لاهوت التحرير الفلسطينيّ (1): مقدمة تاريخيّة ولاهوتيّة
لاهوت التحرير الفلسطينيّ (2): نقد لاهوتيّ
في مقالات سابقة، تبيَّن كيف أعاد اللاهوت الفلسطيني تعريف مفاهيم كتابية مركزية مثل ماهيّة الخطيّة، والخلاص، وسلطة الكتاب المقدّس على نحوٍ يخدم أجندة سياسية مرتبطة بالقضية الفلسطينية. وفي هذا المقال، ينتقل النقاش من المستوى المفاهيمي إلى المستوى التاريخي والإرسالي، لبحث أثر تمحور هذا اللاهوت حول فلسطين على قراءة التاريخ الكنسي، وعلى اتساقه اللاهوتي، وعلى شهادة الكنيسة الفلسطينية للمسلمين واليهود.
أولًا: الإشكاليات التاريخيّة
1. تغييب الاضطهاد المسيحي تحت الحكم الإسلامي
حين شرعت بدراسة لاهوت التحرير الفلسطيني عن كثب، كنت آمل وأنا أقرأ عن مساعيهم لتثبيت هويتهم المتجذرة كشجر الزيتون في الأرض (كما يصفونها) أن أجد ذكراً لنضال الكنيسة في الأراضي المقدسة ليس تحت الحكم الإسرائيلي فحسب، بل تحت الحكم الإسلامي أيضاً. كنتُ أتطلع لرؤيتهم يتحدثون عن شهداء غزة؛ ليس فقط أولئك الذين سقطوا جرّاء القصف الإسرائيلي في أعقاب هجمات حماس الإرهابية، بل أيضاً عن شهداء غزة إبان الفتح الإسلامي، الذين أُسِروا —على الأرجح— بأوامر من أبي عبيدة بن الجراح، وقُتِلوا لرفضهم اعتناق الإسلام عام 638م؛[1] أو عن الستين شهيدًا من الروم الذين قُتلوا أثناء حجهم إلى أورشليم عام 724م؛[2] أو عن استشهاد رهبان دير مار سابا الذين قُتلوا إثر غارةٍ استهدفت الدير قبل أسبوع واحد من سقوط أورشليم (ما بين عامي 646–649م) في يد المُسلمين.[3]
بيد أنّ نعيم عتيق صرّح في ختام الطبعة العربية من كتابه “الصراع من أجل العدالة”، أن اللاهوت الفلسطينيّ يضع على عاتقه مسؤولية نقل قضية شعبه إلى العالم الغربي، والعمل على تبديد الصور النمطية السلبية الملتصقة بالعرب والمسلمين[4]. ويذكر جريس خوري أن اللاهوت الفلسطيني “ليس لاهوتاً ضد الإسلام”، بل هو لاهوت يهدف إلى التعايش السلمي مع المسلمين.[5] ولدعم هذا الدافع، يروي خوري قصة منحولة عن البطريرك صفرونيوس، القائد المسيحي في أورشليم إبان الغزو الإسلامي. فيقول أن صفرونيوس كان يخشى المسلمين قبل وصولهم، غير أنّه بعد تسليمه أورشليم لعُمر بن الخطّاب وعيشه داخل المجتمع الإسلامي، تبنّى موقفًا أكثر تصالحيّة، إذ حثّ كنيسته على قبول الواقع الجديد والتعايش مع المسلمين.[6]
ولا يكمن بيت القصيد في أن هذه الرواية منحولة–كما يصفها كينيث كراج،[7] ولا أن بعض الدراسات الحديثة تُرجح أن صفرونيوس نفسه استُشهِد على يد عمرو بن العاص،[8] بل تكمن القضية في مسعى لاهوتيو التحرير الفلسطيني لتقديم قراءة رومانسية للتاريخ تُقلِّل من قسوة الواقع الذي واجهته الأقليات المسيحية واليهودية تحت الحكم الإسلامي. وبينما يُطالبون العالم بالاستماع إلى صوتهم والاعتراف بمعاناتهم، فإنهم يقوضون حقيقة الاضطهاد التاريخي للمسيحيين واليهود تحت الحكم الإسلامي عبر الامبراطوريات الإسلامية المتعاقبة، وقد اسقطوا سهوًا من كتاباتهم الحديث عن مُعاناة المسيحيين كأهل ذمة في أرضهم. [9] فيصفون هذا الاضطهاد كحوادث فرديّة طبيعيّة بدلاً من الاعتراف بها كجزء من نمط منهجي أوسع من القمع، والذي أدى إلى تحولات ديموغرافية كبيرة في أراضٍ كانت يوماً ما قلب المسيحية ومهد اليهودية.
