موت المسيح والبدليّة العقابية: دراسة وتحليل لأفكار إن.تي. رايت

يواصل “إن.تي. رايت” في كتابه “اليوم الذي بدأت فيه الثورة- The Day the Revolution Began” مساهمته الغزيرة في دراسات العهد الجديد،[1] ويولي اهتمامه بشكل مكثف على معنى موت المسيح. والكتاب موّجه في الأساس للقاعدة العريضة من القرّاء العاديين، وليس الأكاديميين. تتمثل قوة منهاج “رايت” في سعيه نحو الكشف عن انسجام ووضوح الصورة الكبيرة للكتاب المقدس، وإظهار كيف تُعبّر الرواية الكتابية بفصولها المتتالية عن هذه الصورة الأكبر وتعكسها. وأقدّر بشكل خاص اهتمامه المستمر بشعب الله ومسؤوليتنا عن عالم الله. هذا تصحيح قيّم في مواجهة التفسيرات الفرديّة الانعزالية لإنجيل المسيح.

كما أنني متعاطف بعض الشيء مع بعض إحباطاته. فكم من سلاسل عظات عن رومية تنتهي بالإصحاح الثامن، بينما يتم تجاهل الأصحاحات من التاسع إلى السادس عشر! وكثيرًا ما يتمحور تطبيق الأصحاحات من الأول إلى الثامن في رسالة رومية حول يقين الخلاص للفرد، أو الحاجة إلى عقيدة سليمة، أو مفتاح الإيمان المسيحي. فغالبًا ما تشوه الفرديّة قراءتنا للكتاب وكذلك كرازتنا وتعليمنا للكتاب المقدس.

كما أن الجزء الأخير من الكتاب، والذي يكتب فيه عن آلام الكنيسة، يعد جزء متميز ورسالته مناسبة للكنيسة في الغرب، كما هو الحال بالنسبة لباقي كنائس العالم.

ومع ذلك، فإن هدفه الأساسي المتمثل في إظهار معنى موت المسيح يُضعفه نقده المستمر للعقيدة الكلاسيكية الأصيلة عن موت المسيح البدلي عنا، بتحمله للعقاب الإلهي للخطية نيابة عن الخطاة. فهو يفعل ذلك في سياق أوسع لهجومه المستمر والشامل على ما يدعوه “المنظور الأفلاطوني للهدف النهائي [“السماء”]، والمنظور الأخلاقي للدعوة الإنسانية [“السلوك الجيد”]، والمنظور الوثني الصريح للخلاص [باعتباره موت إنسان بريء لاسترضاء الإله الغاضب] “[311].

والواقع، أنه لم يُقدم تحليلًا موضوعيًا للآراء اللاهوتية التي تتبنى تفسيرات تقليدية أكثر دقة للبدلية العقابية، ولكنه يهاجم ما يعتبره الوعظ والتعليم السائد والمنتشر في الأوساط الإنجيلية فيما يتعلق بموت المسيح الكفاري. كما أن هذا الكتاب يُعبّر عن انتقاداته بقسوة. ويعكس نفاذ صبر شخص أكاديمي تجاه من هم أقل قدرة لاهوتية منه. كما يعكس رد فعل ضد ما يتصوره الكاتب أخطاء بطريقة تؤدي به إلى خطر الوقوع في فخ نوعية أخرى من الأخطاء!

ومن الأمور المؤسفة في هذا الكتاب أن الآراء المختلفة عن قناعات الكاتب يتم التشهير بها، وتُعطى أسوأ تفسير مُمكن. لذلك، فإن النظرة الكلاسيكية للبدلية العقابية يتم وصفها باستمرار على أنها نظرة أب غاضب يُنفّس عن غضبه، بسكب ذلك الغضب على ابنه البريء. فهو يُدين العقيدة الكلاسيكية للبدلية العقابية بالإشارة إليها باستمرار على أنها وثنية وغريبة الأطوار، فينعتها قائلًا: “الفظاظة الإلهية” [224]؛ “الإله الوثني الغاضب يعاقب المسيح.” [234]؛ “الإله المتقلب المزاج يشتاق لقتل شخص ما ووجد ضالته صدفة في ضحية بريئة سهلة.” [232]؛ “إنقاذ هذه البدلية من ذلك السبي الوثني” [287]؛ “عقوبة تعسفية مجردة على ضحية بريئة” [337]؛ “المنظور الوثني لإله غاضب على العالم تلوح في الأفق وعازم على الدم” [349]. في الواقع، إن مغالطة الذنب بالارتباط (رفض رأي معيّن بالنظر إلى معتنقيه) قد تكون مؤثرة بلاغيًا، ولكنها ضعيفة فكريًا. أو كما لاحظ الفيلسوف الإنجليزي “تشيسترتون”: “أي وصمة عار يمكنها أن تتغلب على العقيدة.”

