هل تحققت كل نبوات الأيام الأخيرة؟

التعريف

النظرية السابقية الكاملة تعلِّم بأن كلَّ نبوات الكتاب المقدَّس تحقَّقت، بما في ذلك النبوات عن مجيء المسيح ثانية، وطرح الشيطان وضد المسيح في بحيرة النار، وقيامة الأموات، ومجيء ملكوت الله كاملًا.

المُوجز

في حين توجد نسخة مختلفة جزئيًّا من النظرية السابقية تتفق بدرجة أكبر مع قدر كبير من اللاهوت الإنجيلي، لكنَّ النظرية السابقية الكاملة هي الرأي القائل إن كل النبوات الكتابيَّة تحقَّقت بالفعل. فإن النبوة عن مجيء المسيح للدينونة تحقَّقت في حدث خراب أورشليم عام 70م، وطُرِح الشيطان وضد المسيح بالفعل في بحيرة النار، وجاء ملكوت الله بالفعل، والقيامة هي قيامة روحيَّة، والإرسالية العظمى تمَّت، وكلُّ شي صار جديدًا (السماوات القديمة والأرض القديمة مضتا، والسماوات الجديدة والأرض الجديدة جاءتا)، والاسترداد الموعود قد تحقَّق، والعالم الآن يستمر كما هو إلى ما لا نهاية. من بين المشكلات التي تكمن في هذا الرأي هي أنه لا يأخذ في اعتباره نمط “الآن وليس بعد” المتَّبَع في العهد الجديد، وأنه يبالغ في التركيز على بعض التصريحات في الأناجيل على حساب تجاهل بعض التصريحات الأخرى، وكذلك أنه لا يتوافق مع الجدول الزمني لوثائق العهد الجديد، أو مع خبرتنا عن العالم، أو مع الفكر اللاهوتي للكنيسة الأولى.


المقدِّمة

النظرية السابقية (Preterism، المشتقة من الكلمة اللاتينية preter، ومعناها “سابق” أو “ماضي”) هي منهجية للتعامل مع الأمور الأخيرة في الكتاب المُقدَّس، ترى أن كل النبوات تحقَّقت بالفعل في القرن الأول الميلادي. ترى “النظرية السابقية الجزئية”، كما يدلُّ المصطلح بالفعل، أن معظم النبوات الكتابيَّة تحقَّقت بالفعل (حديث جيل الزيتون، وضد المسيح، والضيقة، والملك الألفي، إلخ). أما “النظرية السابقية الكاملة” (وهي موضوع هذا المقال، وتسمى في كثير من الأحيان “النظرية السابقية المفرطة”)، فتؤكد أن كل النبوات الكتابيَّة تحقَّقت. فإن النبوة عن مجيء المسيح للدينونة تحقَّقت في خراب أورشليم عام 70م، وطُرِح الشيطان وضد المسيح في بحيرة النار، وجاء ملكوت الله، وقيامة الأموات هي قيامة روحيَّة، والإرسالية العظمى تمَّت، وكلُّ شيء صار جديدًا (السماوات القديمة والأرض القديمة مضتا، والسماوات الجديدة والأرض الجديدة جاءتا)، والاسترداد الموعود قد تحقَّق، والعالم الآن مستمر كما هو وكأنه إلى ما لا نهاية

ويبني أتباع النظرية السابقية وجهة نظرهم في المعتاد على مقاطع كتابيَّة من قبيل:

  • “فَإِنِّي ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ” (متى 10: 23)
  • “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ ٱلْقِيَامِ هَهُنَا قَوْمًا لَا يَذُوقُونَ ٱلْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ” (متى 16: 28)
  • “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا يَمْضِي هَذَا ٱلْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ” (متى 24: 34)
  • “حَقًّا أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ ٱلْقِيَامِ هَهُنَا قَوْمًا لَا يَذُوقُونَ ٱلْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا مَلَكُوتَ ٱللهِ” (لوقا 9: 27)

ويحصل أتباع النظرية السابقية على مزيد من التأييد لرأيهم من خلال التحريضات الكتابيَّة المألوفة بأن “يسهروا” في انتظار مجيء المسيح “القريب”.

