المشورة والخدمة الرعويّة

يواجه كل من يعمل في الخدمة الرعوية اليوم أطرًا وسياقات مختلفة لتقديم المشورة. تحدد هذه المقالة أربعة نماذج رئيسية للدور الذي من الممكن أن تلعبه المشورة في الخدمة الرعوية، وأوجه التشابه والاختلاف بينهما، وكيف يمكن للمرء أن يُطبق بعناية مبادئ الكتاب المقدس في المشورة المعاصرة.

مقدمة

تعد المشورة من القضايا الرئيسية التي تواجه أولئك الذين يقومون بالخدمة الرعوية اليوم. اسمحوا لي أن أُلخّص المشكلة بشكل عام: يدرك بعض القسوس أن العديد من الكنائس قد تبنت دون تحري الدقة نماذج علمانية للمشورة تقوم على فردانية[1] عصر التنوير والرومانسية الحديثة. وعلى النقيض، تجاهل العديد من الرعاة بشكل فعلي أهمية تقديم المشورة في سياق خدمتهم الرعوية لشعب الله. ربما لاقتناعهم أن الوعظ المؤثر والنصائح الداعية للتوبة والطاعة لكلمة الله كافية لمساعدة الناس في مواجهة مشاكلهم.

والسؤال: هل هناك طريقة لتجنب كلٍ من هذه المواقف المتناقضة وغير الملائمة؟

لمحة تاريخية

في أوائل القرن العشرين، تم تجاهل علم النفس الحديث إلى حد كبير من قبل البروتستانت الأمريكيين. أما في حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، بدأ بعض العلماء المسيحيين (معظمهم في كلية فولر للاهوت، ومدرسة روزميد لعلم النفس في جامعة بيولا، والجمعية المسيحية لدراسات علم النفس) في تقديم ما أصبح يُطلق عليه نموذج الاندماج (Integration Model) بين المشورة وعلم النفس.

فيما بعد، في سبعينيات القرن الماضي، تصدى جاي آدمز (Jay Adams) من كلية وستمنستر للاهوت لهذا التيار، وصاغ منهج المشورة الكتابية (Biblical Counseling).[2] وقد رأى أن دور المشورة هو ببساطة الاهتمام بتطبيق الحق الكتابي الموجه لقلوب البشر في حياتهم العملية من خلال توجيه النُصح والتوجيه، دونما الغوص في أعماق ماضي الإنسان.

ومع ذلك، سرعان ما سُمع صوت التذمر من اليسار على نموذج الاندماج. فقد بدأ بعض المسيحيين، ومعظمهم من بين أولئك الذين كانوا يعملون آنذاك في مجال علم النفس الأكاديمي، في تطوير

نموذج مستويات التفسير (Levels of Explanation Model)، وهو توجه أكثر ملاءمة لعلم النفس الحديث من نموذج الاندماج الأصلي.

من ناحية أخرى، تصاعد صوت التذمر من اليمين أيضاً على نموذج الاندماج، وذلك خلال العقدين الماضيين، إذ شعر البعض أن أنصار نموذج الاندماج كثيرًا ما قدموا تنازلات لصالح علم النفس الحديث، في الوقت الذي أرادوا فيه نظرة نقدية تحليلية أكثر حدة لنظريات علم النفس. ومع ذلك، لم يرغب هؤلاء في التطبيع مع حركة المشورة الكتابية. وقد أطلق البعض على هذا التيار علم النفس المسيحي (Christian Psychology). وانقسمت الرابطة المسيحية لدراسات علم النفس (Christian Association of Psychological Studies) إلى رابطتين. الأولى احتفظت لنفسها بذات الاسم CAPS واستمرت في نهجها المنفتح تُجاه نظريات علم النفس الحديث ونموذج مستويات التفسير (Levels of Explanation Model)، بينما تشكلت الرابطة الأمريكية للمشيرين المسيحيين (American Association of Christian Counselors)، والتي ضمت البعض من أنصار نموذج الاندماج بجانب آخرين تبنوا موقفًا أكثر انتقادًا لعلم النفس الحديث.

في غضون ذلك، كان هناك فريقًا محسوبًا على المشورة الكتابية ممن اعتبروا نهج جاي آدمز غير مُقنع في نظرته للمشورة، بل ومبني على أساس فهم ساذج “للطبيعة البشرية”، بل ويتبنى معايير عالية للسلوك دون الاهتمام بالدوافع الإنسانية في نهاية المطاف. كل هذه التطورات والتغييرات قد أسهمت في جعل الخيارات المتاحة لخدام المشورة الرعوية أكثر تنوعًا، بل قل أشد تعقيدًا.

في العام ١٩٧٠، تلقيت دراستي في المشورة في كلية جوردون كونويل للاهوت، وكان أساتذة المادة من الاندماجيين المنحازين بشدة لإعلاء مصداقية علم النفس. كما أن زوجتي كاثي كانت تدرس في نفس الكلية آنذاك على يد نفس الأساتذة. ومع ذلك، فقد حدث خلال رحلتنا للدراسة في جوردون كونويل أن انتقلنا أنا وكاثي إلى فيلادلفيا لدارسة دورة متقدمة مكثفة في المشورة الرعوية مع جاي آدمز شخصيًا لنستمع منه ويكون لنا امتياز الإصغاء للرأي والرأي الآخر (كان هذان التياران هما الاختيارين المتاحين آنذاك).

كانت منهجية جاي آدمز أكثر منطقية بالنسبة لي أنا وكاثي مما درسناه في كلية جوردون كونيل للاهوت، وخلال السنوات التسع الأولى من خدمتي التي كان لدي فيها الكثير من العمل الرعوي وقدمت فيها مشورة للكثيرين، استندت إلى منهجية آدامز والمواد الدراسية التي صاغها.

ومع ذلك، قد يكون لي بعض التحفظات على منهجية جاي آدمز تتمثل في تركيزه بشكل حصري تقريبًا على سلوك الشخص، إلى الدرجة التي يتجاهل معها منبع سلوكياته؛ دوافع القلب ونية الفكر. فيما بعد، خلال حقبة الثمانينات عندما قمت بالتدريس في كلية وستمنستر للاهوت، تطورت صداقة شخصية بيني وبين أحد المشيرين الأصغر سنًا في المؤسسة المسيحية للتعليم والمشورة Christian Counseling and Educational Foundation (CCEF). إذ كان هؤلاء المعلمون والمُشيرون يجرون مراجعات لنموذج آدامز في المشورة في هذه الأثناء، وكنت في نفس الوقت صديقًا مقربًا لتريمبر لونجمان (Tremper Longman)، والذي كان يُحاول مع زملائه دان ألندر (Dan Allender) ولاري كراب (Larry Crabb) تبني طريقًا وسطيًا: أكثر انفتاحًا إلى حد ما على علم النفس من صياغة جاي آدمز للمشورة الكتابية، ولكن أقل انفتاحًا من نموذج الاندماج. وقد واجهت هذه المحاولة نقدًا قويًا من المؤسسة المسيحية للتعليم والمشورة CCEF.

أنا لست معلمًا للمشورة، ولم أكتب أي شيء عنها (باستثناء هذه الورقة البحثية!) لذلك، لا أفكر في نفسي على أنني قد حددت موقفًا جديدًا متوازنًا تمامًا. بدلاً من ذلك، بطبيعة عملي كقس وراعٍ، وعلى مر السنين كان علي أن أسأل نفسي، “في ضوء كل هذه الخيارات والمواقف المتباينة، ما هو نوع النصح والمشورة الذي يجب أن أقدمه لشعبي؟”
وإجابتي على هذا السؤال تتلخص فيما يلي.

