التعريف
إن كون البشر مخلوقين على صورة الله بصفتنا ذكورًا وإناثًا، ليست مسألةَ تفضيل استقلالي لِكل شخص، بل هو جُزءٌ من التصميم والمُخطط الإلهي الجميل.
المُوجز
لقد ظهرَ اتجاهان في فَهم تعاليم الكتاب المُقدَّس بخصوص دَور الرجل والمرأة – المُساواتية والتكامُلية. يُقدَّم هذا المقال تقييمًا لكلا المنظوريْن.
إن التأمل المسيحي في تعاليم الكتاب المُقدَّس بخصوص الرجل والمرأة وصلَ إلى مُفترَق طُرق جديد في الحدثة المُتأخرة، خصوصًا في صحوة الثورة الجنسية في الغرب. إن النَسوية الممزوجة بالفَردانية الواضحة أعادا بالكامل تنظيمَ الطريقة التي يُفكِّر بها الناس فيما يَعني أن يكون الشخص ذكرًا أو أنثى. إنه من الشائع حاليًا أن يُنظر إلى النوع على أنه نظام اجتماعي ليس له ارتباط ضروري بِتنظيم الجسد للتكاثر. إن التكنولوجيا الحديثة مثل حبوب مَنع الحمل والاجهاض الانتقائي سَمحا للرجال والنساء بالتفكير في أنفسهم باعتبارهم “مُحرَّرين” من النتائج الاجتماعية لخصوبتهم. نتيجةً لذلك، صار مُتبني الفِكر النَسوي يُجادلون لِصالح التحرُّر من التنظيمات التقليدية للعائلة والبيت.
إن هذه الابتكارات واجهتْ اللاهوت المسيحي بمجموعة جديدة من التحديات للفهم التقليدي لنصوص الكتاب المُقدَّس التي تَتعامل مع دَور الذكر والأنثى. لقد مال اللاهوت الليبرالي إلى التوفيق مع روح العصر عن طريق تهميش سُلطة الكتاب المُقدَّس. لكن بين اللاهوتيين الإنجيليين الذين يَرغبون في إكرام سُلطة الكتاب المُقدَّس، ظهر اتجاهان في فَهم تعاليم الكتاب المُقدَّس – المُساواتية والتكامُلية.
المُساواتية
على عكس اللاهوت الليبرالي، تُصرَّح المُساواتية بأنها تَتمسَّك بِسُلطة الكتاب المُقدَّس بينما تتبنى فهمًا نَسويًا للمُساوة بين الرجال والنساء. لا يَشترك الرجال والنساء بشكلٍ متساوٍ فقط في الصورة الإلهية، بل يَشتركون أيضًا بشكلٍ متساوٍ في أدوار القيادة في الكنيسة، والبيت، وما أبعد: لا يُحدِّد الكتابُ المُقدَّس دَور القيادة في أي مِن دوائر الحياة على أساس النوع.
إن المُساواتيين لا يَرفضون التكامُليةَ بين الجنسيْن. إنهم يَرفضون أن التراتُبية (hierarchy) تَلعب أي دَور في التكامُلية الكتابية.
يسعى المُساواتيون إلى تأسيس وجهة نَظرهم على التعاليم الكتابية وتخلَّصوا من التفسيرات التقليدية للنصوص المُفتاحية لِصالح بدائل تنقيحية. إن التفسيرات المُساواتية لِنص تكوين ١-٣ تُجادل بأن التراتُبية الذكورية مُتأصلة في السقوط لا في خليقة الله الأصلية الصالحة. في هذا السياق، يُعلِّم نَص تكوين ١: ٢٦، ٢٧ بأن الرجال والنساء مخلوقون بشكلٍ مُتساوٍ على صورة الله، وأعطى اللهُ بشكلٍ مُتساوٍ الذكرَ والأنثى مسؤوليةَ التسلُّط على خليقة الله. يستنتج المُساواتي ريتشارد هِس (Richard Hess) قائلًا: “لا يوجد شيء في هذا الأصحاح الأول يُشير إلى أي شيء سوى مُساواة الذكر والأنثى.”[1] بخصوص تكوين ٢، يَرفض المُساواتيون أنَّ ترتيب الخليقة يُقيم آدم قائدًا في أول زواجٍ، وأنَّ تسمية حواء “مُعينًا” تَتضمَّن دورًا تابعًا. إن الله نفسه يُدعى مُعينًا في أماكن أخرى في الكتاب المُقدَّس (مثل، تكوين ٤٩: ٢٥؛ خروج ١٨: ٤؛ تثنية ٣٣: ٧، ٢٦، ٢٩)، لذلك لا يُمكن أن يُفسَّر المُصطلح بأنه يُوحي بأي تَبعية. في ضوء هذه القراءة، تَظهر التراتُبية فقط بعد السقوط باعتبارها جُزءًا من اللعنة التي أصدرها الله، “وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: … إِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ” (تكوين ٣: ١٦). وهكذا، فإن سيادة الرجل على المرأة هي جُزء مما أخذَ مسارًا خاطئاً في العالَم ويَحتاج إلى تصحيحٍ. إنها ليست جُزءًا من قَصد الله الأصلي في الخليقة.
