يمكن تلخيص جانب كبير من الخلاف حول قراءة بولس في سؤال بسيط، لكنه ليس سطحيًا: ما المشكلة الأساسية التي جاء المسيح ليحلها؟ هل يقف الإنسان أمام الله بوصفه مذنبًا يحتاج إلى الغفران وإلى حكم قضائي لصالحه؟ أم يقف بوصفه عبدًا واقعًا تحت سلطان الخطية والموت ويحتاج إلى التحرير؟ قد يبدو السؤال في هذه الصيغة كأنه يفرض اختيارًا بين حقيقتين كتابيتين. فالرسول بولس يتكلم بوضوح عن الغضب والدينونة والذنب والتبرير، لكنه يتكلم أيضًا عن الخطية كسيد، وعن الموت كملك، وعن الإنسان الذي بيع تحت الخطية، وعن المسيح الذي يهزم القوى ويبدأ الخليقة الجديدة. المشكلة لا تبدأ حين نؤكد أحد البعدين، بل حين نحول أحدهما إلى المفتاح الوحيد الذي يعيد تعريف الآخر أو يستبعده.
نشأ المنظور الرؤيوي لبولس جزئيًا بوصفه احتجاجًا على قراءات غربية اختزلت الإنجيل في سؤال الفرد القَلِق عن مصيره الشخصي أمام الله. وقد رأى إرنست كيزمان، ثم ج. كريستيان بيكر، وج. لويس مارتن، وبيفرلي جافينتا، ودوجلاس كامبل، بدرجات مختلفة، أن مركز لاهوت بولس هو تدخل الله الحاسم في المسيح لهزيمة قوى الدهر القديم وافتتاح الدهر الجديد.[1] هذه القراءة لا تعني أن بولس كتب أدبًا رؤيويًا بالمعنى الأدبي الضيق، بل أن بنية فكره نفسها رؤيوية، أي أن الله لا ينتظر أن يرتقي الإنسان إليه، بل يقتحم عالمًا مستعبدًا ويقيم فيه واقعًا جديدًا.
لكن ينبغي منذ البداية تجنب الكلام عن “مدرسة” متجانسة تمامًا. فالدارسون المصنفون تحت عنوان التفسير الرؤيوي لبولس Apocalyptic Paul لا يتفقون في كل شيء. وقد يقبل أحدهم البعد القضائي بدرجة ما، بينما يرفضه آخر أو يعيد تعريفه. لذلك سيكون التركيز هنا على الاتجاه العام أولًا، ثم على الصياغة الأقوى التي تظهر عند دوجلاس كامبل، خاصة في تفسيره للغة δικαιόω بوصفها لغة “قضائية تحررية” لا “قضائية عقابية”.[2]
المنظور الرؤيوي لبولس: ما الذي يريد استعادته؟
العصران واقتحام الدهر الآتي
يقرأ المنظور الرؤيوي رسائل بولس داخل تصور يهودي للتاريخ ينقسم إلى عصرين. هناك “الدهر الحاضر الشرير” (غل ١: ٤)، الذي تسيطر عليه الخطية والموت والفساد، وهناك الدهر الآتي، دهر القيامة والبر والحياة وملك الله. الجديد عند بولس ليس مجرد استمرار انتظار المستقبل، بل الإيمان بأن الدهر الآتي قد دخل التاريخ بالفعل في موت المسيح وقيامته وإرسال الروح القدس.
من هنا تأتي العبارة الشائعة: “الآن، وليس بعد”. قيامة المسيح ليست عند بولس معجزة منفردة تثبت هويته فقط، بل باكورة القيامة العامة، ولذلك تعني أن نهاية الأزمنة بدأت داخل الزمن. المؤمنون يعيشون الآن في تداخل العصرين. أجسادهم ما زالت قابلة للموت، والعالم ما زال يئن، لكنهم في المسيح صاروا خليقة جديدة، ونالوا الروح بصفته عربون الميراث الآتي.
هذا الإطار يفسر لماذا لا يكتفي بولس بلغة تحسين السلوك. فالإنسان لا يحتاج إلى تحسين حياته القديمة، بل إلى الموت والقيامة مع المسيح. كما أن الخليقة لا تحتاج إلى إصلاح محدود، بل إلى التحرير من عبودية الفساد (رو ٨: ١٩-٢٣). وهنا قدّم المنظور الرؤيوي خدمة حقيقية للتفسير، لأنه ذكّر الكنيسة بأن الخلاص أكبر من نجاة الروح الفردية، وأن غاية الله تشمل قيامة الجسد وتجديد الخليقة وهزيمة الموت.
الإنسان لا يعيش في فراغ
شدّد كيزمان على أن ألفاظ بولس الأنثروبولوجية تشير إلى الإنسان كله، لكنها لا تصفه باعتباره فردًا مكتفيًا بذاته. فالإنسان عند بولس ينتمي دائمًا إلى عالم أو سلطان يحدد وجوده وهويته.[3] ولهذا تتكرر الثنائيات: “في آدم” و”في المسيح”، “في الجسد” و”في الروح”، “تحت الناموس” و”تحت النعمة”، “عبيد الخطية” و”عبيد البر”. لا يعني ذلك محو الشخصية أو المسؤولية الفردية. لكنه يعني أن الفرد لا يُفهم بمعزل عن التضامن الذي يعيش داخله وعن القوى التي تشكل عالمه. فالإنسان ليس وحدة مغلقة تبدأ منها قصة الخلاص، بل عضو في البشرية الآدمية، ثم يصير بالنعمة متحدًا بالمسيح، رأس الخليقة الجديدة.