أربعة نماذج لدور المشورة في الخدمة الرعوية[3]

1. نموذج مستويات التفسير

يتبنى هذا النموذج: كل من الجمعية المسيحية لدراسات علم النفس (Christian Association for Psychological Studies)، ومجلة علم النفس والمسيحية (Journal of Psychology and Christianity)، ومدرسة علم النفس بكليّة فولر للاهوت (Fuller Seminary School of Psychology).

الفرضية الأساسية: يتعامل كلٌ من علم النفس واللاهوت الكتابي مع أبعاد مختلفة من حياة الإنسان، ويستخدم طرق مختلفة للدراسة، بل ويطرح أسئلة مختلفة، وينظر إلى وجهتين مختلفتين. فبينما ينظر الكتاب المقدس إلى الروح الإنسانية والعلاقة مع الله، ينظر علم النفس بدوره إلى الكيفية التي يعمل بها العقل البشري، وكيف يتكيف البشر ويتفاعل مع البيئات الطبيعية والاجتماعية. وبالتالي يقدم علم النفس واللاهوت الكتابي رؤى متكاملة وغير متعارضة مع بعضها البعض. لكن يجب أن تبقى متمايزة. ينجح علم النفس إلى حد بعيد، إذا ما تمت ممارسته بشكل صحيح، في تحجيم تحيزات الباحث.

الخلاصة: لا يوجد نقد كتابي حقيقي لعلم النفس الحديث.

النقد الموجه لهذا النموذج: في حقيقة الأمر، يبحث كلٌ من علم النفس الحديث واللاهوت الكتابي في العديد من الأمور المشتركة، مثل: الدوافع، المعاناة، الإساءة، الغضب، القلق، الخوف، الرغبة في حياة لها معنى، وما إلى ذلك. وبالتالي، فإن وجهة النظر هذه لا تتعامل في الواقع بجدية وشمولية مع ادعاءات أيٍ من علم النفس أو علم اللاهوت. تباعًا، فإن الطريق الوحيد لجعل علم النفس واللاهوت يعملان بشكل مستقل هو الحديث عن “مستويات” متمايزة عن بعضها لعمل كُلِ منهما. ومن المفارقات الساخرة أن يُقدم هذا الاقتراح من قبل وجهة نظر لاهوتية – بل ووجهة نظر محددة جدًا – تزعم أن الروح والنفس مكونان مختلفان متمايزان. والنتيجة الحتمية بالطبع هي قناعة مغزاها أنه من غير المسموح للكتاب المقدس بأن يقول قوله الفصل في مجال النفس البشرية، والتي بالتبعية ليس له سلطان عليها.

أظهر الفيلسوف ألاسدير ماكنتاير (Alasdair MacIntyre) أن مجال العلم التجريبي يقتصر فقط على التشخيص؛ تشخيص الإشكالية الإنسانية قيد البحث، وليس (العلاج)، فليس من شأنه أبدًا أن يقول لهذا أو ذاك من البشر ما يجب عليه فعله.[4] ففي الوقت الذي تنتقل فيه من مجال التشخيص إلى العلاج، تكون قد انتقلت من مجال العلم إلى مجال الأخلاق والدين والقيم. قد يثبت العلم، على سبيل المثال، أن هناك أساسًا بيولوچيًا لنوع معين من السلوك، لكنه لا يستطيع إثبات أن الشخص يجب أن يقاوم السلوك أو يذعن له. فبمجرد أن تنتقل إلى المشورة، أنت لم تعد عالِماً بعد.

ضع في اعتبارك أن هذا النهج، الذي يميل إلى إثارة غضب المسيحيين الذين لهم نظرة عالية للكتاب المقدس، يتم الالتزام به بشكل أساسي من قبل الأكاديميين المسيحيين كنهج التعامل مع أبحاثهم. إذ مكنهم من نشر نتائج أبحاثهم ببساطة دون الاضطرار إلى إخضاعها لنقد أو تفنيد كتابي. معظم المشيرين المسيحيين، حتى أولئك الذين يتعاملون مع علم النفس كثيرًا، هم أكثر دمجًا لمبادئ علم النفس مع مبادئ اللاهوت الكتابي (نموذج الاندماج).

2. نموذج الاندماج

يتبنى هذا النموذج: كل من مدرسة روزميد لعلم النفس في جامعة بيولا، الرابطة الأمريكية للمشيرين المسيحيين (American Association of Christian Counselors)، كلية اللاهوت المصلحة في مدينة چاكسون بولاية ميسيسيبي.

الفرضية الأساسية: يبحث كلٌ من علم النفس الحديث واللاهوت الكتابي في موضوع واحد، ألا وهو الطبيعة البشرية والخلل الذي أصابها، وكيفية إصلاحه. لكن في دراستهم وبحثهم، يحتكم كلا منهما إلى معيارين وأداتين مختلفتين: “الإعلان العام” (الملاحظة العلمية) و”الإعلان الخاص” (إرادة الله المعلنة في الكتاب المقدس).

يجمع أنصار نموذج الاندماج بين رؤى ومنظور علم النفس من جهة، مع ورؤى ومنظور الكتاب المقدس من جهة أخرى. وحين يتعارض كلاهما، يسعى الاندماجيون للسماح للكتاب المقدس بأن يكون له الكلمة الأخيرة. وهكذا في نموذج الاندماج (وعلى عكس نموذج مستويات التفسير) يُستخدم الكتاب المقدس في نقد وتحليل علم النفس الحديث.

الخلاصة: يقدم نموذج الاندماج بعض النقد الكتابي الحقيقي لعلم النفس الحديث، لكنه قد يكون غير منطقي إلى حد ما.

النقد الموجه لهذا النموذج: كما هو واضح في هذا النموذج، فإن عملية دمج منظور علم النفس والكتاب المقدس هي عملية تتسم بالقابلية الشديدة للتأويل، فهو نموذج يحتمل أكثر من وجه وطيف لنفس اللون. ففي أحد أطيافه، قد يعني ببساطة الالتزام بنهج كتابي قوي إلى حد ما مع إضافة بصيرة ورؤى من علم النفس؛ من ناحية أخرى، يمكن أن يعني تبني أساليب الإرشاد النفسي الحديثة في مجملها كالأساس، مع زخارف من المراجع الكتابية الداعمة والصلاة. فلا عجب أن تنقسم أكثر من جماعة ورابطة تتبنى هذا النموذج وتتنازع مع الأخرى. إذ قد يصل المشيرون إلى استنتاجات متناقضة، في الوقت الذي يدعي كُل منهم أنه يتبنى نفس النموذج، لكن توجٌههم في التطبيق مختلف تمام الاختلاف. من الناحية العملية، يمكن على سبيل المثال أن يستخدم أحد المشيرين أيَ أسلوب من أساليب علم النفس لا يستبعده الكتاب المقدس بشكل مباشر. لذا فمن الهام أن ندرك في النهاية، أن الُمشير الذي يقول إنه، أو إنها، من أنصار الدمج بين علم النفس والكتاب المقدس، لا يخبرنا في الواقع بشيء محدد. فهذا يمكن أن يعني الشيء ونقيضه تقريبا.

3. نموذج علم النفس المسيحي 

يتبنى هذا النموذج: كلية كوفننت للاهوت، في مدينة سانت لويس بولاية ميزوري.