يَهدف الفداء في المسيح إلى إزالة هذه الأشكال مِن عدم المُساواة الاجتماعية القَمعية. لذلك، يُعتبر نَص غلاطية ٣: ٢٨ نصًا محوريًا للمُساواتية. لأنه في هذا النَص، يُعلن بولس قائلًا: “لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” (غلاطية ٣: ٢٨). مثلما تُحطِّم رسالةُ الإنجيل العداوات الاجتماعية بين العبيد والأحرار، اليهود والأمم، كذلك تُحطِّم الأنظمة الاجتماعية التَراتبية الساقطة بين الذكر والأنثى.
لقد كان المُساواتيون روادًا في تقديم عدة ابتكارات تفسيرية لِشرح النصوص الكتابية التي لا يبدو أنها تتفق مع نموذجهم للمُساواة. على سبيل المِثال، تَتعلَّق الوصيةُ بخصوص خضوع الزوجات لأزواجهن في أفسس ٥: ٢١، ٢٢ في الواقع بالخضوع المُتبادَل لا بسُلطة الأزواج. بالمِثل، عندما قال بولس إن الزوج هو “رأس” الزوجة في أفسس ٥: ٢٣ أو ١ كورنثوس ١١: ٣، فإن المُصطلح اليوناني لكلمة “رأس” يَعني إما “المَصدر” أو “الشخص البارز،” لكنه لا يَعني “سُلطة.” عندما كتبَ بولس، “لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ وَلاَ تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ” (١ تيموثاوس ٢: ١٢)، كان يَهدف إلى حظر النساء من التعليم بطريقة مُتسلِّطة أو حظر التعليم بسُلطة غير مُفوَّضة. لكنه لم يَرغب بأي حال من الأحوال أن يقول إن النساء لا يُمكنهم التعليم أو مُمارسة السُلطة في حد ذاتها. كان يُريد ببساطة أن تَنخرط النساء في التعليم والقيادة بالطريقة الصحيحة. إن الكلمات التي تَأمر النساء بأن “تَصمت في الكنائس” (١ كورنثوس ١٤: ٣٤) هي على الأرجح ليست كلمات بولس حتى، بل أُضيفتْ لاحقًا بواسطة أحد النُسَّاخ ويُمكن وضعها جانبًا. يَتبنى العديد من المُساواتيين مسارًا تفسيريًا لا يَرى قيود الكتاب المُقدَّس الظاهرية بخصوص قيادة المرأة باعتبارها الكلمة الأخيرة بل باعتبارها توفيقات ثقافية مؤقتة والتي يُمكننا الآن أن نتحرَّك بعيدًا عنها بأمان.
من خلال هذه القراءات، يَستنتج المُساواتيون أن الرجال والنساء ليسوا مُتساوين أمام الله فقط في أنهم حاملو للصورة بل في دعواتهم الخاصة أيضًا.[2] لا يُحدِّد اللهُ دَور القيادة على أساس النوع، سواء في الكنيسة أو البيت. إن كل أدوار القيادة –سواء رسمية أو غير رسمية– مُتاحة للنساء مِثل الرجال.
