الكفارة (2): كريستوس ڤيكتور أو المسيح المُنتصر

التعريف

“المسيح المُنتصِر” هو ذلك الجانب من عمل المسيح الكفَّاريِّ الذي يركِّز على انتصار المسيح على قوى العالم الشرِّيرة، والذي من خلاله ينقذ شعبه ويؤسِّس علاقة جديدة بين الله والعالم.

المُلخَّص

على الرغم من أنَّ لغة الترضية النيابيَّة لوصف الكفَّارة هي الأكثر انتشارًا بين الوعَّاظ الإنجيليِّين اليوم، إلا أنه توجد صورة مختلفة نوعًا ما لوصف جوانب عمل المسيح الكفَّاريِّ والتي يُطلَق عليها منظور كريستوس فيكتور (Christus Victor) باللاتينيَّة والتي تعني “المسيح المُنتصِر”. هذا المنظور الذي يُميِّز أغلبيَّة لغة العهد الجديد وآباء الكنيسة الأوائل مثل إيريناوس، يبَيِّن الأفكار المرتبطة بانتصار الله في المسيح على قوى الشرِّ في العالم، والشيطان تحديدًا. من خلال هزيمة قوى الشرِّ التي تقاوم الله، أنقذ يسوع المسيح شعبه من الشيطان وبرهن نفسه كملك شرعيٍّ للكون. هذا الرأي ليس مقصورًا فقط على منظور البدليَّة العقابيَّة، كما يتَّضح من وجود كلا الرأيين معًا في كتابات شخصيَّات مثل مارتن لوثر وجون كالفن. عُرِضَ ونُوقِشَ هذا المنظور مرَّةً أخرى في العصر الحديث بواسطة جوستاف أولين (Gustaf Aulén)، وهو عالم لاهوت سويديٌّ عاش في أثناء أوائل القرن العشرين.


المقدِّمة

أصبح تعبير “كريستوس فيكتور” [وهو تعبير لاتينيٌّ ويعني: المسيح المُنتصِر] مصطلحًا فنِّيًّا موجودًا في مناقشات القرن العشرين بخصوص كفَّارة المسيح عن الخطاة نتيجة قيام عالم اللاهوت النظاميِّ السويديّ جوستاف أولين (1879-1977) بفحص “الأفكار المختلفة عن الكفَّارة” المطروحة عبر التاريخ، وهو أستاذ بجامعتَيِّ أوبسالا ولوند ومن ثمَّ أصبح أسقفًا لسترينغناس. قدَّم طرحه هذا لموضوع المسيح المُنتصِر، والذي نُشر عام 1931، إطارًا عامًّا تحليليًّا لكلِّ الآراء المطروحة الأخرى بخصوص عمل المسيح الكفَّاريِّ. لقد دعا بوضوح إلى تفوُّق نظرية المسيح المُنتصِر على تلك الآراء الخاصَّة بالترضية النيابيَّة (أنسِلم Anselm)، والمثال الأخلاقيِّ (أبيلارد Abelard). واستخدم أولين رأي إيريناوس كمثاله الرئيسيِّ لهذه الفكرة “الكلاسيكيَّة” السائدة بين آباء الكنيسة القدامى، والتي نجد إحياءها مرَّة أخرى في قراءة أولين المُبسَّطة إلى حدٍّ ما لكتابات مارتن لوثر.