إن نظرية “الأخرويات المتسقة” أو “الأخرويات الشاملة” [Consistent Eschatology]، التي قدمها ألبرت شفايتزر (Albert Schweitzer)، اللاهوتي اللوثري (1875-1965)، قالت إن توقعات يسوع الأخرويَّة الوشيكة تبيَّن أنها خاطئة. والنظرية السابقية، بدورها، تؤكد أن السابقية الكاملة هي الرد الفعال الوحيد على هذا الرأي “الليبرالي”.

تقييم ورد

بغض النظر عن الاختلافات في الرأي بين غالبية قُرَّاء النبوات الكتابيَّة منذ بداية الكنيسة حول التفاصيل الصغيرة، لكن غالبية هؤلاء القراء فهموا أن النبوة الكتابيَّة تشير إلى توقُّعٍ باختراق أخير ونهائي من الله لتاريخ العالم، مؤسسًا عالمًا جديدًا ظاهرًا، تميِّزه قيامة بالأجساد، وحضور الرب يسوع المسيح بالجسد. والغالبية العظمى من المؤمنين يجدون أن تفسير نظرية السابقية الكاملة للنبوة الكتابيَّة مثيرًا للدهشة لعدة أسباب نستطيع تسليط الضوء عليها فيما يلي.

النظرية السابقية والمنظور الكتابي عن التاريخ

إن الخليقة “الحسنة جدًا” و”المبارَكة” التي نقرأ عنها في تكوين 1-2 سقطت الآن تحت الدينونة الإلهية (تكوين 3). وقد توقع كُتَّاب الأسفار اللاحقة استردادًا للنظام المخلوق، وإبطالًا للعنة في “السماوات الجديدة والأرض الجديدة” (إشعياء 65: 17؛ 66: 22؛ 2بطرس 3: 13؛ رؤيا 21: 1). وحتى إذا فهمنا النصوص الكثيرة التي تتحدث عن “رجوع إلى عدن” في الأسفار النبوية (على سبيل المثال، إشعياء 9، 11، 25-26، 35، 65-66) بطريقة رمزية (وهو ليس فهمًا مؤكَّدًا بأي حال)، تبدو بعض النبوات الأخرى المتصلة بها واضحة على نحو لا لبس فيه. فعلى سبيل المثال، في رومية 8: 18-23، أكد بولس أن هذا العالم الحاضر الذي “أُخضِع للبطل” (8: 20)، والذي يسوده “أنين” (8: 22)، وحالة من السقوط، و”العبودية للفساد” (8: 21)، سيختبر تبدُّلًا ملحوظًا عند قيامة الأبرار (8: 23). وكما كانت لخطية الإنسان عواقب أثرت في النظام المخلوق، هكذا سيصير النظام المخلوق مشمولًا في الفداء البشري الأخير، وسينصلح حاله. كذلك، يوجِّهنا بطرس إلى أن ننتظر يومًا من التجديد الكوني، قائلًا:

“وَلَكِنْ سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي ٱللَّيْلِ، يَوْمُ ٱلرَّبِّ، ٱلَّذِي فِيهِ تَزُولُ ٱلسَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ ٱلْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ ٱلْأَرْضُ وَٱلْمَصْنُوعَاتُ ٱلَّتِي فِيهَا. فَبِمَا أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟ مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ ٱلرَّبِّ، ٱلَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ ٱلسَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَٱلْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. وَلَكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا ٱلْبِرُّ (2بطرس 3: 10-13؛ راجع رؤيا 20: 11)

فإن التاريخ لن يستمر في حالة السقوط التي يعاني منها، بل وليس فقط سينتهي، لكنه بالأحرى سيبلغ الهدف المنشود منه، ويشهد “ردَّ كل شيء” (أعمال الرسل 3: 21). فالله لا ينوي أن يترك الخليقة – أو البشر – في حالتهم الساقطة. فإن قصده “المبارك” للخليقة سيتحقق (أفسس 1: 10؛ رؤيا 21-22). وهذه النظرة المستقبلية سائدة على النبوات الكتابيَّة.