لهذا يفسر بعض أصحاب الاتجاه استعمال بولس لضمير المتكلم في رو ٧ لا بوصفه سيرة نفسية خاصة فحسب، بل تصويرًا دراميًا لمأزق الذات البشرية الواقعة في قبضة الخطية. ترى سوزان إيستمان أن بولس يجعل مستمعيه يواجهون بصورة شخصية قوة الخطية وخداعها القاتل، وفي الوقت نفسه يواجهون قوة إنقاذ الله الأعظم في المسيح.[4] فالمقصود ليس إلغاء الفرد، بل وضعه داخل الصراع الأوسع الذي يحدد حياته.
الخطية باعتبارها قوة حاكمة
يصف بولس الخطية في رو ٥-٨ بطريقة تبدو شخصية: “ملكت الخطية”، و”خدعتني”، و”قتلتني”، و”لا تسودن الخطية”، و”كنتم عبيدًا للخطية”. لذلك يرى المنظور الرؤيوي أن الخطية ليست فقط مجموعة أفعال منفصلة، ولا مجرد فساد داخلي ساكن، بل قوة تستعبد البشر وتحكم الدهر القديم.
يعبّر ج. لويس مارتن عن المأزق البشري بأنه في أساسه استعباد لقوى تتجاوز قدرة الإنسان على التحكم، لا مجرد إحساس بالذنب.[5] وتوسع بيفرلي جافينتا هذا التصور في قراءتها لرومية، فتصف الرسالة بأنها تعرض صراعًا واسعًا يقاتل فيه الله القوى المضادة له، ومنها الخطية والموت. وهي لا تنكر أن تمرد الإنسان الإرادي هو نقطة البداية في رو ١، لكنها ترى أن رفض الإنسان لسيادة الله يفتح المجال لسلطان أكبر يستعبده ويشوّه قدرته.[6] هذه الملاحظة لها أساس نصي قوي. فالإنسان في بولس ليس خاطئًا يختار الشر من موضع حياد كامل، بل خاطئ صار أيضًا عبدًا لما اختاره. الخطية فعل يمارسه الإنسان، ثم سلطان يملكه. وهذا يفسر لماذا لا يكفي الوعظ الأخلاقي وحده. فالعبد لا يحتاج إلى نصيحة فقط، بل إلى تحرير، والميت لا يحتاج إلى تحسين، بل إلى قيامة. مع ذلك، تظهر هنا نقطة الخطر. فإذا جرى التركيز على الإنسان بوصفه ضحية لقوة خارجية إلى درجة يختفي معها كونه فاعلًا متمردًا، تتحول الخطية من ذنب مسؤول إلى كارثة وقعت للإنسان من الخارج. بولس لا يسمح بهذا الفصل. ففي رو ١: ١٨-٣٢ البشر “حجزوا الحق” و”استبدلوا” مجد الله و”لم يستحسنوا” أن يبقوه في معرفتهم. هم مخدوعون ومستعبدون، لكنهم أيضًا محبون للشر ومسؤولون عنه. الصورتان متداخلتان: الإنسان مجرم صار عبدًا، وعبد يستمر في خدمة السيد الذي أحبه.
حدث المسيح والخلاص بوصفه تحريرًا
إذا كانت الخطية قوة حاكمة، يصبح موت المسيح وقيامته معركة حاسمة. لا يقتصر الصليب، في القراءة الرؤيوية، على معالجة علاقة قانونية بين الله والفرد، بل يهزم النظام القديم نفسه. يصف بيكر موت المسيح بأنه حدث رؤيوي حكم على قوى الدهر القديم، مثل الخطية والموت والناموس والجسد، وافتتح زمنًا جديدًا.[7] لذلك تحتل نصوص مثل كو ٢: ١٣-١٥، وعب ٢: ١٤-١٥، و١ كو ١٥: ٢٤-٢٨ مكانًا بارزًا في هذا المنظور.
الخلاص، بناء على ذلك، انتقال من مملكة إلى أخرى. والمؤمن لا ينال فكرة جديدة عن نفسه فقط، بل يُشركه الله في موت المسيح وقيامته. لقد مات الإنسان القديم، وانكسر جسد الخطية، وصار المؤمن حيًا لله. ليس الاتحاد بالمسيح إضافة لاحقة إلى الغفران، بل قلب الحدث الخلاصي في هذه القراءة. هنا أيضًا يصيب المنظور الرؤيوي جانبًا أهملته بعض الصياغات الشعبية. فالبشارة لا تقول فقط إن سجل المؤمن قد تغير في السماء بينما يبقى وجوده كما هو. إنها تعلن أنه نُقل إلى ملكوت الابن، وأن سلطان الخطية لم يعد سيده الشرعي، وأن الروح قد أدخله في حياة الدهر الآتي. لكن الخلاف يظهر حين تتحول هذه الحقيقة إلى بديل عن الحكم القضائي، بدل أن تكون ثمرة مترابطة معه ومنفعة متميزة داخل الاتحاد بالمسيح.