الخلفيَّة التاريخيَّة لفكرة المسيح المُنتصِر

وصف أولين الموضوع الرئيسيَّ في سرده “الدراميِّ” عن الكفَّارة بأنَّ “فكرة الكفَّارة عبارة عن صراع إلهيٍّ وانتصار؛ المسيح -المسيح المُنتصِر- يحارب وينتصر على قوى العالم الشرِّيرة ’الطغاة‘، والتي ترزح تحتها البشريَّة في عبوديَّة وألم، وفيه يُصالِح الله العالم لنفسه” (انظر أولين، كريستوس فيكتور، 4). لخَّص أولين وجهة النظر هذه عن الكفَّارة كما كانت مفهومة في فترة آباء الكنيسة على أساس صياغة إيريناوس لها. هذه الدراما الكونيَّة بكلِّ محتواها من “انتصار على القوى المُعادية تتسبَّب في نشأة علاقة جديدة، علاقة مُصالحة بين الله والعالم”. وحيث إنَّ القوى المُعادية كانت تنفِّذ إرادة الله القاضي، “فإنَّ الانتصار على القوى المُعادية يُعدُّ مُصالحة لله نفسه: إذ يُصالَح من خلال نفس العمل الذي فيه يُصالِح العالم لنفسه” (كريستوس فيكتور، 5). جاء المسيح ليربط القويَّ، فلقد “أتلف بضاعته، وأباد الموت، جالبًا الحياة للإنسان الذي كان قد أصبح خاضعًا للموت”، وذلك نتيجة تقديم آدم نفسه لإبليس ليمتلكه إذ تجاوب مع خداع الشيطان ووعده له بأن يحيا إلى الأبد (كريستوس فيكتور، 19-20). ربط إيريناوس بشكل وثيق بين الخطيَّة والموت (راجع رومية 6: 23). لقد ارتأى إيريناوس بأنَّ استرداد الله لمخلوقاته البشريَّة ليس إلَّا حقًّا وعدلًا لأنَّ الشيطان “لا يُمكن أن يُسمَح له بأن تكون له أيَّة حقوق على البشر، فهو سارق، ومتمرِّد، ومغتصب، يضع يده دون وجه حقٍّ على ما لا يخصُّه”. لكن الله نفَّذ هذه العدالة بطريقة عادلة من خلال موت المسيح (كريستوس فيكتور، 27-28). لم يستبعد أولين مفهوم موت المسيح كفدية من فكر إيريناوس، كما أقرَّ بأنَّ لوثر أعلن الترضية النيابيَّة، دون أن يُقدِّر كما ينبغي مدى أهميَّة مثل هذه الأجزاء الكتابيَّة بالنسبة إلى لوثر.

تعاليم العهد القديم

يصوِّر الكتاب المُقدَّس الله على أنَّه يحارب أعداءه وأولئك الذين يزعجون ويؤلمون شعبه. تحدَّث كُتَّاب العهد القديم عن انتصار الله على أعداء كلٍّ من شعب إسرائيل وبعض الأشخاص المؤمنين الآخرين. تحرير إسرائيل من الطغيان المصريِّ جعل الشعب يغنِّي ترنيمة النصر التي تحتفل بانتصار الله نيابةً عنهم (خروج 15: 1-21)، وبدوره، شَكَّل تحريره لهم من العبوديَّة حجرَ الزاوية لعهد الله مع الشعب (خروج 20: 2). واستمرَّ الاحتفال (مزمور 136: 10-15) إذ أخضع شعب إسرائيل الأمم الأخرى تحت قيادة الربِّ (مزمور 47: 3). لقد رأى كاتب المزامير هزيمة أعدائه في حياته وفرح لأنَّ أعداء الله تشتَّتوا وفنوا (مزمور 92: 8-11). يُمكِّن الله شعبه من مقاومة أعدائهم ووطأتهم (مزمور 44: 5). كما يُمكن أن تُستخدم انتصارات الله كدينونة (تكوين 19: 25، 29؛ تثنية 23: 29؛ عاموس 4: 11؛ إرميا 50: 40؛ إشعياء 63: 3-6)، وكذلك كأساس لسلام هؤلاء الذين هم أمناء له (إرميا 50: 33-39). وسوف يُسْقِط ويحطِّم انتصاره الأخير في النهاية الأعداءَ الذين قاوموه (حجَّي 2: 22).

