أسئلة شائكة حول فكر أوغسطينوس: الجزء الثاني

في مقال سابق حاولنا الإجابة عمّا إذا كان أوغسطينوس قد أنكر حرية الإرادة، وقلنا إنه لم ينكرها وإنما قال بأن هناك عنصرًا يتحكم فيها ويؤثر عليها، ألا وهو ذلك القلب الحجري النجيس الذي لنا بسبب السقوط. في هذا المقال سنحاول الإجابة على سؤالين هامين، وهما: هل استقى أوغسطينوس هذا التعليم من الديانة المانويّة (نسبة إلى ماني الفارسي)؟ والسؤال الثاني لماذا يبدو أوغسطينوس كما لو أنه يُغرّد خارج سرب بعض آباء الكنيسة الكبار؟

هل تأثر بالمانوية؟

إن بعض رافضي تعاليم أوغسطينوس عن النعمة وحريّة الإرادة، يتهمونه بأنه صاغ تعاليمه متأثرًا بالمانوية التي اعتنقها لقرابة تسع سنوات قبل إيمانه وتحوله إلى المسيحيّة. ولكن هذا اتهام لا سند له من الصحة، وينم إما على تحيّز بغرض التشويه، أو عن عدم دراية بما كتبه أوغسطينوس. فبعد تحوّله، كتب أوغسطينوس عدة أعمال يدحض فيها المانويّة ويدافع عن حريّة الإرادة.[1]

على سبيل المثال، أظهر أوغسطينوس من خلال كتاباته أن الشر متجذّرًا في إرادة الإنسان، وليس في المادة أو الجسد كما أدعّت المانويّة. كما أنه دافع عن صلاح الله، والعالم الذي خلقه، وبأن الإنسان لم يفقد صورة الله بعد السقوط أو يتوقف عن كونه مخلوقًا صالحًا.[2] ويؤكد بيليكان أن أوغسطينوس ميّز تمامُا منظوره عن الشر عن ذاك الذي للمانويّة من خلال دمجه لعقيدتين معًا تعاملت معها المانويّة (وكذلك البلاچيّة) على أنهما متناقضتان؛ وهي، بحسب تعبير أوغسطينوس: “لقد خُلق الإنسان صالحًا، ولكن انتشر فيه الفساد. يشهد الخير الذي يعمله عن خالقَا عظيمًا، ويحتاج لشروره فاديًا رحيمًا.”[3]

إن أي تشابه بين تعاليم أوغسطينوس والمانويّة عن الخلاص، إنما هو أشبه بالتشابه بين الثالوث الهندي أو الفرعوني والثالوث في المفهوم المسيحيّ، أو التشابه بين النسك الرهباني والفلسفة الغنوسية؛ مجرّد تشابه شكلي يسقط بالبحث والتقصي.

هل غرّد أوغسطينوس خارج سِرب الآباء من قبله؟

حين يقرأ البعض ما كتبه أوغسطينوس ويقارنها بكتابات الآباء الذين سبقوه يقفزون إلى اعتبار ما قاله تحريفًا وخروجًا عن تعاليم الآباء السابقين عليه. ولتصحيح وجهة النظر هذه علينا أن نتذكّر أولًا أن أوغسطينوس لم يكن هو الوحيد الذي واجه بلاجيوس وهرطقته أو نادى بالنعمة وحدها كوسيلة للخلاص.

ففي ذات العام الذي كتب فيه أوغسطينوس كتابه الثاني ضد البلاجيّة، نشر جيروم ثلاثة كتب متتاليّة ضد البلاجيّة ومفهوم الإرادة الحرّة لدى بلاجيوس! كما أدانت مجامع كنسيّة عديدة تعاليم بلاجيوس، مثل مجمع قرطاج، وأورانچ الثاني، ومجمعًا محليّا في أورشليم على يد باولوس أوروسيوس، وكذلك مجمع أفسس المسكوني.[4]

وإذا ذهبنا إلى القرن السادس عشر، فهناك المصلحون الإنجيليون يستخدمون كتابات غير أوغسطينيّة وغير غربيّة، مثل المقال العشرون لباسيليوس الكبير، أحد آباء كبادوكيا، “عن الاتضاع؛”[5] للتأكيد على أن ما نادوا به عن الخلاص بالنعمة ليس بدعة جديدة، ولا لاهوت أعرج يستند على أوغسطينوس وحده![6]

كما أن الاعتقاد بأن أوغسطينوس قد خرج عن مسار الآباء لتناوله مواضيع وقضايا لم تكن مطروحة قبلًا، لهو أمر يحتاج المزيد من التريث قبل القفز إلى هذه النتيجة. فبالنظر إلى تاريخ الفكر المسيحي ما قبل أوغسطينوس، سنجد أنه يمكننا تقسيمه إلى ثلاث حقب كبرى.