الفرضية الأساسية: لا يمكن تقديم المشورة بشكل صحيح من خلال استخدام منهجية انتقائية من الأساليب والإجراءات. بينما يمكن للجميع اكتساب الخبرات وتبني رؤى علم النفس، فإن جوهر القضية يكمن في الإجابة على السؤال التالي: “ما هي طبيعة الخلل الجوهري والعطب الذي أصاب طبيعة البشر، وكيف يمكن إصلاحهم؟ تصيغ الإجابة على هذا السؤال النظرة المفتاحية للطبيعة البشرية، وهو ما يحدد بشكل أساسي طبيعة المشورة المقدمة.

يجب أن تنبع الإجابة على هذا السؤال من علم اللاهوت الكتابي، حيث لا يمكن استنتاج النظرة المفتاحية الصحيحة للطبيعة البشرية من العلم. يتفهم نموذج علم النفس المسيحي أن علم النفس ليس علمًا تجريبيًا موضوعيًا، ولكنه نظرية مُحملة؛ إذ ينطلق من الافتراضات الفلسفية والدينية الأساسية حول الطبيعة البشرية، ويجتهد في تصنيف المشكلة الحقيقية للإنسان تحت أي بند آخر غير الخطية. لذلك، يصر علم النفس المسيحي على أن يكون للمُشيرين منظور كتابي قوي كأساس لخدمة المشورة. كما يجب الكتاب المقدس أن ينتقد ويحلل علم النفس بشكل منهجي على مستوى السرد النظري الشامل لإشكالية الطبيعة البشرية، وليس فقط بعض الممارسات النفسية المحددة.

على عكس نموذج المشورة الكتابية، فإن هذا النموذج يترك للمشير الحرية في مزج الرؤى النفسية مع تلك التي تقترب من الفهم المسيحي للخلق والسقوط والفداء. أكثر من أي نموذج آخر، ينظر نموذج علم النفس المسيحي إلى الماضي، إلى تعاليم آباء الكنيسة و “الأطباء النفسيين” التقليديين، بحثًا عن البصيرة.

الخلاصة: ينتقد علم النفس المسيحي بشكل قوي جدًا نظريات وأساليب علم النفس الحديث، مصحوبًا برغبة معينة في استخدام المصطلحات والتقنيات النفسية.

النقد الموجه لهذا النموذج: ينتقد نموذج المشورة الكتابية نموذج علم النفس المسيحي كونه يمنح الكثير من السُبطة للخبراء في تقديم المشورة. فلطالما شكلت المشورة الكتابية تمردًا ضد احترافية ونخبوية علم النفس. كما تؤكد المشورة الكتابية أن الرؤى والأساليب النفسية ملوثة ومشوهة بسبب الافتراضات المسبقة والنظريات الخاطئة الكامن خلفها منظور دنيوي؛ لذلك فهي تكره استخدام مصطلحات علم النفس الحديث. لكن بعض هذه الاختلافات قد تكون في الغالب مسائل تتعلق بالمزاج أو الحكم بدلاً من الاختلافات الرئيسية القائمة على المبدأ.

4. نموذج المشورة الكتابية

يتبنى هذا النموذج: الرابطة الوطنية للمشورة النوثيتية (National Association of Nouthetic Counselors)؛ والمؤسسة المسيحية للمشورة والتعليم (Christian Counseling and Educational Foundation).

الفرضية الأساسية: القناعة الأساسية للمنتميين لحركة المشورة الكتابية هي اعتبار علم النفس الحديث علم نظري غير تجريبي وشبه ديني، ينبع من رؤية للطبيعة البشرية لا تتلاءم مع الوحي الكتابي. لذلك، يجب استخدام الرؤى النفسية بحذر شديد. كما أشرنا قبلًا، ركز المنهج الأقدم الذي صاغه جاي آدمز بشكل كبير على التغيير السلوكي واعتماد أنماط الحياة الكتابية كمعيار. في المقابل أشار الجيل الجديد، بلطف، ولكن بحزم، إلى أن رؤية ومنهجية جاي آدمز كانت في الأساس، رؤية سلوكية للطبيعة البشرية تتجاهل القلب ودوافعه. لذلك، يتجنب المنهج الأحدث اعتبار السلوك هو القضية الأساسية (كما في السلوكية behaviourism) أو التفكير والمعرفة (كما هو الحال في العلاج المعرفي cognitive therapy) أو العواطف (كما هو الحال في علم النفس الديناميكي ونظرية العلاقة بالموضوع psychodynamic object relations) أو الإرادة (كما في علم النفس الإنساني الوجودي existential humanistic psychology)؛ بل يشدد على قضية العبادة والإيمان باعتبارها القضية الأساسية.

وفقًا لنموذج المشورة الكتابية، فإن مشكلتنا الأساسية كبشر هي أننا نعبد ونؤله الأشياء. إذا كانت هذه هي المشكلة، فلن تقدم أفعال الإرادة البسيطة والتفكير الصحيح (الذي يفضله المشيرون المنتمون للتيارات المحافظة) ولا علاقات الحب والاستكشاف العاطفي (الذي يفضله المشيرون الأكثر ليبرالية) سوى المعونة المصطنعة والمساعدة السطحية. يمزج جناح المؤسسة المسيحية للمشورة والتعليم لحركة المشورة الكتابية بعض الرؤى والمفاهيم من علم النفس، ولكن بحذر شديد.

الخلاصة: يوجه هذا النموذج أقسى درجات النقد لعلم النفس ويظهر أقل ميل لدمج مفاهيمه وأفكاره.

النقد الموجه لهذه الحركة: إن حركة المشورة الكتابية منقسمة إلى حد ما، كما هو مذكور أعلاه. على الرغم من أن النظرية تبدو جذابة للغاية، إلا أنها قد تناشد نمطًا معينًا من الشخصيات، وهي تلك التي تُفضل النصح عن المحبة والاستماع. بطبيعة الحال، يستحيل التحقق من صحة الانتقادات بشكل قاطع، ولكن ما يقال غالبًا عن المشيرين الذين يستخدمون هذا النموذج هو أنهم يميلون للمواجهة أكثر من التهدئة؛ وتحديد الأنماط السلوكية بدلاً من استكشاف الدوافع العميقة والخلفية العائلية بأنماطها؛ وغالبًا ما يستخدمون تقنيات العلاج السلوكي والمعرفي على أي حال.

من المحتمل أن تنطبق هذه الانتقادات على الفصائل المتزمتة في هذه الحركة أكثر من المشيرين الأكثر اعتدالًا. ومع ذلك، فإن الاتهام بأن المشيرين الكتابيين يميلون ببساطة إلى دعوة الناس للتوبة يجب أن يؤخذ على محمل الجد. خاصة عندما يتعلق الأمر بالممارسة الفعلية لا الصياغة النظرية. يبدو أن العديد من المشيرين في هذا التقليد غير راغبين في استكشاف العلاقة المعقدة بين علم وظائف الأعضاء الفسيولوچية والسلوك، أي أن الشخص الذي يعاني من خوف روحي حقيقي أو مشكلة غضب قد يكون لديه في نفس الوقت بنية فسيولوچية تؤدي إلى تفاقم المشكلة إلى حد كبير. كثير من المشيرين المنتميين لهذه الحركة، على الرغم من حديثهم الصادق عما يسمى بـ”أصنام القلب”، إلا أنهم يقللون من مدى طول وتعقيد عملية فصل القلب عن تلك الأصنام.

ملخص: نظرًا لأن نموذج المشورة الكتابية ونموذج التكامل يشتملان طيفًا واسعًا من الممارسات، فمن المفيد أن نضع النماذج المختلفة في الرسم الموضح أدناه، من أكثرهم انفتاحًا على علم النفس إلى أقلهم.