تعاليم العهد الجديد

في العهد الجديد، واجه يسوعُ إبليس وغلبه باستخدام كلمة الله عندما جرَّبه في متَّى 4. لا تُستخدَم لغة الانتصار في سرد هذه الحادثة، ولكن من الواضح أنَّ الشيطان ترك المشهد وهو خاسر، وصُدَّ وهُزِمَ بسيف الروح الذي هو كلمة الله. في أفسس 6: 10-17، يُشَكِّل هذا السيف جزءًا من الأسلحة التي يجب على المؤمنين أن يحاربوا بها “الرؤساء، السلاطين، ولاة العالم، أجناد الشرِّ الروحيَّة في السماويَّات”. مرَّة أخرى، لا يتحدَّث النصُّ صراحةً عن الانتصار، ولكن من الواضح من جميع رسائل بولس أنَّ المسيح يقود شعبه إلى الانتصار على أساس قيامته. في 2 كورنثوس 2: 14، يتحدَّث الرسول بولس عن الانتصار الذي نختبره في مسار الحياة اليوميَّة في الربِّ مستخدمًا صورة لتقليد الأباطرة الرومان المتمثِّل في قيادة القادة المهزومين لقوَّات الأعداء في شوارع المدينة في موكب نصرة. يربط بولس هذا النوع من الانتصار بقيامة المؤمنين الذي يختبرونه في المعموديَّة كما هو موصوف في كولوسي 2: 11-15. مِنْ ثَمَّ، يتحدَّث يوحنَّا عن انتصار المؤمنين على الشيطان، رابطًا ذلك الانتصار بكلمة الله الساكنة فيهم (1 يوحنَّا 2: 13-14). وعدَ يسوع أن يعطى تلاميذه السلطان ليدوسوا الحيَّات والعقارب وكلَّ قوَّة الشيطان (لوقا 10: 19). وعلى الرغم من أنَّ بولس لم يستخدم مصطلحات “النصرة” في رومية 7، فإنَّه تحدَّث عن التحرير من خلال “ناموس روح الحياة في المسيح يسوع” من “ناموس الخطيَّة والموت” (رومية 8: 2)، بعد أن وصف العبوديَّة لـ “عتق الحرف” (رومية 7: 6) والذي سمح لـ “ناموس الخطيَّة” بوضعه تحت العبوديَّة (رومية 7: 23، 25). على الرغم من خبرات الصراع التي مرَّ بها، كان الرسول بولس واثقًا من النصرة والتحرير في المسيح يسوع (رومية 8: 1).

كما يُمكِّن انتصار المسيح أولئك المولودين من الله من التغلُّب على العالم من خلال الإيمان بيسوع كابن الله (1 يوحنَّا 5: 4-5). لقد غلب المسيح العالم ومن ثمَّ أصبح شعبه في سلام (يوحنَّا 16: 33). في سفر الرؤيا، يشَخص يوحنَّا إلى انتصار الحَمَل الذي هزم الوحش وأتباعه بصفته ربَّ الأرباب وملك الملوك، ويُشرِك الربُّ مختاريه ومؤمنيه الأمناء معه في هذا الانتصار (رؤيا 17: 12-14). ويدعو يوحنَّا هؤلاء المؤمنين الأمناء “أولئك الذين يغلبون”. لقد غلبوا المشتكي، الشيطان، بدم الخروف وبكلمة شهادتهم (رؤيا 12: 11)، ولديهم وعد بالبركات المتنوِّعة (رؤيا 2: 7، 11، 17، 26؛ 3: 21).

كما استخدم الرسول بولس النصرة كوصف لقيامة المسيح، فلقد انتصر على الموت إذ قام حيًّا وخرج من قبره. كان هذا الانتصار يعني الانتصار على الخطيَّة وعلى دينونة ناموس الله أيضًا (1 كورنثوس 15: 51-56)، لأنَّ الموت هو الأجرة العادلة الوحيدة للخطيَّة، وناموس الله يدين ويصدر دينونته على التعدِّيات من أيِّ نوع (رومية 6: 23). وهكذا، يعترف بولس بأنَّ عمل المسيح الخلاصيَّ يحرِّر الناس من خطاياهم ومن استبداد الشيطان وكلِّ الشرور الأخرى.

مارتن لوثر والمسيح المُنتصِر

قدَّم مارتن لوثر في كتاباته نصوصًا لأولين يبني عليها رأيه بأنَّ مُصلح فيتنبرج قد أعاد إحياء النموذج الآبائيِّ وهو الكفَّارة من خلال الانتصار على جميع أعداء الله وأعداء شعبه. ولكن، استخدم لوثر أيضًا لغة الترضية النيابيَّة، والخليقة الجديدة أو الولادة الجديدة والاتحاد في عائلة الله كطرق لإعلان عمل المسيح الكفَّاريِّ. في دليله الاسترشاديِّ الكبير للتعليم المسيحيِّ عن طريق السؤال والجواب، شرح لوثر البند الثاني من قانون إيمان الرسل بشكل أساسيٍّ على أنَّه معركة المسيح مع الشيطان وانتصاره عليه. ووصف حالته كخاطئ، إذ كان “عبدًا تحت سلطان الشيطان، محكومًا عليه بالموت، وساقطًا في براثن الخطيَّة والعمى… أتى الشيطان وقادنا إلى العصيان والخطيَّة والموت وكلِّ الشقاء. نتيجةً لذلك، أُخضِعنا تحت غضب الله واستيائه، محكومًا علينا بالدينونة الأبديَّة، إذ استحققناها واستوجبناها. لم توجد إمكانيَّات، ولا معونة، ولا راحة لنا حتَّى رحمنا ابن الله الوحيد الأبديُّ هذا بصلاحه الذي لا يُمكننا إدراكه، وذلك لبؤسنا وضيقنا، وجاء من السماء لمعونتنا. أمَّا الآن، فقد هُزِم هؤلاء الطغاة والسجَّانون، وأخذ يسوع المسيح مكانهم، ربُّ الحياة والبرِّ وكلِّ شيء صالح وكلِّ بركة. لقد انتزعنا نحن المخلوقات الضالَّة من فكَّي الجحيم، وربحنا، وحرَّرنا، وأعادنا إلى نعمة الآب وإحسانه. وإذ صرنا ملكًا له، أصبحنا تحت حمايته ورعايته، ليسود علينا ببرِّه وحكمته وقوَّته وحياته وبركاته…”[1]

