التَعْرِيف
من الأمور الكامنة في صَمِيمِ العَهْدِ القَدِيمِ التَّوَقُّعُ بأن الله سوفَ يرسِلُ مَلِكًا فَرِيدًا، يرتبطُ بالسُّلالَةِ المَلَكِيَّة للمَلِك داود، والذي يجْلِبُ بركةَ الله لكلِّ أممِ العالم. ومن اللافت أنه سيبذلُ حياتَهُ كفَّارة عن خطايا الآخرين.
المُوجَز
ابتداءً من سِفْرِ التَّكْوِين، يُلمِّحُ الله إلى أن خُطَّتَهُ لافتداء العالمِ من عواقب عصيان آدم وحوَّاء ستعمتد على واحدٍ من نَسْلِ حوَّاء، الذي من شأنه أن يُطيحَ بِعَدُوِّ الله، الْحَيَّةِ، الموصوفة في مواضِعٍ أخرى من الكِتَابِ المُقَدَّسِ باسم إبليس أو الشيطان. يرْتَبِطُ هذا الرَّجاءُ لاحقًا بإبراهيم، مع تَوَقِّعٍ بأن واحدًا من نَسْلِهِ سيكون مَلِكًا، سوف تتبارَكُ بواسطتِه كلُّ شعوبِ الأرضِ. ومسيرةُ الرَّجاءِ صوب تَحْقِيقِ هذه المواعيد تقودُنا في النهاية إلى السُّلالَةِ المَلَكِيَّة للمَلِك داود. وعن طريق المَلِكَين داود وابنه سُلَيْمان، جَعَلَ الله أُورُشَلِيم مدينةً مقدَّسَةً له، لِيَسْكُن فيها وَسْطَ شعبِهِ. وعندما أَخْفَقَ الملوكُ اللاحقون من نَسْلِ داود في الثِّقَةِ الكاملة بالله، تَنَبَّأَ كثيرٌ من الأنبياءِ بأن اللهَ سيُقِيمُ مَلكًا بَارًّا، من نَسْلِ داود، يتَّسِمُ مُلْكُه بالعدْلِ، والسَّلامِ، والازدهار. وبصفته نائبًا لله، سيفتدي المَلِكُ الدَّاودِي الموعود الآخرين بحياتِهِ التي يبذلها من أجلهم كفَّارَةً عن خطاياهم. مع أن التدمير البابلي لمدينة أُورُشَلِيم سنة ٥٨٦ ق.م أَنْهَى فيها حُكْمَ السُّلالة الدَّاودية، صرَّح الله عن طريقِ أنبيائِهِ بأنه سَيُرْسِلُ مَلِكًا جديدًا من نَسْلِ داود. وهكذا، كانَتْ التَّوَقُّعاتُ اليهودِيَّةُ بشأن هذا المَلِكِ الإلهيِّ الموعودِ في القرْنِ الأَوَّلِ الميلادِيِّ. في هذه المرحَلَةِ، شاع استخدام لَقَبِ “المَسِيَّا” أو المسيح، بمعنى “الممسوح”، إلى جانبِ ألقابٍ أخرى للإشارة إلى هذا المَلِكِ الموعودِ.
في بشارته التي كتبها إلى ثَاوُفِيلُسُ، التي تتَّسِمُ بالدقة في متابعة الأحداث، يَصِفُ البَشِير لُوقَا كيف جاء يوسف ومريم بالصبيَّ يسوع المولود حديثًا إلى الهيكل في أُورُشَلِيم. وهناك التقيا برجلٍ “بَارٍّ تَقِيٍّ” اسمه سِمْعَانُ، الذي “أُوحِيَ إِلَيْهِ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ أَنَّهُ لاَ يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ” (لُوقَا 26:2). ثم يُقِدِّم البَشِير لُوقَا نبيةً اسمها حَنَّةُ، في الرابِعَةِ والثَّمَانِين من عُمْرِها، والتي لما رأت الصَّبِيَّ يسوع “وَقَفَتْ تُسَبِّحُ الرَّبَّ وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ مَعَ جَمِيعِ الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً فِي أُورُشَلِيمَ” (لُوقَا 38:2).
يقوم البَشِير لُوقَا بإدراج هذه التفاصيل لِيُسَلِّطَ الضَّوءَ على موضوعٍ يتكرَّر عبر روايَتِهِ للإنجيلِ، وهو تحقيق الرَّبِّ يسوع للتَّوَقُّعَاتِ بأنَّ يُرْسِلُ الله مَلِكًا يكونُ مُخَلِّصًا للعالم. يدورُ هذا الرَّجَاءُ حول مَلِكٍ فَريدٍ، يُشارُ إليه بأنه مَسِيحُ الرَّبِّ. من اللفظة اليونانية “خرِستوس”، والعبرية “ماشِيَّحْ”، تأتي اللفظة الإنجليزية “كرايست Christ”، أو “المَسِيَّا Messiah”، بمعنى “الممسوح” (انْظُرْ يَسُوع كَمَسِيح). في العَهْد القَدِيم، يرتبط المَسْحُ غالبًا بتعيين الله لشخصٍ ما ليَحْكُمَ كَمَلِكٍ على شَعْبِ الله (1 صَمُوئِيل 1:10؛ 13:16). ويَنْطَبِقُ نفسُ الأَمْرُ على نصوص العَهْد الجَدِيد، والنصوص اليهودية في نفس الفترة.[1]
مع أن الواضح من روايات البشيرين للإنجيل أن بعض معاصري الرَّبِّ يسوع كانوا يؤمنون بأن الله سَيُرْسِلُ لهم مَسِيحًا، اختلفتْ الآراء حول ما يستلزمُه هذا الأَمْرُ. تَوَقَّعَ معظمُهم أن يُعِيدَ المَلِكُ القادِم تأسيس إسرائيل كدولةٍ مستقلةٍ، ويطرُدُ الرُّومان من اليهودِيَّةِ. إلا أنَّ يسوع لم يحقِّقْ تَوَقُّعَاتِهم، وبصفةٍ خاصةً عندما صُلِبَ على صَلِيبٍ رُومَانِيٍّ.