نظرة إلى الاختلافات بين النماذج الأربعة لدور المشورة في الخدمة الرعوية

فهم طبيعة الجدال

يتفق أنصار وجهات النظر الأربع التي يمثلها كل نموذج، على الأقل من الناحية النظرية، مع العبارة التالية: “يمنحنا الله معرفة بالمشاكل النفسية البشرية، ليس فقط من خلال الكشف الخاص في الكتاب المقدس، ولكن أيضًا من خلال الإعلان العام للملاحظة التجريبية.” لكن، وبينما تتبنى وجهات النظر الأربع هذا المبدأ من الناحية النظرية، إلا أنهم واقعيًا، يطبقونه بشكل مختلف جدًا. ففي أقصى طرفي الطيف حيث المشورة الكتابية، نادرًا ما يتبنى المشير وجهات نظر البحث النفسي. وفي الطرف الآخر من الطيف (مستويات نموذج التفسير)، يُنظر إلى الكتاب المقدس على أنه غير ذي صلة بمعظم المشاكل النفسية. يتفق الجميع نظريًا على أن البشر روح وجسد معًا. ولكن في أحد طرفي الطيف، نادرًا ما يُنظر إلى مشاكل المشورة على أن لها جذور طبية أو فيزيائية، بينما في الطرف الآخر، تكون التفسيرات الطبية والجسدية هي السائدة.

كيف نتعامل مع هذه الأطياف المتباينة؟ إلى أي مدى يُسمح لمن يعمل في مجال الخدمة الرعوية أن يقتبس أو يتعلم من نظريات علم النفس والمشورة الحديثة، إن كان هذا ممكنًا من الأساس؟ لا أحد ينكر أن العلاج النفسي العلماني يمتلك بشكل ما قدراً من الحكمة والحقيقة. لكن العلاقة الدقيقة بين المشورة المسيحية والعلاج النفسي العلماني محل نقاش كبير.

تكمن المشكلة الأساسية في ميل نظريات المشورة غير المسيحية إلى التركيز (الذي يصل لحد الاختزال أحيانًا) على جانب واحد أو مشكلة وحيدة في الطبيعة البشرية واعتبارها هي القضية الأساسية. لأنهم يفتقرون إلى النظرة المسيحية الشاملة للعالم، التي تتفهم كيف لوثت الخطيئة كل شيء، وكيف تستعيد عطية النعمة كل شيء، وبالتالي تحدث الازدواجية.

إذ تعتبر النظريات غير المسيحية بعض أجزاء الطبيعة البشرية سيئة أو ضعيفة في جوهرها، فيما تعتبر أجزاء أخرى صالحة وجيدة في جوهرها. فكما كان الفكر اليوناني قديمًا يعتقد أن الجسد شرير في ذاته بينما الروح صالحة؛ ينظر التنوير إلى العواطف على أنها الطبيعة الحيوانية الأدنى، بينما العقل وضبط النفس أمر صالح. لذا فإن كل النظريات النفسية غير المسيحية تختار جزءًا واحدًا من الإنسان وتجعله مفتاح كل شيء. فيما يلي عدد قليل من الرؤى النظرية والعلاجية الأكثر شيوعًا:

  • نظرية العلاج السلوكي المعرفي (CognitivieBehavioral)

مصدر المشاكل هو التفكير الخاطئ والسلوك غير الحكيم. المفتاح هو إعادة برمجة العقل من أجل التحكم في عواطفه

  • نظرية علاقات الشيء (Object-Relations Theory)

مصدر المشاكل هو التشكيل غير السوي للإنسان في السنوات الأولى، لإن الإنسان يتعلق بداخله، لا واعيًا، بشكل غير ملائم وغير كاف بالشخصيات أو الموضوعات الهامة في مرحلة الطفولة. المفتاح هو السيطرة على ماضي المرء والأشخاص الذين فشلوا في حب المرء بشكل ملائم. بتجاهله للإدراك المعرفي، يؤكد هذا النهج على الحب والعواطف الإيجابية والعلاقات كمفتاح لكل شفاء.

  • علم النفس الإنساني (Humanistic Psychology)

المشاكل هي نتيجة عدم تحمل الإنسان للمسؤولية الشخصية. ففي الوقت الذي يصنع العلاج السلوكي المعرفي من العقل صنمًا، وتصنع نظرية علاقات الشيء من المشاعر صنمًا، فإن علم النفس الإنساني أو الوجودي يصنع صنمًا من الإرادة. إذ ينصب التركيز على تحديد احتياجات ورغبات الفرد وتحمل المسؤولية الضرورية لتسديد تلك الاحتياجات.

هنا يحق لنا أن نتساءل: ماذا يعني هذا عمليًا للمؤمن المسيحي؟ كل من النظريات الثلاثة أعلاه، في ذاتها غير كافية كنظام، ومع ذلك فإن كل منها يحوي شيئًا من الحقيقية؛ فبحسب المنظور الكتابي، فجذور إشكاليات العقل والإرادة والعواطف كلها تكمن في قلب الإنسان وتحتاج جميعها إلى علاج. في الواقع، يحدث أحيانًا أن يركز علم النفس على جانب واحد من الطبيعة البشرية أكثر من باقي الجواب بحيث يمكنه تقديم رؤى مثيرة للاهتمام في هذا المجال.

على سبيل المثال، يقترح العلاج السلوكي المعرفي بعض الطرق لتحليل حوار المرء الذاتي مع نفسه self-talk، والتي من المفارقة أن تتشابه مع المشورة الرعوية البيوريتانية (Puritan Counseling). ومع ذلك، فإن العلاج السلوكي المعرفي كنظام هو في الحقيقة شكل من أشكال الفلسفة الرواقية (Stoicism). منطقها كالتالي: إذا كنت تتحكم في الأفكار، فإنك تتحكم في كل جزء آخر من الطبيعة البشرية. لذلك، تتجاهل بشكل أساسي الدوافع العميقة للقلب. إلا أنه وبرغم اعتباره نظامًا فاشلاً، فأدوات الإصغاء لحوار المرء الذاتي مع نفسه self-talk أثناء أوقات التوتر قد تكون مفيدة لمساعدة طالب المشورة على تعقب طريقة تفكيره التي نبعت من قلبه، والتي هي في الغالب أكذوبة غير كتابية للغاية.

سؤال آخر علينا أن نفكر فيه: “إذا كان المسيحيون قادرين على تحليل الافتراضات ووجهات النظر الأساسية لإشكاليات الجنس البشري وطبيعة المعضلة التي تتطلب علاجًا شاملًا. فهل يضمن ذلك الاستفادة بشكل مثمر من بعض رؤى ونظريات، بل وقل وتقنيات علم النفس؟”

وإجابتي نعم. لكن تجربتي علمتني أن الأمر ليس بالسهولة التي يصورها أنصار نموذج الاندماج، كما أنها ليست مستحيلة كما تنادي حركة المشورة الكتابية.

قضية مفتاحية في فهم طبيعة الجدل: العواطف أم السلوك

نرى في سياق الكنيسة، كيف تتوافر العديد من الكتب التي تشتمل على نطاق واسع من تنويعات وأطياف الخدمة الرعوية والمشورة. في جانب من الجوانب على سبيل المثال، توجد تلك الكتب التي تركز بشكل أكبر على المشاعر وعلى تقنيات علم النفس الحديث (نموذج الاندماج ومستويات التفسير). المشكلة الجذرية في وجهة نظرهم هي شكل من أشكال تدني تقدير الذات (low  self-esteem)، والإحساس بانعدام الأمن والفراغ العاطفي الذي ينتج من عدم القدرة على الشعور بالرضا أو الحب. الدور الرعوي الأساسي للمشير يكون إظهار المحبة والدعم والقبول، بالإضافة إلى الإشارة إلى محبة الله. ينصب التركيز على المشاعر، وتركز عملية المشورة على القضايا العاطفية.