النظرية السابقية ونمط أو تقسيم النبوة الكتابيَّة

صحيح أن هذا العصر هو عصر التتميم، لأن فجر العصر المسياني قد بزغ، لكن ليست هذه هي الصورة الكاملة. يصف العهد الجديد هذا الدهر بأنه افتتاحية الدهر الآتي، وأن الصورة ستكتمل عند انقضاء الدهور، عند مجيء المسيح ثانية. فإن نبوة الأيام الأخيرة قد تحقَّقت، ومع ذلك فإن ذروة التتميم لم تأتِ بعد. تخفق النظرية السابقية في إدراك هذا الجانب من تتميم النبوة الكتابيَّة الذي يسمَّى “الآن ومرة أخرى”، أو “الآن وليس بعد”، لكن هذا الجانب موجود عبر الكلمة النبوية بأكملها. فإن تكوين 3: 15، وهو أول نبوة في الكتاب المُقدَّس، يتحقق في المجيء الأول للمسيح، لكن تحقيقه يكتمل مع ذلك على مراحل (متى 12: 22-29؛ يوحنا 12: 31؛ رومية 16: 20؛ رؤيا 19-20). وملكوت الله قد جاء (متى 12: 28؛ كولوسي 1: 13)، لكنه مع ذلك لا يزال آتيًا (متى 6: 10؛ لوقا 19: 11؛ 2تيموثاوس 4: 1؛ 2بطرس 1: 11؛ رؤيا 11: 15). وقد أتى الملك (متى 2: 2)، وأخذ مكانه على عرش الله (أعمال الرسل 2: 36)، لكنه مع ذلك سيأتي أيضًا ليمارس حقوق مُلكه الكاملة (لوقا 19: 11؛ رؤيا 19: 11). وإن الضيقة وضد المسيح هنا بالفعل، لكنهما سيأتيان أيضًا (1يوحنا 2: 18، 22؛ 2يوحنا 7). ونحن هم الخليقة الجديدة (2كورنثوس 5: 17)، لكننا مع ذلك ننتظرها أيضًا (رؤيا 21: 5). وإننا ننتظر القيامة (يوحنا 5: 28-29) مع أن ساعة القيامة قد أتت بالفعل (يوحنا 5: 25). والحياة الأبدية هي لنا اليوم (يوحنا 5: 24)، لكنها ستتحقق أيضًا في اليوم الأخير (دانيال 12: 2)

هذا الجانب من تتميم النبوة “على مراحل”، والذي يسمَّى “الآن وليس بعد”، هو أمر معتاد في الكتاب المُقدَّس. يوجد اليوم تداخل بين الدهور. فإن العصر المسياني قد أتى، لكنه أتى فقط في صورته الأولية، ولا يزال اكتماله ينتظر الانقضاء.

ثمة أهمية أساسية أن ندرك هذه الظاهرة الموجودة في الكتاب المُقدَّس، إذا أردنا أن نفهم النبوة الكتابيَّة. فإن هذا النوع من التتميم الذي يسمَّى “الآن ومرة أخرى” أو “الآن وليس بعد” هو النمط المعتاد، ويجب أن نحترس من أن نحشر جوانب “ليس بعد” من نبوات معينة بالقوة داخل قالب “الآن”. يعني ذلك بأن تأكيدنا لحدوث تتميمٍ لنبوة معينة في الحاضر ليس في حد ذاته دليلًا على أن المزيد ليس آتيًا.

النظرية السابقية والأوصاف الكتابيَّة للمجيء الثاني للمسيح والأحداث المصاحبة له

بعد وضع هذه المسائل الأكبر في الاعتبار، يصير السؤال أكثر تحديدًا كالتالي: هل تقودنا النبوات الكتابيَّة بالفعل إلى توقع تحقُّق المزيد بعد؟ الإجابة على هذا السؤال هي “نعم” مدوية!

في حديث جبل الزيتون، أكد ربنا يسوع نفسه أن مجيئه الثاني سيكون مجيئًا شخصيًّا ومنظورًا، قائلًا: “وَيُبْصِرُونَ ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَابِ ٱلسَّمَاءِ” (متى 24: 30؛ راجع دانيال 7: 13-14؛ متى 26: 64). وعند صعوده، أكد الملائكة صراحة الأمر نفسه قائلين إنه “سَيَأْتِي هَكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقًا إِلَى ٱلسَّمَاء” (أعمال الرسل 1: 9-11). وأكد يوحنا أيضًا “أَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ” (1يوحنا 3: 2)؛ “هُوَذَا يَأْتِي مَعَ ٱلسَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ” (رؤيا 1: 7). تقودنا هذه الكلمات بوضوح إلى توقع مجيء ثان شخصي، ومنظور، وواضح لربنا يسوع بالجسد، وهو المجيء الذي لم يشهده التاريخ بعد. وفي حقيقة الأمر، حذرنا يسوع من أن ننخدع من الذين قد يدَّعون أنه جاء ثانية بالفعل، مؤكِّدًا لنا بأنه عندما يأتي، سيكون الأمر لا لبس فيه، وسيعرفه الجميع (متى 24: 23-27).