يُقدِّم العَهْدُ الجَدِيدُ موتَ المسيح كموتٍ له عواقب خَلاصِيَّة، وأيضًا كتحقيقٍ لِتَوَقُّعاتِ العَهْدِ القَدِيمِ. يدوِّنُ البَشِير لُوقَا كيف أَكَّدَ الرَّبُّ يسوع على هذا الأمر عندما كان يتحدَّث مع اثنين من تلاميذه في الطريق إلى عِمْوَاس. بعد أن صرَّحا عن طبيعة رجائهما في المسيح بالقول: “وَنَحْنُ كُنَّا نَرْجُو أَنَّهُ هُوَ الْمُزْمِعُ أَنْ يَفْدِيَ إِسْرَائِيلَ” (لُوقَا 21:24)، أجابهما الرَّبُّ:
أَيُّهَا الْغَبِيَّانِ وَالْبَطِيئَا الْقُلُوبِ فِي الإِيمَانِ بِجَمِيعِ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهَذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟ ثُمَّ ابْتَدَأَ مِنْ مُوسَى وَمِنْ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ يُفَسِّرُ لَهُمَا الأُمُورَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ فِي جَمِيعِ الْكُتُبِ (لُوقَا 25:24-27).
بعد هذا، يصِفُ البَشِير لُوقَا كيف ظَهَرَ الرَّبُّ للأحد عشر رسولاً في أُورُشَلِيم، مدونًا هذه الكلمات عن فمِهِ:
هَذَا هُوَ الْكَلاَمُ الَّذِي كَلَّمْتُكُمْ بِهِ وَأَنَا بَعْدُ مَعَكُمْ أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَتِمَّ جَمِيعُ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنِّي فِي نَامُوسِ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَالْمَزَامِيرِ. حِينَئِذٍ فَتَحَ ذِهْنَهُمْ لِيَفْهَمُوا الْكُتُبَ. وَقَالَ لَهُمْ: هَكَذَا هُوَ مَكْتُوبٌ وَهَكَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ الأَمْوَاتِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَأَنْ يُكْرَزَ بِاسْمِهِ بِالتَّوْبَةِ وَمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا لِجَمِيعِ الأُمَمِ مُبْتَدَأً مِنْ أُورُشَلِيمَ (لُوقَا 44:24-47).
في هذه اللقاءات التي تَلَتْ قيامته، يشير الرَّبُّ يسوع إلى ما هو مكتوبٌ في أسفار العَهْد القَدِيم بخصوص المسيح.
التَّوَقُّعاتُ المرتبطةُ بِنَسْلِ داود
التَّوَقُّع بِملكٍ يرتَبِطُ بالسُّلالَةِ المَلَكِيَّة لداود كامنٌ في صميم الرَّجَاءِ المَسِيَّاوِيِّ المعبِّر عنه في العَهْد الجَدِيد. سوف يكون المسيحُ “ابْنَ داود”. إن أُسُس هذا التَّوَقُّع متَجَذِّرة في العَهْدِ القَدِيمِ، حيث تَشْغَلُ السُّلالَةِ المَلَكِيَّة لداود مكانَةً محورِيَّةً في قصَّةِ معاملات الله مع شعبِ إِسْرَائِيل. داود هو أَوَّل من أَسَّسَ من نَسْلِهِ سُلالَةً مَلَكِيَّة في إِسْرَائِيل. بعد أن اختارَهُ الله، مَسَحَهُ النَّبِيُّ صَمُوئِيل (1 صَمُوئِيل 1:16-13). قام المَلِكُ داود لاحقًا بتوحيد أسباط بني إِسْرَائِيل، ثم استولى على أُورُشَلِيم وجعلها عاصمةً له (2 صَمُوئِيل 1:5-12). استرد داود تَابُوتَ العَهْدِ، موطئ قدمي عرش الله السماوي إلى أُورُشَلِيم، جاعلاً إياها مدينَةَ الله (2 صَمُوئِيل 1:6-15). وبعد أن أعْرَبَ عن رغبته لبناء بيتٍ لله أو هيكلٍ له في أُورُشَلِيم، تَعَهَّدَ الله بأن يبني له بيتًا أي سُلالَةً مَلَكِيَّةً إلى الأبد (2 صَمُوئِيل 1:7-29).[2] بعد ذلك، بَنَى سُلَيْمان، ابْنُ داود، هيكلاً لله في أُورُشَلِيم، مُؤكِّدًا الرابطة الخاصة القائمة بين الله، وأُورُشَلِيم/صهيون، والسُّلالة المَلَكِيَّة لداود (1 المُلوك 1:6-66:8). وعندما انقسَمَتْ المَمْلَكَةُ بعد حُكْمِ المَلِكِ سُلَيْمان، استمرَّتْ سُلالة داود في حُكْمِ يَهُوذَا لعدة قرون. في تباينٍ صارخٍ مع المَمْلَكَةِ الجنوبية يَهُوذَا، شَهِدَتْ المَمْلَكَةُ الشِّمَالِيَّةُ إِسْرَائِيل صُعُودًا وسُقُوطًا لسُلالاتٍ مَلَكِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
لَعِبَ التزامُ الله نحو المَلِك داود دَورًا مُهِمًّا في تأمين مستقبل السُّلالةِ المَلَكِيَّة له. ومع ذلك، لم يَمْنَعْ هذا عقابَ الله الذي حَلَّ بِالمُلوكِ من نَسْلِهِ ممن تركوا الله دون أيَّة مبالاةٍ بِعَهْدِ سيناء. في النهاية، أَرْسَلَ الله البابليين لمعاقَبَةِ سُكَّان أُورُشَلِيم، مما أدى إلى تدمير هيكل أُورُشَلِيم، وَهَدْمِ أسوارِها، وتوقُّف الحُكْمِ المَلَكِيِّ لِلسُّلالةِ الدَّاودية.