على الجانب الآخر، هناك من يركز بشكل أكبر على التوبة والطاعة وبالتالي يعطون القليل من المصداقية لتقنيات علم النفس (نموذج المشورة الكتابية وعلم النفس المسيحي). المشكلة الجذرية للطبيعة البشرية في نظر هذين النموذجين هي شكل من أشكال الفشل في عيش الحياة التي أراداها الله للإنسان، مما ينتج عنه عدم الأمان، أو الفراغ، أو الخوف، أو الغضب. والدور الرعوي الأساسي للمشير هنا هو دعوة الإنسان إلى التوبة والإيمان والطاعة، لا سيما في الأوقات التي يفشل فيها. التركيز هو على أفعال الفرد، وجميع توصيات المشورة تركز على القضايا السلوكية.

مخاطر النماذج والتوجهات الأكثر انفتاحًا على علم النفس

فيما يلي سببان لاعتبارها طريقًا محفوفًا بالمخاطر.

القضية المعرفية: النظرية في مقابل الحس السليم. يعتقد ذوو التوجهات الأكثر انفتاحاً أن على المسيحيين قبول العديد من استنتاجات علم النفس. في المقابل، لا يتعامل ذوو التوجهات الأقل انفتاحًا على علم النفس (المشورة الكتابية / علم النفس المسيحي) بنفس الثقة مع هذه الاستنتاجات. ولأسباب متعلقة بنظرية المعرفة (epistemology)، ينظر هؤلاء بشيء من الريبة للاستنتاجات المبنية على نظريات مُحملة بافتراضات مسبقة وموجهة بالتزامات معينة. هذا موضوع جدلي كبير جدًا ولا يمكنني البدء في تناوله في هذه الدراسة المختصرة. لكن من نواحٍ عديدة، هذا هو الجدل القديم المتعلق بـ “الافتراضات المسبقة في مقابل الأدلة”، ليس في مجال “علم الدفاعيات” هذه المرة، وإنما “علم النفس”. بشكل أساسي، يمارس المنفتحون على علم النفس “واقعية الحس السليم” “common sense realism”، وهي مدرسة واقعية فسلفية من عصر التنوير الإسكتلندي، والذي نشأ في القرن الثامن عشر وكان مؤثرًا جدًا خلال القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.[5] يقترح أنصار نموذج مستويات التفسير ونموذج الاندماج أن الفطرة السليمة تجعل البشر قادرين على تحليل البيانات المعرفية وإدراك الأفكار العامة وتقييمها دون تحيز. مع ذلك، وبشكل عام، وأيضاً على أساس نظرية المعرفة epistemology قد تم رفض “واقعية الحس السليم” “common sense realism” من أغلبية المفكرين والفلاسفة المسيحيين وغير المسيحيين. لقد تحطمت أسطورة العالم الموضوعي الحيادي البحت. إن التشكك في النقاء العلمي لعلم النفس في ازدياد منذ فترة طويلة، وليس فقط بسبب الانتقادات المسيحية؛ فقد بدأه النسويون feminists والماركسيون، وآخرون غيرهم.

أظهر ألاسدير ماكنتاير استحالة وجود علم النفس العلمي المحايد تمامًا. ومن أشهر أمثلته التي كان يستخدمها هي أن يسأل: “هل هذه مطرقة جيدة أم لا؟” في الواقع، لا توجد طريقة للإجابة على هذا السؤال إلا إذا أجبت على سؤالٍ سابق، “ما الغرض من صنع هذه المطرقة؟”

فالشخص الذي ليست لديه فكرة عن الغرض من صناعة المطرقة، لا يستطيع تقييم صلاحها من عدمه دون معرفة السبب الذي صُممت من أجله -أي الغرض منها. ربما يمكنك معرفة العديد من الأشياء حول المطرقة، مثل مكوناتها الكيميائية ووزنها وطولها؛ لكن لا يمكنك تقييم ما إذا كان ذلك جيدًا أم سيئًا دون معرفة الغرض منها.

وبالنظر إلى المشورة المسيحية، لا توجد طريقة لتحديد ما يجب على الشخص فعله، سواء كان السلوك جيدًا أم سيئًا، إلا إذا عرفنا الغرض الذي خلق لأجله الإنسان. هل الغرض من الإنسان هو تمجيد الله؟ أو السعي وراء الحرية الفردية، أو الحياة من أجل رفعة وشرف أسرته؟ كل من هذه الأمثلة تفترض وجهة نظر متمايزة جدًا عن غيرها للعالم. لا يمكن للعلم أن يجيب على سؤال الغرض من خلق البشر. لذلك لا يمكن للمشورة بمفردها الإجابة عما يجب على الناس القيام به.

تأمل في هذا المثال: يفترض علم النفس العلماني عمومًا أن الناس يجب أن يكونوا أحرارًا في اختيار الحياة التي يريدون أن يعيشوها لأنفسهم، هذا يتبنى النظرة العلمانية للعالم وهي أننا لم نُخلق، ولكن تطورنا فقط؛ لذلك لا يوجد هدف خُلِقنا من أجله. نحن أحرار في تحديد هدفنا لأنفسنا. لكن هل يمكن لعلم النفس إثبات هذا من خلال العلم التجريبي؟ بالطبع لا؛ إنه افتراض إيمانيّ.

تفترض الثقافات التقليدية أن هدفنا في الحياة هو إكرام عائلاتنا والوفاء بأدوارنا داخل هيكل الأسرة؛ بينما تنادي المسيحية أن هدفنا في الحياة هو إكرام الله وتمجيده. والفليسوف ماكنتاير محق بقوله:

لا يوجد توجه علمي موضوعي لتقديم المشورة. ففي اللحظة التي تقول فيها: “طريقة التفكير هذه، أو الشعور هذا، أو حتى هذا التصرف أو ذلك الاختيار أفضل من ذاك”، فأنت تقول ذلك لطالب المشورة من منطلق منظورك للعالم وقناعاتك الإيمانية. إذن، فحتى أكثر مناهج المشورة غير الموجهة بقناعات إيمانية محددة هي في الواقع موجهة تمامًا لأنها مبنية على الاعتقاد الإنساني القديم بأن البشر لديهم طاقات داخلية كامنة لحل مشاكلهم الخاصة.

خذ مثلًا آخر. يقول ديفيد مايرز في أحد كتبه، إن البحث العلمي يُظهر أن هناك أساسًا بيولوچيًا للمثلية الجنسية.[6] وهذا من شأنه أن يؤدي إلى استنتاج أنه قد يكون مقبولًا للمؤمن المسيحي إذا كان أساس شعوره بالانجذاب تجاه نفس الجنس له أساس بيولوچي، أن يكون مثليًا. ولكن، وعلى نفس القياس، يمكن إثبات أن سلوك الإدمان له أساس بيولوچي أيضًا، مع ذلك، فإن علم النفس الحديث يصر أنه على المشيرين أن يقاموا الإدمان. ما سر الاختلاف بين الموقفين؟

قد يقول المشير العلماني على الأرجح أن السلوك الإدماني يضر بالناس، ولكن السلوك المثلي لا يؤذي. لكن مهلًا: هذا التعريف للضرر يُقصي الشخص الروحاني، فهو تعريف يفترض أننا لم نخلق لخدمة الله. إذن، يمكننا القول إن علم النفس الإنساني العلماني مليء بافتراضات حول هدف البشر لا يمكن إثباتها تجريبيًا؛ وبالتالي فهي نظرة علمانية قائمة على قناعات إيمانية تختلف عن معظم وجهات النظر الأخرى للعالم (المسيحية والكونفوشية والبوذية والثنوية اليونانية وغيرها الكثير). لماذا يجب أن تكون هذه النظرة وافتراضاتها حول الهدف الذي خلق لأجله البشر أفضل من غيرها؟ لا يزال الكثير من الناس يفضلون النظر إلى علم النفس باعتباره علمًا محايدًا بشكل موضوعي، لكننا نرى أن الأمر ليس كذلك.

