هل تتوقَّع أن تحيا أحداث سفر أعمال الرسل اليوم؟

واقع محبِط

كلنا قد واجهنا هذا الواقع المحبِط في الكنيسة. ذلك الواقع الذي نرى فيه يوميًّا مؤمنين يكذبون ولا نرى الله يعاقبهم كما فعل مع حنانيا وسفيرة (أعمال الرسل 5: 1-11). معظمنا دخل في نوبة يأس شديدة بعد الكثير من التحضيرات لأجل نهضة كرازيَّة كبيرة وفي نهايتها لم يأتِ للمسيح ثلاث آلاف نفس كما حدث مع بطرس في يوم الخمسين (أعمال الرسل 2: 41). مَن منَّا لم يحضر اجتماع في بدايته وقف أحد المؤمنين ليصلِّي قائلًا: “يا رب، نريدها أُمسية كيوم الخمسين تسكب فيها روحك علينا”،[1] وصُدم أن الله لم يستجب لتلك الطلبة! وفي قرارة نفسك كم مرَّة شعرت بالأسف عندما رأيت مؤمنًا غنيًّا في الكنيسة ومؤمنًا آخر يحيا في فقر وتمنَّيت أن يتوب المؤمن الغني ويحيا كلمة الله كما هي مدوَّنة في أعمال الرسل 2: 44-45، وأن يوزِّع ممتلكاته بالتساوي على المؤمنين.

الكثير من القصص التي نقرأها في سفر أعمال الرسل تصيبنا بالإحباط، وتثير فينا التساؤل: أين نحن يا رب من حقك المُعلن في سفر أعمال الرسل؟ لماذا لا تحيا الكنيسة اليوم كما عاشت كنيسة الرسل؟ أليست كلمتك يا رب حيَّة، لماذا لا نراها فعَّالة اليوم؟

خطأ تفسيري أم تطبيقي؟

هل مشكلتنا مع أحداث سفر أعمال الرسل هي مشكلة تنم عن أننا نفهم طبيعة السفر بشكل خاطئ؟ أم أن الكنيسة مُقصِّرة ولا تطبِّق كلمة الله بشكل فعَّال؟ هل نحتاج إلى أن نتعلَّم أكثر عن سفر أعمال الرسل، أم أن نُصلِّي أكثر إلى الله لكي نعيش كنسخة طبق الأصل من تلك الحقبة من الزمن؟ هكذا علَّق ه. ريتشارد هيستر (H. Richard Hester) على فهمه لطبيعة سفر أعمال الرسل:

لا يُجدي أن يقول شخص ما “لقد حدث هذا الأمر في كتاب أعمال الرسل، ولذلك سأتبنَّى هذا اليوم. لأن يسوع المسيح هو أمسًا واليوم وإلى الأبد!”[2]

لماذا يا هيستر؟ هل تعتقد أن سفر الأعمال أقل قيمة من بقيَّة الأسفار؟ بكل تأكيد حاشا! كل ما في الأمر أن طبيعة ذلك السفر مختلفة، وأننا نُفسِّر كلمة الله بحسب القالب الأدبي الذي وُجدت فيه. فتفسيرنا للنصوص الشعريَّة يختلف عن تفسيرنا للأدب الرؤيوي، وتفسيرنا لنصوص السرد القصصي (كما الحال في سفر أعمال الرسل) يختلف عن تفسيرنا للرسائل. هذا ما يؤكِّده أوزبورن (Grant R. Osborne) عندما يقول:

إن التركيز في سفر أدب السرد القصصي أكثر على التاريخ عوضًا عن اللاهوت.[3]

إذًا ما هي طبيعة سفر أعمال الرسل؟ سفر أعمال الرسل هو سفرًا انتقاليًّا.

أعمال الرسل كسفر انتقالي

وهنا المقصود أنه ممتلئ بالتحوُّلات،[4] يغطِّي حقبة معيَّنة من الزمن تم فيها الكثير من الأحداث غير المتوقَّع استمراريتها. فهي حدثت لتعطي نورًا ساطعًا كإعلان عن الانتقال من هذا إلى ذاك.