ومع أن هذه الأحداث المأَساوِيَّة تقدِّم لشعب يَهُوذَا مُبرِّرًا للاعتقاد بأن الله قد تَخَلَّى عن التزامِات عهده نحو داود، أعلن الأنبياءُ، قبل وبعد سقوطِ أُورُشَلِيم، أن الله سيفي بها بمجيء مَلِكٍ مستقبلَيٍّ، يَحْكُمُ بالاستقامة والعَدْلِ.
يأتي التعبير الأكمل عن هذا الرَّجَاءِ الدَّاودِي في فترةِ ما قبل السَّبْيِ في سِفْرِ النَّبِي إشعياء. في معرض حديثه عن فَسَادِ الحُكْمِ المَلَكِيِّ لسلالة داود في زمن المَلِكَيْن آحَاز وحَزَقِيَّا، في العقود الأخيرة من القرن الثامن قبل الميلاد، يُعْلِنُ النَّبِيُّ إشعياء:
لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ،
وَنُعْطَى ابْنًا؛
وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ،
وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا مُشِيرًا،
إِلَهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا رَئِيسَ السَّلاَمِ.
لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ،
عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ،
لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ.
غَيْرَةُ رَبِّ الْجُنُودِ تَصْنَعُ هَذَا (إشعياء 6:9-7).
يقفُ الوَعْدُ بهذا المَلِكِ البارِّ في تباينٍ صارِخٍ مع الملوك الفاسدين من نَسْلِ داود ممن كان يملكون وقتذاك. وفي نصٍّ نبويٍّ منفصِلٍ، يُعلِنُ النَّبِيُّ إشعياءُ:
وَيَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى،
وَيَنْبُتُ غُصْنٌ مِنْ أُصُولِهِ
وَيَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ،
رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ،
رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ،
رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ.
وَلَذَّتُهُ تَكُونُ فِي مَخَافَةِ الرَّبِّ.
فَلاَ يَقْضِي بِحَسَبِ نَظَرِ عَيْنَيْهِ،
وَلاَ يَحْكُمُ بِحَسَبِ سَمْعِ أُذُنَيْهِ
بَلْ يَقْضِي بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ،
وَيَحْكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ؛
وَيَضْرِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ،
وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ.
وَيَكُونُ الْبِرُّ مِنْطَقَةَ مَتْنَيْهِ،
وَالأَمَانَةُ مِنْطَقَةَ حَقَوَيْهِ (إشعياء 1:11-5).
تنويهُ النَّبِيِّ إشعياء إلى خرُوج “قَضِيب مِنْ جِذْعِ يَسَّى” يشيرُ إلى بداية جديدة لشجرة السُّلالَةِ المَلَكِيَّة الداوديَّة التي قِطِعَتْ (عاموس 11:9-13). بعد العقابِ، يتوَقَّعُ النَّبِيُّ إشعياء مَلِكًا مختلفًا أفضل سيأتي من نَسْلِ داودِ. وهكذا تُقَدِّم هذه الأقوال النَّبَويَّة أسسًا للإيمان بأن الله سَيُقِيمُ في المستقبَلِ مَلِكًا فريدًا من نَسْلِ داودِ.[3]
في أواخرِ القرن الثَّامن قبل الميلاد، وفي سِفْرِ إشعياءِ، يأتي إخفاقُ المُلوكِ من نَسْلِ داودِ في الثقة الكاملة بالله بالمقارَنَةِ مع طاعَةِ شخصٍ يوصفُ بأنُّه “عَبْدُ الرَّبِّ”. يُقَدِّمُ السِّفْرُ هذه الشخصية في سِلْسِلَةٍ من القَصَائِدِ التي تبلغُ ذروتُها في الفصل 53، فهو عَبْدٌ، بلا عَيْبٍ، يبذُل حياتَهُ كفَّارَةً عن خطايا الآخرين.[4] ومع أن العَبْدَ لا يُشَارُ إليه مباشرةً كَمَلِكٍ، إلا أن هناك عدَّةَ عوامل تُشير إلى هذا التوَجُّه.[5] يُعلن الله أنه سيجعل هذا العبد ” نُورًا لِلأُمَمِ” حتى يمتدَّ خَلاصُ الله إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ (إشعياء 6:49؛ مع 6:42-7). والأكثر أهميةً من ذلك هو أن طاعة العَبْدِ للرَّبِّ يهوه ضرورةٌ حاسِمةٌ لنجاح تأسيس أورشليم الجديدة التي يُقدِّرُها الله. ومع أن المُلوكَ من نَسْلِ داودِ في القرن الثامن قبل الميلاد كانوا مسؤولين عن رفض الله لأُورُشَلِيم وتدميرها اللاحِقِ على يد البابليين، سَيَلْعَبُ عَبْدُ الرَّبِّ المُتألِّم دَوْرًا حَيَويًّا في مقاصِدِ الله من أجل استرداد أُورُشَلِيم والأمم.[6]
في فترة ما بعد السَّبْيِ، إذ لم يكن هناك ملكٌ يحْكُم في أُورُشَلِيم، تمَّ التعبير ببراعةٍ وطُرِقٍ متنوعة في أسفار المزامير وأخبار الأيام عن الرَّجاءَ باسترداد السُّلالة المَلَكِيِّة لداود.