2. ازدواجية المعايير بين الاستيطان العربيّ والإسرائيليّ
كما تُبرِز هذه الرواية المنحولة تباينًا لافتًا في الطريقة التي ينظر بها اللاهوت الفلسطيني إلى المسلمين والإسرائيليين. حيث يتم احتضان المسلمين كشركاء في الكفاح من أجل مصير مشترك، بينما يُنظر إلى الإسرائيليين كأعداء وكقوى احتلال يجب مقاومتهم. فيكيلون المديح للبطريرك صفرونيوس الأورشليمي لاستسلامه (حسب روايتهم) وتسليمه لأورشليم للغزاة المسلمين في القرن السابع الميلادي، ولانفتاحه على المصالحة وتجنب الحرب[10]. ومع ذلك، فإنهم يرفضون قيام دولة لليهود، وينظرون إليها بوصفها غزوًا حديثًا، ويدعون بدلًا من ذلك إلى المقاومة. فما الفرق هنا؟ هل يكمن الأمر ببساطة في أنَّ الاستيطان الإسلامي أقدم، وما هو أقدم هو أفضل؟ أم لأنه أضحى أضعف، ومن ثمَّ فهم يتحالفون مع الطرف الأضعف لمقاومة شكل جديد وأقوى من الاستيطان؟
إن مثل هذه التناقضات تثير تساؤلات نقدية عميقة حول مدى الاتساق اللاهوتي لهذا المنهج. فإن كانوا حقًا يبغون صياغة لاهوتًا فلسطينيًا للدفاع عن تاريخ وهوية المسيحيين في الأراضي المقدسة، فإن نقطة البداية يجب ألا تكون من تاريخ مقتطع يبدأ برسم صورة وردية عن وضع المسيحيين قبل الاستعمار لإلقاء كل اللوم على الاستعمار الإنجليزيّ ثم قيام دولة إسرائيل، بل إن عليهم تقديم صورة أصدق وأشمل لأزمة الهوية في الأراضي المقدسة منذ يوم الخمسين وإلى اليوم.
3. نقد سردية “الحل الأوروبي”
‘إن الرواية الشائعة بين العديد من اللاهوتيين الفلسطينيين، أمثال متري الراهب، هي أن قيام دولة يهودية على أرضهم كان مدفوعاً بشكل أساسي برغبة الدول الغربية في حل “المسألة اليهودية” في أوروبا عبر تهجير اليهود إلى الشرق الأوسط. غير أنّ هذا السرد، في رأيي، يفتقر إلى الدقّة التاريخية، وذلك لسببين على الأقل.
أولاً: من الأهمية بمكان ملاحظة أن الوجود اليهودي في شتى بقاع الشرق الأوسط، بما في ذلك فلسطين، لم ينقطع قط. فحتى بعد ثورة بار كوخبا، وإجلاء اليهود عن منطقة اليهوديّة، وهدم أورشليم وإعادة بنائها كمستعمرة رومانية تحت اسم ” إيليا كابيتولينا”، تشير الأدلة الأدبية والأثرية إلى أن المجتمعات اليهودية ظلت قوية ومزدهرة في مناطق أخرى مثل الجليل، والجولان، ومنطقة بيت شان (بيسان)، وعبر الأردن، وبعض المُدُن الساحلية. فتراجع الوجود اليهودي كان محصورًا في أورشليم وقلب منطقة اليهودية، بينما نمى التواجد اليهودي في سائر الأرضي المقدسة.[15]
وبناءً عليه، فإن القول بأن دولة إسرائيل الحديثة هي نتاج هجرة يهود أوروبا، هو تبسيط مخل للواقع. فحتى برغم تشتت أغلب اليهود، فإن عبادتهم وذاكرتهم الثقافية ونصوصهم المقدّسة ظلّت مرتبطة بهذه الأرض ارتباطًا وثيقًا. إذ يصدح المزمور 137: 5-6 قائلاً: “إِنْ نَسِيتُكِ يَا أُورُشَلِيمُ، تَنْسَى يَمِينِي مَهَارَتَهَا! لِيَلْتَصِقْ لِسَانِي بِحَنَكِي إِنْ لَمْ أَذْكُرْكِ.” كما أن قِبلة صلواتهم دائمًا هي باتجاه أورشليم (دانيال 6: 10). وفي عيدي “الفصح” و”الغفران”، كانوا يرددون بصوت يملؤه الرجاء: “العام القادم في أورشليم (לשנה הבאה בירושלים)”، مترقّبين اليوم الذي يعودون فيه إلى الأرض.[16]
بيد أنني لا أروم هنا الاستدلال –كما يذهب الكثير من التدبيريين– بأن الكتاب المقدّس يمنح حقًا إلهيًا في إقامة وطن قومي يهودي في هذه الأرض. بل هدفي هو تقديم منظور أنثروبولوجي يبيّن الرغبة الطبيعية لشعبٍ ما في الرجوع إلى جذورهم التاريخية وإقامة وطنهم، ولا سيما عند مقارنتها بوجود سبعٍ وخمسين دولة أُقيمت لشعوبٍ مسلمة. فكما أنه برغم كوني مسيحيًّا يؤمن بأن كل شيء قد تمّ في المسيح، وأنه لا توجد اليوم بقعة أرض أقدس من أخرى، لا أستطيع أن أسلب المسلم حقه في أقدس مكان لديه في مكة، فإني كذلك لا أقدر على تفخيخ اللاهوت واستخدامه لنزع حق اليهود في الأرض المقدسة.
