نشأة النقد الكتابي في عصر التنوير

التعريف

تأتي نشأة النقد الكتابي أثناء عصر التنوير في القرن 18م بالتباين مع نشأة الحركة الإنجيلية.

الموجز

يُطلق أحيانًا على القرن 18م اسم “عصر التنوير” أو “عصر المنطق العقلي”، كما يُوصَفُ بأنه عصرٌ عالماني جدًّا. ومع ذلك، فقد أظهرت أبحاث نصف القرن الماضي ازدهار المسيحية أثناء ذلك القرن بشكلٍ أكبر مما هو مفترض عادةً. فقد ساهم ظهور النقد الكتابي في نشوء اتجاه فكري عالماني أثَّر على المعتقدات الدينية الخاصة لكثير من المعاصرين.


عصر التنوير (١٦٨٠-١٧٩٩م)

في التاريخ الأوروبي، كثيرًا ما تُوصَف الفترة الممتدة من ١٦٨٠ إلى ١٧٩٩م بـ “عصر التنوير” أو “عصر المنطق”. استخدم معاصرو القرن 18م في الغالب مصطلحًا مشتقًّا من لفظة “نور” بحسب لغاتهم المناظرة لِوَصْفِ تلك الحقبة. على سبيل المثال، وَصَفَهُ الفرنسيون بمصطلح “عصر الأنوار”، والألمان بـ “عصر التنوير”.

الفلاسفة

كان يُطْلَقُ على أنصار “التنوير” أحيانًا اسم “الفلاسفة”، الذين كانوا يقدِّرون كتابات الكُتَّاب الوثنيين القدامى مثل شيشرون Cicero، بالإضافة إلى وجهات النظر التجريبية لفرانسيس بيكون Francis Bacon وچون لوك John Locke. لقد دافعوا عن حرية استخدام “المنطق العقلي” أو العقل كسلطةٍ إرشادية لإدراك الحق، وَفَهْمِ البشرية، والعالم. رفضوا غالبًا التعاليم المسيحية. وقد عبَّر الفيلسوف سيزار شِنو ديمارسيه Cesar Chesneau Dumarsais عن الأمر بقوله: “منطقُ العقل بالنسبة للفيلسوف يضاهي النعمة بالنسبة للمسيحي. تحفِّزُ النعمةُ المسيحيَّ على العملِ، أما الفيليسوف فَيُحَفِّزُهُ المنطق العقلي”.

نادى “الفلاسفة” بأن تطور “الفلسفة [باستخدام المنطق العقلي]” من شأنه أن يؤسِّس ليوم “مستنير” من السعادةِ، والتسامح، والتَّقَدُّم. انتقد الكثيرون منهم بشدة المعتقدات المسيحية التقليدية، مثل طبيعتنا الخاطئة نتيجة سقوط آدم، وحقيقة الآيات المعجزية، وتحقيق النبوءات الكتابية، وألوهية المسيح. شكك هؤلاء الفلاسفة في عصمةِ الكِتَابِ المُقَدَّسِ، وأيَّدُوا النقد الكتابي له. وبشكل عام، روَّجُوا لفكرة أن المسيحية القويمة تُروِّجُ لا للنور بل للظلام، لا للحَقِّ بل للخرافة، لا للسَّلامِ والتَّحَضُّر بل للتَّعَصُّبِ.

غالبًا ما كان “الفلاسفة” بمثابة دعاة ونشطاء اجتماعيين ومصْلِحِين. في فرنسا، كان من بينهم فولتير Voltaire، دِنِي ديدِرُو Denis Diderot، دِلومبير D’Alembert، وفي چنيف ظهر جان جاك رُوسُّوGenevan Jean-Jacques Rousseau  (1712-1778م؛ إلى أن أصبح المنتقد الرئيس لفولتير)؛ وفي ألمانيا، كان من بين نقاد الكِتَابِ المُقَدَّسِ هيرمان زاموئيل ريماروس  Hermann Samuel Reimarus(1694-1768م) والفيلسوفان جوتهولد لِسِنج Gotthold Lessing (1729-1781م) وإيمانوئيل كانطImmanuel Kant  (1724-1804م)؛ وفي إنجلترا، كان من بين الفلاسفة الربوبيِّين Deists أنتوني كولينز Anthony Collins (1676-1729م) والفيلسوف ديفيد هيوم David Hume (1711-1776م)؛ وفي الولايات المتحدة الأمريكية، ظَهَرَتْ شخصياتٌ سياسيةٌ مع كُتَّابٍ يميلون للفكر الربوبي، مثل بنچامين فرانكلين Benjamin Franklin (١٧٠٦-١٧٩٧م)، توماس چيفرسون Thomas Jefferson (١٧٤٣-١٨٢٦م)، وتوماس بينThomas Paine  (١٧٣٧-١٨٠٩م). وقد نادى مناصرو حركة “التنوير” بإصلاحات في أمريكا الجنوبية.