سِفْرُ المزامير هو تجميعٌ بعد السَّبْيِ لمجموعاتٍ أقصر من الترانيم الشِّعْرِيَّةِ المُستخدمة في العبادة العامة. يؤكِّد هذا السِّفْرُ على أهمية السُّلالة المَلَكِيِّة لداود. هذا الأمر جديرٌ بالانتباه نظرًا لغيابِ مَلِكٍ من نَسْلِ داود على يَهُوذَا في فترةِ ما بعد السَّبْيِ. في بداية سِفْرُ المزامير، يُؤكِّد المَزْمُور 2 على العلاقة الخاصة القائمة بين الله ومسِيحِهِ. وبوصفِهِ ابْنَ الله والملكَ سيرثُ كلَّ الأمم ميراثًا له. ينتهي المَزْمُور الثَّاني بدعوَةِ مُلوكِ وحُكامِ الأمم الأخرى إلى الخضوع لابْنِ الله، المَلِكِ. وبالمثل، نقرأ تَوَقُّعاتٍ مُكَمِّلَةٍ في المَزْمُور 72، وهو صلاة بقلم داود بشأن مَلِكٍ مُستقبَلِيٍّ. على كلٍّ، يُردِّدُ المزمور 72 أصداء المزمور 2، إذ يتحدَّث عن خضوع كلِّ “المُلوكِ” و”الأممِ” لِمَلِكٍ مُستقبَلِيٍّ. فالمَزْمُور يَتَوَقَّعُ زمنًا فيه يكون للمَلِكِ الدَّاودي سيادةً على كلِّ الكَونِ، مُرَسِّخًا السَّلام والازدهار للمساكين والمظلومين.
في المَزْمُور 89 يُسَلِّطُ المُرَنِّمُ الضَّوءَ على التزام عَهْدِ الله نحو المَلِك داود. يبدأ المَزْمُور بالتشديد على أن الله قد وَعَدَ بأن يقيمَ نَسْلاً لداود ويثبِّتَ عرشَه إلى الأبد. يتَّضِح هذا الموضوع أكثر فأكثر عبر نصوص المَزْمُور، إلى أن يحدُثُ فجأة تغَيُّرٌ لافِتٌ، فالنصوص من 38 إلى 45 تُرَكِّزُ على رفضِ الله للمَلِكِ الداودي، مُعَبِّرَةً عن واقِعِ ما حَدَثَ عندما هَاجَمَ البابليون أُورُشَلِيم واستولوا عليها. في ضَوْءِ هذا الرفض، ينتهي المَزْمُور بالسؤال: حَتَّى مَتَى يَا رَبُّ تَخْتَبِئُ كُلَّ الاِخْتِبَاءِ؟ حَتَّى مَتَى يَتَّقِدُ كَالنَّارِ غَضَبُكَ؟ (المَزْمُور 46:89). وفي التَّضَرُّعِ الختامي، بعد أن يَتَذَكَّر المُرَنِّم وَعْدَ الله للمَلِكِ داود، ينتهي المَزْمُور بهذه الكلمات:
أَيْنَ مَرَاحِمُكَ الأُوَلُ يَا رَبُّ الَّتِي حَلَفْتَ بِهَا لِدَاوُدَ بِأَمَانَتِكَ؟
اذْكُرْ يَا رَبُّ عَارَ عَبِيدِكَ الَّذِي أَحْتَمِلُهُ فِي حِضْنِي مِنْ كَثْرَةِ الأُمَمِ كُلِّهَا
الَّذِي بِهِ عَيَّرَ أَعْدَاؤُكَ يَا رَبُّ الَّذِينَ عَيَّرُوا آثَارَ مَسِيحِكَ (المَزْمُور 49:89-51).
بخلاف المَزْمُور 89، تنطوي بقية المزامير على إشاراتٍ للسُّلالة المَلَكِيَّة لداود بما يكفي للافتراض بأن جامع المزَامِير كان يرجو عودةَ المَلِكِ الدَّاودِي. فالنبرةُ الإيجابية للمَزْمُور 110، الذي يَتَحَدَّث عن وَعْدِ الله للمَلِكَ الدَّاودِي بالنُّصْرَة على أعدائِهِ، مرَدِّدًا توجُّه المَزْمُور 2، تبدو خارج سياقها في سِفْرِ المَزَامِير، ما لم يكن الجامعُ النهائي للسِّفْرِ مؤمنًا بأن الله سيسترِدُّ السُّلالةَ المَلَكِيَّة لداود بعد السَّبْيِ. وبالمِثْلِ، في فترة ما بعد السَّبي، يقَدِّمُ المَزْمُور 132 مزيدًا من الأسباب الدافعة للاعتقاد بأن الله سوف يُنْبِتُ “قَرْنًا لِدَاود” (المَزْمُور 17:132).[7]
كُتِبَ سِفْرا أخبارِ الأيام في فترة ما بعد السَّبْيِ. ومع أنهما يشبهان سِفْرَي المُلوك في بعض الجوانب، إلا أنهما جديران بالملاحظة لما يقدِّمانه من تركيزٍ خاص على الحُكْمِ المَلَكِيِّ لنَسْلِ داود. في سِفْرَي الأخبار، يتجاهل الكاتب مُلوك مَمْلَكَةِ إِسْرَائِيل الشِّمَالِيَّة. فأساس كل ما تَعَيَّن على كاتب السِّفْرَيْن أن يقوله كامن في تَّوَقُّعِه باستعادة تأسيس السُّلالَةِ المَلَكِيَّة لداود. يُسَلِّطُ سِفْرا الأخبار الضَّوْءَ على العلاقَةِ الوثيقَةِ بين هيكل أُورُشَلِيم والمَلِكِ الدَّاودِي، لأن المَلِكَ كان مسؤولاً عن بناء الهيكل. يُشير كاتبُ السِّفْرَين على نحو ضمنيٍّ إلى أنه إذا رَجَعَ الشَّعْبُ إلى الرَّبِّ وصلوا في الهيكل الذي أُعِيدَ بناؤه، فإن الله يَشْفِي أَرْضَهم باسترداد المَلِكِ الدَّاودِي. تأتي هذه الفكرة مغلَّفة في سردية كاتِبِ الأخبار عن حُكْمِ المَلِكِ مَنَسَّى. إن خطايا مَنَسَّى مقَدَّمةٌ إلى حَدٍّ كبيرٍ في 2 المُلوك 21 بوصفها المبرِّرَ لدمار مدينة أُورُشَلِيم بيد بابل، حتى أن إصلاحاتِ المَلِكِ يُوشِيَّا لم تكُن كافية لتفادي القرار الإلهي بمعاقبة أُورُشَلِيم (2 المُلوك 24:23-27). مع أن وراية أخبار الأيام عن حياة مَنَسَّى تدوِّن أفعالَه الشِّريرة، إلا أنها تَصِفُ توبَتَهُ واسترداده إلى العرش، بعد فترةٍ من السَّبْيِ في بابل (2 أخبار الأيام 1:33-20).[8] حتى لو كان الملكُ الدَّاودي هو الأسوأ، يشير كاتِبُ سِفْرَي الأخبار بقوَّةٍ إلى أنه ليس بعيدًا عن الاسترداد متى كانَتْ هناك توبَةٌ صادِقَةٌ. في ضَوْءِ ذلك، لا ينبغي على شعب يَهُوذَا أن يتخلَّى عن إمكانية أن يكون الله أمينًا في التزامات عَهْدِهِ نحو داود بشأن “ابْنٍ” عتيد يَحْكُمُ أورشليم.