هكذا أيضًا فيما يتعلق بالقيامة الآتية للأموات. فلا جدال على أننا نختبر قيامة روحيَّة اليوم في المسيح (يوحنا 5: 25؛ أفسس 2: 5)، لكن الكثير من المقاطع الكتابيَّة تؤكد لنا بأن قيامتنا بالجسد لم تأت بعد (يوحنا 5: 28-29؛ أعمال الرسل 24: 15؛ فيلبي 3: 11؛ 1تسالونيكي 4: 13-18). وفي حقيقة الأمر، إن حجة بولس نفسها في 1كورنثوس 15 مفادها أن رجاء قيامتنا المستقبلية بالجسد مرتبط بالإنجيل نفسه. فكما أقيم المسيح من بين الأموات، هكذا نحن الذين فيه سنقام أيضًا (1كورنثوس 15: 20-23) بجسد شبيه بجسد هذه الحياة، لكنه ملائم للدهر الآتي (1كورنثوس 15: 35-37)، وهو جسد شبيه أيضًا بجسد قيامة يسوع (1كورنثوس 15: 49؛ راجع فيلبي 3: 20-21). إن قصد الله من الخلاص هو قصد شامل. فهو سيردُّنا جسدًا وروحًا (رومية 8: 23). وفي يوم آت، سيُبطَل الموت نفسه، بل وسيتبدَّل تأثيره إلى النقيض (1كورنثوس 15: 54-55)، ثم أخيرًا، “ٱلْمَوْتُ لَا يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلَا يَكُونُ حُزْنٌ وَلَا صُرَاخٌ وَلَا وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لِأَنَّ ٱلْأُمُورَ ٱلْأُولَى قَدْ مَضَتْ” (رؤيا 21: 4). هذا هو الأفق السعيد لقصد الله من الخلاص.

هكذا أيضًا فيما يتعلق بدينونات نهاية الزمان. فإن خراب أورشليم في عام 70م، بقدر بشاعته، لم يتمم كل تفاصيل النبوات عن دينونة عالمية آتية (أعمال الرسل 17: 31؛ رؤيا 6-19). فسيأتي يومٌ بعد فيه يُهلِك الله كل أعدائه، ويزكِّي علانية كل شعبه الذي اضطُهِد فيما سبق (2تسالونيكي 1: 5-10).

لا تسمح لنا المساحة إلا بذكر موجز للنظرة الكتابيَّة عن رجوع إسرائيل. فقد تكلم ربُّنا يسوع عن ذلك في متى 23: 37-39، قائلًا:

“يَا أُورُشَلِيمُ، يا أُورُشَلِيمُ! يا قَاتِلَةَ ٱلْأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا، كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلَادَكِ كَمَا تَجْمَعُ ٱلدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا، وَلَمْ تُرِيدُوا! هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَابًا. لِأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَنِي مِنَ ٱلْآنَ حَتَّى تَقُولُوا: مُبَارَكٌ ٱلْآتِي بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ!”

سيكون من الصعب استيفاء متطلبات هذه النبوة ضمن إطار النظرية السابقية (راجع رومية 9-11، وبالأخص رومية 11: 26)

النظرية السابقية وسفر الرؤيا

يمثل تاريخ كتابة يوحنا لسفر الرؤيا أهمية حيوية للنظرية السابقية. فإن وصف يوحنا لدينونات آخر الزمان ومجيء المسيح ثانية كانت نابضة بالحياة وواضحة تمامًا، لدرجة أنها إذا كانت قد كُتِبت بعد وقوع أحداث عام 70 م، لن تتمكن النظرية السابقية من الصمود. وبالتالي، تدعي النظرية السابقية أن سفر الرؤيا كُتِب في ستينيات القرن الأول، قبل خراب مدينة أورشليم.