في كلٍّ من فرنسا وألمانيا، اشتدَّت قوة الحركات “الفلسفية” بحلول منتصف القرن 18م. على النقيض من ذلك، بلغت حركة “التنوير” المرتبطة بالفلسفة الربوبية ذروتها في إنجلترا بحلول سنة ١٧٥٠م.

السُّلطان الرَّاسِخ للكِتَابِ المُقَدَّسِ في بداية عصر التنوير

انهمرت دموع الامتنان من عينيّ “ملك الشمس” لويس الرابع عشرLouis XIV  مَلِك فرنسا. شَكَرَ الملك مستشاره الروحي، چاك بِنيني بوسويه Jacques Bénigne Bossuet (1627-1704م)، لشرْحِهِ كلمات الرَّبِّ يسوع “أَلْزِمْهُمْ بِالدُّخُولِ” (لُوقَا 23:14) الذي برَّرَ كتَابِيًّا إلغاءَهُ لمرسوم نانت Edict of Nantes. تسَبَّبَ هذا الإلغاء (1685م) في سَلْبِ حقِّ الكالفينيين الفرنسيين أو الهوجونوتس من الوجود في مملكته. أعاد الإلغاء التأكيد مجدَّدًا على أن الديانة الكاثوليكية الرومانية للمَلِك هي الديانة الوحيدة المسموح بها لرعاياه. أجبر الملكُ الهوجونوتس على اعتناق الكاثوليكية الرومانية وإلا واجهوا عقوباتٍ قاسيةً. استشهد بعض قساوسة الهوجونوتس الذين قاوموا الأمر المَلَكِيَّ. في القرن 18م، قاوم العديد من الهوجونوتس العلمانيين الأمْرَ المَلَكِيَّ، مثل ماري ديوراند Marie Durand، وقد سُجِنُوا، كما أُجْبِرَ آخرون على الخدمة في السُّفُن الشراعية للمَلِك. شَعَرَ الآلاف منهم بأنهم مجبرون على الاهتداءِ باعتناق الكاثوليكية. وفي سنة ١٧٨٧م، تساهَلَتْ السلطات المدنية أخيرًا مع البروتستانت الفرنسيين.

على الرُّغْم من أن المستشار الرُّوحِي للمَلِك أساء فهمَ النص الالوارد في لُوقَا 23:14، إلا أن هذه الحادثة تكْشِف عن مدى التأثير القوي للكِتَابِ المُقَدَّسِ على الحياة السياسية الفرنسية حتى ثمانينيات القرن 17م. في الحقيقة، ألَّف چاك بِنيني كتابًا عنوانه: “السياسة النابعة من كلماتِ الأسفار المقدَّسة ذاتها” (المُسَوَّدَة الأُولَى عام ١٦٧٩م). رأى چاك أن الكِتَاب المُقَدَّس بوصْفِهِ كَلِمَة الله المعصومة من الخطإ، ليس فقط في الإيمان والممارسة، بل في السياسةِ وأمورٍ أخرى. وفي وصفِهِ لِغَرَضِ كتابِهِ، كان من بين ما كَتَبَه چاك: “سنقوم باستجلاء أسرار السياسة، ومبادئ الحكم، ومصدر القانون، في تعاليم ومُثُل الكِتَاب المُقَدَّس ….”.

في نفس التوقيتِ، ظَهَرَتْ تحدِّياتٌ شديدةٌ للسلطان الكِتَابي بين المعاصرين. في سنة ١٦٨٥م، فإن الفرنسي الكاثوليكي الروماني ريتشارد سايمون Richard Simon (١٦٣٨-١٧١٢)، الممدوح غالبًا بوصفه “أبا النَّقْد الكتابي”، دَخَلَ في نقاشٍ بلا قيودٍ مع چيان لو كليرك Jean Le Clerc (١٦٥٧-١٧٣٧م). كان چيان أديبًا من چنيف، وقد درَّسَ في معهد لاهوت ريمونسترانت الأرميني Arminian Remonstrant Seminary في أمستردام Amsterdam. وفي مجلدٍ بعنوان “مشاعر بعض لاهوتيي هولندا ….” (١٦٨٥م)، هاجم چيان بشدة طبعة سايمون الصادرة سنة ١٦٨٥م عن “النقد التاريخي للعَهْدِ القَدِيمِ”.