التَّوَقُّعاتُ قبل السُّلالةَ المَلَكِيَّة لِدَاود
من الواضحِ، كما يبدو، أن أصولَ الرَّجَاءِ المَسِيَّاويِّ تعودُ إلى التزام الله نحو داود برغبته في تأسيس سُلالة مَلَكِيَّة أبديَّة له، إلا أن هناك تَوَقُّعاتٍ مُهِمِّةٍ تسبقُ داود كما أنها تُعَزِّزُ فهمنا للرَّجَاءِ المَسِيَّاويِّ بشكلٍ لافتٍ. حتى قبل تأسيس السُّلالة الدَّاودِيَّة، كان للرَّجَاءِ وجودٌ في أن يُرْسِلَ الله ملكًا، ينحَدِرُ من نَسْلِ إبراهيم، ويبارِكَ أمم العَالَمِ.
ومع ذلك، لهذا الرَّجَاءِ جذورٌ تعودُ لما هو أبعد من ذلك، إلى جَنَّةِ عَدْنٍ. في دينونةِ الله على الحَيَّةِ التي خَدَعَتْ آدم وحوَّاء، يقول الله للْحَيَّةِ: “لأنَّكِ فَعَلْتِ هَذَا مَلْعُونَةٌ أنْتِ مِنْ جَمِيعِ البَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعِينَ وَتُرَابًا تَأكُلِينَ كُلَّ أيَّامِ حَيَاتِكِ. وَأضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ المَرْأةِ وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأسَكِ وَأنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ” (التَّكْوِين 14:3-15). إن الإعلان الإلهي بأن نَسْلَ المرأةِ سينتصر على الحَيَّةِ يُمَيِّزُ بدايةَ ما سيكون عليه الرَّجَاءُ المَسِيَّاويُّ.[9]
إن كلامَ الله للْحَيَّةِ قابلٌ لتفسيراتٍ مختَلِفَةٍ، لكن عند وضعه في سياق سِفْرِ التَّكْوِين كَكُل، يتَّضِحُ أن الشخص الذي سينتصر على الْحَيَّةِ سيكونُ مَلِكًا.[10] وراء إخفاق آدم وحواء في طاعة الله تَوَقُّعْهما بمباشرة السِّيادَة على المخلوقات الأخرى (التَّكْوِين 26:1، 28). لكن بطاعتهما لصوتِ الحَيَّةِ، خانا الله بتقدير المخلوق دون الخالق.[11] وفي ضَوءِ عَمَلْهُما، خَسِرَا مكانتهما المَلَكِيَّة على الخليقة كنائبين عن الله. في إطار ذلك، بَدَا المُتَوَقَّع من النَّسْلِ الذي سينتصر على الْحَيَّةِ أن ينجحَ فيما أَخْفَقَ فيه آدم وحوَّاء.[12] ومع ذلك، بينما نَجِدُ أن الوَعْدَ بحاكِمٍ مَلَكِيٍّ وعدًا ضمنيًّا في عقاب الْحَيَّةِ، فإن هذه النُّصرة لن تتحقق دون الألم.
بناءً على هذا البيان المُهِمِّ، تَهْتَمُّ بقيَّةُ فصول سِفْرِ التَّكْوِين بشكلٍ خاص بتحدِيدِ هُوِيَّةِ “قَاتِل الْحَيَّةِ”. بعد قَتْلِ قايين لأخيه هابيل الأكثر بِرًّا، ارتَبَطَ نَسْلُ المرأةِ بِشِيثَ (25:4)، الذي يَرْصُدُ كاتبُ التَّكْوِين نسَبَهُ حتى نُوحٍ (3:5-32)، الذي يمتازُ عن غيرِهِ من الناس بشخصيته البَارَّة (9:6). ثم يَمْتَدُّ نَسْلُ المرأة من نوح إلى سام، وصولاً إلى إبراهيم (10:11-26). من اللافتِ أن تدور قصَّةَ حياةِ إبراهيم حول وَعْد الله له بأن يباركَ كلَّ أُمَمِ الأرْضِ بواحِدٍ من نَسْلِهِ (16:22-18). وبعد أن قطع الله عَهْدًا أبدِيًّا مع إبراهيم، وَعَدَهُ الله هو وامرأته سارة بأن مُلُوكًا منهما سَيَخْرُجُون (6:17، 16).[13]
بعد إبراهيم، يواصل سِفْرُ التَّكْوِين سِلْسِلَةِ النَّسَبِ بإسحاق ابن إبراهيم، ثم يعقوب. في كلتا الحالتين، يتجاوَزُ الكاتبُ الأخ الأكبر أي إسماعيل وعيسو. ومن اللافت أن عيسو احتقر البَكُورِيَّةِ كابْنٍ بِكْرٍ، إذ بَاعَها لتوأمِهِ الأَصغر يعقوب بِطَبَقٍ من العَدْسِ (التَّكْوِين 29:25-34). أعمال يعقوب مُدَوَّنَةٌ كأعمال مُشرِّفَة تمامًا، إذ يُقَدِّر أهَمِيَّةَ البَكُورِيَّةِ والوُعُودَ الإلهيَّةَ المُرتبِطَةَ بها. ولاحقًا، عندما مَنَّ إسحاقُ على يعقوبَ ببركات البَكُورِيَّةِ كابنٍ بِكْرٍ، مُعْتَقِدًا أنه عيسو، صرَّح بهذه الكلمات:
لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ،
وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ.
