبيل! لكن المشكلة أن المجتمع كسب، بينما العامل خسر. فإذا كان الغرض هو “المصلحة العامة”، أصبح الفرد قابلًا للاستبدال، كفرشاة طلاء تُرمى بعد انتهاء الجدار، حتى ولو كان الجدار خشنًا. لأن المهم هو الغاية لا الشخص. هكذا يُضحّى بالإنسان باسم الإنسانية. لقد حاولت الاشتراكية أن تُؤنسن العمل، لكنها فعلت ذلك إلى حدٍّ نسيت فيه الإنسان ذاته.
ثم جاءت الرأسمالية، أكثر صراحة وأقل رومانسية: ليس مهمًا ماذا تعمل، المهم كم تربح. يمكنك أن تدرس الفلسفة وتعمل في التسويق، أو تتقن الفن وتُجيد البيع، أو تُجيد الكتابة وتبرع في بيع الأقلام. فالقيمة لا تُقاس بالمعنى، بل بالرقم. الأهم دائمًا هو العمل، يذكرني هذا بشعار شائع: العمل عبادة. حسنًا… إن كان كذلك، فماذا عن الملحدين الذين يعملون بإخلاص؟ هل نعدّهم عابدين دون أن يعلموا؟. علّق الفيلسوف المسيحي آرثر ليتل بمرارة: “العنصر الأكثر ضررًا في كلا الخطأين هو أن العمل لا يساهم في الكمال الشخصي للعامل.” كلا النظامين استعملا الإنسان: أحدهما باسم الجماعة، والآخر باسم السوق. وفي النهاية، خلا السوق من الجماعة، عندما بيعت الجماعة في السوق.
حين صار العمل أقل قداسة من الخدمة
نغمة أخرى، أو ربما أكثرها نشاذًا في اللحن. في إحدى صلوات التلمود، يشكر اليهودي الله قائلًا: “جعلت نصيبي مع الذين يجلسون في بيت التعلّم، لا مع الذين يجلسون في زوايا الشوارع… هم يتعبون بلا فائدة، وأنا أتعب وأستفيد” يا لها من صلاة، اعترافٌ يجعلني للحظة أريد أن أصرخ: “هللويا!” ثم أنتبه إلى البؤس الكامن فيه… والمؤلم أن بعض المسيحيين تبنّوا الفكرة نفسها، لكن بلغة روحية: العمل أقل شأنًا من الخدمة، والعامل أقل قداسة من الخادم. وهكذا، لم يَخْلُص العمل لا من الفلسفة، ولا من الاقتصاد، ولا حتى من الدين. وكأن الله يهتم بما نفعله داخل الكنيسة أكثر مما نفعله في العالم الذي خلقه بيديه.
جميع هذه التصورات -المتحقّرة والممجِّدة- تشترك في خطأ واحد: مركزية الإنسان. إما إنسان يُريح نفسه بتحقير العمل، أو إنسان يُتعب نفسه بتأليهه، وفي الحالتين يُفصل العمل عن غايته الأسمى. لكن الكتاب المقدس يقترح طريقًا آخر:
- العمل ليس نتيجة السقوط “وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها» (تك 2: 15). العمل سابق للخطية. الذي أضافه السقوط ليس العمل، بل التعب والشقاء. آدم في الجنة كان يعمل بلا عرق، وخارجها يعمل بعرقٍ ينزف.
- الله هو العامل الأول: “في البدء خلق الله…” الآب يخلق، والابن “به عُمِل العالمين”، والروح “يُرسل فيُجدّد وجه الأرض.” إله الكتاب المقدس الثالوثي ليس متأملًا كسولًا، بل إله يعمل ويفرح بعمل يديه، ويقول عنه: “حسن جدًا”.
- التجسّد قدّس العمل: المسيح لم يأتِ في هيئة فيلسوف أفلاطوني، ولا ككاهن منعزل، بل كـ ابن نجار. عمل بيديه، وأطاع دعوته الأرضية، ليُتمّم دعوته السماوية. “طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأُتمّم عمله” (يو 4: 34).