ثم يهاجم “إن.تي. رايت” وجهة النظر الوثنية هذه بالفكرة المعروفة لدى جميعنا عن محبة الله المعبر عنها في المسيح. فيقول: “ليس أبًا غاضبًا يهاجم ابنًا بريئًا أعزل، ولكن … شخصًا يجسد محبة الله …” [201]. ربما كان الظن أن شهرة يوحنا 3 :16 في الدوائر الإنجيلية كانت كفيلة بطمئنة “رايت” بأن مخاوفه غير مبررة. فيكتب: “لا نجد إلهًا غاضبًا عازمًا على قتل شخص ما … بدلاً من ذلك نجد صورة … للإله الذي يحافظ على العهد، الإله الذي يحمل على عاتقه قوة الخطية الكاملة على نفسه” [185]. ولكن ما يقوله رايت هنا ليس بجديد على المنظور الكلاسيكي، فهو يتفق تمامًا مع عبارة “چون ستوت” التي لا تُنسى، “البدلية الذاتية لله”.[2] وصحيح، قد تكون الكلمات المستخدمة من قِبل غير الأكاديميين في الأوساط الشعبية الإنجيلية لوصف موت المسيح مخلة في بساطتها وتفتقر للحكمة، إلا أن اتهام الإنجيليين بالوثنية هو ظُلم بيّن. كما أن “رايت” لم يذكر حتى اللاهوتيين المسيحيين الذين دافعت كتاباتهم عن التعليم المسيحي الكلاسيكي الأصيل حول البدلية العقابية، والذين يؤكدون على ذات النقطة التي يحاول هو التأكيد عليها هنا، وهي أن موت المسيح يكشف عن محبة الله. هذه الفكرة ليست جديدة! ففي كتابه “أسس الدين المسيحي” يقتبس “جون كالڤن”، على سبيل المثال، من “أوغسطينوس” قوله:

يجب ألا تُفهَم حقيقة مصالحتنا بموت المسيح كما لو أن الابن صالحنا مع الله حتى يمكنه البدء في محبة من كان يكرههم قبلًا. بل أننا قد صولحنا بالفعل مع من يحبنا، ذاك الذي كنا أعداءه بسبب الخطية.[3]

ويكتب كالڤن أيضًا:

إن المحبة السريّة التي بها ضمنا الآب السماوي لنفسه هو، تنبع من المسرة الأزلية الصالحة، قبل جميع الأسباب الأخرى … إن المظهر الحقيقي للإيمان … هو أن يضع الشخص المسيح نصب عينيه، ليرى فيه انسكاب قلب الله بالمحبة.[4]

ولدى كالڤن منظور عبّر من خلاله بعناية عن العلاقة بين الآب والابن في الكفارة:

كيف يمكن أن يكون (الله الآب) غاضبًا على ابنه الحبيب “الذي به سُرت نفسه”؟ [متى 3 :17]. كيف يمكن للمسيح بشفاعته أن يسترضي الآب نحو الآخرين، إذا كان هو نفسه مُبغضًا من الله؟[5]

احتمل المسيح عقاب الله بدلًا عنا، وقد سُر الآب بتقدمة المسيح لنفسه وقَبل ذبيحته. فأي تشابه بين بعض سمات الوثنية ووجهة النظر الكتابية عن اتفاق مشيئة الثالوث في البدلية العقابية، لا يعني التطابق في المعني بين الفكرين.

كما يرى “رايت” أن الوعظ الإنجيلي عن الصليب قد ركّز بالكامل على النجاة من الدينونة “والوصول إلى السماء عندما نموت”. ولكن في الحقيقة، إن تقييم “رايت” السلبي للانخراط الإنجيلي في العالم غير مبرر، في أسوأ حالاتها، تُتهَم المسيحية الإنجيلية بأنها مبالغة في تركيزها على الفردية، ومنسحبة من الانخراط في العالم. ولكن الفكر الإنجيلي، في أفضل حالاته، له تاريخ رائع في زرع الكنائس، وتشجيع المؤمنين على أن يكونوا مثمرين في الأعمال الصالحة، ومنخرطين بشكل كبير في مجالات التعليم والرعاية الصحية والكرازة. يقول المؤرخ “ديڤيد بيبينجتون” أن إحدى الخصائص الأربع للإنجيلية هي كون الإنجيليين “ناشطين”: لهم خدمة مستمرة وفعالة لله في العالم.