ثانياً: في أعقاب الحرب العالمية الثانية، اتجهت جماعات عرقية متعددة إلى المطالبة بحق تقرير المصير، وسعت إلى إنشاء أوطان قومية تُعبّر عن هويتها الجماعية. ومن الأمثلة البارزة على ذلك تطلع المسيحيين الموارنة في لبنان إلى إقامة دولة مسيحية في جبل لبنان، موطنهم التاريخي، حيث عاشوا إلى جانب الشيعة والدروز والسنّة.
وبالمثل، سعى الشعب اليهودي هو الآخر إلى تأسيس دولة قوميّة خاصّة به، وقد تعزّزت هذه المساعي في ظلّ تصاعد العداء لليهود، ليس في أوروبا وحدها، بل أيضًا نتيجة مخاوف حقيقيّة من أن يلقوا المصير نفسه الذي واجهته الأقليات الأرمنيّة والآشوريّة والكلدانيّة في ظلّ الحكم العثماني في الشرق الأوسط. ويُضاف إلى ذلك ما تعرّض له اليهود من عنف واضطهاد في المنطقة قبل قيام دولة إسرائيل بمدّة طويلة، كما حدث في مذبحة صفد عام 1834، حيث قُتل مئات اليهود، ونُهبت ممتلكاتهم، وتعرّض مجتمعهم لدمارٍ واسع على يد جيرانهم العرب المسلمين. وقد تكرّر العنف في القرية نفسها مرة أخرى عام 1929 خلال فترة الانتداب البريطاني.[17]
وعليه، لا يمكن اختزال المسألة —كما يفعل لاهوت التحرير الفلسطيني في كثير من طروحاته— في الادعاء بأن معاداة السامية كانت مشكلة غربية خالصة حاولت أوروبا التخلص منها بنقلها إلى الشرق الأوسط. فالحقيقة أن مئات الآلاف من اليهود قد هُجِّروا قسراً من كافة البلدان العربية إبان العهد الناصري وما بعد هزيمة 1967م، فضلاً عن التضييق الذي مورس ضدهم قبل ذلك التاريخ بوقت طويل. لقد سعى الشعب اليهودي إلى رسم مستقبله بنفسه عبر إقامة دولة تمكّنه من التحرر من معاداة السامية الغربية، وكذلك من العداء التاريخي لليهود المتجذر في بعض مكونات التراث الإسلامي.
فإن العداء الإسلاميّ لليهود أسبق من ظهور الحركة الصهيونية أو قيام دولة إسرائيل، ويمكن تتبُّع جذوره في مصادر متعددة، من بينها بعض النصوص القرآنية وروايات السيرة المُحمّدية،[18] والتي رسخت عداوة عميقة تجاه اليهود والمسيحيين على حدٍ سواء. فالصراع الإسلامي–اليهودي لم يكن مجرّد نزاعٍ على حدودٍ سياسية، بل اتّخذ في مراحل كثيرة طابع صراع وجود ترتبط فيه النصوص الدينية الإسلاميّة بأفقٍ أخروي يمتدّ إلى قيام الساعة.[19]
وبناءً على ما تقدَّم، فإن مساعي اللاهوت الفلسطيني لتفكيك السرد التاريخي وإعادة صياغته بهذه الصورة الانتقائية، إنما تهدف إلى تقويض أي سردية مغايرة تدعم أحقية اليهود في وطنٍ قومي يكون بمثابة ملاذٍ آمنٍ لهم من اضطهادات الغربيين والمسلمين على حدٍّ سواء.
ثانيًا: المركزيّة الفلسطينيّة وصراع الهويّة
لقد انصبَّ تركيز اللاهوتيين الفلسطينيين بدرجة كبيرة على الدفاع عن وجودهم التاريخي في الأرض، لدرجة أصبحت معها «فلسطين» هي المحور المركزي للاهوتهم. وقد أسهم هذا النهج “المتمحور حول فلسطين” في تشكيل طريقة تفسيرهم للأحداث والوقائع، تماماً كما تنظر «المركزية الأفريقية» للتاريخ والحضارات باعتبار الأفارقة هم المركز. فعلى سبيل المثال، يصفون غزة بأنها “بوصلة العالم الأخلاقية”،[20] ويشددون على الهوية الفلسطينية للأرض، زاعمين أنها ليست أرض إسرائيل بل أرض فلسطين.