من الانتصار الكوني إلى إعادة تعريف التبرير
دوجلاس كامبل ونقد “نظرية التبرير“
يمثل دوجلاس كامبل أحد أكثر أشكال المنظور الرؤيوي جذرية. ففي كتابه الضخم “خلاص الله” ينتقد ما يسميه “نظرية التبرير”، أي النموذج الذي يبدأ بفرد عقلاني يكتشف عن طريق الناموس ذنبه واستحقاقه للعقاب، ثم يجد في موت المسيح حلًا قضائيًا لعقوبته، وينال هذا الحل بواسطة إيمانه.[8] يرى كامبل أن هذا النموذج تعاقدي وفردي وعقابي أكثر مما هو مسيحي ورؤيوي. وهو لا يريد فقط أن يضيف إلى التبرير التقليدي بعدًا تحريريًا، بل يعيد بناء قراءة رو ١-٤ بطريقة تجعل لغة البر والتبرير نفسها تشير إلى فعل الله المخلّص الذي يقتحم العبودية ويخلق حياة جديدة. ولهذا يفضّل وصف التبرير بأنه “قضائي تحريري”، لا “قضائي عقابي”.[9] في هذا التصور، لا تعمل محكمة الله أساسًا بوصفها المكان الذي يُدان فيه الخاطئ ثم يُنقل عقابه إلى المسيح. بل تعمل بوصفها محكمة الملك الذي يتدخل لينصف المظلومين ويحرر شعبه من القوى المعادية. وكلمة “بر الله” تصف أمانة الله المحبة وإنقاذه المنتصر. ويقرأ كامبل رو ١: ١٧ ورو ٣: ٢١-٢٦ على خلفية مزامير تعلن إظهار الله بره أمام الأمم، مثل مز ٩٨: ٢، حيث يرتبط ظهور البر بخلاص الله وملكه.[10] هذه النقلة مهمة. فالخلاف لم يعد حول ترتيب عقائد متفق عليها، بل حول معنى الكلمات نفسها. هل δικαιόω يعني أن الله يصدر حكمًا لصالح الخاطئ؟ أم يعني أن الله يحرره ويحييه؟
ماذا يقول كامبل عن δικαιόω؟
يصرح كامبل بأن استعمال بولس للفعل δικαιόω ، حين يتحدد بارتباطه بعمل المسيح، يمكن أن يحمل معنى تحريريًا. ويشير بوجه خاص إلى نصوص الاتحاد بالمسيح، وإلى رو ٦: ٧، حيث لا تترجم نسخ كثيرة الفعل بلفظ “يبرر”، بل “يحرر”:
ὁ γὰρ ἀποθανὼν δεδικαίωται ἀπὸ τῆς ἁμαρτίας
“لأن الذي مات قد تبرأ من الخطية”، أو بحسب الترجمة السياقية الشائعة، “قد تحرر من الخطية”.[11]
بالنسبة إلى كامبل، ليست رو ٦: ٧ حالة جانبية غريبة، بل نافذة على الإمكانية التحريرية للغة δικαιόω فالمؤمن الذي مات مع المسيح لم يتلق فقط حكمًا منفصلًا عنه، بل خرج بالفعل من مجال سيادة الخطية ودخل حياة القيامة. وإذا كان الفعل يستطيع هنا أن يدل على التحرر من الخطية، فلماذا نفترض أن استعمالاته في رو ٣ لا بد أن تنتمي إلى نموذج عقابي بحت؟
هذه الحجة جذابة لأنها تربط اللغة بالسياق الكبير للرسالة. لكنها تحتاج إلى فحص لغوي دقيق. فلا يكفي أن نعرف ما النتيجة اللاهوتية للفعل، بل يجب أن نسأل: ما الذي يدل عليه الفعل نفسه؟ وهل تحمل كل استعمالاته معنى واحدًا؟ وهل يجوز أن نأخذ ترجمة سياقية في آية واحدة ونحوّلها إلى تعريف معجمي يسيطر على بقية المواضع؟
الفعل δικαιόω : كيف تُدرس دلالته؟
الكلمة لا تُفسر من أصلها الاشتقاقي وحده
الفعل δικαιόω مشتق من الصفة δίκαιος، أي “بار” أو “عادل”، لكن الاشتقاق لا يحدد وحده معنى الفعل في كل سياق. الخطأ الشائع هو أن نقول: ما دام الفعل مشتقًا من “بار” فلا بد أن يعني “يجعل بارًا”، أو بالعكس “يعلن بارًا”. الدلالة لا تُحسم بشكل النهايات الصرفية وحدها، بل بالاستخدام الفعلي للكلمة، وبتركيب الجملة، وبنوع المفعول، وبالسياق الأدبي والتاريخي.
يلخص معجم BDAG الدلالة الأساسية في عدد كبير من نصوص العهد الجديد بأنها إصدار حكم مؤيد لشخص، أي تبرئته أو إثبات حقه.[12] وقد بيّن جيمس بروثرو، في دراسة واسعة لاستعمال δικαιόω في اليونانية العامة والسبعينية وبولس، أن استعمال بولس مع الأشخاص إيجابي بوضوح، وأنه ينتمي إلى لغة يهودية ومسيحية تشكلت حول اتهام الله ودينونته وحكمه لصالح شخص، لا إلى معنى عام غير محدد يمكنه أن يتقلب بلا ضابط بين التحويل الأخلاقي والتحرير والتبرئة.[13] لا يعني هذا أن الفعل لا يكتسب ظلالًا مختلفة في السياقات المختلفة. ففي بعض المواضع يكون الأنسب “يبرئ”، وفي أخرى “يثبت صحة” أو “ينصف” أو “يعلن بارًا”. لكن هذه الظلال تتجمع حول فكرة الحكم أو التقييم المؤيد، لا حول معنى الحركة المادية من الأسر إلى الحرية.
الخلفية القضائية في السبعينية
تتضح هذه الخلفية في تث ٢٥: ١ بحسب السبعينية. عندما يقع نزاع ويقف الطرفان أمام القضاة، عليهم أن “يبرروا البار”، δικαιώσωσιν τὸν δίκαιον، وأن يدينوا الشرير. لا يستطيع القاضي أن يجعل شخصًا صالحًا أخلاقيًا بمجرد حكمه، بل يصدر حكمًا يثبت موقفه في القضية.