القضية اللاهوتية: النفس مقابل الروح

أتحدث الآن عن نظرة للطبيعة البشرية، تسمى أحيانًا النظرة الثلاثية للإنسان، والتي تميز بين النفس والروح. تُعرَّف النفس بأنها عواطفنا ومزاجنا، بينما تُعرَّف الروح بأنها إيماننا والتزاماتنا. كان هذا الرأي شائعًا جدًا وسط بعض التيارات المسيحية في القرن العشرين، والذي أكد على الحياة الأعلى التي يمكن أن تكون ممكنة إذا “عاش المرء من منطلق روحه” بدلاً “من نفسه”. بُنيت كتب واتشمان ني مثل كتاب “الانطلاق الروحي” على هذا التمييز. وفقًا لهذا المنظور من الممكن أن تكون بصحة جيدة روحيًا، ولكن لديك العديد من المشاكل النفسية التي تتطلب علاجًا نفسيًا. الغذاء الروحي (دراسة الكتاب المقدس، والصلاة، والعبادة، والاعتراف) سيكون نظامًا منفصلاً عن العلاج النفسي (توفير نظرة ثاقبة للمشاعر والأحاسيس المتعبة والتحرر من قيود الماضي، وما إلى ذلك).

القضية الاجتماعية: الفرد مقابل الجماعة

عادة ما نفكر في الخدمة الرعوية على أنها لقاء روحي يجمع بين الراعي وفرد من أعضاء الكنيسة. ولكن، وبرغم أهمية الخدمة الفردية، إلا أنها لن تكون فعالة حقًا ما لم تكن حياة الكنيسة نفسها حياة صحيحة والخدمة الكنسية كذلك رعوية في تأثيرها على جماعة المؤمنين ككل، وتسمح بالاهتمام الفردي بكل عضو. يدرك العديد من الخدام عن حق أن السبب الرئيسي للمشاكل الشخصية -بصرف النظر عن المشاكل ذات الأصل الفسيولوچي -هو الخطية. ويميلون لتوخي الحذر عند التعامل مع مدارس المشورة، مثل علم النفس الديناميكي النفسي أو العلاج الأسري، حيث يتم إرجاع مشاكل الشخص إلى تجارب الطفولة والتي تزيح المسئولية عن طالب المشورة. لكننا نبالغ في رد فعلنا عندما نشير ضمنيًا أو بشكل واعٍ إلى أن الناس لن يتحسنوا إلا من خلال تفاعلاتهم الفردية مع القس أو من خلال أفعالهم الشخصية للتوبة. يعترف الكتاب المقدس بمسئولية الجماعة إلى حد ما. على سبيل المثال، في الإصحاح السابع من سفر يشوع عوقبت عائلة عخان بن كرمي بأكملها بسبب عصيانه الفردي.

نحن لسنا فقط نتاج اختياراتنا. ما يحدث لنا (في علاقاتنا) وما يحدث حولنا يتحمل قدرًا كبيرًا من المسئولية عن هويتنا. كانت خياراتنا المبكرة والأكثر أهمية هي استجابة لأفعال وجهت لنا وكانت صوب أعيننا من قبل أفراد عائلاتنا، وأقراننا الأوائل، وحتى الجيران. لذلك، لا تتطور عيوب الشخصية الشريرة (كشخصية عخان) بشكل مطلق من خلال الاختيارات الفردية المنفصلة. يجب أن تتحمل عائلة ومجتمع الشخص الشرير بعض المسئولية. ومن المثير للاهتمام، أن الجمهور الأمريكي قد فهم هذا بشكل فطري بعد مذبحة المدرسة في مدرسة كولومبين الثانوية في عام 1999. في مجتمعنا الأكثر فردانية، فلا يمكن لأحد أن يقاضي آباء القتلة بشكل قانوني بسبب الوفيات لأنهم لم يكونوا على علم مسبق بخطط أطفالهم. لكن يعتقد الكثير منا أنهم حقًا يتحملون بعض المسئولية. هذا يدل على إيمان عميق بمسئولية الجماعة حتى في مجتمعاتنا المبالغة في نزعتها الفردانية.

ومع ذلك، يُظهر الكتاب المقدس وعياً أكبر بكثير مما لدينا في المجتمع الغربي المعاصر. عهد الله مع العائلات (تثنية 6)، وإدانة الله للأمة التي تتجاهل فقيرها (إشعياء 58)، وحتى عقيدة التبرير بالإيمان تحمل مستوى من المسئولية الجماعية غير معترف به في النظرة الغربية المعاصرة للعالم.

ما هو معنى الخدمة الرعوية؟ يصر العديد من أنصار المشورة الكتابية على أن احتياج طالب المشورة قبل كل شيء إلى التوبة والإيمان. في كثير من الحالات قد يكون هذا هو كل المطلوب. لكن مثل هذا الإصرار قد يكون شكلاً من أشكال الفردانية الغربية.

أصبحنا ما نحن عليه ليس فقط من خلال الخطايا التي ارتكبناها، ولكن أيضًا من خلال الخطيئة التي ارتكبت ضدنا ومن حولنا. أي أن سلوك آبائنا كان بمثابة نموذج وقدوة قوي لنا، حتى عندما لا يتفاعلون معنا. فعلى أي أساس يمكننا أن نتحسن ببساطة من خلال الخطوات والاختيارات الفردية؟ أو لماذا نتحسن من خلال علاقة واحدة جيدة مع المشير؟ وخلاصة الأمر كله، إذا فشلنا في مجتمع ما، فلن نشفى إلا من خلال الانغماس في مجتمع يمثل ويعرض علاقات الحق والحب.

يمكن أن يكون علم النفس الديناميكي مزعجًا للغاية. وهو يتجلى في شكله الأكثر شيوعًا: “إن مشاكلك ناتجة عن تدني تقديرك لذاتك. ربما لأن والديك لم يقدما لك الحب الكافي، وعليك أن تدرك مكانتك وقيمتك.” ولكن بشكل جزئي، أليس هذا إقرارًا بأننا نتاج مجتمع سيء وأنه فقط في المجتمع الجيد يمكن أن نتعافى؟ فكما يجب أن نحذر من إعطاء انطباع غير متوازن يوحي أن التوبة الفردية عن الخطية هي كل ما يحتاجونه لحل مشاكلهم الشخصية، كذلك، فمن الضروري ألا نتطرف للنقيض غير الكتابي المتمثل في رفض الاعتراف بالمسئولية الشخصية عن السلوك الخاطئ. ما أود أن أقوله هنا، هو أن الخدمة الرعوية الفردية تتطلب بناء روحي صحي لكنيسة ناجحة في تقديم المشورة الشخصية للفرد.

إشكاليات التوجه المعادي لـعلم النفس”

على الرغم من كل المشاكل المرتبطة بالتركيز على علم النفس كما ذكرنا أعلاه، فإن أولئك الذين يعارضون استخدام علم النفس الحديث غالبًا ما يرتكبون أخطاء أخرى في مجال الخدمة الرعوية، والأخطاء هذه لها تداعيات خطيرة.

