يونان النبي الضال: حوار مع تيموثي كَلِر

يعتبر سفر يونان (ذلك السفر الممتع) سفرُ نبويٌ برغم احتوائه على عبارة كرازية واحدة فقط. فالسفر البالغ عدد آياته 48، 47 آية منهم تمثل سردًا قصصيًا. كما أن يونان هو النبي الوحيد في كل العهد القديم المُرسَل إلى الأمم. بالطبع أنبياء آخرون تحدثوا عن الأمم، لكنه هو الوحيد الذي أرسله الله إليهم.

ولا ننسى بالطبع أنه الوحيد الذي ابتلعته سمكة، وعاش ليحكي عن ذلك.

حتى أن جي. كامبل مورجان علّق ذات مرة ساخرًا: “لقد ظل الناس يُحدقون في السمكة الضخمة لدرجة عجزهم عن رؤية الإله العظيم.” في كتابه “النبي الضال: يونان وسر رحمة الله”، يتناول تيموثي كَلِر (تيم كَلِر) قصة يونان التي نعرفها بنظرةٍ ثاقبة. فمن بداية الكتاب إلى نهايته، يركّز كَلِر الضوء على ذلك الإله العظيم—كليّ العدل والرحمة— في سعيه وراء كلٍ من الضال والفريسيّ.

في هذا الحوار مع مؤسس ائتلاف الإنجيل “تيموثي كَلِر” سنناقش أوجه الشبه بين سفر يونان ومَثَلَي السامريّ الصالح والابن الضال في لوقا 10 و15، بالإضافة إلى “ما الذي يمكننا تعلمه من السفر في كرازتنا وتعاملنا مع العنصرية والظلم الاجتماعيّ؟”


المحاور: ق. كَلِر، دعني أبدأ حواري معك بالسؤال عن سلوكيات يونان النبيّ. كيف تتشابه تصرفاته مع أفعال كلٍ من الابن الأصغر والأكبر في مثل الابن الضال الذي علّمه المسيح في (لوقا 15)؟

كَلِر: لاحظ العديد من مفسري الكتاب المقدس أن هناك تشابه بين سفر يونان ومَثل الابن الضال. ففي نصفه الأول نرى تشابهًا بين يونان والابن الضال الهارب من الله والعاصي لإرادته (لوقا 11:15–24). ثم في النصف الثاني من السفر، نتقابل مع طاعة يونان لأمر الله وذهابه إلى نينوى. ولكن ما إن أظهر الله رحمة تجاه أولئك الوثنيين الأشرار، تصرف يونان كالأخ الأكبر في المثل (لوقا 25:15–32) موبخًا (لائمًا) الله على غفرانه للخطاة التائبين. بالإضافة إلى أن سفر يونان ينتهي بسؤال من الله للنبي الفريسيّ، تمامًا كما ينتهي المثل بسؤال للابن الفريسيّ. وينتهي السرد في كلتا الحالتين دون أن نعرف الجواب. لقد قرأت بعض الآراء القائلة إن يسوع كان يفكر في سفر يونان عند صياغته للمثل. ولكن رغم اعتقادي بأن هذا محض تخمين، إلا أن أوجه التشابه بين القصتين هو السبب في إطلاق اسم “النبي الضال” على كتابي عن سفر يونان.


المحاور: لقد لاحظت في كتابك أن كثيرًا ما يهمل الوعاظ تعاملات يونان مع الأمم في الإصحاح الأول والثالث بقولك: “ربما باستثناء ملاحظة أنه يجب أن نكون مستعدين لأن نأخذ الإنجيل إلى بلادٍ غريبة.” ما هو الدرس الرئيسيّ الذي علينا أن نتعلمه من تلك الأجزاء؟

كَلِر: دُعي يونان للذهاب إلى شعب ينتمي إلى عرقٍ ودين مختلف عنه وأن يعظهم ويحذرهم من غضب الله العتيد. لكنه رفض الذهاب، وحتى بعد ذهابه، سرعان ما أظهر عداء لهم. وبرغم ذلك، عند احتكاكه بالأمم بشكلٍ مباشر، سواء في الإصحاح الأول أو الثالث، نرى أن تصرفاتهم أكثر روعة مما له. هذا الموضوع يتكرر بوضوح شديد بشكلٍ لا يمكن تجاهله.

أراد كاتب السفر أن يُظهر كيف أن “الأمم الأشرار” يمكنهم أن يُظهروا سمو وتقوى أخلاقيّة أكثر من نبي مدعو من الإله الحيّ وحامل للإعلان الإلهيّ. وما أهميّة ذلك؟ أولًا، هذا الموضوع سيتناوله العهد الجديد بوضوح أكثر فيما بعد، ألا وهو أن جميعنا، متدينون ولا دينيون، يهود وأمم، خطاة وضالون، ولا يمكننا أن نخلص بعيد عن نعمة الله. وثانيًا، أن موقف يونان من المخالفين له دينيًا وعرقيًا موقف مَعيب.