وتأتي الصورة أوضح في أم ١٧: ١٥: مبرئ المذنب، أي الذي “يبرر الشرير” ومذنب البريء أي الذي “يدين البار” كلاهما مكرهة عند الرب. المشكلة ليست أن شخصًا حرر الشرير من سجن غير عادل، بل أنه أصدر حكمًا قضائيًا كاذبًا لصالح من يستحق الإدانة. لذلك صارت ثنائية “يبرر” و”يدين” من أهم مفاتيح فهم اللفظ.[14]
كما يقتبس بولس مز ٥١: ٤ في رو ٣: ٤: “لكي تتبرر في كلامك”:
ὅπως ἂν δικαιωθῇς ἐν τοῖς λόγοις σου
من الواضح أن الله لا يتحرر من قوة تستعبده، ولا يتحول أخلاقيًا إلى البر، بل يظهر أنه محق وصادق حين يُحاكم. معنى الفعل هنا هو التزكية أو إثبات الحق.
إذن، حين يستخدم بولس الفعل، لا يبدأ القارئ من فراغ. هناك شبكة كتابية تربط التبرير بالحكم والاتهام والدينونة وإظهار الحق. والسؤال الصحيح ليس: هل توجد في بعض السياقات نتيجة تحررية؟ بل: هل هذه النتيجة تغير قلب الدلالة القضائية أم تنشأ عنها أو تصاحبها؟
تتبع استعمال δικαιόω عند بولس
يظهر الفعل δικαιόω في رسائل بولس سبعًا وعشرين مرة، موزعة على خمسة وعشرين عددًا، مع تركيز واضح في رومية وغلاطية.[15] ولا يمكن بناء دلالته من رو ٦: ٧ وحدها. يجب النظر إلى القرينة التي تحيط به في كل مجموعة.
الاستعمال في رو ٢-٥: أمام الله، في مواجهة الدينونة
في رو ٢: ١٣ يقول بولس إن “الذين يعملون بالناموس هم يبررون”. السياق هو يوم يدين الله سرائر الناس (رو ٢: ١٦). لذلك التبرير هنا هو الحكم المؤيد في الدينونة، لا التحرير من قوة كونية بالمعنى المباشر.
وفي رو ٣: ٢٠ يكتب:
ἐξ ἔργων νόμου οὐ δικαιωθήσεται πᾶσα σὰρξ ἐνώπιον αὐτοῦ
“بأعمال الناموس لا يتبرر كل ذي جسد أمامه”.
تعبير “أمامه” يضع الإنسان أمام قاضيه. والقضية في المقطع هي أن “كل فم يستد” وأن العالم يصير “تحت قصاص من الله” (رو ٣: ١٩). من الصعب تحويل δικαιωθήσεται هنا إلى “يتحرر” من غير خسارة البنية المنطقية للنص. المقابل ليس الأسر والحرية، بل الاتهام والحكم.
ثم تأتي رو ٣: ٢٤:
δικαιούμενοι δωρεὰν τῇ αὐτοῦ χάριτι
“متبررين مجانًا بنعمته”.
صحيح أن العدد يكمل بالحديث عن الفداء الذي في المسيح، لكن وجود الفداء لا يجعل “التبرير” مرادفًا له. بولس يستطيع أن يجمع بين ألفاظ متعددة لأن كل واحد منها يصف زاوية مختلفة من العمل الواحد: التبرير حكم، والفداء تحرير بثمن، والمصالحة إنهاء للعداوة، والتبني منح لمكانة البنين.
وفي رو ٣: ٢٦ يعلن بولس أن غاية عمل الله هي أن يكون
“بارًا ويبرر من هو من إيمان يسوع”
δίκαιον καὶ δικαιοῦντα
هنا يجتمع عدل القاضي مع حكمه لصالح المؤمن. السؤال الذي يعالجه بولس هو كيف يظل الله بارًا وهو يبرر الخاطئ. وإذا صار “يبرر” مجرد “يحرر”، تضعف حدة هذا السؤال، لأن الملك يستطيع أن يحرر أسيرًا من عدو من غير أن يثار تلقائيًا سؤال توافق التحرير مع عدالته. أما تبرير الفاجر فيستدعي بالضرورة تفسيرًا لكيف لا يصبح الحكم ظلمًا.
وتبلغ المفارقة ذروتها في رو ٤: ٥، حيث يوصف الله بأنه
“الذي يبرر الفاجر”
τὸν δικαιοῦντα τὸν ἀσεβῆ
التعبير يستدعي عمدًا الخلفية التي تحرّم تبرير الشرير. فالله لا يعلن أن الفجور فضيلة، ولا يتجاهل الحقيقة الأخلاقية، بل يبرر الفاجر على أساس عمل المسيح، ويحسب له الإيمان برًا. لذلك لا يستطيع المنظور المُصلَح الاكتفاء بقول إن الله يحرر الفاجر، لأن التوتر المقصود في العبارة هو توتر الحكم لصالح من لا يملك في نفسه أساس هذا الحكم.[16]
وفي رو ٥: ١ ينتج عن التبرير “سلام مع الله”، وفي رو ٥: ٩ يرتبط التبرير بدم المسيح والنجاة من الغضب الآتي. هذه الروابط لا تختزل الخلاص في المحكمة، لكنها تؤكد أن التبرير يعالج العداوة والحكم والغضب، لا مجرد سيادة الخطية.
رو ٨: ٣٠ و٨: ٣٣: لغة المحكمة صريحة
في السلسلة الذهبية يقول بولس: “الذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضًا” (رو ٨: ٣٠). ثم يفسر الأمان الذي ينتج عن ذلك في رو ٨: ٣٣:
τίς ἐγκαλέσει κατὰ ἐκλεκτῶν θεοῦ; θεὸς ὁ δικαιῶν
“من سيشتكي على مختاري الله؟ الله هو الذي يبرر”.
هنا تظهر المحكمة في مفرداتها الصريحة: شكوى، وتبرير، وإدانة في العدد التالي. لا تعني العبارة أن لا أحد يستطيع استعباد المختارين لأن الله حررهم، مع أن هذا حق في مواضع أخرى، بل أن لا اتهام يستطيع إسقاط الحكم الذي أصدره الله لصالحهم. هذا النص وحده يمنع جعل “التحرير” تعريفًا عامًا للفعل عند بولس.