كُنْ سَيِّدا لإخْوَتِكَ،
وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أمِّكَ.
لِيَكُنْ لاعِنُوكَ مَلْعُونِينَ،
وَمُبَارِكُوكَ مُبَارَكِينَ! (التَّكْوِين 29:27).
بهذه الكلمات، التي تردِّدُ أصداءَ وَعْدَ الله لإبراهيم (التَّكْوِين 3:12)، يشير إسحاق إلى أن يعقوب سيكون له السُّلطان في السيادةِ على الآخرين. ومع أن عيسو هدَّدَ بقتلِ يعقوب لاحقًا، إلا أن بركة الله قد حَلَّتْ على يعقوب، الذي ازدهر وجَلَبَ الرَّخَاءَ للآخرين مع كونِهِ منفيًّا بفَدَّان أَرَامَ. وعندما عاد يعقوب إلى كنعان، وَعَدَهُ الله: “أنَا اللهُ الْقَدِيرُ. أثْمِرْ وَاكْثُرْ. أمَّةٌ وَجَمَاعَةُ أمَمٍ تَكُونُ مِنْكَ. وَمُلُوكٌ سَيَخْرُجُونَ مِنْ صُلْبِكَ” (11:35).
المرحلة التالية في نَسْلِ العائلة تركِّزُ بشكلٍ رئيسٍ على يوسف، مع أنها تضمُّ يَهُوذَا أيضًا. بانفصاله عن إخوته، عامله والده كابْنٍ بكرٍ له حَقُّ البَكُورِيَّةِ (1 أخبار الأيام 1:5-2). وعلى خلفية العَهْدِ الإبراهيمي، فإن أحلامَ يوسف “المَلَكِيَّة” لها معنًى ودِلَالَةٌ (التَّكْوِين 5:37-11). وعندما بِيعَ يوسُفُ بواسطة إخوته لاحقًا للعبودية في مصر، باركه الله، وأصبح وسيطَ البركةِ الإلهية للآخرين (5:39). وعلى الرُّغم من كونه سجينًا، رَفَّعَه الله بتدبيرٍ إلهي لإنقاذ مصر من المجاعة مع غيرها من الشعوب المجاورة (20:50). تعبِّرُ قصَّتُهُ جزئيًّا عن التَّوَقُّعات المَسِيَّاويَّةِ اللاحقة التي ترى المَلِكَ الدَّاودي وسيطًا للوصول ببركةِ الله إلى الأمم.
المسارُ الفريد للنَّسْلِ الذي يتابعه كاتب التَّكْوِين ينتقل من يوسف إلى أَفْرَايِم، وبحالةٍ أخرى ينالُ فيها الابْنُ الأصغرُ حقَّ البَكُورِيَّة لا الأكبرُ (التَّكْوِين 13:48-20). بعد ذلك، يرتبطُ الرَّجاء بِمَلِكٍ مستقْبَلَي بسبط أَفْرَايِم، الأمر الذي يتَّضِحُ من الدَّورِ الذي لَعِبَه يشوع بن نون، وهو من أَفْرَايِم، في قيادة بني إِسْرَائِيل إلى أرضِ الموعدِ. ومع ذلك، حسبما يعلِنُ سِفْرُ القضاة، أخفق بنو أَفْرَايِم في تقديم القيادة الأخلاقية اللائقة التي يريدُها الله.[14]
بشكلٍ مفاجئٍ، يَتَوقَّفُ سَرْدُ التَّكْوِين عن حياةِ يوسف بقصَّةٍ تركِّز على النَّسْلِ الخاص بعائلة يَهُوذَا (التَّكْوِين 1:38-30). بالتشديد على مكانة عِير كبكرٍ وانعدام نَسْلِهِ، يشير الراوي إلى أن أسرة يَهُوذَا قد تكون مُهِمَّةً بالنسبة إلى تحقيق الوعد الإلهي المرتبط بنَسْلِ المرأة. القصَّةُ التالِيَةُ عن علاقَةِ ثامارِ غير التقليديَّة بِيَهُوذَا، والتي أدَّتْ إلى ميلاد توأمين، تنتهي بمثالٍ آخر ينال فيه التوأمُ الأصغْرُ حَقَّ البَكُوريَّة (27:38-30). إن الطبيعَةَ الغريبَةَ لفَارِص المقتَحِمِ لأخيه زَارَح، البكر الظاهري، لها دِلالةٌ رمزيةٌ. على الرُّغم من أن الحُكْمَ المَلَكِيَّ ارتَبَطَ بشكلٍ مبدئيٍّ بسبط أَفْرَايِم، رَفَضَ الله لاحقًا نَسْلَ أَفْرَايِم ابنِ يوسف، واختار داود من سبط يَهُوذَا (المَزْمُور 67:89-72). وكما يُعْلِنُ سِفْرُ راعوث، كان داود نَسْلاً مباشرًا لفَارَص (راعوث 18:4-22).
إن فكرة ارتباط الحُكْمُ المَلَكِيُّ بنَسْلِ يَهُوذَا ويوسف معبَّر عنها في البركات التي نَطَقَ بها يعقوب في التَّكْوِين 49. وتسليمًا بأهميَّة السُّلالةِ المَلَكِيَّة لداود بالنسبَةِ إلى الرَّجاء المَسِيَّاويِّ، لا غرابَةً في أن تصريح يعقوب في 10:49 عن النَّسْلِ المستقبلي لِيَهُوذَا، الذي ستَخْضَعُ له الشُّعوب، كان يُفْهَمُ على نحوٍ تقليديٍّ كنبوةٍ مَسِيَّاويَّةٍ.