في محاضراته عن رسالة غلاطية عام 1531، كرَّر لوثر موضوعًا استخدمه لأكثر من عقد وهو “المبارزة الرائعة” بين المسيح وإبليس، والتي قاوم فيها المسيح قوَّة إبليس “وانتصر على الناموس والخطيَّة وعلى جسد خطيَّتنا، والعالم والشيطان، والموت، والجحيم وكلِّ الشرور، ومنحنا انتصاره هذا. على الرغم من أنَّ أعداءنا هؤلاء يشتكون علينا ويخيفوننا، فإنَّهم لا يستطيعون إحباطنا أو إدانتنا، لأنَّ المسيح الذي أقامه الله الآب من الأموات هو مُنتصِر عليهم وهو برُّنا” (أعمال لوثر، 26: 21-22). يعنى هذا الانتصار للمخلِّص أنَّه “يرفع الناموس، ويميت خطيَّتي، ويحطِّم موتي في جسده، وبهذه الطريقة يفرغ الجحيم، ويدين الشيطان، ويصلبه، ويلقيه في الجحيم. بمعنى آخر، كلُّ ما كان يعذِّبني ويقمعني قد أبعده المسيح، فلقد جرَّدهم وأشهرهم جهارًا، ظافرًا بهم فيه” (أعمال لوثر 26: 160–161؛ راجع كولوسي 2: 15).

لقد تحرَّر ضمير الخاطئ من الإدانة ومن ثمَّ أصبح يعبد الله بحريَّة، كما أوضح لوثر في كتابه عن الحريَّة المسيحيَّة قبل أحد عشر عامًا (أعمال لوثر 26: 158، 31: 344). لذلك يعرف الضمير الذي تحرَّر أنَّ المسيح قد واجه بشكل حاسم إدانة الناموس. “يسمع ناموس الإدانة الآن هذا الناموس [الخاصّ بالحريَّة في المسيح] يقول: ’ليس لك سلطان بعد لتقيِّد هذا الشخص أو تأسره أو تجعله مذنبًا. لكنَّني سوف آسرك وأربط يديك لئلَّا تؤذي من يحيا الآن للمسيح وهو ميت بالنسبة لك‘. يخلع ذلك أسنان الناموس، ويكسر حدَّة لدغته، وجميع أسلحته، ويعطِّله تمامًا”، بينما يظلُّ الناموس إدانةً للأشرار ولكن ليس لأولئك الذين ينتمون إلى المسيح (أعمال لوثر 26: 161–162). استمرَّ لوثر في إعلان أنَّ المسيح هو المُنتصِر على كلِّ أعداء المؤمن. وفي عظته عن يوحنَّا 3: 16 عام 1538، أخبر شعب الكنيسة في فيتنبرج أنَّ الخطاة قد اُنتزعوا من اللعنة وأُعيدوا إلى الحياة الأبديَّة من خلال انتصار المسيح على الجحيم والموت وسلطان إبليس (أعمال لوثر 22: 354–356).