إلا أن سفر الرؤيا كُتِب فعليًّا بعد عام 70م، وهو ما تبيِّنه الشهادة التي قدمتها الكنيسة الأولى بالإجماع. هذا البرهان “الخارجي” بأن يوحنا كتب هذا السفر في العقد الأخير من القرن الأول، في عهد الإمبراطور دوميتيان (81-96م)، يبدو واضحًا أيضًا في سفر الرؤيا نفسه.[1] كان اللقب المفضل لدى دوميتيان هو Dominus et Deus noster – “ربُّنا وإلهنا”. كانوا يحيونه في مجلس الشيوخ الروماني بالنشيد القائل princeps princepum, summe ducem (“رئيس الرؤساء، وأعلى الرؤساء”). ومن ألقابه الأخرى أيضًا “سيد الأرض”، و”الذي لا يُقهَر”، و”المُقدَّس”، و”المبارَك”. وأحد الأناشيد الأخرى التي كانت تُنشَد له يقول: “أنت مستحق أن ترث المملكة!” وقد كُلِّف الناس بأن يروجوا لعبادته من خلال نداءات جماعية بألوهيته ومجده. كل هذا شبيه بصورة صادمة بالكثير مما نجده في سفر الرؤيا عن المسيح، أو الوحش، أو النبي الكذاب. يبدو إذن أن سفر الرؤيا هو، من ناحية ما، هجاء يوحنا لما يحدث في عصره.

كذلك، ربما يثير رؤيا 2: 4 الاهتمام، لأن فيه وبَّج الرب الكنيسة في أفسس لأنها “تَرَكت مَحَبَّتها ٱلْأُولَى”. خدم بولس في أفسس في خمسينيات القرن الأول، وخدم فيها تيموثاوس في الستينيات، ولم يذكر أيٌّ منهما شيئًا من هذا القبيل عن هذا الانحراف الروحي المتزايد. يبدو إذن أن هذا التوبيخ يوحي ضمنًا بمرور بعض الوقت، لا يسمح بأن يكون تاريخ الكتابة سابقًا لعام 70م.

كذلك، “الألف سنة” المذكورة في رؤيا 20 تشكِّل أزمة للتفسير السابقي. فبغض النظر عن التفسيرات “الألفية” المختلفة، على النظرية السابقية أن تجد مكانًا لفترة الألف سنة هذه في القرن الأول. يصر بعض أتباع النظرية السابقية على أن هذه الفترة تشير إلى الفترة ما بين صعود المسيح وسقوط أورشليم عام 70م. ويرى البعض أنها تشير إلى الفترة من 70-73م (سقوط مسعدة)، في حين يرى آخرون أنها تشير إلى عام 132م (ثورة بار كوخبا). على أي حال، من الصعب أن تكون فترة “الألف سنة”، حتى وإن كانت رمزية، فترة قصيرة إلى هذا الحد.

علاوة على ذلك، وكما أشرنا أعلاه بالفعل، سيكون من الصعب حقًّا أن نفسِّر وصف يوحنا للحالة الأبدية على أنها تحققت في هذا الزمان، أي هلاك الشيطان، واختفاء اللعنة أو الموت، وصيرورة كل شيء جديدًا، إلى آخره (رؤيا 21-22).

“نصوص الإثبات” السابقية

ماذا إذن عن “نصوص الإثبات” السابقية؟ لا تتيح لنا المساحة أن نجري مسحًا للتفسيرات المختلفة لهذه الآيات، لكننا نستطيع تسليط الضوء على أكثرها شيوعًا.

يقول متى 24: 34، “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَا يَمْضِي هَذَا ٱلْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ”. ربما يشير التعبير “هَذَا كُلُّهُ” إلى خراب أورشليم، وإلى أوصاف يسوع الأخرى لهذا الدهر، لكن ليس إلى مجيئه الثاني. أو ربما كانت أحداث عام 70م هي تتميم أولي للدينونة النهائية الآتية. يمكن لكل تفسير من هذين التفسيرين أن يستوفي متطلبات النص. وليس التفسير السابقي بديهيًّا بأيِّ حال من الأحوال.