١ كو ٤: ٤: التبرير ليس التحول الأخلاقي
يقول بولس:
“لست أشعر بشيء في ذاتي، لكنني لست بذلك مبررًا، والذي يحكم فيّ هو الرب”:
ἀλλ᾽ οὐκ ἐν τούτῳ δεδικαίωμαι, ὁ δὲ ἀνακρίνων με κύριός ἐστιν.
الفعل هنا في الصيغة نفسها تقريبًا الموجودة في رو ٦: ٧، أي التام المبني للمجهول، لكن معناه لا يمكن أن يكون “تحررت”. بولس يقول إن ضميره الهادئ لا يصدر الحكم النهائي ببراءته، لأن الرب هو الفاحص والقاضي. هذا يثبت أن الصيغة الصرفية وحدها لا تجعل المعنى تحريريًا، وأن δεδικαίωμαι يحمل معنى التبرئة أو التزكية القضائية بحسب السياق.
وفي ١ كو ٦: ١١ يأتي “تبررتم” مع “اغتسلتم” و”تقدستم”. اجتماع الأفعال الثلاثة لا يعني أنها مترادفات. بل على العكس، يميز بولس بين التطهير والتقديس والتبرير، مع أنها منافع متحدة في اختبار الخلاص وفي اسم الرب يسوع وبروح الله.
غل ٢-٥: التبرير في مقابل أعمال الناموس والإدانة
يظهر الفعل ثلاث مرات في غل ٢: ١٦. لا يتبرر الإنسان بأعمال الناموس، بل بالإيمان بالمسيح، وقد آمن الرسل لكي يتبرروا، لأن بأعمال الناموس لا يتبرر جسد ما. إن تكرار اللفظ، وإسناد التبرير إلى الله، ومقابلته بأعمال الناموس، كلها تشير إلى تحديد الأساس الذي يقف عليه الإنسان مقبولًا أمام الله.
وفي غل ٣: ٨ يقول الكتاب مقدمًا إن الله “يبرر الأمم بالإيمان”. وفي غل ٣: ١١ يعلن أن أحدًا لا يتبرر بالناموس “عند الله”. ثم يربط غل ٣: ٢٤ التبرير بالإيمان، بينما يحذر غل ٥: ٤ الذين “يتبررون بالناموس” من أنهم انفصلوا عن المسيح. الخلاف ليس: بأي قوة سيتحرر الإنسان؟ بل: على أي أساس يطلب حكم القبول أمام الله؟
لا يعني ذلك أن غلاطية تخلو من التحرير. الرسالة تبدأ بأن المسيح بذل نفسه لينقذنا من الدهر الحاضر الشرير (غل ١: ٤)، وتتحدث عن الفداء من لعنة الناموس (غل ٣: ١٣) ومن العبودية (غل ٤: ١-٧). لكن بولس يستطيع أن يضع التبرير والفداء والتحرير في الرسالة نفسها من غير أن يذيب معانيها في بعضها. وحدة الخلاص لا تستلزم ترادف مفرداته.
١ تي ٣: ١٦ وتي ٣: ٧: التزكية والحكم الوارث
في ١ تي ٣: ١٦ يقال عن المسيح إنه:
ἐδικαιώθη ἐν πνεύματι
“تبرر في الروح” أو “ثبت بره بالروح”.
لا يمكن أن يكون المعنى أن المسيح تحرر من الخطية، لأنه لم يكن تحت سلطانها، ولا أنه صار أخلاقيًا بارًا، بل إن قيامته وعمل الروح أظهرا صدقه وبره وزكياه في مواجهة الحكم البشري الذي رفضه.
وفي تي ٣: ٧ يرتبط التبرير بالنعمة وبالتحول إلى ورثة حسب رجاء الحياة الأبدية. مرة أخرى، هو منح لمكانة وحكم جديدين، حتى وإن جاء داخل خلاص يتضمن التجديد وغسل الميلاد الثاني.
رومية ٦: ٧ تحت المجهر
النص والتحليل الصرفي
نص العدد هو:
ὁ γὰρ ἀποθανὼν δεδικαίωται ἀπὸ τῆς ἁμαρτίας
الصيغة δεδικαίωται هي فعل في الزمن التام، مبني للمجهول، خبري، للغائب المفرد. الزمن التام يشير إلى حدث وقع وتبقى نتيجته قائمة: الذي مات صار في حالة ناتجة عن فعل وقع عليه. وحرف الجر ἀπό مع المضاف إليه τῆς ἁμαρτίας يعطي معنى الانفصال “عن الخطية”.
لهذا تبدو الترجمة “قد تحرر من الخطية” طبيعية جدًا في السياق. فالآيات السابقة تتحدث عن أن الإنسان العتيق صُلب لكي يُبطل جسد الخطية فلا نعود نُستعبد للخطية (رو ٦: ٦)، والآيات اللاحقة تتحدث عن الحياة مع المسيح وعدم سيادة الخطية. لا ينبغي للقراءة المُصلَحة أن تقاوم هذه النتيجة أو تحاول تحويل رو ٦ إلى حديث عن سجل قانوني فقط. موضوع المقطع هو الانقطاع الحاسم مع سلطان الخطية بواسطة الاتحاد بموت المسيح وقيامته.
لكن السؤال الدقيق هو: هل “التحرر” هو المعنى المعجمي المباشر للفعل δικαιόω هنا، أم الترجمة السياقية لنتيجة حكم أو انفصال ذي لون قضائي؟
ثلاثة طرق لقراءة العدد
يمكن تنظيم أهم القراءات في ثلاثة اتجاهات.