كان چاك بِنيني قد انتقد سابقًا الطبعة الأولى (١٦٧٨م) لنفس العمل. وقد ارتاع من أن سايمون قد أنكر في الصفحات الأولى من المُجَلَّد أن يكون النَّبِي مُوسَى هو الكاتب لكل أَسْفَارِ مُوسَى الخَمْسَةِ. أقنع چاك آنذاك السلطات الحاكمة بحرقِ الكتابِ. فقد كان إنكارُ حقِّ النَّبِي مُوسَى لكتابته للأَسْفَارِ الخَمْسَة ‏في سبعينيات القرن 17م بوسعه أن يجعل مصير أيِّ عمل أدبي للمَرْءِ هو لهيب النار الفرنسية.

في مناظرتهما المتعددة الأجزاء (١٦٨٥-١٦٨٧م)، أنكر سايمون وچيان الرأي القويم المعاصر لرجال الدين مثل چاك بِنيني القائل بأن الكِتَابَ المُقَدَّسَ هو كَلِمَةُ الله المعصومة. وقد حظي النقاش المتواصل باللغة الفرنسية بمراجعات نقدية واسعة في الدَّوريَّات العلمية، وخَضَعَ لفحصٍ دقيقٍ من قِبَل أعضاءٍ بارزين في جمهورية الأدباء، مثل چون لوك John Locke وپيير بيل Pierre Bayle.

صدَمَتْ مناظرة سيمون-چيان بعض المعاصرين. فقد اقترَحَتْ أن الكِتَابَ المُقَدَّسَ، والمفترض أنه مشوبٌ بالأخطاء، لا ينبغي أن يؤخَذَ بعين الاعتبار عند التفكير في السياسة، والفلسفة الطبيعية (“العِلْم”)، ووجهات النظر بشأن الطبيعة البشرية، والأخلاق، وغيرها. في أربعينيات القرن 18م، اعْتَبَرَ چيان أستروك Jean Astruc، وهو ناقد للكِتَابِ المُقَدَّسِ، مناظرة سايمون-چيان نقطة تحوُّل حاسمة في تاريخ نقد الكِتَاب المُقَدَّس.

پول هازَرد و”أَزَمَة العقل الأوروبي (1680-1715م)”

في كتابِهِ “أَزَمَةُ العقلِ الأوروبي” (1935م)، صَوَّر پول هازَرد Paul Hazard ببراعة الفترة التي دار فيها جدل سيمون-چيان على أنها حقبة اعْتَقَدَ فيها بعضُ المثقَّفين أن أوروبا قد تخلَّت عن مسيحيتها. وهكذا، أشرقَ فجرُ “التنوير”. بنزعةٍ ملؤها المبالغة، افترَضَ هازَرد أنه بموت لويس الرابع عشرLouis XIV  سنة 1715م، قد تَخَلَّى الفرنسيون عن الإيمان الديني مثل چاك بِنيني، وبدأوا يفكرون بعقلانية مثل فولتير Voltaire، أيقونة عصر التنوير. وَصَفَ هازَرد هذا التحوُّل المزعوم في الولاءات بأنه “ثورةٌ”. بالنسبة إليه، فإن نشأة النقد الكتابي قد سَاهَمَتْ بشكلٍ مباشرٍ في ظهور تيار عالماني خاص بالتنوير الأوروبي.

آراء نقدية حول عصر التنوير

خلال الخمسين سنةً الماضية تقريبًا، تحدى عددٌ كبير من المؤرخين النظرة التي تُصَوِّر عصر التنوير على أنه عصر عالماني ساحق. وكثيرًا ما كان الرأي السائد يصَوِّرُ “عصرَ التنوير” على أنه “عصر المنطق” العقلي الذي يخضع فيه الدين إلى حَدٍّ كبير لقوى الحركة العقلانية.