في متى 10: 23، قال يسوع لتلاميذه: “لَا تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ”. قُدِّمت العديد من التفسيرات لهذه الآية. وربما الأسهل بالفعل هو أن نراها على أنها إشارة إلى “مجيء” يسوع للدينونة على أورشليم في عام 70م. لكن، لاحظ جيدًا أن هذا لا يستبعد بأي حال من الأحوال مجيئه بعد ذلك ليأتي بالملكوت كاملًا. وبالتالي، سيُفهَم هذا “المجيء” الأسبق، في حقيقة الأمر، على أنه منبئ بمجيئه الثاني الأخروي.

في متى 16: 28، قال يسوع لتلاميذه: “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مِنَ ٱلْقِيَامِ هَهُنَا قَوْمًا لَا يَذُوقُونَ ٱلْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا ٱبْنَ ٱلْإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ”. مرة أخرى، هذا التصريح يتوافق بسهولة مع المنظور السائد في إنجيل متى عن الملكوت، والذي يسمَّى “الآن وليس بعد”. فقد أظهر الرب يسوع ملكوته عند قيامته، وصعوده، وفي يوم الخمسين، وفي خراب أورشليم، وفي الإرسالية إلى الأمم.

من الجدير بالذكر أيضًا أن المقاطع التي تصف مجيء يسوع ثانية بأنه “قريب” أو “سريعٌ” (يعقوب 5: 8؛ 1بطرس 4: 7؛ رؤيا 22: 20) يجب ألا تُعزَل عن تلك التي تصف هذا المجيء بأنه “متباطئ”، أو “بعد زمان طويل” (متى 25: 5، 19؛ راجع لوقا 12: 41-48؛ 20: 9). وقد أعطى يسوع المثل الذي جاء في لوقا 19: 11 تحديدًا لتصويب هذه الفكرة الخاطئة التي مفادها أن مجيئه الثاني يجب أن يكون وشيكًا للغاية. كذلك، كُتِب 2بطرس 3 بأكمله لتأكيد تأخُّر مجيء الملكوت النهائي. فإن ربنا لن يتباطأ أو بتوانى إلى الأبد، بل سيأتي ثانية، وحتى ذلك الحين، نحن مدعوون إلى أن “ننتظره في تأنٍّ” (يعقوب 5: 7-8).

النظرية السابقية وآراء المؤمنين بعد عام 70م

أخيرًا، يجب أن نذكر، في إيجاز على الأقل، أن المسيحيين الذين كانوا على قيد الحياة بعد خراب أورشليم مباشرة لم يتفقوا في الرأي مع الفهم السابقي، لكنهم كانوا جميعهم ينتظرون مجيء المسيح ثانية، والقيامة بالجسد، والدينونة الآتية. هذه الملاحظة تمثل أهمية، لأنه إذا كان الرسل، كما تؤكِّد النظرية السابقية، قد فهموا النبوات على أنها تحقَّقت في أحداث عام 70م، فلِمَ إذن ظل أتباعهم المباشرون يصدِّقون الرجاء المستقبلي التقليدي؟ يبدو إذن أن المؤمنين بعد عام 70م كانوا يتبنون الرجاء نفسه الذي تبناه الذين سبقوهم.

أفكار أخيرة

يبدو أن الفهم السابقي يضع أولوية تامة لجانب “الآن” من النبوات، إلى حد إجبار جانب “ليس بعد” على الاختفاء من المشهد. ومع ذلك، فإن المنظور واسع النطاق للنبوة الكتابيَّة يشجعنا على توقع مجيء ربنا يسوع ثانيةً. فالكثير من النبوات المحددة تؤكد هذا الرجاء مرارًا وتكرارًا. وهكذا فهمت الكنيسة الأولى الأمر. فإن رجاء الكنيسة في محلِّه. ماران آثا! الرب آتٍ!


[1] See Ethelbert Stauffer, Christ and the Caesars, especially chapter 11

شارك مع أصدقائك

فرِد زاسبيل

حاصل على درجة الدكتوراه (Ph.D.) من جامعة أمستردام، وهو راعي الكنيسة المعمداينة المُصلحة في فرانكونيا، بنسلفانيا ، وأستاذ مساعد في علم اللاهوت النظامي في كلية ساذرن بابتست أو المعمدانية الجنوبية للاهوت.