- الاتجاه الأول يرى في العدد قاعدة شبه قانونية: الميت خرج من نطاق مطالبة سيده السابق. الموت ينهي سلطة السيد أو المطالبة التي كانت قائمة على الشخص. في هذا المعنى يكون “تبرر من الخطية” قريبًا من “أُخلي سبيله من مطالبتها”. فالتحرير حقيقي، لكن الاستعارة القانونية ما زالت حاضرة.
- الاتجاه الثاني يحافظ على المعنى القضائي بصورة أقوى: الذي مات مع المسيح حُكم لصالحه بالنسبة إلى الخطية، ولذلك لم يعد تحت إدانتها وسلطانها. وقد شدّد جون مورِي على أن استعمال بولس شبه الموحد للفعل قضائي، وأن رو ٦: ٧ لا ينبغي أن يُفصل بسهولة عن هذا الاستعمال، لكنه رأى في العدد تحريرًا حاسمًا من سيادة الخطية داخل ما سمّاه “التقديس الحاسم”.[17]
- الاتجاه الثالث يقر بحدوث امتداد دلالي سياقي، فيترجم الفعل ببساطة “تحرر” أو “أُطلق”. وهذه الترجمة مقبولة على مستوى المعنى الإجمالي للجملة، حتى إن لم نعتبرها تعريفًا معجميًا عامًا للفعل. فقد تتغير الترجمة الملائمة بسبب التركيب δικαιόω ἀπό والسياق المتعلق بالعبودية، من غير أن يلزم أن تحمل جميع استعمالات δικαιόω معنى التحرير.
الأقرب هو الجمع بين عناصر الاتجاهين الأول والثالث: بولس يستعمل لفظًا قضائيًا في تركيب غير مألوف نسبيًا ليصف الانفصال النهائي عن مطالبة الخطية وسيادتها. ولذلك يمكن ترجمة النتيجة “تحرر”، مع بقاء الصبغة الأصلية “تبرر أو أُخليت ساحته من” أو “تبرأ” في خلفية العبارة. وقد لاحظ بعض النقاد أن وجود ἀπό في رو ٦: ٧ يميز تركيب العدد عن رو ٣: ٢٤ وغيرها، مما يجعل استخدام رو ٦: ٧ لتعريف كل لغة التبرير عند بولس خطوة غير مبررة.[18]
لماذا لا تثبت رو ٦: ٧ قراءة كامبل لكل المواضع؟
- أولًا، السياق يحكم المعنى. في رو ٨: ٣٣ تحيط بالفعل ألفاظ الشكوى والإدانة، وفي رو ٣: ٢٠ يقف الإنسان أمام الله وتُسد الأفواه، وفي رو ٤: ٥ يبرر الله الفاجر. لا يستطيع معنى “التحرير” أن يفسر هذه المواضع بالوضوح نفسه الذي يفسرها به الحكم القضائي.
- ثانيًا، التركيب في رو ٦: ٧ متميز. الفعل متبوع بـ ἀπό، “من الخطية”، بينما الاستعمالات المركزية في رو ٣-٥ تتحدث عن تبرير أشخاص أمام الله، أو تبريرهم بالإيمان، أو مجانًا بالنعمة، أو بالدم. لا يجوز إهمال اختلاف العلاقات النحوية ثم افتراض معنى واحد تحريري في جميع النصوص.
- ثالثًا، توجد أمثلة داخل بولس نفسه تمنع تعميم التحرير، مثل رو ٣: ٤ عن تبرير الله في كلامه، و١ كو ٤: ٤ عن عدم تبرير بولس بسبب ضميره، و١ تي ٣: ١٦ عن تزكية المسيح. هذه النصوص لا تصف خروجًا من الأسر.
- رابعًا، الترجمة لا تساوي دائمًا التحليل المعجمي. قد يترجم المترجم عبارة ما بكلمة “تحرر” لأنها أوضح في العربية أو الإنجليزية، لكنه لا يدعي أن المعنى القاموسي للفعل هو “حرر” في جميع السياقات. الترجمة تنقل معنى الجملة، بينما الدراسة المعجمية تميز إسهام كل عنصر فيها.
- خامسًا، حتى لو سلّمنا بأن الفعل يحمل في رو ٦: ٧ معنى “أُطلق من سلطان الخطية”، فهذا يثبت تعددًا سياقيًا محدودًا، لا أن الاستعمال القضائي في رو ٣ اختراع لاهوتي لاحق. وقد أشار بروثرو إلى أن استعمال بولس مع الأشخاص إيجابي ومتصّل بتقليد يهودي ومسيحي عن حكم الله، وأن رو ٦: ٧ نفسه يقع قرب تقليد المعمودية والاتحاد بالمسيح، دون أن يلغي الجذر القضائي للفظ.[19]
الرد من المنظور المُصلَح
ما الذي ينبغي قبوله من المنظور الرؤيوي؟
الرد المُصلَح الجيد لا يبدأ بإنكار ما أثبته النص. الخطية في بولس ليست أفعالًا متفرقة فقط، بل سلطان. والمسيح لم يأت ليغفر الماضي ويترك المؤمن عبدًا في الحاضر. الصليب قيامة وانتصار وخروج جديد. والمؤمن مات مع المسيح وقام معه، ولم يعد تحت سيادة الخطية القديمة. والخليقة الجديدة بدأت بالفعل وستشمل العالم كله. كما أن التراث المُصلَح نفسه أوسع من الصور الشعبية المختزلة. فكالفن لم يحصر عمل المسيح في صورة واحدة، والاعترافات المُصلَحة تجمع بين الغفران والتجديد والتبني والتقديس. وقد صاغ جون مَري مفهوم “التقديس الحاسم” ليؤكد أن رو ٦ لا يتحدث فقط عن عملية أخلاقية بطيئة، بل عن قطع نهائي في مجال السيادة: المؤمن لا يزال يحارب الخطية، لكنه لم يعد عبدًا تحت حقها الملكي السابق.[20] لذلك لا ينبغي الرد على كامبل بقول: “التبرير قضائي، إذن التحرير غير مهم”. هذا رد يقبل الثنائية التي فرضها ثم يختار الطرف الآخر. الأفضل هو القول: بولس يعلن تبريرًا قضائيًا، وتحريرًا سياديًا، ومصالحة، وتبنيًا، وحياة جديدة. هذه أبعاد متمايزة لعمل المسيح الواحد.