عن الوثنية

ينصب تركيز “رايت” على أهمية الكفارة في موت المسيح الانتصاري الذي كسّر قوى الأوثان، بهزيمة الآلهة الزائفة والقوى الشريرة. فبالنسبة “لرايت”، عبادة الأصنام هي مشكلتنا الأعظم، فيقول: “ليس فقط الخطية، ولكن الوثنية التي تتخفى خلفها” [68]. فالمرض والعلاج مرتبطان ارتباطًا وثيقًا.

ولكن في رومية 1: 18 وما يليها، نقرأ أن عبادة الأصنام والخطية هما نتيجة لخطية أسبق وأعمق، ألا وهي حجز وإخفاء الحق عن الله وعدم تمجيده وشكره. فجوهر مشكلتنا هو علاقتنا مع الله: فعبادتنا وخطيتنا وفشلنا في خدمة الله هو نتيجة عدم عبادة الله والابتعاد عنه. إن قطع علاقتنا مع الله هو سبب المشاكل الأخرى، بما في ذلك عبادة الأصنام وغيرها من خطايانا الداخلية والخارجية. لذلك، يجب أن تكون استعادة هذه العلاقة في صميم الكفارة.

يقول “رايت” أننا مخطئون عندما نعتقد أن الشركة مع الله هي الهدف [74]. في الواقع، هو مخطئ: فانقطاع الشركة هي قلب المشكلة ومن ثم فالشركة هي لُب الحل. على الرغم من ادعائه الإلمام بالرواية الكتابية الكبرى، فقد فاته ذروة الرواية في تكوين 1-3، حين طُرد آدم من الجنة. لقد تم توضيح هذه النقطة في الرسالة إلى العبرانيين (وهو أكثر تفسير شامل للكفارة في العهد الجديد). فهزيمة الشيطان والقوى الشريرة موجودة، وإن كان بشكلٍ موجز [2 :4، 10 :13]: ولكن ذروة الرسالة هي دخول كاهننا العظيم إلى “قدس الأقداس” وسفك دمه [10: 15-19]. وفي إنجيل يوحنا، تتضمن الحياة الأبدية معرفة الابن ربنا يسوع وبالتالي معرفة الآب السماوي.

تُركّز الكثير من الاسهامات المعاصرة في قضية الكفارة على الحل الإلهي على البعد “الأفقي”: مشاكلنا الداخلية، العلاقات البشرية، علاقتنا مع قوى الشر، واجباتنا في العالم. هذه كلها أمور هامة، لكنها نتيجة لتفكك علاقتنا مع الله، التي تم حلها في المسيح. إن تركيز “رايت” على عبادة الأصنام هو أمر جيد وسيء في نفس الوقت. فيكتب أن “كسر القانون هو أحد أعراض مرض أكثر خطورة بكثير…عبادة الأصنام” [77].

ولكن يعد كسر الوصية وعبادة الأصنام أمرًا فظيعًا لأنهما يمثلان مظاهر الابتعاد عن الله ومقاومته. فمشكلتنا الأساسية هي شركتنا المقطوعة معه. ليس الخلل في عدد الأصنام التي نعبدها بدلًا عنه. صحيح أن “رايت” يعترف بأن “البشر خلقوا لعبادة الله الذي خلقهم …” [100]، لكن طريقته في الحديث عن عبادة الأصنام تهمش هذا المنظور، وتسيطر على مفهومه لعقيدة الكفارة.

كما أن “رايت” على استعداد لاستخدام الكلمات الكلاسيكية المرتبطة بالكفارة، فهو يقول بوضوح أن “يسوع مات، بريئًا، متحملًا العقوبة التي فرضها بنفسه على رفاقه اليهود ككل” [211]. ومع ذلك، فهو يؤكد على أنه يستخدم مثل هذه الكلمات بطرق تختلف تمامًا عن الاستخدام الكلاسيكي. فبالنسبة له، الهدف من موت المسيح ليس المصالحة مع الله، بل تشمل تأثيرات موت المسيح ما يلي:

  • “يحمل على نفسه خزي العالم وحقده وكراهيته” [219].
  • “تُظهر المحبة الباذلة أن لها قوة من نوع مختلف تمامًا عن تلك المعروفة للعالم” [253].
  • لذلك كان موت المسيا “من أجل الخطايا” تحت لعنة الناموس العادلة والصحيحة هي الوسيلة الضرورية التي يمكن بواسطتها تحقيق الغلبة” [245].
  • إن صلب المسيا… يعني الخلق… لعائلة عهدية واحدة [244].
  • “إن الإجابة على عبادة البشر للأصنام، جذر الخطية، هو الإعلان الجديد عن الإله الواحد الحقيقي” [332].
  • ‘”المسيا كمكان للاجتماع، الإعلان المطلق عن المحبة والبر الإلهي” [339].