أنا أعلم أن عند هذه النقطة أكثر من نصف القُرَّاء سوف لا يستمرُّون في القراءة، فقد استنبطوا من كلامي أنني أُلمِّح إلى أن مواهب الروح القدس الفوق طبيعيَّة قد توقَّفت! رجاءً لا تتسرَّع. فأنا لم أقُل هذا ولا أقصده. ففكرة أن الكثير من الأحداث في سفر الأعمال لن تتكرَّر ثانية يؤمن بها حتى اللاهوتيِّين الكارزماتيِّين الدارسين بعمق لكلمة الله. يكفي أن أشير إلى اللاهوتي المعمداني الكارزماتي واين جرودم (Wayne Grudem) الذي كتب فصلًا كاملًا لشرح لماذا هناك بعض الأحداث التي لن تتكرَّر في سفر الأعمال، وفصلًا آخر ليُدلِّل (من وجهة نظره) على استمراريَّة مواهب الروح القدس كالألسنة والنبوَّة وأنواع الشفاء.[5]

فهل تتوقَّع الكنيسة اليوم أن يموت كل من يكذب على الروح القدس كما الحال في قصَّة حنانيا وسفيرة في أعمال الرسل 5؟ بكل تأكيد لا! فالأخ الذي زنى في كورنثوس الأولى 5 لم يمُت! والمعلِّمين الكذبة الذين غشُّوا كلمة الله (ونجدهم في رسائل بولس ويوحنا) لم يموتوا!

هل تتوقَّع الكنيسة اليوم في كل عظة كرازيَّة أن يأتي الآلاف إلى المسيح كما حدث مرَّتين مع بطرس؟ نُصلِّي ونأمل ذلك! وربما يحدث هذا مرات قليلة في تاريخ الكنيسة على مر العصور، لكن من الواضح أن هذا الرقم الكبير كان عبارة عن دفعة في حساب الكنيسة في بداية تأسيسها. فلم نسمع ولا مرَّة في كرازة بولس الرسول مثل هذه الأرقام، بل بالعكس قد علَّمنا رب المجد أن هناك أماكن كثيرة سوف ترفض رسالة الإنجيل (متى 10: 14).

هل نتوقَّع أو نطلب من الإخوة في الكنيسة أن يبيعوا ممتلكاتهم وأن نحيا حياة الاشتراكيَّة سويًّا كما حدث في أعمال الرسل 2؟ بكل تأكيد لا! فالله عيَّن أن يكون في الكنيسة أغنياء وفقراء، وأن يحيوا سويًّا بمحبة واحترام ومساواة في القيمة لأجل مجد الله. بل وعلَّمنا أن مقدار العطاء في العهد الجديد اختياريًّا (1 كورنثوس 16: 2؛ 2 كورنثوس 8: 3).

هل نتوقَّع أن يختبر المؤمنون بالمسيح معموديَّة الروح القدس كاختبار ثاني منفصل بعد الإيمان كما حدث مع مؤمني السامرة (أعمال الرسل 8)، أو التلاميذ الأفسسيِّين (أعمال الرسل 19)؟ لا أيضًا، فهذه الأحداث لها علاقة بجماعات (السامريُّون، والأمم) كان من المستحيل قبولها في الكنيسة التي تتألَّف في بدايتها من اليهود بدون إظهار معجزي مرئي يتم بسلطان رسولي وإلَّا لانقسمت الكنيسة في مهدها. وأما عن معموديَّة الروح القدس فهي تحدث لكل المؤمنين فور اختبارهم الميلاد الثاني (راجع 1 كورنثوس 12: 13).[6]

إذًا فطبيعة سفر أعمال الرسل تحتِّم علينا أن نقرأ أحداثه بهذا المنظور، وأن نُحدِّد ما هي الأحداث التي سوف تستمر حتى يومنا هذا، وما هي الأحداث التي توقَّفت! ولكن يبقى السؤال: كيف يمكنني التمييز؟ والإجابة هي باختصار من خلال التعليم المباشر لرسائل العهد الجديد واللاهوت الكتابي كله!