بل إنَّ البعض ذهب إلى حد القول بأنَّ يسوع نفسه كان فلسطينياً؛ حيث يجادل جريس خوري بأنه بينما كان يسوع يهودياً من الناحية الدينية، إلا أنه عاش —من الناحية الثقافية— في مجتمع فلسطيني ولم يكن إسرائيليًا![21] بغية إبراز السردية الفلسطينية بوصفها الإطار التفسيري المهيمن. ومع أنه من الصحيح أن يسوع لم يكن إسرائيليًا بمفهوم الدولة القومية الحديثة، ولم يكن يسعى إلى تأسيس كيان سياسي يهودي، إلا أنه من الخطأ الجسيم أيضاً وصف ثقافته بأنها “فلسطينية” بذات المفهوم القومي! فالأصوب لاهوتياً وتاريخياً هو القول إن ثقافته كانت يهودية مشرقية، تشكلت في سياق ديني ولغوي وتاريخيّ يهوديّ في أرض إسرائيل.
لاهوت الأرض وسؤال: “القُدس لمَن؟”
كما سبق القول، بزغ لاهوت التحرير الفلسطيني كرد فعلٍ على الحركة الصهيونية، ولا سيما الطريقة التي استغل بها بعض اليهود والمسيحيين الغربيين النصوص الكتابية لتبرير التوسع الإسرائيلي والاستيطان في الأرض المقدسة. وقد عارض اللاهوتيون الفلسطينيون الادّعاءات غير المشروطة بالحق في الأرض التي يُنادي بها بعض اليهود والمسيحيين المعاصرين، مجادلين بأن وعود الله المرتبطة بالأرض، بحسب الكتاب المقدّس، هي وعود مشروطة بالطاعة وإقامة العدل. فعلى سبيل المثال، يشير نعيم عتيق إلى نصوص مثل حزقيال 33: 21–26، ولاويين 26: 39–45، وتثنية 30: 1–10، ليؤكّد أن الحق في السكن في الأرض مرهونٌ باتباع شرائع الله وإرساء دعائم العدالة؛ وهي شروط يزعم عتيق أنَّ إسرائيل لم تستوفِها.[22] ومن هذا المنظور، فإنَّ طريقة تعامل إسرائيل مع الفلسطينيين تنتهك هذه المتطلبات الكتابية، مما يعني أنَّ مطالبتها بالأرض تفتقر إلى السند الكتابي ما دامت تخفق في ممارسة العدل.
كما يرى عتيق أيضًا أن الصهيونية تمثّل تراجعًا في تطوّر الفكر اليهودي. فبعد تدمير أورشليم سنة 70م وسقوط حركة الغيورين، تجنّب الفريسيون الانخراط في الصراعات السياسية والاجتماعية، وأوكلوا فداء إسرائيل بالكامل إلى الله. وكانوا ينتظرون الخلاص بوصفه تدخّلًا إلهيًا روحيًا، لا ثمرةً لأفعال بشرية أو مشاريع سياسية.[23] ويضيف متري الراهب إلى هذا الطرح مستشهدًا بنص 1 صموئيل 8، حيث يرفض الله فكرة المَلَكية، معتبراً ذلك دليلاً على أنَّ الله لم يقصد قط إقامة دولة رسمية أو نظام ملكي أو حكومة في الأرض المقدسة. ويرى راهب أنَّ تأسيس النظام الملكي إنما عكس افتقار العبرانيين للإيمان بالله كملكهم الحقيقي.[24] كما أنه ينكر وجود رابط في رومية 11 بين المستقبل المجيد لليهود وبين تلك الأرض.[25]
غير أن قول الرسول بولس في رومية 11: 29: «لأن هبات الله ودعوته هي بلا ندامة»، يشير إلى عكس ذلك، كما يقوم وين جرودم.[26] فهذه الآية تؤكّد أن وعود الله لإسرائيل تظلّ سارية المفعول حتى في أزمنة العصيان. ومع أن العهد الجديد يوسّع دائرة نعمة الله لتشمل جميع الأمم والأعراق، فإنه لا يلغي بالضرورة الوعود الخاصة التي قطعها الله لشعبه القديم (رومية 11: 1–2).
علاوة على ذلك، فإن الطرح الذي يقدمه كل من نعيم عتيق ومتري الراهب هنا، يكشف عن ازدواجية جلية في المعايير؛ فبينما ينتقدان اللاهوت التدبيري (Dispensationalism) وينعتانه بأنه لاهوت صهيوني يوظف النصوص المقدسة لدعم السردية الإسرائيلية، يقعان هما في المسلك ذاته حين يقومون بتوظيف النصوص الكتابيّة لخدمة السردية الإسلامية-الفلسطينية! فمن جهة، يعوّلان على «لاهوت الإحلال» (Replacement Theology) الذي يزعم أن الشعب اليهودي قد فقد وعده «المشروط» بالأرض بسبب رفضه للمسيح، ويطعنان بناءً على ذلك في حقهم في إقامة وطن قومي حتى من منطلقات إنسانية، لكنهما في الوقت ذاته يدافعان عن أحقية المسلمين الفلسطينيين في الأرض دون تطبيق ذات الشروط والمعايير عليهم. إنَّ هذا التضارب يبدو صارخاً؛ فهم يرفضون حق اليهود في الأرض لكونهم قد رفضوا المسيح، بينما لا يروا في هذه الحُجة أي تناقض مع دفاعهما عن أحقية المسلمين الفلسطينيين في الأرض، رغم رفض هؤلاء الأخيرين للاهوت المسيح وصليبه!