لقد سَاهَمَ منظور كانط Kant في تشكيل هذا التفسير. في ردِّه على السؤال: “ما هو التنوير؟” (1784م)، أجاب كانط: “التنوير هو خروج البشرية من عدم نضوجها الذاتي. وعدم النضوج هو عدم القدرة على استخدام المَرْءِ لفهمه الذاتي دون توجيه الآخرين”. كما واصل كانط: “تحلَّ بالشجاعة واستخدم فهمك الخاص Sapere aude! هذا هو شعار التنوير”. ينبغي علينا القيام بذلك دون اعتمادٍ على سلطاتٍ خارجيةٍ كالتعاليم الكَنَسِيَّة. حَوَّل بعضُ المؤرخين نصيحة كانط إلى مبدأ نموذجي لتلخيص الحياة الفكرية الأوروبية التي تتَّسِمُ بعقلانية تامَّة. ونتيجة لذلك، مالوا إلى التقليل من أهمية أيَّة علامات تدل على الحراك الديني في عصر “التنوير”. كما اهْتَمَّ عَدَدٌ كبيرٌ منهم بالسعي وراء اكتشاف الأسباب “الاقتصادية” و”الفكرية” للثورة الفرنسية (1789-1799م).

ومع ذلك، بحلول سبعينيات القرن 20م، كشفت أبحاث جديدة أن المصطلحات المستخدمة لوصف “التنوير”، في مجموعة مختلفة من البلدان، لم يكن لجميعها نفس الدلالات تمامًا، وأن “الدين” كان في أوروبا أكثر حيويةً مما هو مُعْتَقَدُ سابقًا. إن وَصفَ هازَرد لشخصيات مثل پيير بيل Pierre Bayle، چون لوك John Locke، وريتشارد سايمون Richard Simon، وغيرهم، قد تَعَرَّضَ لانتقاداتٍ لقوله بأن أفكارهم كانتْ عالمانية للغاية، كما أنه قَلَّل من شأن التزاماتهم المسيحية. علاوة على ذلك، كانت هناك نقاط تركيز متنوعة في “التنوير”. إن “عصر الأنوار” الفرنسي، الذي تألَّق فيه نجم فولتير Voltaire، كان أكثر عداءً للمسيحية من عصر التنوير الاسكتلندي أو الألماني. وبشكلٍ أكبرٍ من كتابات الفلاسفةِ، الذين ناصروا “التنوير”، أثارت مشاعر الكثيرين السِّجالات الدينية، مثل الجدل بين الچينسِنِيِّين Jansenists واليسوعيين Jesuits في فرنسا حول (رفض الأسرار المقدَّسَة). إن المزاعم الماركسية بأن الثورة الفرنسية من تدبير الطبقة البرجوازية ذات الدوافع الاقتصادية لم تَعُدْ مقنِعَةً بالنَّظَرِ لكتابات فرانسوا فيريه François Furet. في واقع الأمر، نشر ديل فان كِليDale Van Kley  كتابًا كان قد حَظِيَ بقبولٍ واسِعٍ، بعنوانٍ: “الأصول الدينية للثورة الفرنسية”.

إضافةً إلى ذلك، كان الكِتَابُ المُقَدَّسُ أكثر الكتبِ قراءةً في عصر “التنوير”. وأكثر من أيَّة قرون سابقة، طُبِعَ المزيد من الكِتَاب المُقَدَّس في فرنسا أثناء القرن 18م. حتى أن ذلك القرن قد شَهِدَ عددًا من الشهداء المسيحيين. فقد أُعْدِمَ قساوسة فرنسيون من الهوجونوتس في “كنيسة الصحراء” في منتصف القرن 18م لمواصلتهم خدماتهم في الخفاء. لم يرَ الكثير من المسيحيين، مثل توماس ريد Thomas Reid (1710-1796م)، أيَّة إهانة لإيمانهم في استخدام العقل في جهودهم الدفاعية. انتشرَتْ في إنجلترا، وأسكتلندا، وويلز والمستعمرات الإنجليزية الأمريكية “الصحوة الكبرى الأولى” بفضل المبشرِين چورچ وايتفيلد George Whitefield (انْظُرْ مذكراته)، وچون ويسليJohn Wesley  (انْظُرْ مذكراته)، وچوناثان إدواردز Jonathan Edwards (انْظُرْ كتابه “عمل مدهش لروح الله …”).