التكامُلية
صِيغَ مُصطلح “التكامُلية” في عام ١٩٨٨ ليُشير إلى تعاليم بيان دانفرز (Danvers)، والذي يقول إنه مع أن الرجال والنساء مخلوقون بشكلٍ مُتساوٍ على صورة الله ولهم قيمة وكرامة مُتساوية، إلا أن لهم دعوات مُختلفة وتكاملية في الزواج والكنيسة.[3] في الزواج، يدعو اللهُ الزوجَ ليكون “رأس” زوجته (١ كورنثوس ١١: ٣؛ أفسس ٥: ٢٣)، والذي يَتطلَّب منه أن يُقدِّم قيادةً مُضحية بالذات، وحمايةً، وتدبيرًا لاحتياجات زوجته وعائلته (أفسس ٥: ٢١-٣٣). في الكنيسة، رُغم أن الفداء في المسيح يُعطي الرجالَ والنساء نصيبًا مُتساويًا في بركات الخلاص، إلا أن بعض أدوار القيادة والتعليم تَنحصر في الرجال. إن دعوات الرجال والنساء المُختلفة في البيت والكنيسة تَتأسَّس على التصميم الصالح لله في الخليقة وليست نتيجةً للخطية والسقوط.
المُساواة في الطبيعة والفداء
تُعلِّم التكامُلية “بالمُساواة والاختلافات المُفيدة” بين الرجال والنساء بدون أن تَلغي الاختلافات المساواةَ.[4] بأي معنى تُعلِّم التكامُلية بأن النساء والرجال مُتساوون؟ يَمتلك كلُ واحد فرديًا صورةَ الله كاملةً، وبالتبعية، يَمتلك قيمةً وكرامة مُتساوية بصفته حاملًا للصورة الإلهية. يقول بيان دانفرز ذلك الأمر بهذه الطريقة، “كان آدم وحواء مخلوقين على صورة الله، متساويين أمام الله بصفتهما شخصين…” يَتبع ذلك التعليمَ الكتابي القائل: “فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ” (تكوين ١: ٢٧). إن كونهم مخلوقين على الصورة الإلهية يُميّز البشر عن كل المخلوقات الأخرى. يرى بعض الكُتَّاب أن صورة الله توجد في العلاقة بين الذكر والأنثى، لكن التكامُليين يرون أن كلًا من الذكر والأنثى مخلوقين فرديًا على صورة الله. يَنسب اللهُ هذه الكرامة لِكليهما بغض النظر عن اختلافهم الجنسي أو الحالة الاجتماعية. يَشتركون في هذه المكانة بشكلٍ مُتساوٍ. بسبب هذا، يَمتلك كلاهما فرديًا قيمةً وأهميةً لا تُقدَّر. لا يوجد شخص –ذكرٌ أو أنثى– يستطيع أن يَدَّعي أن بعض الناس “مُساوون أكثر” من آخرين. يَمتلك الذكر والأنثى قيمة وكرامة مُتساوية لأنهم يَشتركون بشكلٍ مُتساوٍ في الصورة الإلهية. إن العقيدة الكتابية لصورة الله هي السبب في أن التكامُلية تَتجنَّب أي فكرة لتفوُّق الذكر ونَقص الأنثى. مثلما يُصرَّح بيان دانفرز، “يُظهر العهدُ القديم، والعهد الجديد كذلك، القيمةَ والكرامة المُتساوية في السمو التي يَنسبها اللهُ لأدوار الرجال والنساء.”
إن هذه المُساواة لها تضمينات أيضًا تتعلَّق بعمل الله الفدائي وسط شعبه. كتبَ الرسول بطرس أن الرجال والنساء ورثةٌ معًا لِنعمة الحياة. بالمِثل، كتبَ الرسول بولس في غلاطية ٣: ٢٨: “لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.” مثلما يؤكد بيان دانفرز، “إن الفداء في المسيح يُعطي الرجال والنساء نصيبًا مُتساويًا في بركات الخلاص.” هذا يعني أنه لا يوجد تمييز بين الرجال والنساء من حيث بركات الخلاص. بحسب نعمة الله، يَشتركون في نصيبٍ مُتساوٍ مِن نعمة التجديد، والتبرير، والتقديس، وسُكنى الروح القُدس، وكل البركات الأخرى التي اشتراها لنا المسيح. لا يوجد مُواطنون من الدرجة الثانية في ملكوت الله.