ثالثًا: السياق والإرسالية
اللاهوت الفلسطيني والتكييف السياقي
غالبًا ما يُروَّج لاهوت التحرير، بما في ذلك اللاهوت الفلسطيني، بوصفه محاولةً لتكييف الرسالة المسيحية مع الثقافات المحلية بطريقة تجعلها ذات معنى. غير أنّ هذه المقاربات تعاني من نواقص جوهرية ينبغي معالجتها إذا أردنا الانخراط في عملٍ مُرسليّ مسؤول في الأراضي المقدّسة. ولكن علينا التنبير أولًا على أن المسيحيون المحافظون، ولا سيّما المنتمين إلى التقاليد المُصلَحة، يُدرِكون أهميةَ التفاعل مع الثقافات المختلفة، ولكن دون المساومة على حق الإنجيل. وهم يتعاملون مع التنوّع الثقافي بوصفه جزءًا من الإعلان العام لله وتعبيرًا عن نعمته العامّة (متى 5: 45؛ مزمور 145: 9). فبرغم سقوط البشر في الخطية، لا تزال الثقافات تعكس بصمة الخالق، الذي أعطى البشر تكليفاً حضاريًا للعمل في الأرض والحفاظ عليها، كما منحهم النعمة والقدرات لتشكيل سياقاتهم وتطويرها.
غير أنّه يجب أن نتذكّر أن فهم الإنسان محدود، ودوافعه منحازة، وجميع البشر ساقطون؛ فالخطية تشوه العقل والقلب البشريين. لذلك ينبغي فحص السياقات في ضوء الإعلان الخاص، أي كلمة الله. ولا يجوز للسياق أن يضيف إلى الحقائق الكتابية أو ينتقص منها أو يُقلِّصها. وبناءً على ذلك، ينبغي أن يتماشى “التكييف السياقي”(contextualization) مع كامل الكتاب المقدس، بدلاً من التركيز الانتقائي على نصوص معينة لتناسب أجندة ما. وبينما يُعد التفاعل مع السياق أمراً مهماً، يجب ألا نسمح له بالهيمنة على الحقائق اللاهوتيّة القويمة التاريخية أو استبدالها.
ويقدم الكتاب المقدس أمثلة حية على كيفية التفاعل مع السياقات المختلفة دون المساومة على الحق؛ فعلى سبيل المثال، تكيّف يوسف مع دوره في ثقافة مصر الأجنبية دون أن يمس المبادئ الإلهيّة (تكوين 39). وبالمثل، ظل دانيال ثابتاً في عبادته لله أثناء عيشه تحت وطأة نظام معادٍ (دانيال 1: 8؛ 6: 10). كما رفض أصدقاؤه الثلاثة خلط عبادة الله بالولاء لصنمٍ سياسيّ (دانيال 3). وحتى في العهد الجديد، قام بولس بتكييف رسالته لتناسب جماهير متنوعة — فكَرَزَ بأسلوب معين في المجامع اليهودية وبأسلوب آخر بين الأمم — ومع ذلك، حافظ دائماً على جوهر رسالة الإنجيل: هوية المسيح، وعمله، وموته، وقيامته. وفي جميع هذه الأمثلة، وبغض النظر عن السياق، كان هناك دائماً معيارٌ قاطع تُقيّم بناءً عليه المعتقدات والأفعال.
فالتكييف السياقيّ إما أن يبدأ بالقضايا المجتمعية ومن ثمّ يقوم بصياغة لاهوت وأفكار تتناسب مع السياق المحيط، أو أن يبدأ بحقائق الكتاب المقدس، ثم تطبيق تلك الحقائق على السياقات العملية والثقافية. وبينما يتبنى لاهوت التحرير الفلسطينيّ النهج الأول، فإن اللاهوت الكتابيّ القويم يتبنى النهج الثاني والذي يضمن بقاء الرسالة أمينة لكلمة الله مع معالجة ظروف العالم الحقيقي في آنٍ واحد. ففي ظِل غياب معايير كتابية واضحة لتقييم أرثوذكسيته، يمكن للاهوت التحرير الفلسطينيّ أن يتحول إلى حصان طروادة يحملنا بكل ريح تعليم غريب.