مصادِر النقد الكتابي

وهكذا، انسابَتْ تياراتٌ فكرِيَّةٌ متنوِّعَة لتغذي نشأة النقد الكتابي. (1) وَفْقًا لرؤية المبدأ السُّوسِنياني في التكَيُّف، كَيَّفَ كَتَبَة الكِتَاب المُقَدَّس من أسفارهم، دون قصد وفقًا للأخطاء، والأساطير، والمفاهيم الخاطئة الخاصة بعصرهم وثقافتهم، مما أدى إلى خلق نصٍّ كتابيٍّ غير معصوم. (2) شدَّد رينيه ديكارت Rene Descartes على المنطق العقلي كمعيارٍ أساسيٍّ لتحديد الحقِّ. (3) كما أن حُجَجُ العديد من المفسرين اليهود، مثل ابن عزرا أثارتْ الظنون حول كتابة النَّبِي مُوسَى للأَسْفَارِ الخَمْسَة. (4) ميّزت كتابات جروتيوس Grotius، وإبيسكوبيوس Episcopius مستوياتٍ مختلفة للحقِّ في الكِتَاب المُقَدَّسِ؛ (5) أما الاكتشافات “العلمية” والجغرافية فقد بَدَتْ وكأنها تثير الرَّيْبَةَ والشَّكَّ بشأن أقوال الكِتَابِ المُقَدَّسِ.

قائمة مختارة لأشهر نقَّاد الكِتَابِ المُقَدَّسِ

يشير المؤرخ أنتوني جرافتون Anthony Grafton إلى أنه في سنة 1650م، فإن هنري دي فالوا Henri de Valois، أحد روَّاد “النقد”، قد دعا الباحثين إلى قراءة النصوص القديمة بنيَّة عدم قبول كل ما ينادي به أيُّ كاتبٍ قديمٍ تلقائيًّا. إلا أنه وَضَعَ استثناءً وفقًا لمبدأه بشأن الكِتَاب المُقَدَّس: “الأسفار الإلهية وحدها هي التي بوسعها أن تطالبنا بأن نقرأها بعقولِنا كما لو أنها مستعبدة، ورافضة لحريَّة الحُكْم. لا بُدَّ أن نقتَنِي عادَة إصدار أحكامِ النَّقْدِ على كلِّ الكتبِ الأخرى عندما نقرأها”.

