ظهرت في الأيام القليلة الماضية تفسيرات مسيحية اتسمت بالغرابة، أطلقتها بعض التيارات دون وعيٍ كافٍ، في محاولة منها لتفسير نبوة النبي إرميا (إرميا 49: 34-39) المتعلقة بعيلام(التي تمثل اليوم جزءاً من بلاد إيران)؛ وذلك في سياق التوترات العسكرية التي اندلعت في مطلع مارس سنة 2026م. تقول نبوة النبي إرميا:
كلِمَةُ الرَّبِّ الّتي صارَتْ إلَى إرميا النَّبيِّ علَى عيلامَ، في ابتِداءِ مُلكِ صِدقيّا مَلِكِ يَهوذا قائلَةً: “هكذا قالَ رَبُّ الجُنودِ: هأنَذا أُحَطِّمُ قَوْسَ عيلامَ أوَّلَ قوَّتِهِمْ. وأجلِبُ علَى عيلامَ أربَعَ رياحٍ مِنْ أربَعَةِ أطرافِ السماءِ، وأُذريهِمْ لكُلِّ هذِهِ الرّياحِ ولا تكونُ أُمَّةٌ إلّا ويأتي إليها مَنفيّو عيلامَ. وأجعَلُ العيلاميّينَ يَرتَعِبونَ أمامَ أعدائهِمْ وأمامَ طالِبي نُفوسِهِمْ، وأجلِبُ علَيهِمْ شَرًّا، حُموَّ غَضَبي، يقولُ الرَّبُّ. وأُرسِلُ وراءَهُمُ السَّيفَ حتَّى أُفنيَهُمْ. وأضَعُ كُرسيّي في عيلامَ، وأُبيدُ مِنْ هناكَ المَلِكَ والرّؤَساءَ، يقولُ الرَّبُّ. ويكونُ في آخِرِ الأيّامِ أنّي أرُدُّ سبيَ عيلامَ، يقولُ الرَّبُّ” (إرميا ٣٤:٤٩-٣٩).
آخر الأيّام في العهد القديم
يظهر في النبوة، وفي العدد 39 تحديداً، مصطلح آخر الأيام. وفي الكتاب المقدس، يشير هذا التعبير على وجه التحديد إلى حقبة أخروية تبدأ عموماً بدينونة الله وتنتهي باستعلان خلاصه وفدائه لشعبه. تبدأ هذه الفترة بسبي شعب الله وتنتهي برجوعه إلى الرب وإلى أرضه؛ أي بالعودة من بابل إلى أورشليم، وهو الأمر الذي يتحقق —بحسب النبوات— ضمن نطاق أوسع يمتد من الرجوع الفعلي من بابل سنة 538 قبل الميلاد، مروراً بالمجيء الأول للمسيح، وصولاً إلى مجيئه الثاني واستعلان ملكوته في السماوات الجديدة والأرض الجديدة. وبناءً على ذلك، فنحن نعيش بالفعل في آخر الأيام؛ إذ يشير هذا التعبير إلى فترة قد بدأت وما زالت مستمرة إلى يومنا هذا، وسوف تبلغ ذروتها واكتمالها بالمجيء الثاني لربنا يسوع المسيح.
وفي العهد القديم، ورد مصطلح آخر الأيام أو الأيام الأخيرة لأول مرة على لسان النبي موسى في قوله النبوي:
ويُبَدِّدُكُمُ الرَّبُّ في الشُّعوبِ، فتبقَوْنَ عَدَدًا قَليلًا بَينَ الأُمَمِ الّتي يَسوقُكُمُ الرَّبُّ إليها. وتَصنَعونَ هناكَ آلِهَةً صَنعَةَ أيدي النّاسِ مِنْ خَشَبٍ وحَجَرٍ مِمّا لا يُبصِرُ ولا يَسمَعُ ولا يأكُلُ ولا يَشُمُّ. ثُمَّ إنْ طَلَبتَ مِنْ هناكَ الرَّبَّ إلهَكَ تجِدهُ إذا التَمَستَهُ بكُلِّ قَلبِكَ وبكُلِّ نَفسِكَ. عندما [أي ومتى] ضُيِّقَ علَيكَ وأصابَتكَ كُلُّ هذِهِ الأُمور في آخِرِ الأيّامِ، ترجِعُ إلَى الرَّبِّ إلهِكَ وتَسمَعُ لقَوْلِهِ، لأنَّ الرَّبَّ إلهَكَ إلهٌ رحيمٌ، لا يترُكُكَ ولا يُهلِكُكَ ولا يَنسَى عَهدَ آبائكَ الّذي أقسَمَ لهُمْ علَيهِ” (التثنية ٢٧:٤-٣١؛ مع التثنية ٢٩:٣١ النص الذي يركز على السبي فقط).