المحاور: هل ترى تضاد بين يونان والسامريّ الصالح في لوقا 10؟

كَلِر: تعامل كل من يونان والسامريّ الصالح مع شخص من ديانة وعِرق مختلف عنه. وفي حين أن السامريّ كانت لديه من الشجاعة أن يُخاطر بحياته وسط مكان مهجور محفوف باللصوص ليُنقذ رجل غريب عنه، هرب يونان رافض مساعدة شعب أممي كشعب نينوى، ومُعرّضًا حياة البحارة في السفينة للخطر، متناسيًا ما يُعلّمه سفر التكوين من كون كل البشر مخلوقين على صورة الله.

يقول كالفن في كتابه أسس الدين المسيحيّ أن جمال صورة الله هذه يجب أن يدفعنا لمساعدة أي إنسان، بغض النظر عن عرقه، ومكانته، بل ومستواه الأخلاقيّ. إن مفهوم صورة الله يعني أننا ينبغي أن نُعامل الآخرين كما يليق بالله! هكذا تصرّف السامريّ، ولكن لم يتصرّف يونان هكذا.


المحاور: تقول في كتابك: “عادة ما يتجاهل المهتمون بالعمل في مجال العدالة الاجتماعية الحديث عما يُعلنه الكتاب المقدس عن دينونة الله على الذين لا يفعلون إرادته. ومن الناحية الأخرى، فإن الكارزين بقوة بالتوبة، عادةً لا يشتهرون بالمطالبة بالعدالة للمظلومين.” كيف يتحدى سفر يونان هذا الانفصام؟

كَلِر: لقد استخلصت هذا الاستنتاج بعد أن درست الإصحاح الثالث فترة طويلة. يفترض كثير من الوعاظ أن ما نادى به يونان كان أكثر من مجرّد عبارة: “بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى”. بل قد ذهب البعض إلى القول أنه ربما قدّم لهم رسالة النعمة. لكن لا النص يقول ذلك، ولا انفعالات يونان في الإصحاح الرابع تؤيّد ذلك. كما أننا نميل إلى الاعتقاد بأن توبة نينوى كانت تحولًا جماعيًا نحو الإله الحقيقيّ. ولكن لا ذكر لاسم “يهوه” الذي يستخدمه الله في علاقاته العهديّة، ولا أي يفيد النص أنهم نبذوا أصنامهم وتبعوا الرب. ولكن ما يؤكد عليه النص هو أنهم توقفوا عن القتل والعنف واستغلال بعضهم البعض. وإذا نظرت إلى كلمات الأنبياء للأمم الوثنيّة في أسفار مثل إشعياء، وعاموس، وحزقيال، لوجدت أنهم تحدثوا معهم بشكلٍ أساسيّ عن قسوتهم وظلمهم تجاه الضعفاء.

ما حدث في نينوى إذن هو ما نُسميه الإصلاح الاجتماعيّ، وقد سُرّ به الله بما يكفي ليؤخر دينونته على المدينة لعدة عقود أخرى. من هنا يمكنني أن أقول أن يونان قد كرز بغضب الله، وأن الاستجابة كانت إصلاحًا اجتماعيًا. هذا جعلني أتساءل: هل من يعمل في مجال الإصلاح الاجتماعيّ يتحدث أيضًا عن غضب الله ودينونته؟ وهل من يعظ عن غضب الله يهتم أيضًا بالعدالة الاجتماعية؟ ربما يكون هناك بعض الاستثناءات، ولكن في الأغلب من يهتم بالواحدة يهمل الأخرى.


المحاور: في معرض حديثك عن الكرازة والاهتمام بالعمل الاجتماعيّ والعدالة الاجتماعية، وجدت في كتابك أنك ترفض الطرق الشائعة لوصف العلاقة بين الاثنين: “جناحيّ الطائرة” “ووسيلة لتحقيق غاية”. هل يمكنك توضيح ذلك؟

كَلِر: تحدثت عن هذا باستفاضة أكثر في كتابي “العدالة السخيّة”. ولكني أشرت بشكلٍ عابر في كتابي عن سفر يونان إلى الطرق الشائعة لوصف العلاقة بين الكرازة وإقامة العدل. الطريقة الأولى هي الادعاء بأن الكرازة والعدالة هما “جناحيّ الطائرة”. تكمن مشكلة هذا التشبيه في أنه (1) يفصل بين الاثنين، بدلًا من إدراك مدى تكاملهما معًا، (2) كما يخفق في التمييز بين مسئولية الكنيسة والفرد. فبينما يتعيّن على الكنيسة تلمذة المؤمنين ليكونوا نورًا وملحًا للمشاركة في تحقيق العدالة والتي غالبًا ما تكون من خلال العمليّة السياسيّة، عليها أيضاً أن تعكف على خدمة الكلمة والأسرار بهدف تكوين مؤمنين جدد وتشكيلهم للخدمة في العالم.