جون كالفن والمسيح المُنتصِر

يستخدم جون كالفن أيضًا مفهوم انتصار المسيح على جميع أعداء المؤمنين في كتابه “أُسس الدين المسيحيِّ“، على الرغم من أنَّه استخدم بشكل بارز لغة الترضية النيابيَّة لوصف عمل المسيح الكفَّاريِّ. أكَّد ما قدَّمه مُصلح مدينة جينيف عن الكفَّارة على أنَّ الله “لمَّا كان لا يمكنه كإلهٍ فقط أن يذوق الموت، ولا أن يغلبه كإنسانٍ فقط، أقرن الطبيعة البشريَّة بالإلهيَّة بحيث، لكي يكفِّر عن خطية الإنسان يمكنه أن يُخضع ضعف الأولى للموت؛ وبصراعه مع الموت بقوَّة الطبيعة الأخرى يمكنه أن ينتصر من أجلنا… وهو إذ لبس طبيعتنا هزم الموت والخطية معًا جاعلًا من هذا الانتصار والغلبة مُلكًا لنا” (أُسس الدين المسيحيِّ، الكتاب 2، الفصل 12، المقطع 3). فقد خطَّط الله لانتصار المسيح هذا من عدن: “ولأنه ينبغي لنا أن نُحرز الانتصار من خلال المسيح، أَعلن الله [لآدم وحواء في تكوين 3: 15] بكلماتٍ عامَّة أنَّ نسل المرأة سينتصر على الشيطان” (أُسس الدين المسيحيِّ، الكتاب 2، الفصل 13، المقطع 3). يُدرك المؤمن كجزء من معرفته لله بأنَّه على الرغم من أنَّ الأرواح النجسة قد “يُشغِلون المؤمنين في القتال، يكمنون لهم، ينتهكون سلامَهم، يغشونهم في القتال، وأحيانًا أيضًا ينهكونهم، ويقتلعونهم، ويروِّعونهم، وأحيانًا يجرحونهم؛ لكن لا يُنهونهم أو يسحقونهم أبدًا”. لقد أذلَّ المسيحُ الشيطان وسحق رأسه، ويؤكِّد لمختاريه انتصارهم في النهاية، وهم يحيون متَّكلين على هذا الانتصار (أُسس الدين المسيحيِّ، الكتاب 1، الفصل 14، المقطع 18).

الخلاصة

فوق كلِّ ما يأسر البشر، تستمرُّ رسالة الانتصار تلك في القرن الحادي والعشرين في مخاطبة كثيرين ممَّن يرون أنَّ بعض جوانب حياتهم على الأقلِّ تعاني من عبوديَّة. إنَّ انتصار المسيح على الخطيَّة من خلال موته الفدائيِّ وقيامته “من أجل تبريرنا” (رومية 4: 25) يقدِّم لأولئك الذين يشعرون بالخزي والذنب بسبب الآثام، العتق والتحرير من القيود التي تربطهم بالفشل الماضي ليحيوا باستقامة كشعب الله. بالنسبة لأولئك الذين يقيِّمون حياتهم على أساس أدائهم، وأيِّ مستوى من إنجازهم الخاصِّ الذي بكلِّ صدق لا يصلون إليه باستمرار، فإنَّ انتصار المسيح يعني أنَّ قيمتهم الجوهريَّة تحدِّدها محبَّته وقبوله لهم. يتيح لهم ذلك التعامل بواقعيَّة مع مواهبهم وقدراتهم، والمواقف الصعبة التي يمرُّون بها في بعض الأحيان والتي تعيق قدرتهم على العمل، وإحباطاتهم من العوائق التي توجد داخل نفوسهم والتي تأتي من الآخرين. أمَّا بالنسبة لأولئك الذين كُلِّفوا برعاية هؤلاء الذين لا يستطيعون المساهمة بطرق ملموسة يُمكن قياسها في عالمنا التنافسيِّ، مثل المسنِّين أو المعاقين جسديًّا أو عقليًّا، فإنَّ انتصار المسيح ينهي العبوديَّة تحت معايير القيمة التي لا يستخدمها الله مع خاصَّته فيما يتعلَّق باستحقاقهم للمحبَّة والقبول. وأخيرًا، لأولئك الذين يعيشون في ظلال المخاوف والقلق من كلِّ نوع، يُبيِّن انتصار المسيح محبَّته التي تطرد كلَّ خوف. ويظلُّ إعلان المسيح مُنتصِرًا جزءًا مهمًّا من الخبر السار الذي يعلنه المؤمنون للعالم.


[1] Book of Concord, 434–435.

شارك مع أصدقائك

روبرت كولب

حاصل على الدكتوراة في الفلسفة (PhD) من جامعة ويسكونسن الأمريكيّة، وهو أستاذ اللاهوت النظاميّ بكليّة كونكورديا للاهوت بمدينة سانت لويس.