يَشترك أيضًا الذكر الأنثى بشكلٍ مُتساوٍ في التكليف بأنْ يَتسلِّطوا على خليقة الله. يأمر اللهُ الذكر والأنثى قائلًا “أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا” (تكوين ١: ٢٨). لا يُوجِّه الله هذا الأمر فقط للرجل بل للمرأة أيضًا. هذا يعني أن التكليف بالتسلُّط على الخليقة يَشمل الرجال والنساء بشكلٍ مُتساو. لا يعني هذا أنه لا توجد أي اختلافات في تكليفهم بِنَشر سُلطان الله، بل يعني أن الله يُعطي الأمر لِكليهما. إن السبب لهذا واضحٌ؛ سيَمتَد سُلطان البشرية على الخليقة بواسطة التكاثر ومَلء الأرض. لذلك، للرجل والمرأة دورٌ ضروريٌ في إنجاب البشر وفي تتميم التكليف بالتسلُّط. إن الرجل والمرأة حاكمان نائبان تحت حُكم الله على الخليقة.[5]
الاختلافات في التصميم والدعوة
يُعلِن اللهُ وجود مُساواة عميقة وباقية بين الرجل والمرأة بصفتهما حامليْن للصورة الإلهية، ووارثيْن معًا لِنعمة الحياة، وحاكميْن نائبيْن في تكليف الخليقة. مع ذلك، تُصر التكامُلية على أن هذه المُساواة لا تستبعد الاختلافات في التصميم الذي أعطاه الله للذكر والأنثى. هذا هو سبب أن بيان دانفرز يقول إن الذكر والأنثى “مُتساويان أمام الله بصفتهم أشخاصًا مُتميِّزين في رجولتهم وأنوثتهم (تكوين ١: ٢٦، ٢٧، ٢: ١٨).” يُعلِن الكتاب المُقدَّس والطبيعة أن هذه الاختلافات بين الذكر والأنثى بيولوجية، واجتماعية، وصالحة.
الاختلاف البيولوجي. إن الاختلاف البيولوجي الأساسي بين الذكر والأنثى هو في تنظيم الجسد من أجل التكاثر. لا نَعرف هذا فقط من الاختلافات الواضحة بين جِسمي الذكر والأنثى وكيف تُمكِّن هذه الاختلافات التكاثرَ، بل أيضًا من الكيفية التي تُؤكَّد بها هذه الحقائق البيولوجية الأساسية في الكتاب المُقدَّس. في تكوين ١: ٢٦-٢٨، لا تُعد “الذكورة والأنوثة” أنظمة اجتماعية بل تُمثِّل حقائق بيولوجية. يأمر اللهُ الذكر الأنثى قائلًا “أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ” (تكوين ١: ٢٨). يَعتمد الإنجاب على جِسمي الرجل والمرة المُختلفيْن بيولوجيًا ولكنهما مُتكاملان. صَمَّمَ اللهُ نظامًا إنجابيًا يَتطلَّب أن يَتحد جِسمان، وصَمَّمَ أن يَتحد نظام الاختلافات التكامُلية فقط في إطار عهد الزواج.
الاختلاف الاجتماعي. تُعلِّم التكامُلية بأن الأدوار الاجتماعية للذكر والأنثى تَنبُع من الاختلافات البيولوجية. في النظرة التكامُلية، تَرتبط هذه الاختلافات الاجتماعية بصراحةٍ بالبيت والكنيسة. يُخاطب بيانُ دانفرز هاتين الدائرتين صراحةً في بَند ٦. ١، ٢:
في العائلة، ينبغي أنْ يتخلَّى الأزواج عن القيادة القاسية والأنانية وأنْ يَنموا في محبة زوجاتهم والاعتناء بهم؛ ينبغي أنْ تتخلَّى الزوجات عن مُقاومة سُلطة أزواجهن وأنْ تَنمين في الخضوع الطوعي والمسرور لِقيادة أزواجهن (أفسس ٥: ٢١-٣٣؛ كولوسي ٣: ١٨، ١٩؛ تيطس ٢: ٣-٥؛ ١ بطرس ٣: ١-٧).