اللاهوت الفلسطيني والإرسالية
ينطلق اللاهوت الفلسطيني من قناعةٍ أساسية مفادها أن الله حاضر وفاعل في مجرى التاريخ من أجل تحرير المظلومين. ويرى أن الشركة مع الله لا تنفصل عن الشركة مع الآخرين، وبوجهٍ خاص مع من يرزحون تحت الاضطهاد. وبهذا الفهم، تتضاءل الحدود الفاصلة بين الكنيسة والعالم.[27] فبحسب نعيم عتيق، فإن المسيحيين الفلسطينيين يقفون في تضامنٍ مع المسلمين، ويشاركونهم نضالهم من أجل العدالة والسلام.[28] وبسبب أن اللاهوت الفلسطينيّ في كثير من الأحيان يجعل القضية الفلسطينية محورًا مركزيًا لخطابه اللاهوتي، يُشير إلى المسلمين بأنهم “شركاء المقاومة والمصير”، بينما يصف إسرائيل بأنها “العدو” أو “المُضطهِد”. إن هذا التوجه ينطوي على مخاطرة جسيمة تتمثل في حرف التركيز عن جوهر الإنجيل، أو إعاقة الشهادة المسيحية لليهود والمسلمين على حد سواء في الأرض المقدسة؛ إذ يكرس انطباعاً بأن حل القضية الفلسطينية هو السبيل الأساسي —أو الشرط المسبق— لإزالة العوائق التي تحول دون قبول المسلمين للمسيحية.[29]
كما أن هذه الرؤى المتباينة تجاه اليهود والمسلمين تثير أسئلة تستحق التأمل: كيف يمكن للكنيسة أن تشارك الإنجيل بفعالية مع أولئك الذين تصنفهم كأعداء؟ هل يؤدي تصنيف اليهود كأعداء إلى تعزيز أم إعاقة قدرة الكنيسة على تقديم الشهادة لكل من المجتمعات اليهودية والإسلامية في الأراضي المقدسة؟ وهل المسلم الفلسطيني أقرب حقاً للاهوتيي التحرير الفلسطينيين من المسيحي الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية (عرب 48)، أو من اليهود المسيانيين؟ والأهم من ذلك كله، هل ينجح هذا اللاهوت في إيصال “رسالة المُصالحة” التي ائتمنّا المسيح عليها للمسلمين واليهود على حدٍ سواء؟
تتحدى هذه الأسئلة ما إذا كان اللاهوت الفلسطيني يتماشى مع إرسالية الكنيسة الكتابية بأن تكون نورًا لجميع الأمم، حتى لأولئك الذين يصنفهم اللاهوت الفلسطينيّ كأعداء. فعلى سبيل المثال، نجد بولس الرسول، على الرغم مما واجهه من عداء ومقاومة من جانب اليهود لرسالته عن المسيح، لا يزال يقول عنهم:
مِنْ جِهَةِ الإِنْجِيلِ هُمْ أَعْدَاءٌ مِنْ أَجْلِكُمْ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ الاخْتِيَارِ فَهُمْ أَحِبَّاءُ مِنْ أَجْلِ الآبَاءِ (رومية 11: 28).
لقد وصف الرسول بولس اليهود في ذات الآية بأنهم “الأعداء الأحباء”، ذلك الوصف الغائب من أدبيات اللاهوت الفلسطينيّ. بل تجاوزت محبة الرسول بولس لبني جِلدته من اليهود مرحلة التسامح، لتصل إلى الحد الذي أعرب فيه عن استعداده لأن يكون هو نفسه محروماً من المسيح في سبيل خلاصهم (رومية 9: 3).
ما هي إرسالية الكنيسة الفلسطينية ورسالتها؟
يقودنا هذا إلى طرح تساؤلٍ ملحٍّ حول طبيعة إرسالية الكنائس التي يمثلها اللاهوتيون الفلسطينيون: ماذا لو أُتيحت لهم الفرصة لمخاطبة حشدٍ إسلامي حول القضية الفلسطينية؟ هل سيكتفون بإعلان التضامن مع معاناة الشعب الفلسطيني فحسب، أم سيشاركونهم أيضاً برسالة المصالحة في المسيح، بوصفه الوحيد القادر على نقض العداوة بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟
سأورد مثالاً أراه كاشفاً ومعبراً عن توجه أغلب رواد اللاهوت الفلسطيني المعاصر؛ فخلال زيارته لجنوب أفريقيا، دُعي منذر إسحق، وهو قس لوثري فلسطيني وأستاذ للاهوت، للتحدث في “مسجد القدس”. وقد تمحور حديثه حول مواضيع مثل فلسطين، والوضع في غزة، وتاريخ التعايش بين المسلمين والمسيحيين في فلسطين على مدى القرون الأربعة الماضية. كما تطرق إلى تناقص أعداد المسيحيين في فلسطين، عازياً ذلك ليس إلى الاضطهاد أو العداء من جانب المسلمين، بل إلى السياسات القمعية لدولة إسرائيل.[30] لقد خاطبهم كزعيم سياسيّ دون تقديم أي رجاء في إنجيل المسيح.