الآباء والمصلحون والعمل
على غرار النصّ المقدّس، لم يرَ آباء الكنيسة الأوائل تعارضًا بين العمل والتفرّغ، ولا اعتبروهما خطّين متوازيين لا يلتقيان، بل قطارين مختلفي السرعة، يصلان إلى المحطة نفسها. في القرن الرابع الميلادي، ميّز يوسـابيوس القيصري بين طريقتين للحياة المسيحية: إحداهما “خارقة للطبيعة”، تتطلّب انفصالًا دائمًا وتكريسًا كاملًا لخدمة الله، والأخرى “أكثر تواضعًا وأكثر بشرية”، تسمح للإنسان أن يُعمل عقله في الزراعة، والتجارة، وسائر الشؤون الزمنية، وإن كانت -بحسب تعبيره- ذات “درجة ثانوية من التقوى.” قد نتحفّظ اليوم على لغته، خصوصًا حين يضع “الخارقة” في مقابل “الأكثر تواضعًا”، لكن اللافت أنه لم يفصل بين الطريقين، بل ميّز بينهما دون أن يكسر الجسر. العمل لم يكن نقيض القداسة، بل أحد طرقها… وإن كان أقل بهرجة.
هذا الخيط لم ينقطع مع الإصلاح. لاحظ عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، وهو ليس لاهوتيًا ولا حتى متديّنًا أن المجتمعات التي تبنّت الفكر الإنجيلي، وخصوصًا الكالفيني، شهدت تحوّلًا اقتصاديًا واجتماعيًا ملحوظًا. ملاحظة محرجة للبعض: إذ كيف يمكن للاهوتٍ يُتَّهم بالحتمية والصرامة أن يُنتج ثقافة عملٍ نابضة بالحياة؟ الجواب لم يكن في الاقتصاد، بل في الدعوة. كتب جون كالفن: “الدعوة ليست الحالة التي يُخلق فيها الإنسان، بل الحالة الروحية الجديدة التي تصحب الإيمان” الإيمان، في هذا المنظور، لا يحرّر الإنسان من العمل، بل يحرّره داخل العمل. فالعمل لم يعد وسيلة لإثبات القيمة، بل المكان الذي تُختبر فيه قيمة مُنحت سلفًا. ولهذا لم يرَ الآباء ولا المصلحون في العمل عقوبةً ولا مجرّد ضرورة، بل طاعةً، وعطيةً، ومساحةً لمجد الله. ومن هنا يمكن أن نقول بثقة:
أولًا: العمل أمر الله
“ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك” (خر 20). الوصية لا تأمر بالراحة فقط، بل بالعمل أيضًا. والسبت بلا عمل، يشبه عيدًا بلا حياة. تخيّل مشهدًا في أوروبا الوسطى خلال العصور الوسطى: مزارعٌ في حقل القمح يكدّ من الفجر حتى غروب الشمس، ليس خوفًا من المدير، ولا من السوق، بل كجزء من التوازن الإلهي الذي يربط السماء بالأرض. حين جاء السبت، لم يكتفِ بالراحة، بل جلس حول المدفأة يروّي عائلته وقصص الرب، فأدرك أن العمل كان روحًا حية تتحرك معه، وليس مجرد واجب أو وسيلة لكسب الرزق. أو لنأخذ مثالًا حديثًا: العمال في الذين بنوا كاتدرائية نوتردام أو كاتدرائية شارتر، لم يفعلوا ذلك لمجرد الراتب أو المجد البشري، بل لأن كل حجر يُوضع كان صلاة صامتة، وكل قوس يُرفع كان إعلانًا عن الله. السبت بلا عمل بالنسبة لهم لم يكن مجرد يوم عطلة، بل فرصة لتذوّق ثمرة عملهم في حميمية مع الله، كما لو أن كل قبة ونافذة زجاجية ملونة كانت تقول: “العمل أمرٌ مقدس، لا كسول ولا بلا حياة.”