عندما نلاحظ كيف يرتبط نَسْلُ الأسرة الفريد في سِفْرِ التَّكْوِين بالسُّلالةِ المَلَكِيَّة لداود، يتَّضِحُ لنا كيف يعود الرَّجاءُ المَسِيَّاويُّ المرتبط بذرية داود إلى المراحل الأولى في عمل الفداء الإلهي.[15] إن المواعيد الإلهية المتنوعة، والمقَدَّمَة في سِفْرِ التَّكْوِين مُهِمَّةً للغاية لفهم التفسيرات اللاحقة عن الرَّجاءِ المَسِيَّاويِّ. إن مواعيد الله بشأن الإطاحة بالْحَيَّةِ (التَّكْوِين 15:3)، وببركة البشرية المغتربة عن الله (3:12؛ 18:18؛ 18:22) ترتبط بنَسْلٍ عائليٍّ فريدٍ يُثْمِرُ في النهايةِ مَلِكًا يقهرُ أعداءه ويسودُ الشعوبَ بالإحسان نيابة عن الله.
بالنَّظَرِ إلى الأسفار الكتابية كرواية متصلة، فإنها تتحرك بنا من التَّكْوِين إلى سِفْرَي المُلوك بدايةً من التَّوَقُّعاتٍ بِحُكْمٍ مَلَكِيٍّ مستقبليٍّ في التَّكْوِين إلى تأسيس ذلك الحُكْمِ في أسفار صَمُوئِيل والمُلوك. وبينما يَصِفُ سِفْرا المُلوك تدهور السُّلالة المَلَكِيَّة لداود ونفي آخر مَلِكٍ لها، يَهُويَاكِين، إلى بابل، تُقَدِّم نصوص سِفْرِ المُلوكِ الثاني بصيصًا من الرَّجَاءِ بأن السَّبْيِ ليس هو نهايَةَ القِصَّةِ. بعد أن أُطْلِقَ سَراحُ المَلِكِ يَهُويَاكِين من السِّجْنِ جَعَلَ المَلِكُ البابلي كُرْسِيَّهُ فَوْقَ كَرَاسِيِّ الْمُلُوكِ الَّذِينَ مَعَهُ فِي بَابِلَ (2 المُلوك 28:25). إن الآمال المرتبطة بالسُّلالة المَلَكِيَّة لداود لا تزال تنتظرُ التحقِيقَ.
خاتمة
إن إجماع الدراسات الأكاديمية المعاصرة، والتي لها وزنها، يُعَارِضُ أساس الفكرة المَسِيَّاويَّةِ بالرجوع إلى العَهْد القَدِيم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بملكٍ مستقبليٍّ فريدٍ يكمُن في صَمِيمِ قصَّة العَهْدِ القَدِيمِ. هناك تَوَقُّعٌ بأن يَلْعَبَ المَلِكُ الدَّاودي المستقبليِّ دَوْرًا مُهِمًّا في تحقيق خطط الفداء الإلهي للخليقة. تُشَكِّلُ هذه التَّوَقُّعاتٌ الأساس لما ينادي به كَتَبَةُ العَهْد الجَدِيد بأن الرَّجاء المَسِيَّاويِّ يَجِدُ تحقيقه في شخص المسيح وعمله.
التَّوقُّعاتُ المَسِيَّاويَّةُ المرتبطة بالسُّلالة المَلَكِيَّة لداود لا تَضُمُّ كلَّ ما يقوله العَهْد القَدِيم عن يسوع المسيح. إنها مجرَّدُ خيطٍ واحد من خيوط النسيج الرابط بين العهد القديم والرَّبِّ يسوع، إلا أنه خيطٌ أساسيٌّ للغاية.
[1] الاعتقادُ بأن يَسُوع هو الوارثُ لعرشِ داود يهَيْمِنُ على رواية الإنجيل بحسب البَشِيرِ مَتَّى، إذ يُطَوِّرُ البَشِيرِ هذه الفكرة بدءًا من سلسلة النَّسب الافتتاحية (مَتَّى 2:1-17)، ثم روايته عن مجوسٍ من المشرق طالبين السجود لِمَلِكِ اليهود (مَتَّى 1:2-12) وصولاً إلى صَلْبِ يسوع بوصفه “مَلِكَ اليهودِ” (مَتَّى 37:27)، إلى أن يختمُ البشير روايته بإعلان الرَّبِّ يسوع بأن كلَّ سلطانٍ في السَّماءِ وعلى الأرض قد دُفِع إليه (مَتَّى 18:28). كما تُعَبِّر مزاميرُ سليمان، وهي نصٌّ يهوديٌّ يعودُ تاريخُهُ إلى منتصف القرن الأوَّل قبل الميلاد، عن رغبة بني إِسْرَائِيل في أن يقيمَ الله لهم مَلِكًا، وهو ابن داود، لِيَسُودَ على إِسْرَائِيل (مَزَامِيرُ سليمان 21:17). ثم تشير إليه هذه المزامير لاحقًا بأنه مَسِيحُ الرَّبِّ (مَزَامِيرُ سليمان 32:17؛ مع 1:18، 5، 7).
[2] ينطوي النص العبري في (2 صموئيل 7) على تورية في استخدامه للفظة “بيت”. إزاء رغبة داود في أن يبني بيتًا للرَّبِّ أي قصرًا مَلَكِيًّا أو هيكلاً لله، وَعَدَ الله بأن يبني بيتًا لداود أي سلالةً مَلَكِيَّةً له.
[3] تأتي التَّوَقُّعاتُ بشأن مَلِكٍ مُسْتَقْبَلِيٍّ من نَسْلِ داود في أسفارِ نبويَّة أخرى: (ميخا 2:5-6؛ إرميا 5:23-6؛ 14:33-26؛ حِزْقِيال 23:34-31؛ 24:37-28؛ زكريا 9:9-10).
[4] النصوص المحددة عادة بأنها “قصائد العبد” هي إشعياء 1:42-4؛ 1:49-6؛ 4:50-9؛ 13:52-12:53. وإلى هذه القصائد يمكنُ إضافة إشعياء 1:61-3، إلا أن المتحدَّث في هذه الأعداد لا يمكن نعتُه على وجه التحديد بلقب “العبد”. لكن وَفْقًا لنص لُوقَا 16:4-21، وبعد قرائته لإشعياء 61، يَصِفُ الرَّبّ يسوع نفسَه بأنه ذلك الواحد الممسوح، مُبَشِّرُ المساكين بالإنجيل.