يسلط هذا المثال الضوء على سُلّم الأولويات في إرسالية الكنيسة وفق منظور اللاهوت الفلسطيني؛ فإن “خدمة المصالحة” بحسب المنظور الكتابيّ القويم تمثل جوهراً أصيلاً في مأمورية الكنيسة، وتدعو المسيحيين ليكونوا سفراء للمسيح قبل أن يكونوا سفراء لقضايا سياسية، مناشدين الآخرين أن يتصالحوا مع الله (2 كورنثوس 5: 20). فلا يكمن لب القصيد في لاهوت التحرير الفلسطيني في انتقاده للإرساليات الغربية، أو في ادعائه بأن شهادة الكنيسة الفلسطينية ضعيفة بسبب دعم بعض المسيحيين الغربيين لدولة إسرائيل، كما يدّعي متري الراهب؛[31] بل إن القضية الأعمق تكمن في اختلال الأولويات، واستنزاف الصراع على الأرض مجهوداتهم وطاقاتهم.
لذا، عوضًا عن تطويع المسيحية لتناسب الاحتياجات الشعورية الآنية للناس، ينبغي تقديم الإنجيل بأمانة وثقة، لأنه يعالج أعمق احتياجات الإنسان، أي المصالحة مع الله، والتي تقود بالتبعية إلى المُصالحة مع الآخرين.[32] للأسف، غالباً ما يعطي لاهوتيو التحرير الفلسطينيون الأولوية للتحرر الأرضي على ملكوت الله. إذ تتمحور رسالتهم الأساسية حول قضيتهم السياسيّة بدلاً من الكرازة، وذلك في تباينٍ واضح مع مثال المسيح.
فقد ترك يسوع الصراعات السياسية للغيورين والرومان، وركز بدلاً من ذلك على تأسيس ملكوت ليس من هذا العالم. كما أمر أتباعه بأن يتلمذوا جميع الأمم (متى 28: 19-20)، واضعاً الإنجيل في قلب إرساليته. ولم يكن انتصاره الأعظم ضد قيصر، أو النظام القمعيّ للمُحتلّ الرومانيّ، أو المؤسسات الإجتماعية الفاسدة، بل ضد الخطية والشيطان وأعوانه من الملائكة الساقطة.
وخلاصة القول، يكشف هذا العرض النقدي أن لاهوت التحرير الفلسطيني، رغم حساسيته للمعاناة الإنسانية، يعاني من اختلالات جوهرية في فهمه لسلطان الكتاب المقدس، وطبيعة الخطيئة، ومعنى الخلاص، ومركزية رسالة الإنجيل. إذ يؤدي إخضاع النص الكتابي للسياق السياسي إلى تقويض مبدأ الوحي والعصمة، واستبدال إعلان الله الثابت بقراءات انتقائية متغيّرة. كما أن اختزال الخطيئة في القمع وحده، وتحويل العدالة الأرضية إلى مرادف للخلاص، يُفرغ الإنجيل من قوته الخلاصية ويشوّه رسالته الأساسية.
[1] David Woods, “The 60 Martyrs of Gaza and the Martyrdom of Bishop Sophronius of Jerusalem.” ARAM 15 (2003), 129–150; Paul Halsall, ed., “Passion of the Sixty Martyrs of Gaza, 17 Dec 638 CE,” Internet Medieval Sourcebook, Fordham University, last modified January 16, 2026, https://sourcebooks.web.fordham.edu/source/683sixtymartyrs%20of%20gaza.asp
[2] Christian Sahner,“The Passion of the Sixty Martyrs of Jerusalem (d. Ca. 724) [BHG 1217]: Study and Translation.” Travaux Et Mémoires 26 (2022), 385–406; Christian Sahner, Christian Martyrs Under Islam: Religious Violence and the Making of the Muslim World (New Jersey: Princeton University Press, 2018), 3.
[3] Robert G. Hoyland, Seeing Islam as Others Saw It: A Survey and Evaluation of Christian, Jewish, and Zoroastrian Writings on Early Islam (Princeton, NJ: Darwin Press, 1997), 126, n. 35.
[4] نعيم عتيق، الصراع من أجل العدالة (أورشليم: دار الكلمة، 2012)، 214.
[5] Kenneth Crag, The Arab Christian: A History in the Middle East (United Kingdom: Presbyterian Publishing Corporation, 1991), 52.
[6] Khouri, Lahut Shajarat al-Zaytun, 78.
[7] Kenneth Crag, The Arab Christian: A History in the Middle East (United Kingdom: Presbyterian Publishing Corporation, 1991), 52.
[8] Woods, Martyrdom of Bishop Sophronius of Jerusalem, 136–144.
[9] Van Zile, “Updating the Ancient Infrastructure,” 17. http://www.jstor.org/stable/41228554.
