قبل أن تصم أحدهم بالهرطقة

نعيش في عصر تنتشر فيه الهرطقات من حولنا. ليس علينا أن نبحث كثيرًا لنجدها فهي في: الإنجيلي السابق الذي يزعم أن يسوع المسيح ليس هو الله، والمعلم الذي يفسر بعض النصوص العبرية الصعبة في الكتاب المقدس بقوله أن إله العهد القديم ليس هو إله العهد الجديد، و اللاهوتي الذي يّدعي أن المسيح غير مساو للآب، أو حتى في الكتابات التي تنتسب إلى “المسيحية”، والتي تخبرك أنه لا يوجد خطأ جوهري فيك لن يقدر الإيمان بنفسك أن يُصلحه؛ فقط آمن بنفسك!

إن الهرطقة أمر شائعة، يُعرّفها ألستر ماكغراث بأنها:

شكل من أشكال الإيمان المسيحي الذي، عن طريق الصدفة أكثر من القصد، ينتهي به الأمر في نهاية المطاف بتخريب، أو زعزعة استقرار، أو حتى تدمير جوهر الإيمان المسيحي.

عادةً، تحاول الهرطقات حل بعض إشكاليات الإيمان المسيحي بجعلها أكثر توافقًا مع الأفكار المنتشرة في المجتمع.

الكتاب المقدس واضح حول حدود الإيمان وأهمية الإيمان بعقائد سليمة. ومن أكثر مهام الكنيسة إلحاحًا في هذه الأيام هي مساعدة الناس على معرفة الحق والتصدي للخطأ، وخاصة تلك الأخطاء المتداولة على نطاق واسع اليوم.

لا يمكننا التوقف تمامًا عن وصف أي تعليم يُزيف جوهر الإيمان المسيحي بالهرطقة، طالما أردنا أن نكون أمناء للحق الكتابي. ولكن يستلزم هذا بالضرورة الحرص على عدم تسمية تعليم ما بالهرطقة عندما لا يكون كذلك، أو وصف شخصٍ ما بأنه مُهرطق وهو مُخطئ في مسألة ثانوية.

درس من مؤرخ كنسي

عندما كنت في كلية اللاهوت، أحببنا الدخول في مناقشات لاهوتية. فلم يكن من غير المألوف أن تندلع المناقشات اللاهوتية أو يتم اتهام البعض بالهرطقة.

وفي أحد الأيام، أوقفنا أستاذ تاريخ الكنيسة، الدكتور مايكل هايكن Dr. Michael Haykin، وذكّرنا بخطورة التهمة التي كنا نوجهها لبعض. فإن وصف شخص ما بالمهرطق يختلف تمامًا عن مناقشتهم بكونهم مخطئون. إن وصف شخص ما بأنه مهرطق تعني أنه ابتعد عن المسيحية الأرثوذكسية القويمة إلى درجة لم يعد ممكنًا معها اعتباره أخًا أو اختًا في المسيح.

يقول هايكن:

الشخص الذي يعتنق الهرطقات ليس مسيحيًا وفقًا للتقاليد المسيحية. إذا كان شخصٍ ما ينادي بهرطقة عن وعي فهو مهرطق وفقًا لتعريف المسيحية عن “الهرطقة”، ولا يمكن لهذا الشخص أن يكون مسيحيًا.

إذا كانت التسمية تعني شيئًا ما، فيجب أن نتوخى الحذر عند دعوة شخص ما بالمهرطق.

مطلوب: التواضع اللاهوتي

يمكن للمسيحيين أن يختلفوا بشأن العديد من القضايا. والكثير منها مهم. تشمل الأمثلة الحالية: معنى وطريقة المعمودية، دور المرأة في الكنيسة، تفاصيل أحداث المجيء الثاني. كل هذه القضايا مهمة. وفي كل هذه الإشكاليات، هناك فريق على حق والآخر على خطأ. كل مجموعة من القضايا تحمل آثارًا خطيرة على كيفية عيشنا وعملنا ككنيسة.

لكن يمكن أن يختلف المؤمنون حول هذه القضايا دون الخروج عن الإيمان. كل هذه القضايا بالغة الأهمية. ولكن عند الاختلاف حول هذه القضايا أو غيرها، فليس من الحكمة اتهام البعض بالهرطقة.

نحن بحاجة إلى التواضع الجريء: الجرأة في الدفاع عن الحق، والتواضع في كيفية استجابتنا لأولئك الذين يختلفون معنا. يمكننا أن نصدق في أهمية الحق ونهدف إلى التدقيق فيه، بينما ندرك في الوقت نفسه أننا سنبقى لا نفهم الأخرين المختلفين عننا في الرأي بشكل كامل ونحتاج إلى التعامل معهم بطريقة مناسبة.

شرح أوغسطينوس معنى دراسة اللاهوت على طريقة المسيح قائلًا:

الطريقة هي التواضع أولًا، والتواضع ثانيًا، والتواضع ثالثًا، ومهما سُئلت سأقول نفس الشيء، ليس لأنه لا توجد مبادئ أخرى ينبغي شرحها، ولكن إذا كان التواضع لا يسبق ويصاحب ويتبع كل عمل صالح نقوم به، وإذا لم يتم وضعه أمام أعيننا لنتطلّع إليه، وبجانبنا لنستند عليه، وخلفنا ليشملنا، فإن كبريائنا سينتزع أي عمل صالح ما بين أيدينا نستمتع به.

الهرطقات موجودة، وعلينا أن نميزها وأن نُعلّم ضدها. ولكن ليس كل خلاف يصل إلى مستوى الهرطقة. إذًا، للحفاظ على مفهوم الهرطقة، ومن أجل نزاهتنا الشخصية، كن حذرًا قبل أن تطلق على شخص يختلف معك في الرأي بأنه مهرطق.


تم نشر هذا المقال أولًا بتاريخ 2 مايو 2016، على موقع TGC: Canadian Edition

شارك مع أصدقائك

داريل داش

حاصل على درجة الدكتوراة من كليّة جوردون كونويل للاهوت، كما أنه أحد مؤسسي Gospel for Life.