أما المقصود “بوسيلة لتحقيق غاية”، هو أننا نُساعد الفقراء ونسعى من أجل تحقيق العدالة، فقط بهدف أن يؤمنوا بالإنجيل. أنا لا أنكر أن أعمالنا الصالحة يمكن أن تقود الآخرين إلى تمجيد الله، كما يقول إنجيل متى 16:5، وبطرس الأولى 12:2. ولكن علينا أن نعمل الخير ونُحسن للآخرين فقط لأننا نحبهم. فكما أن علينا أن نكرز للآخرين، لأن أعظم تعبير عن محبتنا لهم هو أن نُساعدهم على التعرّف على المسيح، كذلك يتعيّن علينا أن نُقدم للمحتاجين “كأس ماء بارد” لذات السبب عينه. فسواء آمنوا مثلنا أو لم يؤمنوا، فأننا سنفعل ذلك لأننا نحبهم. أما تقديم يد العون بغرض أن يتحولوا إلى الإيمان، فهذا تلاعب وليس حب!


المحاور: هل يمكن أن تكون محبة يونان لوطنه وأمته قد تحولت إلى نوعٍ من الوثنية؟

كَلِر: هناك مقطع رائع في كتاب “المحبات الأربع” لسي. إس. لويس، والذي يقدم فيه علامتين على أن قومياتنا يمكن أن تتحوّل إلى صنم، وبالتالي إلى وسيلة للاستغلال والشر. العلامة الأولى هي حينما تُصبح قوميتك أو عرقك أساسًا لهويتك أكثر من إيمانك بالله. أدرك يونان أنه إذا تابت نينوى ورُحمت، فقد ينعكس ذلك سلبًا على أمته. لذا فنجده يضع مصلحته الوطنيّة فوق حاجة أهل نينوى لسماع كلمة الله، وفوق طاعته وخدمته لله. والعلامة الثانية التي يذكرها سي. إس. لويس هي محاولة تبرير تاريخ أمتك منكرًا الأمور السيئة التي اقترفتها. تكمن خطورة ذلك في أنك تقع في شرك الإحساس بالتفوق على الشعوب الأخرى مما يجعلك تضع تبريرات منطقية لتصرفات عشيرتك القاسية والوحشيّة.


المحاور: هل تعتقد أن يونان كان عنصريًا؟ وهل كان يشعر بتفوّق ديني أم عرقيّ أيضًا؟

كَلِر: علينا أن نكون حذرين وألا نحاول إقحام النزاعات العرقيّة المعاصرة على قصة يونان. فما من دليل على أن نظرة يونان لأهل نينوى كانت أشبه مثلاً بنظرة الأمريكيين البيض للسود. ولكن في نفس الوقت، لا أعتقد أن عنصرية يونان كانت نابعة فقط من شعوره بالتفوّق الدينيّ، لأنها لو كانت كذلك، لكانت هذه هي فرصته ليخبرهم بكم هم مُخطئين. لذلك فأنا أتفق مع رأي جون كالفن أن خطيّة يونان تكمن في موقفه “غير الإنساني” تجاه نينوى. فقد رفض معاملتهم كبشر مخلوقين على صورة الله ومتساوين في القيمة والكرامة معه ومع شعبه.


المحاور: ما هي “آيَةَ يُونَانَ النَّبِيِّ” التي تكلّم عنها الرب يسوع في متى 38:12-42؟ وما الذي تخبرنا به تلك الآيات عن أن يسوع هو الأعظم والأفضل من يونان النبيّ؟

كَلِر: طلب المتشككون في متى 12 من يسوع أن يُجري المزيد من الحيل السحرية ليثبت لهم صحة ادعاءاته عن نفسه، وحتى يتمكنوا من التأكد من أنه مُعلّم حكيم وموثوق به. ولكن يسوع ليس مجرّد معلمًا آخر أتى ليخبرك كيف تُخلّص نفسك وتجد طريق الله، وإنما هو الله نفسه الذي أتى ليجدك ويُخلّصك. فهو ليس مجرّد مُعلّم جديد آو سبيل من عدة سُبُل، لكنه المُخلّص.

فكما طُرح يونان في الماء ليُخلّص البحارة من غضب الله، كذلك طُرح يسوع للموت ليحمل كل العقوبة التي نستحقها على خطايانا ويُخلّصنا. وكما عاد يونان “من بين الأموات”، قام يسوع حقًا من الموت لأجل تبريرنا. هذه هي آية يونان.

شارك مع أصدقائك

ماثيو سميثورست

حاصل على ماجستر اللاهوت من كلية اللاهوت المعمدانية الجنوبية ويخدم كراع لكنيسة ريفر سيتي المعمدانية وكمحرر في ائتلاف الإنجيل.