بدأت بحقبة كتابات الآباء الرسوليين والمدافعين الأوائل، والتي كانت كتاباتهم تميل لأن تكون رعويّة أو دفاعيّة ضد الغنوسية أو لتصحيح الأكاذيب ضد الديانة الجديدة الناشئة. ثم جاءت حقبتان متتاليتان اتسمت بالنزاع حول الثالوث ولاهوت كل من الابن والروح القدس، ووصولًا للنزاع الكريستولوجي حول الإنسانية الكاملة واللاهوت الكامل للمسيح.

وبينما قاد الشرق المسيحي الكثير من الحوارات اللاهوتيّة حول طبيعة الله (النزاع الثالوثي-الكريستولوجي) وعلاقة ذلك بالخلاص في القرنين الثالث والرابع، بدأ بحث جديد في الغرب، في القرن الخامس حول طبيعة الإنسان (الأنثروبولوجيا) وعلاقة ذلك بالخلاص. تمثل ذلك في النقاشات التي دارت بين أوغسطينوس، وبلاچيوس ويوحنا كسيان حول السقوط والخطيّة الأصلية، والنعمة والإرادة الحرّة.

فاختلاف أوغسطينوس عمّن قبله إنما يعود لاختلاف السياق وتغيير الدفة من التفكير في طبيعة الله إلى التفكير في طبيعة الإنسان وسقوطه وعلاقة كل هذا بالنعمة وسيادة الله والخلاص؛ تمامًا كما تغيّرت الدفة قبلًا من الكتابات الرعويّة والدفاعيّة إلى البحث في النزاع الثالوثي-الكريستولوجي.

وكما أنه لا يمكننا القول بأن الآباء الرسوليين والمدافعين الأوائل لم يذكروا شيئًا حول الثالوث والكريستولوجي، إنما تم بلورة هذا الفكر في القرنين الثالث والرابع عبر كتابات آباء تلك الحقبة والمجامع الكبرى؛ كذلك يجب ألا نعتقد أن أوغسطينوس كان نغمة نشاز في سيمفونيّة الآباء! ولكن السؤال الذي يجب البحث فيه بأكثر جديّة هو هل ما قاله أوغسطينوس حول الخلاص يوافق أم يخالف تعاليم الكتاب المقدس، وما إذا كان أوغسطينوس قد علّم بالشيء ونقيده كما يحاول مخالفوه الإدعاء؟ ولكن لهذا حديث لاحق.


[1] John P. Maher, “ST. AUGUSTINE’S DEFENSE OF THE HEXAEMERON AGAINST THE MANICHEANS.” The Catholic Biblical Quarterly 6, no. 3 (1944): 293-6. Accessed April 4, 2021. http://www.jstor.org/stable/43723085.

[2] Green, Augustine, 236-237; Augustine, On the Predestination of the Saints, 1346; Green, Augustine, 257; Wilkes, The First Thousand Years, 186.

[3] Pelikan, The Emergence of the Catholic Tradition, 300–301.

[4] Dominic Keech, The Anti-Pelagian Christology of Augustine of Hippo (Oxford: Oxford University Press, 2012), 40.

[5] Basil of Caesarea, “On Humility,” In The Fathers of the Church: St. Basil Ascetical Works, Trans. Monica Wagner (Washington D.C.: The Catholic University of America Press, 1962), 475ff.

[6] Michael Haykin, Rediscovering the Church Fathers (Wheaton: Crossway, 2011), 114.

شارك مع أصدقائك

مينا م. يوسف

حاصل على ماجستير الآداب في الأديان المقارنة من Columbia International University، بولايّة ساوث كارولاينا، وماجستير اللاهوت من Southern Seminary، بولاية كنتاكي.