الخطأ الافتراضي

كما رأينا، ينادي علم النفس إن المشكلة الأساسية تكمن في المشاعر والعواطف (نقص الحب) والحل الرئيسي هو بناء تقدير واحترام الذات. كرد فعل على هذا، يركز المشيرون الكتابيون على الطاعة. وغالبًا ما يتحدثون كثيرًا عن التوبة، لكنهم عادةً ما يقصدون ضبط الإرادة ضد السلوك الخاطئ وتبني السلوك الصحيح. من الناحية العملية، ينادي هذا التوجه الرعوي بالقول إن المشكلة الأساسية تكمن في الإرادة (نقص الطاعة). ثم الحل الرئيسي هو الكف عن معصية الله والبدء في طاعته.

هذا التوجه ليس مركزه الإنجيل، وبالتالي فهو ضحل جدًا. في النهاية سيجد طالبو المشورة أن مشاكلهم لا تزول بمجرد ممارسة قوة الإرادة. يعرّف هذا النهج “النمو والغذاء الروحي” بشكل ضيق للغاية، مما قد يقود الشخص إلى استنتاج مفاده: “أنا بخير روحيًا؛ وبالتالي يجب أن تكون مشاعري هي السبب”. ولكن كما أوضح لنا أوغسطينوس وجوناثان إدواردز وآخرون، فإن الصحة الروحية تشمل الصحة العاطفية. فربما يمكنك القيام بالأشياء الصحيحة كلها لأسباب ودوافع خاطئة.

كما أشرت سابقًا، فإن العديد من المشيرين المسيحيين قد اعتادوا النظر إلى “الجسد” على أنه الجسد المادي الذي اعتاد ممارسة السلوك الخاطئ. لذلك ينصحون بالانضباط الذاتي، وإعادة تأهيل الجسد لأنماط السلوك الكتابي الصحيح. يمكن أن يؤدي ذلك إلى تجاهل تام لماضي طالب المشورة، بل وعواطفه أو مشاعره ودوافع قلبه. مثل هذا الفهم للجسد لا يجد الدعم الكافي من التفسير الكتابي.

أن تؤمن بالإنجيل شيء. وأن يتأثر به أعمق ما في كيانك وقلبك شيء آخر. قد يستغرق الأمر سنوات حتى يغمر الإنجيل طريقة تفكيرنا ويتحكم في دوافعنا. عندما يحدث ذلك أخيرًا، ينتج ثمار الروح: محبة، فرح، سلام، طول أناة، تعفف (راجع غلاطية 5: 16-26). إذا فهمنا أن ثمر الروح هو تعريف “الصحة الروحية”، فلن نحتاج إلى اختراع تصنيف جديد نسميه “الصحة النفسية.”

بالطبع، المفتاح النهائي لتغيير القلب هو التوبة، ولكن التوبة في المفهوم الكتابي ليست ببساطة إعادة ضبط للإرادة للتحكم في السلوك على مستوى سطحي. لكنها تغيير للقلب وتوبة عن عدم الإيمان، بل إنها الكُفر بفكرة أننا قادرون على خلاص أنفسنا التي تكمن وراء كل ما نقوم به. التوبة عن زمن عشناه لم يكن الفرح والشبع الحقيقي لنا في شخص الرب يسوع، وهو أمر لا يمكننا تبنيه بلمسة إصبع.

خطأ النزعة الفردانية 

كما هو مذكور تحت عنوان “القضية الاجتماعية” أعلاه، من الشائع تعريف جميع المشكلات على أنها قضايا تتمحور حول الفرد وتتطلب حلولًا تقتصر على التوبة الفردية والقرارات والإجراءات. لكننا لسنا نتاجًا لخياراتنا الفردية فقط، وبالتالي لا يمكن إصلاحنا ببساطة من خلال تعديل هذه الخيارات. قد يرفض المنظرون المناهضون لعلم النفس أهمية فهم تاريخ العائلة وديناميكيتاها، ولكن قد يكون هذا قصور في التفكير الغربي المعاصر. يُظهر الكتاب المقدس أن الله يتعامل مع الناس كعائلات، وليس كأفراد. لذلك غالبًا ما يكون فهم الخلفية العائلية أمرًا بالغ الأهمية لفهم أصنام القلب. علاوة على ذلك، فإن الصداقة والمجتمع هما وسيلة مهمة لروح الله يعمل فينا من خلالها. لا يمكننا إصلاح الآثار المترتبة على الاستخفاف بالوالد المُسيء لأولاده دون الدخول في علاقات صحية. يستخف الكثيرون بالأهمية الرعوية للصداقة والمجتمع حيث يتكوَّن الناس روحيًا ويدعمون ويُرعون بعضهم البعض.

خطأ اختزال الروحانية 

خطأ شائع آخر هو إهمال أهمية العوامل الجسمانية في علاقة الإنسان بالله والآخرين. في حين أننا لا نستطيع الوقوع في الاختزالية المتمثلة في الاعتقاد بأن جميع المشكلات قائمة على أساس كيميائي وتتطلب العلاج، لا يمكننا أيضًا أن نقع في الاختزال المقابل وهو الاعتقاد بأن جميع المشكلات هي مجرد مسألة افتقار إلى الضوابط الروحية. إن الفصام والاكتئاب ثنائي القطب ومجموعة من المشاكل النفسية الأخرى متجذرة في المشاكل الفسيولوجية التي تتطلب العلاج الطبي، وليس العلاج بالكلام البسيط.

المنهج “المتوازن” بعيد المنال

المشكلة الأساسية في جميع طرق المشورة المذكورة أعلاه هي الميل إلى تحديد موقع المشكلة الأساسية في جزء ما من جسم الإنسان. تظهر النماذج الأربعة مجموعة واسعة من نظريات المشورة؛ يعتبر البعض أن المشاعر هي “شخصيتك الحقيقية”، بينما يرى البعض الآخر أن الإرادة والعقل هما “حقيقتك” وأن المشاعر هامشية. ولكن هناك خطر جسيم في رفع أي جزء من الطبيعة البشرية إلى مكانة أعلى باعتباره أكثر أهمية من سائر الأجزاء. فكّر فيما يلي:

الخطية. . . تلتصق مثل كائن طفيلي [بكل ما هو صالح وخيِّر]. والخطر والخطأ دائمًا ما يأتي من التركيز في المشورة على أحد جوانب خليقة الله الصالحة واعتبارها أصل المشكلة ومصدر الشر، بدلاً من النظر إلى الخطية، ذلك الطفيلي الدخيل، على أنه أصل المشكلة. مثل هذا الخطأ يتصور ثنائية الخير والشر على أنها متجذرة في الخليقة نفسها. . . [على أنها] شيء ما في الخليقة الصالحة يتم تحديده على أنه [مصدر] الشر. على مدار التاريخ، تم تعريف هذا “الشيء” عدة تعريفات: مرة على أنه. . . الجسد والمشاعر (أفلاطون والكثير من الفلاسفة اليونانيين)، ومرة على أنها الثقافة المنفصلة عن الطبيعة (چان چاك روسو والرومانسية)، ثم تارة على أنها الشخصيات التي تمثل السلطة في المجتمع والأسرة (علم النفس الديناميكي)، وتارة أخرى كقوى اقتصادية (كارل ماركس)، ومرة أخيرة باعتبارها التكنولوجيا والإدارة (هايدجر والوجوديون) . . . على حد علمي، يمكنني أن أقول إن الكتاب المقدس فريد من نوعه في رفضه لجميع المحاولات التي استهدفت شيطنة جانب من جوانب الخليقة واعتبارها جذر المشكلة، أو اعتبار أن جانب آخر من الخليقة هو مفتاح الحل. جميع الأديان والفلسفات ووجهات النظر الأخرى للعالم تقع بطريقة أو بأخرى في فخ [عبادة الأصنام]أي الفشل في التمييز بين الخليقة والسقوط. وهذا الفخ خطر دائم على المسيحيين [أيضًا].[7]