لاحظ كيف يتنبأ النبي موسى عن دينونة التبديد وسبي شعب الرب، ثم عن رجوعهم واستردادهم وخلاصهم. ولكن، لماذا يسترد الرب شعبه؟ يستردُّهم ليفي بعهده الذي أقسم أن يتممه للآباء بدءاً من إبراهيم؛ إذ وعده الله بأرض كنعان ميراثاً أبدياً له ولنسله من بعده —والمقصود بنسله هنا كل من له إيمان إبراهيم— كما وعده الله أيضاً بكثرة نسله، وأخيراً بميلاد نسلٍ يكون سبب بركة، ليس لشعب الرب القديم فحسب، بل لكل أمم الأرض أيضاً (التكوين١:١٢-٣؛ مع ١٨:١٨؛ ١٨:٢٢).
فقد أرسل اللهُ الآبُ المسيحَ ابنَ الله، مولوداً بالجسد من نسل إبراهيم، ومن السلالة الملكية لداود الملك (متى 1: 1، 17)، ليكون بعمله الكفاري بركةً لجميع أمم الأرض، لا لشعب إسرائيل فحسب. وبحسب هذه النصوص الموسوية والنبويّة المشار إليها (تثنية 4؛ وتثنية 31)؛ فإنه بسبب خطايا الشعب ورفضه لله وتركه للرب، وتعدّيه على وصاياه، يقع شعب الله تحت حكم القضاء الإلهي بالسبي. وبعد ذلك، في الأيام الأخيرة يردّ الله سبي شعبه، وقد بدأ هذا الاسترداد فعلياً برجوع شعب الرب من بابل سنة 538 ق.م كما أشرنا سابقاً. إلا أن هذا الرجوع لم يكن استرداداً كاملاً؛ نظراً لغياب ملكٍ من نسل إبراهيم، أي ملكٍ من السلالة الملكية لداود، من سبط يهوذا (بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم).
وبحسب سائر النبوات الكتابية، بدأ الاسترداد يتحقق بصورة متزايدة وأشمل بميلاد المسيح الملك (إشعياء 40؛ 61؛ لوقا 4: 14-21)، ومن خلال عمله الكفاري الذي يشمل: تجسده، وطاعته للآب، وموته الكفاري عن الخطية، ودفنه، وقيامته، وصعوده، واستعلان سيادته ليس على أرض كنعان فحسب، بل على السماوات والأرض قاطبة (متى 28: 18)، وجلوسه عن يمين العظمة، وصولاً إلى ظهوره ثانيةً في مجيئه الثاني لاستعلان ملكوته في السماوات الجديدة والأرض الجديدة [أورشليم السمائية].
تمثل هذه الأعمالُ مجتمعةً جوهرَ عمل المسيح الكفاري؛ وبناءً عليه، أضحى غفران الخطايا متاحاً بالإيمان بشخص المسيح وعمله الفدائي. فالخطية هي العلة الحقيقية وراء سبي الشعب، واغتراب الإنسان عن الله، وحرمانه من الشركة معه في أرضه (أرض الله). ومن خلال هذا العمل، يتحرر الإنسان —سواء كان يهودياً أو أممياً— من قبضة الشيطان بوصفه رئيس سلطان الموت، لينعم بالحياة الأبدية في المسيح. بهذا العمل، يردُّ الله سبي الإنسان (من أي أمة أو شعب في أي بقاع الأرض)، بشرط الإيمان بأن المسيح هو نسل المرأة (تكوين 3: 15؛ قارن مع غلاطية 4: 4-6)، ونسل البركة الموعود به لإبراهيم، وأنه ابن الله المخلص، والرب لمجد الله الآب، والملك لملكوته الأبدي.