في الكنيسة، يُعطي الفداءُ في المسيح الرجالَ والنساء نصيبًا مُتساويًا في بركات الخلاص؛ رُغم ذلك، تَنحصر بعض أدوار القيادة والتعليم في الكنيسة في الرجال (غلاطية ٣: ٢٨؛ ١ كورنثوس ١١: ٢-١٦؛ ١ تيموثاوس ٢: ١١-١٥).
إن الرجل مَدعو في البيت لأنْ يكون رأسًا مُحِبًا ومُضحيًا، والزوجة مَدعوة لأنْ تُؤيِّد وتَدعم تلك القيادة. في الكنيسة، يُعد فقط الرجال المؤهَّلون كتابيًا مَدعوين لأن يَقوموا بأدوار قيادية وتعليمية مُعينة، وتُطالَب الجماعة كلها بأنْ تَعترف بتلك القيادة وتحترمها. إن كلمات بولس في ١ تيموثاوس ٢: ١٢ هي وسيلة الاختبار لهذا التعليم، لأن بولس يَحظر النساء من التعليم أو مُمارسة السُلطة مؤسِّسًا هذا الحظر على نظام الخليقة.[6] على الرغم من أن النتائج الثقافية الأوسع لهذه الاختلافات الاجتماعية لا تُشرَح باستفاضة في بيان دانفرز، إلا أن البيان يقول “إن رفضًا أو تجاهلًا لهذه المبادئ سيقود إلى نتائج تدميرية مُتزايدة في عائلاتنا، وكنائسنا، والثقافة عامةً” (التشديد مُضاف). بدون شرح للنتائج الثقافية الأوسع، يقول بيان دانفرز أنه توجد نتائج لهذا التعليم تَصل إلى ما هو أبعد من الكنيسة والبيت.
في الغرب العلماني الحديث، تمت مُقاومة هذا التعليم بخصوص الاختلافات الاجتماعية بين الذكر والأنثى. ومع ذلك، يُعلِّم الإعلان الكتابي بوضوحٍ أن الله نفسه نَسجَ هذه الاختلافات في تصميمه المُتميِّز للذكر والأنثى. إن النص التأسيسي لهذه النقطة هو تكوين ٢: ١٨-٢٥:
وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ.» … فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. فَقَالَ آدَمُ: «هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ». لِذلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا. ٢٥ وَكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ، آدَمُ وَامْرَأَتُهُ، وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ.
في آية ١٨، تُحدِّد كلمة “مُعينًا” لآدم دورًا اجتماعيًا لحواء في زواجها بآدم – دورًا مُرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بنوعها البيولوجي. بصفتها مُعينًا، يجب عليها أن تُؤيِّد قيادة زوجها في دعوتهما المُشترَكة لأنْ يُخضعوا الأرض. إنَّ خَلْق آدم قبل حواء يُحدِّد له دورًا اجتماعيًا في زواجه بِحواء – دورًا مُرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بنوعه البيولوجي. ينبغي عليه أن يكون القائد، والحامي، والمُدبِّر في عهد الزواج هذا. ولا تُعتبر هذه الأدوار الاجتماعية في عهد الزواج حقائق مُرتبطة بالخليقة فقط؛ يُؤمَر بها في الكتاب المُقدَّس.
تُعلِّم التكامُلية بأن الله لا يَقصد لِمبدأ رئاسة الرَجُل أن يكون موجودًا في البيت فقط بل في خدمة القيادة والتعليم في الكنيسة. ينبغي على كل جماعة الكنيسة أن تُؤيِّد تلك القيادة بِفرحٍ وطوعًا لِمجد الله.[7]
الاختلاف الصالح. على الرغم من أن التصميم الإلهي الصالح في الخليقة ربما قد تشوَّهَ بالسقوط والخطية، إلا أن التصميم الإلهي الصالح لم يُمحَ بالسقوط والخطية. مثلما كتبَ الرسولُ بولس، “لأَنَّ كُلَّ خَلِيقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، وَلاَ يُرْفَضُ شَيْءٌ إِذَا أُخِذَ مَعَ الشُّكْرِ، لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاَةِ” (١ تيموثاوس ٤: ٤، ٥). إن آدم وحواء هما بالتأكيد نموذجان للاختلاف حتى بعد السقوط، ولقد دعا اللهُ تلك الاختلافات التكامُلية “جيدة،” وما زالت جيدة حتى اليوم.