كل هذا صحيح: ولكن ما يفتقده هذا الطرح هو أمر في غاية الأهمية، ألا وهو الكيفية التي بها حقق موت يسوع كل هذا؟ نحن نعلم أن موته كان إعلانًا، ونعرف نتائجه. لكن ماذا حدث في موت المسيح؟

يدعي “رايت” أن الله لم يعاقب المسيح، بل عاقب الخطية بالمسيح، فيقول: “بولس لا يقول إن الله عاقب المسيح. لكنه يُعلن أن الله عاقب الخطية في جسد المسيح” [287]. ولكن إذا كان المسيح قد مات -كما يقول “رايت نفسه”- “تحت لعنة الناموس العادلة والصحيحة” [245]، فإنه بذلك يكون قد مات تحت لعنة الله. أنا أدرك أن بولس لا يستخدم عبارة “ملعون من الله” في غلاطية 3 :3، ولكن لعنة من هذه؟ إن الله هو الذي يرسل اللعنات لشعب عهده في الرواية الكتابية [تثنية 27، 28]. إن القول بأن المسيح جُعل خطية [كورنثوس الثانية 5: 21]، وحمل الخطية [بطرس الأولى 2 :24] يعني أنه عانى من عواقب الخطية. كانت هذه الخطية خطيتنا: وكان هو بديلنا. وأهم مشكلة مع الخطية هي أنها تُظهر انهيار علاقتنا مع الله، كما أنها تجلب الموت، الذي هو دينونة الله. لقد تألم المسيح كبديل عنا وحمل عقابنا.

كما تظهر رغبته في تجنب أن يكون لله دورًا في الكفارة في رأيه القائل بأنه لا توجد ذبائح في العهد القديم تتعلق بعقوبة الخطية. بل يدعي أنها علامات للتوبة؛ فالذبائح الدموية تُطلق الحياة الموجودة في الدم والتي يكون لها قوة منقية مطهرة. لذا فإن الدم يطهر الناس، ليس لكونه تقدمة كفارية لله [329].

في رأيي، ما يؤكده “رايت” صحيح، لكن ما ينفيه خطأ. فيؤكد العهد القديم على القوة الكفارية لبعض الذبائح. ولكون دم المسيح استرضائيًا، فلهذا هو له القدرة على الغفران والتطهير. إن دور الله أساسي في موت المسيح.

إسرائيل والأمم

يوضح “رايت” أن موت المسيح كان مفيدًا لإسرائيل، إذ تألم من لعنة عهدهم. ولكن كيف إذن يساعد موت المسيح الأمم؟ فكانت إجابته: “سيموت العبد من أجل الأمة، لكنه سيحقق للعالم ما دعي إسرائيل لفعله وعجز، مُحرِّرًا الأمم من قيودها القديمة، حتى يتمكنوا الآن من الانضمام إلى شعب الله الوحيد” [212].

في حين أن الانضمام إلى شعب الله هو امتياز المؤمنين من الأمم، إلا أن هذا لا يفسر كيف أن يسوع هو مخلصهم. يشمل الخلاص التحرر من قوى الشر، والقدرة على فعل أعمال صالحة في العالم، لكن الخلاص هو في جوهره هو غفران عقوبة الخطية، التي هي الموت. لذا فليس واضحًا كيف أن يسوع هو مخلص الأمم في فكر “إن.تي. رايت”.

ورغم أن هزيمة قوة أوثان الأمم هو انتصار رائع، إلا أن “رايت” لا يوضح كيف تحقق ذلك. فيقول: “يسوع، بتحمله ثقل خطايا إسرائيل على عاتقه وبالتالي خطايا العالم، مات تحت قوة الشر المتراكمة، حتى يأتي الملكوت أخيرًا في ملئه” [217]. ولكن كيف؟ فانتصار المسيح (أو كريستوس فيكتور-Christus Victor) ليست سوى زاوية واحدة من موت المسيح. أو كما يقول غراهام كول (Graham Cole): “الخبر السار هو أن صليب المسيح لا يُخلصنا فحسب، بل أنه ينزع أسلحة تلك القوى المعادية ضدنا”؛ “إن مفتاح نزع الأسلحة هو غفران الخطايا على أساس الصليب”؛ “فغلبة المسيح [كريستوس فيكتور] ترتكز على القوة التفسيرية للكفارة البدلية”.[6]

إشكاليات أخرى:

هناك عدة قضايا أخرى نشأت من هذا الكتاب، كما هو الحال في كتابات “رايت” الأخرى.