آخر الأيام في العهد الجديد
وفي العهد الجديد، تتوفر مترادفات عديدة لتعبير آخر الأيام، منها: ملء الزمان، أو اقتراب الزمان، والأيام الأخيرة، وأواخر الدهور. ومن النصوص الكتابية التي تجسد هذه المترادفات ما ورد في (مرقس 1: 15؛ وقارن مع دانيال 2: 34-45)؛ حيث نقرأ عن حجرٍ قُطع بغير يدين في الأيام الأخيرة، سحق تمثال نبوخذ نصر الذي رمزت مكوناته إلى أعتى الممالك التي استعبدت شعب الله عبر التاريخ: بابل، وفارس، واليونان، والرومان. ثم صار هذا الحجر جبلاً كبيراً ملأ الأرض كلها، مشيراً إلى مملكةٍ لا يخضع ملكها لأي شعب آخر. (راجع أيضاً: لوقا 21: 8؛ أعمال الرسل 2: 17؛ 1تيموثاوس 4: 1؛ 2تيموثاوس 3: 1؛ عبرانيين 1: 2؛ يعقوب 5: 3؛ 1كورنثوس 10: 11؛ و2بطرس 3: 3). وهنا أترك للقارئ فرصة مراجعة هذه الشواهد، مكتفياً بالإشارة إلى ما صرح به كاتب الرسالة إلى العبرانيين:
ٱللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ ٱلْآبَاءَ بِٱلْأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ ٱلْأَيَّامِ ٱلْأَخِيرَةِ فِي ٱبْنِهِ، ٱلَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، ٱلَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ ٱلْعَالَمِينَ (العبرانيين ١:١-٢).
وفي الواقع، يؤكد كاتب الرسالة إلى العبرانيين أن الله كلمنا في ابنه يسوع المسيح في “الأيام الأخيرة”. كما يقرر الكاتب في موضع آخر، أن إبطال المسيح للخطية بذبيحة نفسه هو فعلٌ قد تم بظهور المسيح عند “انقضاء الدهور” (عبرانيين 9: 26)؛ فعبارة انقضاء الدهور ليست إلا تعبيراً مرادفاً لـ”الأيام الأخيرة”.
أما المقصود بـ “الخطية” التي أبطلها المسيح بذبيحة نفسه، فهي ذبيحة الخطية الحيوانية؛ أي تلك الذبيحة التي كان يقدمها العابد قديماً بموجب شريعة موسى على مذبح المحرقة في الهيكل تكفيراً عن خطاياه. ففي سياقات نصية عديدة، يَرِدُ تعبير ذبيحة الخطية في الأصل العبري بلفظة واحدة هي الخطية (انظر على سبيل المثال: لاويين 4: 3؛ 6: 25). وبتعبيرٍ آخر: لقد مات المسيح بوصفه ذبيحة خطية كاملة وكافية للتكفير عن خطايا البشرية جمعاء؛ ومن ثمَّ، لم يعد هناك حاجة لتقديم ذبائح حيوانية على غرار طقوس العهد القديم.
نبوّة إرميا 49 عن عيلام
كيف لنا أن نفهم نبوة النبي إرميا (إرميا 49: 34-39) عن “عيلام”، التي يربطها البعض بإيران المعاصرة في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية التي اندلعت في مطلع مارس 2026م؟
إن سلّمنا جدلاً بأن عيلام الواردة في السفر هي إيران، أو جزء منها (ربما جنوبها الغربي)، فإنه في ضوء فهمنا لمصطلح آخر الأيام يمكننا القول بكل ثقة: إن الجزء الأول من النبوة المتعلق بالدينونة قد تحقق تاريخياً بالتزامن مع سبي الله لشعبه، وأغلب الظن أن ذلك تم على يد نبوخذ نصر ملك بابل. لقد وقع هذا التحقق فعلياً مع انهيار الإمبراطورية الأشورية في الفترة ما بين (626-605 ق.م)، وتصاعد نفوذ الإمبراطورية البابلية بقيادة نبوخذ نصر، وصولاً إلى سقوط بابل نفسها سنة 539-538 ق.م.
فقد استخدم الله نبوخذ نصر أداةً لتنفيذ دينونته على شعبه بسبب خطاياهم، وعلى سائر الشعوب المحيطة بهم بسبب آثامهم أيضاً. وفي الأدب النبوي الخاص بسفر إرميا، يصور النبي الملك نبوخذ نصر في تنفيذه لتلك الدينونة الإلهية بعدة تشبيهات بليغة:
- بقِدرٍ منفوخة تميل من جهة الشمال (إرميا ١٣:١)
- بأسَدٍ صاعد من غابته لإهلاك الأمم (إرميا ٧:٤)
- بمياه جارفة تكتسح كل ما يقف في طريقها (إرميا ٢:٤٧)
- بسيفٍ في يد الرب، لا يهدأ ولا يستريح، بل يعمل وفقاً لمشيئة الرب في تأديب الشعوب (إرميا ٢٩:٢٥؛ مع ٦:٤٧-٧)
- بكأس خمر الغضب التي امتلأت بالدينونة الإلهية لتشرب منها جميع الشعوب، بما فيها أورشليم وعيلام (اقرأ إرميا ١٥:٢٥-٢٩).
ففي سياق دينونة الرب لشعبه، تمتد هذه الدينونة لتشمل الأمم المحيطة كلها (إرميا 46-51).