تميل كل أيديولوجية إلى شكل من أشكال الصنمية، أي النظر إلى شيء ما باعتباره الحل. فما أسميته بالنهج “النفسي psychologistic” يصنع من المشاعر صنمًا، ولكن بالتأكيد يصنع النهج “الافتراضي أو الأخلاقي” من إرادة الإنسان وطاعته صنمًا. إذن، ما هو الطريق الصحيح الذي علينا أن نسلكه؟ من السهل جدًا في مقال مثل هذا صياغة نهج رائع يبدو متوازنًا تمامًا مقارنة بالبدائل المذكورة؛ لكن التطبيق العملي والممارسة الفعلية أمر آخر. التوجه الصحيح هو الاعتراف بأن المشكلة الأساسية تكمن في عبادة الأشياء الخاطئة. وبالتالي، الحل الرئيسي هو عبادة الله الحقيقي بكل كيانك.

أولاً، إذا كانت العبادة هي المفتاح، فإن علينا أن نتجنب تحديد جزء أو جانب واحد من الطبيعة البشرية باعتباره “الجانب الأهم”، لأننا يجب أن نعبد الله ونكرمه في كل جانب من جوانب حياتنا وبكل كياننا. إن إدراك أن الإنسان هو عابد، يتوافق مع “علم النفس الكتابي” لچوناثان إدواردز، والذي يحدد فيه قدرتان مترابطتان للغاية هما العقل والمشاعر. فبحسب إدواردز، فإن الإرادة والمشاعر هما إظهاران مختلفان للالتزام الرئيسي للقلب (أي العبادة). بالإضافة أننا دائمًا ما نفعل الأمور التي لدينا نحوها رغبة شديدة، ولن نفعل سوى ما تنحاز إليه أعمق مشاعرنا. لذا فإن رؤية العبادة كمفتاح لعلم النفس يعطينا فهمًا أكثر شمولية وتوحيدًا للإمكانيات والقدرات البشرية.

في أكثر صوره تبسيطاً يقول علم النفس ما يلي… الحياة لها علاقة بالله. نحن بالفطرة وبشكل كامل متعبدون، عشاق، خائفون، واثقون، مؤمنون، مطيعون، لاجئون، آملون، باحثون، راغبون في شيء أو آخر. قلب الإنسان والاستجابات المعقدة متعددة الجوانب -السلوك والمشاعر والإدراك والذاكرة والتوقع والتوجه الذي نتبناه وما إلى ذلك – كلها استجابات محكومة وموجهة. إما أننا قد أصغينا إلى الله كالإله الحقيقي، والمخلص، والرب، أو أننا أصغينا لمجموعة من الأكاذيب والشهوات، والأصنام، والأصوات، والأشخاص المُدعين. [8]

ثانيًا، إذا كانت العبادة هي المفتاح، فإن علينا أن نتجنب النظر إلى المشاعر على أنها إما هامشية أو مركزية، لأن التوبة الحقيقية ليست فقط توبة عن السلوك الخاطئ، ولكنها ارتداد عن عبادة وتبعية “أصنام القلب” التي تحل محل الله في حياتنا. معرفة الأصنام، أي الأشياء التي نعبدها حقًا، تصل بنا إلى جذور هويتنا وإلى علم النفس الخالص والواقعي. يستلزم اكتشاف الأصنام فهم ماضينا وتاريخ العائلة، والنظر في معتقداتنا، وإدراك ووعي طبيعة عواطفنا. هذا الاستكشاف يجتذبنا إلى ما تحت القشرة الخارجية على السطح، ويدخل بنا إلى أعمق مما يمكن أن يفعله النهج الأخلاقي (بتركيزه على السلوك).

ثالثًا، إذا كانت العبادة هي المفتاح، فإننا نتجنب خطأ الفردانية وندرك حدود المشورة الفردية. في النهاية نحن مدعوون لأن نكون جزءًا من جماعة متعبدة، مجموعة من الناس الذين يتشكلون ويتحدون مع بعضهم البعض في عبادة جماعية بانتظام وتحت ترتيب.

باختصار، يركز النهج النفسي على الحب للشفاء من تدني تقدير الذات. ويركز النهج الأخلاقي على الطاعة للشفاء من الذنب ومتاعب كسر الناموس. ويركز نهج الإنجيل على التوبة عن الثقة الزائفة للشفاء من الافتقار إلى عبادة الله المشبعة في شخص المسيح. في حين أن هذا يبدو رائعًا نظريًا، فإن تجربتي علمتني أنه حتى عندما نلتزم بعلم اللاهوت ونهج الإنجيل، فإن رعايتنا ومشورتنا الرعوية تميل إلى الانحراف إما في اتجاه المنهج الأخلاقي (حث الناس على “فعل الشيء الصحيح”) أو النفسي (محاولة تقوية الناس من خلال محبتهم). يميل المشيرون المسيحيون، مثل الرعاة والقسوس، إلى نهج أو آخر. فعادة ما نكون إما متساهلين للغاية أو متزمتين للغاية مع الناس. وأخيرا يتطلب الأمر قدرًا كبيرًا من التفكير اللاهوتي والنضج الروحي والخبرة للحفاظ على نهج متوازن للخدمة الرعوية.


[1] الفردانية Individualism هي منظور فلسفي اجتماعي يؤكد على القيمة المعنوية للفرد ورفض سيطرة الجماعة أو الدولة (المترجم).

[2] عُرف منهج المشورة الكتابيّة أولًا باسم المشورة النوثيتية (Nouthetic Counseling)، وتأتي كلمة (Nouthetic) من الفعل اليوناني νουθετέω، بمعنى ينذر أو يحذر (أعمال ٣١:٢٠؛ رومية ١٤:١٥؛ ١ كو١٤:٤؛ كولوسي ٢٨:١؛ ٢تس-١٥:٣)، والمشورة الكتابية Biblical Counseling هي المشورة الرعوية الإنجيلية القائمة على التفسير الإنجيلي المحافظ للكتاب المقدس (المترجم).

[3] فيما يلي ملخص لكتاب أربع نظريات عن علم النفس والمسيحيّة مع بعض الملاحظات خاصة بالمؤلف.

Psychology and Christianity: Four Views, eds. E. L. Johnson and S. L. Jones (Downers Grove, IL: InterVarsity Press, 2000).

[4] Alasdair MacIntyre, After Virtue: A Study in Moral Theory (Notre Dame, Ind.: University of Notre Dame Press, 1984).

[5] See David G. Myers’s response to David Powlison on page 228 of Psychology and Christianity: Four Views, where he actually insists, “But some research findings do jolt our common sense.”

[6] David G. Myers, Exploring Psychology (New York: Macmillan, 2004), 368.

[7] Albert M. Wolters, Creation Regained: Biblical Basis for Reformational Worldview (Grand Rapids, Mich.: Eerdmans, 2005).

[8] David Powlison, “A Biblical Counseling View,” Psychology and Christianity: Four Views, 219–220.

شارك مع أصدقائك

تيموثي كَلِر

راعي كنيسة الفادي المشيخيّة في مدينة منهاتن، ومؤسس هيئة ائتلاف الإنجيل، وحاصل على درجة الدكتوراة من كلية وستمنستر للاهوت.