[5] انْظُرْ م. زندر M. Zehnder، “شخصية ‘عبد الرب المحيرة’: ملاحظات على العلاقة بين ‘عبد الرب في إشعياء 40-55 وشخصيات خلاصية أخرى في الكِتَاب المُقَدَّس”، في الدراسات الجديدة في سِفْرِ إشعياء، تحرير م. زندر M. Zehnder، (وجهات نظر حول الأسفار المقدسة العبرية، وسياقاتها، 21، پسكاتاوايPiscataway، چورچياس برس Gorgias Press، 2014)، ص 231-282.
[6] پ. چ. چنتري، “إعادة التفكير في ‘مَرَاحِمَ دَاوُدَ الصَّادِقَةَ‘ في إشعياء 3:55″، و. ت. چ WTJ، 69 (2007)، ص 279-304.
[7] لمناقشة أوفى انظْرْ ميتشل D. C. Mitchell، رسالةُ المزامير: برنامجًا أُخْرَوِيَّا في سِفْرِ االمزامير The Message of the Psalter: An Eschatological Programme in the Book of Psalms؛ إصدار (JSOTSup 252; Sheffield: Sheffield Academic Press, 1997)؛ وسنيرلي M. K, Snearly، عودة المَلِك: التوقُّع المَسِيَّاويُّ في الكتاب الخامس للمزامير The Return of the King: Messianic Expectation in Book V of the Psalter، (مكتبة دراسات الكِتَاب المُقَدَّس العبري/العَهْد القَدِيم 624)، إصدار (London: Bloomsbury T&T Clark, 2016).
[8] سَبْيُ المَلِكِ مَنَسَّى إلى بابل جديرٌ بالملاحظة، لأن من سباه هم الأَشُّوريون، وليس البابليون. إلا أن واقع اختباره للسَّبْيِ إلى بابل يُمَثِّلُ السَّبْيَ العتيد لشعبِ يَهوذَا وأُورُشَلِيم في القرن 6 ق.م.
[9] يُعْرَفُ نص التَّكْوِين 14:3-15 على نحوٍ تقليديٍّ باسْمِ پروتوإيڤانْجِلْيُون بمعنى أوَّل بشرَى سارَّة، فالنَّص يُمَثِّلُ أوَّلَ إعلانٍ عن الإنجيل.
[10] انظر ت. د. آلكساندر T. D. Alexander، “الفِكْرُ المَسِيَّاويِّ في سفر التَّكْوِين“، في مسيح الرَّبِّ: تفسير النصوص المَسِيَّاويَّة Messianic Ideology in the Book of Genesis,” in The Lord’s Anointed: Interpretation of Old Testament Messianic Texts تحرير ed. P. E. Satterthwaite, R. S. Hess, and G. J. Wenham, (Grand Rapids/Carlisle: Baker/Paternoster, 1995), 19-39؛ چ. م. هاملتون J. M. Hamilton، “نسل المرأة الساحق للرأس: التفسير الكتابي الداخلي للتَّكْوِين 15:3 The Skull Crushing Seed of the Woman: Inner-Biblical Interpretation of Genesis 3:15″، المجلَّة المعمدانية الجنوبية للاهوت Southern Baptist Journal of Theology, 10 (2006) 30-55؛ چ.م. أوجست J. M. August، “رجاءُ التَّكْوِين المَسِيَّاويِّ: مواعيد أول إنجيل ومواعيد الآباء The Messianic Hope of Genesis: The Protoevangelium and Patriarchal Promises “، Themelios, 42 (2017) 46-62.
[11] سَلَبَتْ الحَيَّةُ السيادة على الأرض. لقد صار الشيطان رئيس هذا العالم (يُوحَنَّا 31:12؛ 30:14؛ 11:16)، وهي الحقيقة الظاهرة في طريقة إغرائه ليسوع بـ ” جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا” (مَتَّى 8:4-10؛ مع لُوقَا 5:4-8).
[12] يوضِّح الرَّسُول بُولُس هذه النقطة في 1 كُورِنْثُوس 1:15. وبشكلٍ مفيدٍ، يناقِشُ د. ج. مكارتني D. G. McCartney أهمِّيَّة كون يسوع مَلِكًا بشريًّا بعنوان، “هوذا الإنسان: مجيء المَلَكُوت كاستردادٍ للنيابَةِ المَلَكِيَّةِ البشرِيَّةِ Ecce Homo: The Coming of the Kingdom as the Restoration of Human Vicegerency” WTJ, 56 (1994) 1-21.
[13] يحتِّمُ عهدُ الله أن يكون إبراهيم أبًا لأممٍ كثيرةٍ، وأغلب الظَّن أن مفهوم “الأبوة” يحمل هنا دلالات ملكية.
[14] في التقليد اليهود المتأخر، يرتبطُ مفهومُ المَسِيَّا أحيانًا بـ “ابنِ يوسف” أو “ابنِ أفرايم”. انْظُرْ د. س. ميتشل D. C. Mitchell، المَسِيَّا ابن يوسف، (Newton Mearns: Campbell Publications, 2016) ؛ م. ف. نوفنسون M. V. Novenson، “ابن من يكون المَسِيَّا؟” في باب ابن الله: البنوة الإلهية في الأدب المسيحي واليهودي القديم، ed. G. V. Allen, et al., (University Park, Pennsylvania: Eisenbrauns, 2019), 79-81.
[15] في التثنية 14:17-20، إدراج الوصايا الخاصة بواجبات أي ملكٍ حتى قبل أن يدخل بنو إِسْرَائِيل أرض كنعان، يتوقعُ مُسْبَقًا تأسيسَ الحُكْمِ المَلَكِيِّ في إِسْرَائِيل.