  • كما لاحظ المؤرِّخُ ريتشارد پوپكين Richard Popkin أن إسحاق دي لا بيرير Isaac de la Peyrère (1596-1676م) كان أوَّل باحثٍ يجعل العِلْمَ مناوِئًا للدين، وليس جاليليو Galileo كما يُزْعَمُ أحيانًا. كان جاليليو يؤمِنُ بعصمة الكِتَابِ المُقَدَّسِ الذي يتمُّ تفسيره على النحو السليم. في المقابل، نادى إسحاق دي لا بيرير بأنَّ الكِتَابَ المُقَدَّسَ لم يُقدِّم سوى سردٍ لتاريخِ اليهود، لا لتاريخ من عاشوا في ماضٍ بعيد قبل آدم. ثم تَراجَعَ عن رأيهِ لاحقًا أمام محاكم التفتيش.
  • بندكت سبينوزا Benedict Spinoza (1632-1677م)، صانع العدسات، المعروف غالبًا بأنه “أبو النقد الكتابي” (إلى جانب ريتشارد سايمون Richard Simon). عاش سبينوزا في أمستردام، الأقاليم المتحدة. طُرَدَ في شبابه من مجمعه اليهودي. كان يُقَدِّرُ كتابات المفسرين اليهود، وتأملات إسحاق دي لا بيرير Isaac de la Peyrère، وتشديد رينيه ديكارت على المنطقي العقلي. في كتابه “رسالة لاهوتية سياسية” (1670)، هاجم سبينوزا عقيدة عصمة الكِتَابِ المُقَدَّسِ. ونادى بأنها تُعَزِّز من سلطة شخصياتٍ سياسيةٍ ليْسَتْ جديرةً بالثِّقَةِ، لأنهم يقتبسون نص الرِّسَالَة إلى رومية 13 كمبرِّرٍ لمنع العصيان ضد سلطاتهم. سَلَّمَ سبينوزا بالعقلِ بوصفه حَكَمًا يُقَرِّرُ صحة أو خطأ الأمور. أنكر أن يكون النَّبِي مُوسَى هو الكاتب لكلِّ الأَسْفَار الخَمْسَة. أشار إلى أن الكِتَابَ المُقَدَّسَ وكلمة الله ليسا شيئًا واحِدًا، وأن الفلسفةَ مجديَةٌ في تقييم جدارة الكِتَاب المُقَدَّس. نادى سبينوزا باستحالة وقوع الآيات المعجزية لأن قوانين الطبيعة ليستْ قابلة للانتهاك. وقد أُدين سبينوزا على نطاقٍ واسِعٍ بواسطة كثيرين من المسيحيين واليهود.
  • اقترح ريتشارد سايمون (1638-1712م) أن كتابه بعنوان “النقد التاريخي للعَهْدِ القَدِيمِ” يتجاوب مع اعتراضات سبينوزا على كتابة النَّبِي مُوسَى للأَسْفَار الخَمْسَة ‏وعلى الفَهْمِ القويم لسلطان الأَسْفَار المُقَدَّسَة. أشار سايمون إلى وجود “كَتَبَةٍ عموميين Public scribes” احتفظوا باللفائف الكتابيةِ. كان هؤلاء الكَتَبَة ملهمين من الله وكتبوا مقاطع في أَسْفَار مُوسَى الخَمْسَة لم يكتبها النَّبِي مُوسَى. أحيانًا لم يحفظ “الكَتَبَة العموميون” باللفائف بالترتيب الصحيح، وقد نجم عنهم “أخطاء” في النصوص. أنكر سايمون أن الكِتَاب المُقَدَّس يقدِّم تفاصيل كافية لترسيخ تَسَلْسُل زمني تاريخي معصوم. تجاوز سايمون “النقد المقدَّس”، المبادر لتحديد النصوص الأصلية للأَسْفَار المُقَدَّسَة، إلى الدعوة إلى عدة مبادئ عُرِفَتْ لاحقًا باسم “النقد العالي High Criticism”.       
  • انتقد چيان لو كليرك Jean Le Clerc بشدة كتاب سايمون الصادر سنة ١٦٨٥م. هاجم وجود مثل هذه المؤسسة المعروفة بـ “الكَتَبَةِ العموميين” في إسرائيل، ووجود كاتبٍ لأَسْفَار مُوسَى الخَمْسَة‏ عاش في زمن متأخر جدًّا عن زمن النَّبِي مُوسَى، كما هاجم أن تكون الأجزاء الموحى بها من الكِتَاب المُقَدَّس مقتصرة على مقاطعٍ كَتَبَها الأنبياء أو المرتبطة بكلمات يسوع المسيح، كما رأى أن سايمون طالبًا ضعيفًا في اللغة العبريَّة. حذَّر پيير بيل Pierre Bayle چيان من أن كتابه قد يزرعُ ألف بذرةٍ للإلحاد. نَشَرَتْ مناظرة سايمون-چيان “نقد الكِتَاب المُقَدَّس” عبرَ “جمهورية الأدباء”، وقد أشار إليها فولتير وغيرُهُ من فلاسِفِةِ القرن 18م. 
  • كان أنتوني كولينز Anthony Collins (1676-1729م) من أكثر الربوبيين إثارةً للجدل في عصره. رَفَضَ النظرة التقليدية التي تؤمن بسلطان الأَسْفَارِ المُقَدَّسَة، مشيرًا إلى النقد الكتابي لريتشارد سايمون وآخرين، بوصفه نقدًا يجبرِهُ على القيام بذلك. كان الربوبيون عقلانيين أيَّدوا “الديانة الطبيعية” التي يُفْتَرَضُ بأنها أساس كلِّ الأديان، أشار الربوبيون إلى أن الله خلق العالم ثم تركه يعملُ وَفْقًا لقوانين الطبيعة غير القابلة للانتهاك أو الكسر. اسْتَبْعَدَتْ هذه النظرة تَدَخُّلَ الله في عالمنا، كما رفضت بشكلٍ قاطعٍ تجسُّد المسيح، وحقيقة الآيات المعجزية، والعناية الإلهية الخاصة. دافع كولينز عن استخدام المنطق العقلي و”التفكير الحر” كوسيلةٍ للوصول إلى الحقِّ.
  • فرانسوا ماري أرويه François-Marie Arouet، الذي اشتهر بالاسم فولتير Voltaire (1694-1778م)، كان أديبًا بارع الذكاء، لاذع الأسلوب، كما يُعَدُّ من أشهر الفلاسفة في فرنسا. كَتَبَ ما يقرب من 15 مليون كلمة. في سنة 1762م، كتب إلى هِلفِتيوس Helvetius، وهو فيلسوف آخر، أن “عصر الأنوار” آخذٌ في الانتشار. كانتْ هجمات فولتير على المسيحية واسِعَة الانتشار في أعماله. سَخِرَ من العقيدة القويمة المرتبطة بسلطان الكِتَاب المُقَدَّسِ في أعمال متعددة، منها “العظة للخمسين” (1749م)، و”القاموس الفلسفي” (1764م)، و”الكتاب المقدَّس المُفَسَّر أخيرًا” (1778م). وفي العمل الأخير، استشهد بحجج الكثيرين ومن بينهم ريتشارد سايمون وچيان لو كليرك.
  • درَّس يوهان زالومُو زِمْلَر Johann Salomo Semler (1725-1791م) في جامعة هالا اللوثرية من سنة 1753م حتى سنة 1791م. تأسَّسَتْ الجامعة بواسطة التَّقَويِّ جاكوب سپينر Jacob Spener. وحتى أربعينيات القرن 18م، كان الأساتذة يُدرِّسون وحي وعصمة الكِتَاب المُقَدَّس [حتى عصمة التنقيط الماسوري للنص العبري للعَهْدِ القَدِيمِ]. أشار زِمْلَر في مذكراته إلى أن قراءته لكتابات سايمون وچيان لو كليرك هي التي قادته إلى أن يصبح ناقدًا للكِتَاب المُقَدَّس. كما نَشَرَ بعض أعمال سايمون باللغة الألمانية. دافع زِمْلَر عن البحثِ الحر لاكتشاف القانوينة الأصيلة في الأسفار القانونية للكِتَاب المُقَدَّس. قد تَبَنَّى على ما يبدو النظرة السُّوسِنيانِيَّة للكِتَاب المُقَدَّس، فقد اعتقد بأنه من الضروري إزالة الشوائب من الكِتَاب المُقَدَّس، بما في ذلك الاعتقاد بالملائكة وغيرها. انتقد زِمْلَر عملاً لكاتبٍ مجهولٍ (عُرِفَ لاحقًا باسم ريماروس Reimarus)، ينكِرُ ألوهية يسوع المسيح. زعم هذا العمل أن التلاميذ قد سرقوا جَسَدَ المسيح من قبره. وقد قام لِسِنج Lessing بدوره بانتقاد زِمْلَر لِتَمَسُّكِهِ باعتقادٍ بقيامة المسيح وألوهيته، رغم استخدامه للمبادئ النقدية الكتابية.