ثانيًا: العمل عطية الله
“أن يرى خيرًا من كل تعبه، فهو عطية الله” (جا 3). البركة ليست دائمًا زيادة، بل معنى، وإنجاز، وفرح هادئ هذا يجعل الإنسان يتمتَّع بعمله. فيتحوَّل الواجب إلى إبداع. حين يعمل الإنسان كخالق صغير. فالعمل لم يُختزل إلى شرٍّ ينبغي الهروب منه، ولا إلى سلعةٍ ينبغي تسعيرها، بل إلى وظيفة بلا روح. وهنا بالضبط يظهر الفن كفضيحةٍ حضارية. فالفنان لا يعمل لأن المجتمع يحتاج لوحة، ولا لأن السوق ينتظر رقمًا،
بل لأنه—ببساطة خطيرة—لا يستطيع ألّا يعمل. الفن يفضح كذبة العصر الحديثة: أن العمل يمكن أن يكون بلا معنى، وأن المعنى يمكن أن يعيش بلا عمل.
انظر إلى مايكل أنجلو وهو ينحت داود: لم يكن ينفّذ طلبًا حكوميًا، ولا يملأ فراغًا في السوق، بل كان يتعامل مع الرخام كما يتعامل المؤمن مع الدعوة: بخشية، وصبر، ودهشة. واستمع إلى باخ، الذي لم يكتب موسيقاه ليزيد الناتج القومي، ولا ليحصد تصفيق القصور، بل ليوقّع أسفل كل عمل: Soli Deo Gloria وكأن العمل لا يكتمل إلا حين يخرج من يد الإنسان ليعود إلى الله. الفن يذكّرنا بما نسيناه: أن العمل ليس وسيلة فقط، ولا غاية في ذاته، بل مشاركة بشرية محدودة في فعل إلهي أعظم.
ثالثًا: العمل يمجّد الله
“كل ما فعلتم فاعملوا من القلب، كما للرب لا للناس” (كو 3). ليس المطلوب أن نعمل في الكنيسة فقط، بل أن نعمل أمام الله. تخيّل المهندسة التي تصمّم جسورًا: ليست تصنع مجرد حديد وأسمنت، بل تخلق وسيلة أمان للجميع، وتترك أثرًا يتحرك فوقه البشر من يوم إلى يوم، كأن كل خطوة عليهم تصرخ: “انظروا إلى الله في عملي.” أو المبرمج الذي يكتب كودًا للبرامج الطبية: كل سطر كود قد ينقذ حياة إنسان، وكل ضغط على مفتاح كمثل الصلاة الصامتة. ليس أمام زملائه فقط، ولا أمام تقريره الشهري، بل أمام الله الذي يرى أثر كل اختيار دقيق وصبر على الكود المعقّد. حتى الشيف في مطبخ مزدحم، الذي يطهو وجبات للمرضى في المستشفى، كل تقطيع وخلط وتوابل، ليس فقط لإرضاء النكهة، بل لرفع القلب المرهق إلى الراحة والسرور، كأن كل ملعقة تقول: “هذا لوجهك يا رب.” العمل المقدس إذًا لا يُقاس بالوظيفة أو المكانة، ولا بعدد ساعات العمل أو حجم الراتب، بل بمدى إدراكنا أن الله يراقب عملنا قبل أي مخلوق.
أخيرًا أقول: إذا كان مصدر العمل هو الله، وغايته مجد الله، إذًا هذا عكس منظور مركزية الإنسان أعلاه. إن الله هو المصدر والوسيلة والغاية في كل شيء. فالمشكلة لم تكن يومًا في العمل، بل في محاولاتنا اليائسة للهروب منه، أو تأليهه. قال المصلحون: كل الدعوات مقدّسة. ولم يقصدوا أن كل الأعمال سهلة، بل أن كل الأعمال قابلة لأن تُقدَّم لله. فالخادم يعمل مع الله، والعامل يخدم الله. والمفارقة الجميلة؟ أن الله لا يحتاج إلى عملنا، لكننا نحتاج إلى العمل لنتذكّر أننا لسنا آلهة، ولا آلات، بل بشر خُلقوا ليعملوا، ويفرحوا، ويمجِّدوا.