[10] Geries Sa’ed Khoury, “Introduction,” in Book of Evidence on Confirming Faith: Sophironius Patriarch of Jerusalem: His Life, Works, and Omar’s Covenant (Jerusalem: al-Liqa Center, 2015), 84, 102.
[11] Kuruvilla, Radical Christianity in the Holy Land, 23.
[12] ميشيل صباح، “المقاومة السلمية في فلسطين،” مدخل إلى اللاهوت الفلسطيني (بيت لحم: ديار للنشر، 2017)، 147.
[13] Lionel I. Casper, The Rape of Palestine and the struggle for Jerusalem (Israel: Gefen Publishing House, 2003), 189.
[14] Yossi Melman, “Setting the Record Straight: Entebbe Was Not Auschwitz,” Haaretz, July 8, 2011, archived November 5, 2012, accessed November 18, 2024, https://web.archive.org/web/20121105002656/http://www.haaretz.com/weekend/week-s-end/setting-the-record-straight-entebbe-was-not-auschwitz-1.372131.
[15] David Goodblatt, “The Political and Social History of the Jewish Community in the Land of Israel, c. 235–638,” in The Cambridge History of Judaism: Volume 4, The Late Roman-Rabbinic Period, ed. Steven T. Katz (Cambridge: Cambridge University Press, 2006), 405–410.
[16] See, Mordecai Richler, (1994), This Year in Jerusalem. Jewish Quarterly, 41(3), 14–18. https://doi.org/10.1080/0449010X.1994.10705991
[17] Norman A. Stillman, The Jews of Arab Lands (United States: Jewish Publication Society, 1979), 340; Abraham P. Bloch, One a Day: An Anthology of Jewish Historical Anniversaries for Every Day of the Year (United States: Ktav Publishing House, 1987), 168; Sir Walter Shaw, Report of the Commission on the Palestine Disturbances of August 1929 (Shaw Commission) (March 1930), excerpts in Documents on Palestine, Volume I (Until 1947), edited by M. Abdul Hadi (Jerusalem: PASSIA, 2007), 155–58.
[18] ففي سنته الأولى في المدينة، سعى محمد إلى استمالة الجماعة اليهودية وكسب ودّها، من خلال تبنّي بعض الممارسات اليهودية، مثل التوجّه نحو أورشليم بوصفها القِبلة في الصلاة، والالتزام ببعض الشرائع والعادات اليهودية. غير أنه عندما تبيّن له أن اليهود لن يقبلوا رسالته، حوّل القِبلة إلى مكّة، في خطوة شكّلت إعلانًا واضحًا عن القطيعة مع الجماعة اليهودية. ومنذ ذلك الحين، أخذ موقفه تجاه اليهود والمسيحيين يزداد عداءً بصورة ملحوظة. وخلال الفترة المدنية، تغيّرت نبرة القرآن تجاه هذه الجماعات تغيّرًا جذريًا؛ إذ تضمّن توجيهات للمسلمين بعدم موالاة اليهود والمسيحيين أو إظهار المودّة لهم (مثل: سورة 60: 1–4؛ 58: 22؛ 5: 51)، ثم تصاعد الخطاب لاحقًا ليشمل الدعوة إلى الصراع، بما في ذلك آيات تُشجّع على القتال ضدّهم (مثل: سورة 8: 65؛ 2: 191).
[19] Trude Ehlert, “Muḥammad,” in Encyclopedia of Islam Vol. 7, eds.C.E. Bosworth, E. van Donzel, and W.P. Heinrichs, (Leiden: Brill, 1993), 368; Michael Cook, Muhammad (London: Oxford University Press, 1996), 56; Ibn Hisham, The Life of Muhammad, 545; Gerhard Böwering, “Chronology and the Qurʾān,” in Encyclopedia of the Qur’an Vol. 1, ed. Jane Dammen McAuliffe, (Leiden: Brill, 2001), 322–331.
[20] Isaac, “Awakening the Conscience of the World.”
[21] Khouri, Lahut Shajarat al-Zaytun, 75.
[22] Raheb, I Am a Palestinian Christian, 76.
[23] Ateek, Justice and Only Justice, 95.
[24] Raheb, I Am a Palestinian Christian, 77.
[25] Colin Chapman, Whose Promised Land? The Continuing Conflict over Israel and Palestine (Oxford: Lion Hudson plc, 2015), 255.
[26] Grudem, Politics, 466.
[27] Frame, A History of Western Philosophy, 427; Gutierrez, A Theology of Liberation, 165, 207, 72.
[28] Ateek, Justice and Only Justice, 2.
[29] Alfred T. Hennelly, Theologies in conflict: The Challenge of Juan Luis Segundo (Maryknoll, New York: Orbis Books, 1979), 109.
[30] Isaac, “Awakening the Conscience of the World.”
[31] Raheb, Mission in the Context of Fragmentation, 395-396.
[32] Shenvi and Sawyer, Critical Dilemma, 428.