الخاتمة

قبل موته مباشرةٍ، سنة ١٧٩١م، تَحَسَّرَ زِمْلَر على تناقص أعداد الطلاب الألمان الذين يَدْرُسُون اللاهوت في الجامعات. وأقرَّ بأن عمله في النقدِ الكتابي للكِتَاب المُقَدَّس، والذي قاوم الفهم القويم لسلطان الكِتَابِ المُقَدَّس، كان على الأرجح سببًا في ذلك. لاحظ الأمريكي تشارلز هودج Charles Hodge لاحقًا أن الترحيب الواسع النطاق من قِبَل العديد من اللاهوتيين الألمان لمبدأ التَّكَيُّف السُّوسِنياني يُفَسِّر جزئيًا انحرافهم عن القوامة الإنجيلية.

على النقيض من ذلك، فإن النجاح الدفاعي للكُتَّاب الإنجليز المناهضين للفكر الربوبيِّ يُبَرِّرُ بشكلٍ واسعٍ الادعاء اللافت الذي أطلقه بعض المراقبين في تسعينيات القرن 18م بأنه ما من أحدٍ قرأ أيَّة أعمال لمناصري الربوبية في الـ 50 سنةً الماضية. ربما كان هذا نوعًا من المبالغةِ. على كلٍّ، ازدهرت الحركة الإنجيلية في إنجلترا في العقود الأخيرة من القرن 18م. بدأ بعضُ أعضائها في الترويج للخدمات المرسلية الخارجية. وبالمثل، في تسعينيات القرن 18م، قرأ الكثير من البريطانيين الكِتَاب المُقَدَّس بغرض فهم كيفية انسجام الثورة الفرنسية مع النبوات الكتابية.

شارك مع أصدقائك

أستاذ باحث في تاريخ الكنيسة وتاريخ الفكر المسيحي في كلية ترينيتي الإنجيلية للاهوت.