التبرير حكم لا ضخّ للبر داخل الإنسان
يعرّف التقليد المُصلَح التبرير بأنه عمل نعمة حر، يغفر فيه الله خطايا المؤمنين ويحسبهم أبرارًا، لا بسبب بر غُرس فيهم أو أعمال صدرت منهم، بل بسبب طاعة المسيح ووفائه المحسوبين لهم، والمنالين بالإيمان.[21] لا يقصد هذا التعريف أن حكم الله “خيال قانوني” أو كلام بلا أثر. حكم الله الخالق فعّال ونهائي، لكنه حكم يغيّر مكانة الشخص أمامه، لا عملية تحويل أخلاقي تُسمى خطأ تبريرًا. يفرّق كالفن بين التبرير والتقديس لكي يحفظ مجانية القبول، لكنه يرفض فصل الاثنين لأن المسيح لا يُقسم. من يتحد بالمسيح يناله برًا وقداسة، لكن بر التبرير ليس درجة التقدم الأخلاقي في المؤمن.[22] وهذا التمييز يحمي الضمير: سلام المؤمن مع الله لا يرتفع وينخفض بحسب جودة أدائه اليومي، مع أن الإيمان الذي يتبرر به لا يبقى بلا ثمر.
لماذا البعد القضائي ضروري للنص، لا لمجرد نظام لاهوتي؟
المنظور المُصلَح لا يتمسك بالمحكمة لأنها صورة محببة في الغرب، بل لأن نصوص بولس تفرضها. في رو ٣: ٩-٢٠ هناك اتهام وفم مستد وعالم تحت حكم الله. وفي رو ٣: ٢٤-٢٦ هناك تبرير ودم وإظهار لبر الله. وفي رو ٥: ٩ تبرير بالدم ونجاة من الغضب. وفي رو ٨: ٣٣-٣٤ شكوى وتبرير وإدانة وشفاعة. وفي غل ٣: ١٠-١٣ لعنة يحملها المسيح. هذه ليست مفردات سجن فقط، بل محكمة وعهد ودينونة.
كما أن تضاد δικαιόω مع الإدانة يمنع تحويله إلى مجرد إنقاذ. القاضي الكتابي يبرر أو يدين. وإذا برر الشرير ظلمًا كان حكمه مكرهة، أما الله فيبرر الفاجر من غير أن يظلم لأن المسيح قُدّم كفارة، ولأن الله أدان الخطية في الجسد (رو ٨: ٣). إن إنكار البعد العقابي لا يترك فقط فراغًا داخل نظرية مُصلَحة، بل يجعل من الصعب تفسير لماذا يشدد بولس على دم المسيح ولعنته وغضب الله وعدله.
هل التبرير هو سبب التحرير؟
يحتاج التعبير هنا إلى دقة. قد يقال أحيانًا إن التبرير “يسبب” التقديس، لكن هذه العبارة إن أُخذت بصورة خطية ميكانيكية قد توحي بأن المؤمن ينال أولًا منفعة منفصلة، ثم تنتج منها منفعة أخرى لاحقًا. الصياغة المُصلَحة الأدق هي أن التبرير والتقديس كلاهما ينبعان من الاتحاد بالمسيح، وأنهما متميزان لكن لا ينفصلان. ففي المسيح ينال المؤمن حكم القبول أمام الله، وفي المسيح نفسه يموت للخطية ويحيا لله. لا يبرره الله لأنه تحرر أخلاقيًا، ولا يترك من برره تحت سيادة الخطية. الحكم القضائي لا يتأسس على التجديد، لكن المسيح الذي هو برنا هو أيضًا قداستنا (١ كو ١: ٣٠).
مع ذلك، توجد علاقة منطقية ولاهوتية عميقة بين إزالة الذنب وكسر السلطان. فالخطية تحكم الإنسان بوصفها قوة، لكنها أيضًا تجعله تحت الدينونة. والموت ليس عدوًا كونيًا مجردًا، بل “أجرة الخطية”. وحين يعالج المسيح ذنب الخطية ويحمل اللعنة، ينزع السند القضائي الذي به يشتكي المشتكي، ثم يهزم الموت والشيطان. ولهذا يجمع كو ٢: ١٣-١٥ بين غفران الخطايا ومحو الصك وتجريد الرئاسات والسلاطين. الانتصار لا ينافس الغفران، بل يقع الصليب الواحد في قلبهما.
التبرير والتحرير في رومية ٥-٨
بنية رومية نفسها تساعد على التكامل. بعد شرح التبرير بالإيمان في رو ٣-٤، يعرض بولس في رو ٥ ثماره وعلاقته بآدم والمسيح. ومن رو ٦ يبدأ السؤال: هل تؤدي النعمة إلى الاستمرار في الخطية؟ جواب بولس ليس الرجوع عن التبرير، بل إظهار أن الذين تبرروا متحدون بالمسيح الذي مات وقام. النعمة التي تبرر ليست مبدأً يسمح للخطية أن تملك، بل هي سلطان العهد الجديد: “الخطية لن تسودكم، لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة” (رو ٦: ١٤). في هذا السياق تعمل رو ٦: ٧ كجسر غني: الذي مات مع المسيح قد “تبرر من الخطية”، أي خرج بحكم موت المسيح من مطالبتها وسيادتها. لا يلزم أن نحول التبرير كله إلى تقديس، ولا أن نحرم العدد من قوة التحرير. اللفظ القضائي وواقع الاتحاد يلتقيان في عبارة واحدة دون أن يفقد كل منهما هويته. ويصل التكامل إلى ذروته في رو ٨. الله “دان الخطية في الجسد” لكي يتحقق مقصد الناموس في السالكين حسب الروح (رو ٨: ٣-٤). ويعلن أنه لا دينونة على الذين في المسيح (رو ٨: ١)، وأن ناموس روح الحياة حررهم من ناموس الخطية والموت (رو ٨: ٢). النص نفسه يضع “لا دينونة” و”التحرير” جنبًا إلى جنب. لا يذيب أحدهما في الآخر. فالتبرئة القضائية والتحرير الوجودي كلاهما في المسيح.