هل رأيت في السابق كيف أنني قمت بالحُكم على تلك الأحداث واستمراريتها من خلال تعليم الرسل في الرسائل؟ فالرسائل تحتوي على تعليم الرسل لكنيسة العهد الجديد، أي اللاهوت. بينما يحتوي سفر الأعمال على تأريخ لأحداث الكنيسة. وهذا لا يلغي أبدًا أن “كُلَّ مَا سَبَقَ فَكُتِبَ كُتِبَ لأَجْلِ تَعْلِيمِنَا” (رومية 15: 4)، ولكنه لا يشترط أيضًا أنه كُتب لكي نمارسه اليوم!

لا تُحبط

الله لم يعطِنا كلمته لكي نحيا محبطين! كلمة الله تُعزِّينا (رومية 15: 4)، تفرِّحنا (مزمور 19: 8)، وبها نتلذَّذ (مزمور 119: 16). دعوتي لك أخي في المسيح في هذا المقال لا أن تتعلَّم فقط عن طبيعة أدب سفر الأعمال وكيفيَّة تفسيره، بل أن تحيا وأنت تعلم أن الله لا يضع نيرًا على كتفك اسمه “أعمال الرسل”! الله لا يطالبك بكل حدث في هذا السفر، ولا يطلب أخوك أو راعي كنيستك أو خادمك في الكنيسة أيضًا بذلك. فلا تتوقَّف عن الطموح المقدَّس في خدمة أفضل، ولا تتوقَّف عن أن تحلم أن يأتي الرب بمختاريه بالآلاف للإيمان، ولكن أيضًا لا تقسو على نفسك وعلى الآخرين، ترفَّق بهم. تذكَّر الكنز، ولا تنسى الأواني الخزفيَّة لأنها الطريقة الوحيدة ليعود الفضل كله لله لا للبشر.


[1] راجع أعمال الرسل 2: 15-21.

[2] ه. ريتشارد. هيستر، الدليل المساعد لدراسة العهد الجديد (لبنان: منهل الحياة، 2021)، 157.

[3] جرانت ر. أوزبورن، تفسير الكتاب المقدَّس في أبعاده المتعدِّدة (لبنان: منهل الحياة، 2014)، 227.

[4] راجع مقدِّمة تفسير جون ماك آرثر لسفر أعمال الرسل (منهل الحياة: 2012)، 1820.

[5] واين جرودم، بماذا يفكِّر الإنجيليُّون في أساسيَّات الإيمان المسيحي، الفصل 39 (القاهرة: إيجلز للنشر، 2009).

[6] قطاع كبير من التيار الكارزماتي اليوم يؤمن باستمراريَّة مواهب الروح القدس الفوق طبيعيَّة، ولكنه ينكر أن يكون هناك مؤمنًا غير معمَّد بالروح القدس (يمكنك الرجوع لكتاب جرودم المشار إليه سابقًا). ولكن سيقع اختياري على كتاب جون ستوت، المعموديَّة والملء“، كأفضل كتاب شرح كل حدث من الأحداث التي تظهر وكأن معموديَّة الروح القدس هي اختبارًا منفصلًا، وفسَّر ذلك بحسب طبيعة السفر الانتقاليَّة. أيضًا يمكنك الرجوع لسلسلة “من الغبار إلى المجد” (Dust to Glory) لدكتور أر. سي. سبرول ومحاضرة “امتداد الكنيسة” (The Expansion of the Church) للمزيد حول هذا الموضوع الشائك.

شارك مع أصدقائك

جوزيف أنطون

حاصل على ماجستير الدراسات الكتابية من كلية ناشيونال للاهوت، وماجستير في اللاهوت من كلية نيوجنيفا. يخدم في في مجال التعليم والتدريس في أكثر من كلية لاهوت بمصر.