يَرغب بولس في التشديد على أن تعاليمه بخصوص اختلاف الذكر والأنثى ليست أمرًا جيدًا للبعض وسيئًا للبعض الآخر. إنها ليست مجرد نظام ثقافي. إنها جُزء من التصميم الإلهي للخليقة، وهي النموذج الذي يجب أن يسود في حياة كل فرد وكل كنيسة. لأن هذا أمر حقيقي، يُعد حاملي صورة الله مُلزَمين بإكرام قاعدة القيادة وبأن يَحزروا من أي مُحاولة لِوَصف هذا التعليم بأنه مجرد نظام ثقافي يُمكن وضعه جانبًا. لأن هذا التعليم يَنبع من كلمة الله، فإن المؤمنين ليسوا مُلزَمين بتأييده فقط، بل وبالاعتزاز به أيضًا.
الخاتمة
خَلَقَ اللهُ البشرَ لِمجده، وتَتضمَّن مقاصدُه الصالحة لنا تصميمَنا الشخصاني والمادي بصفتنا ذكورًا وإناثًا. إن كون الإنسان مصنوعًا على صورة الله بصفته ذكرًا وأنثى ليست مسألة تفضيل استقلالي للشخص. بل هو جُزء من التصميم والمُخطط الإلهي الجميل. بينما تميل المُساواتية إلى التقليل من اختلافات محورية بين الذكر والأنثى، تَعكس التكامُلية التعليم الكتابي بأن الله صمَّمَ الذكرَ والأنثى بصفتهما مُتساويين ومختلفين. إنهما حاملي الصورة الإلهية بشكلٍ مُتساوٍ، وشُركاء مُتساويين في نعمة الحياة، وشُركاء مُتساويين في تكليف الخليقة. لا يَتقلَّص أي شيء من هذه المُساوة الغالية بسبب الاختلافات البيولوجية والاجتماعية التي نَسجَها اللهُ في تصميمه للذكر والأنثى. إن هذه الاختلافات الجميلة ليست تناقضات بل تكامُلات. إنها جُزء من خطة الله الرائعة لأنْ يَجعل مجده يُغطي الأرض كما تُغطي المياه البحر (إشعياء ١١: ٩؛ حبقوق ٢: ١٤).
[1] Richard S. Hess, “Equality with and without Innocence: Genesis 1–3,” in Discovering Biblical Equality: Complementarity without Hierarchy, ed. Ronald W. Pierce, Rebecca Merrill Groothuis, and Gordon D. Fee (Downers Grove, IL: InterVarsity, 2004), 82.
[2] كَتبَ واين جرودم ما يُعتبر أكثر الكُتب الشاملة التي تُفند الحُجج المُساواتية. انظر Wayne Grudem, Evangelical Feminism and Biblical Truth: An Analysis of More Than 100 Disputed Questions (Sisters, Oregon: Multnomah, 2004).
[3] لِتاريخ مختصر عن صدور بيان دانفرز، انظر Denny Burk, “Mere Complementarianism,” Eikon 1 no. 2 (2019): 28–42; Wayne Grudem, “Personal Reflections on the History of CBMW and the State of the Gender Debate,” The Journal for Biblical Manhood & Womanhood 14, no. 1 (2009).
[4] John Piper and Wayne Grudem, eds., Recovering Biblical Manhood & Womanhood: A Response to Evangelical Feminism (Wheaton, IL: Crossway, 1991), xv.
[5] يُستمد الكثير مما ذُكِر أعلاه مِن Denny Burk, What Is the Meaning of Sex? (Wheaton, IL: Crossway, 2013), 160–62.
[6] يِمكن إيجاد التفسير الأشمل لهذا النص المحوري فيAndreas J. Köstenberger and Thomas R. Schreiner, Women in the Church: An Interpretation and Application of 1 Timothy 2:9-15, 3rd ed. (Wheaton, Illinois: Crossway, 2016).
[7] Denny Burk, “Mere Complementarianism,” Eikon 1, no. 2 (2019): 38–41.