خلاص عيلام
أما الجزء الثاني من نبوة إرميا، الذي يتحدث عن خلاص عيلام وردّ سبيها في (إرميا 49: 39)، فهو بحسب النص حدثٌ يقع في آخر الأيام أو الأيام الأخيرة؛ تلك الحقبة التي بدأت فعلياً بالرجوع من السبي البابلي، ثم اتسعت وترسخت بالمجيء الأول لربنا يسوع المسيح، وهي مستمرة في امتدادها حتى مجيئه الثاني.
أي أن الجزء الثاني من النبوة يتحقق مع ردّ الرب لسبي شعبه طيلة العصر المسياوي؛ فعندما يبارك الله شعبه، تفيض هذه البركة لتشمل سائر الأمم. وبتعبيرٍ أدق، تقتصر النبوة في جزئها الثاني —سواء في الماضي أو الحاضر— على خلاص عيلام لا دينونتها، وذلك بعد رجوع شعب الله من سبيه؛ فهي تنطبق على كل مَن ارتبط من عيلام بالرب يهوه (إله إسرائيل) في فترة ما بين العهدين. كما تشير النبوة أيضاً إلى خلاص عيلام في زمن المسيح، الذي أوصى رسله بالكرازة بالإنجيل للخليقة كلها وتلمذة جميع الأمم (انظر أعمال الرسل ٩:٢؛ ١٧:٢؛ ٣٧:٢-٤١). وتمتد هذه النبوة لتشمل اليوم خلاص كل من يؤمن بالمسيح وبعمله الكفاري من عيلام (إيران المعاصرة).
في ضوء ما سبق، يتضح أن أمريكا وإسرائيل ليستا نبوخذ نصر في سياق تنفيذ دينونة الله على عيلام، تلك الدينونة التي سبقت سبي شعب الله بحسب نبوة إرميا. كما أن أمريكا وإسرائيل ليستا الرياح الأربع التي يبعثها الرب على عيلام (إرميا 49: 36)؛ ففي هذا النص، يشير مصطلح الرياح الأربع إلى الجهات الأصلية الأربع التي يملأها الله بروحه، إذ إن روح الله كليُّ الوجود (انظر حزقيال ٩:٣٧).
علاوة على ذلك، فإن شعب إسرائيل اليوم ليس هو شعب الله التائب العائد من السبي والراجع إلى الرب بالإيمان بيسوع المسيح؛ ذلك لأن عدم إيمان بني إسرائيل بالمسيح —بوصفه ابن الله بالطبيعة والجوهر (نور من نور، وإله حق من إله حق، مساوٍ للآب في الجوهر والمشيئة والعمل)، وبوصفه أيضاً ابن إبراهيم وداود بحسب الجسد— يجردهم من انتسابهم الروحي لإبراهيم. وبذلك، يصيرون نظير إسماعيل المولود من هاجر بحسب الجسد، الذي لا ميراث له في المواعيد التي وهبها الله لأبينا إبراهيم (غلاطية ٢١:٤-٣١).
متى آمن الإنسان —كائناً ما كانت خلفيته— بربنا يسوع المسيح، فإنه يكفُّ عن الاقتتال والحرب، ولا يعود يصارع من أجل الأرض؛ لأن المسيح هو المخلص والسيد والملك الفعلي للأرض قاطبة، بل لملكوت الله كله في السماوات والأرض (متى 28: 18). هو الآن محتجبٌ عنا في السحب، لكنه حاضرٌ بيننا بشخصه وبالروح وسط شعبه، وما يفعله اليوم هو مواصلة جمع رعايا ملكوته، أي شعب الله وكنيسة الله الحي التي اقتناها بدمه من أطراف الأرض كافة بواسطة الكارزين ببشارة الإنجيل (أعمال 20: 28). وبعد اكتمال حقبة الأيام الأخيرة، سيأتي ويظهر بمجدٍ عظيم؛ وبظهوره المحيي من السماوات جسدياً، سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده (فيلبي 3: 21). كما سيطهر بالنار السماوات والأرض الكائنتين الآن من دنس الأشرار؛ إذ يؤكد الرسول بطرس أنه كما طهر الله قديماً الأرض بماء الطوفان في أيام نوح، فإنه سيطهر السماوات والأرض الحالية بالنار (2بطرس 3: 3-13). وهكذا، يسود الله بواسطة ابنه وبقوة الروح القدس على الكل في سماوات جديدة وأرض جديدة، يصفهما الكتاب بـ “أورشليم الجديدة” (الرؤيا ١:٢١-٢).