  • لقد تعلمنا أن معاني الكلمات تكمن في استخدامها وليس في اشتقاقاتها. ألا تنطبق نفس القاعدة على استخدام الصور والطقوس؟ إذا كان الأمر كذلك، ألا ينبغي لنا أن نفهم العهد القديم في ضوء العهد الجديد، بدلاً من افتراض أن كل معاني العهد القديم قد انتقلت إلى معنى العهد الجديد؟ ألا ننتقل من “الظلال” إلى “الجوهر”؟ وبالمثل، في حين أن فهم الخلفية اليهودية لكلمات وأفكار العهد الجديد أمر مهم، ألا يُحدِّد استخدامها في العهد الجديد تعريف معناها؟ الأمر الذي لم يلتزم به “رايت”.
  • في حين أنه من المفيد رؤية الخلفية اليهودية للعهد الجديد، فإن العهد الجديد نفسه يتفاعل في أغلب الأحيان مع العهد القديم نفسه، وليس الكتابات المعاصرة في زمانه. وفي كل تعاليم المسيح ورسله نجد ابتعادًا عن الفكر اليهودي في ذلك الوقت، وخاصة تفسيراتهم للعهد القديم. أليست معارضة اليهود لتفسير المسيح للعهد القديم كان أحد أسباب موته؟
  • في المثل الذي قاله يسوع عن الفريسي والعشار [لوقا 18: 9-14]، نجد تناقض صارخ بين البر الذاتي الذي كان لدى الفريسي وتواضع العشار. كما أن العشار هو من “تبرر”. التبرير هنا لا يتعلق بالانقسامات بين اليهود والأمم، كما يدعي “إن.تي. رايت”، بل بالانقسام داخل شعب الله. أليس هذا دليلًا من القرن الأول الميلادي على “بر الأعمال” الرديء في يهودية القرن الأول الميلادي؟
  • ألا يمكن وصف تعليم المسيح عن ماء الحياة الأبدية وخبز الحياة في يوحنا 4 و6 بأنه “روحنه” لمواضيع العهد القديم الأرضية؟ وبهذا تكون تعاليم المسيح نفسه في تناقض مع أطروحة “رايت”.
  • يؤكد “رايت” باستمرار أن السبي بالنسبة لكُتّاب العهد الجديد انتهى بموت المسيح، ولكن في يعقوب 1: 1 نقرأ أن المسيحيين ما زالوا في الشتات. كما يّدعي باستمرار أن العودة من الشتات تتضمن غفران الخطايا. ولكننا نقرأ في بطرس الأولى 1: 1-2 أن المؤمنين ما زالوا في الشتات، لكنهم أيضًا مقدسون بالروح ورش دم المسيح! هاتان المرتان الوحيدتان التي ذُكِر فيها “الشتات” في العهد الجديد! فيشير بطرس إلى الكنيسة في روما على أنها في بابل (5: 13). ومن سفر الرؤيا نعرف أن سقوط بابل لم يحدث بعد [رؤيا 18].

يا للأسف، لا تتعامل أطروحة “رايت” مع كل الأدلة الكتابية. فالرواية الكتابية هي أكثر ثراءً ودقة مما تبدو عليه للوهلة الأولى!

كتاب مثير للتفكير كما ترون!


[1] N. T. Wright, The Day the Revolution began: Reconsidering the Meaning of Jesus’s Crucifixion, New York, HarperOne, 2016. 440pp.

[2] John Stott, The Cross of Christ, Leicester, IVP, 133-163.

[3] John Calvin, The Institutes, 2.16.4, quoting from Augustine, John’s Gospel, cx. 6.

[4] Calvin, Commentary on John, 3:16.

[5] Calvin, The Institutes, 2.16.11.

[6] Graham Cole, God the Peacemaker: How atonement brings shalom, NSBT, Nottingham, Apollos/ Downers Grove, IVP, 2009, 183.


تم نشر هذا المقال بتاريخ 4 يونيو 2017 على موقع The Gospel Coalition, Australia Edition

شارك مع أصدقائك

بيتر آدم

المدير السابق لكلية ريدلي للاهوت في ملبورن، أستراليا. كما أنه كان عضوًا مؤسسًا في مجلس ائتلاف الإنجيل باستراليا، وله العديد من الكتب والمؤلفات في مجال اللاهوت.