تقييم نقدي متوازن للمنظور الرؤيوي
إسهاماته الحقيقية
أول إسهام هو توسيع أفق الخلاص. فقد نبّه هذا الاتجاه إلى أن الإنجيل ليس حلًا خاصًا لقلق الفرد فحسب، بل إعلان ملك الله في المسيح وهزيمة الموت وبدء الخليقة الجديدة. وهذا يصحح روحانية تتجاهل الجسد والعالم والتاريخ.
الإسهام الثاني هو استعادة قوة لغة المشاركة والاتحاد بالمسيح. بولس لا يقول فقط إن المسيح فعل شيئًا خارج المؤمن، بل إن المؤمن مات معه وقام معه وسيظهر معه في المجد. هذا لا يلغي البدلية، لكنه يمنع تصويرها كمعاملة قانونية منفصلة عن شخص المسيح.
الإسهام الثالث هو قراءة الخطية بجدية أكبر. فالإنسان لا يملك أن يخلّص نفسه بمجرد قرار أفضل، لأن الخطية شوهت الإرادة وأقامت نظامًا من العبودية. وهنا يلتقي المنظور الرؤيوي مع تأكيد اللاهوت المُصلَح على الفساد الكلي وضرورة النعمة الفعالة، حتى لو اختلفت اللغة والإطارات.
الإسهام الرابع هو الربط بين القيامة والإسخاتولوجيا. قيامة المسيح ليست خاتمة سعيدة بعد الصليب، بل بداية العالم الآتي. والخلاص المسيحي يحمل منذ الآن طابع القيامة، وينتظر اكتماله في فداء الجسد.
مواضع المبالغة
تبدأ المبالغة حين يصبح الإنسان ضحية أكثر منه متمردًا. لا شك أنه مخدوع ومستعبد، لكن الكتاب يصر على أنه أحب الظلمة ورفض الله. وإذا خفتت المسؤولية، خفتت الحاجة إلى التوبة، وصار الخلاص أشبه بإنقاذ رهائن أبرياء من عدو خارجي.
وتظهر مبالغة ثانية حين يُفصل غضب الله عن محبته. ينتقد بعض الرؤيويين التكفير العقابي كأنه يقسم الثالوث بين أب غاضب وابن رحيم. لكن التكفير البدلي في صيغته الكتابية لا يقول ذلك. الآب هو الذي أحب وبذل الابن، والابن بذل نفسه طوعًا، والروح قدمه وأقامه. الله الواحد في محبته يعالج غضبه المقدس ضد الخطية، لا أن المسيح يقنع إلهًا غير راغب في الرحمة.
أما المبالغة الثالثة فهي جعل δικαιόω يحمل عبء اللاهوت التحريري كله. فالتحرير حاضر بقوة في كتابات بولس، لكنه يملك مفرداته الخاصة، مثل ἐλευθερόω، “يحرر”، كما في رو ٦: ١٨، ٢٢ ورو ٨: ٢، وῥύομαι، “ينقذ”، وἀπολύτρωσις، “فداء”. اختيار بولس δικαιόω في مواضع الحكم ليس صدفة يمكن استبدالها بمعنى التحرير بلا خسارة.
وهنا تظهر مشكلة لغوية واضحة في الحجة التحريرية. فإذا كان بولس يريد أن يقول ببساطة “تحرر”، فقد كان لديه الفعل الصريح ἐλευθερόω، وقد استخدمه بالفعل في السياق نفسه:
“وإذ أُعتقتم من الخطية صرتم عبيدًا للبر” (رو ٦: ١٨).
ἐλευθερωθέντες δὲ ἀπὸ τῆς ἁμαρτίας
ثم يقول:
“وأما الآن إذ أُعتقتم من الخطية وصرتم عبيدًا لله” (رو ٦: ٢٢):
νυνὶ δὲ ἐλευθερωθέντες ἀπὸ τῆς ἁμαρτίας
هذا هو الفعل اليوناني الطبيعي الذي يعني “يحرر” أو “يعتق”. لذلك لا يصح أن نأخذ ترجمة δεδικαίωται في رو ٦: ٧ إلى “تحرر”، ثم نستنتج أن δικαιόω صار مرادفًا كاملًا لـ ἐλευθερόω. الأرجح أن بولس يختار في رو ٦: ٧ لفظًا مختلفًا عمدًا. فالموت مع المسيح ينهي مطالبة الخطية بالشخص ويخرجه من مجال حقها وسلطانها، ثم يصف رو ٦: ١٨ و٢٢ النتيجة الفعلية لذلك بلغة التحرير الصريحة.
والمبالغة الرابعة هي التعامل مع الصور الخلاصية كأنها متنافسة. بولس لا يقدم نظرية واحدة مسطحة. الصليب ذبيحة وفدية وبدلية وانتصار ومصالحة وعهد جديد. المطلوب ليس صهر جميع الصور في واحدة، بل فهم علاقتها داخل القصة الواحدة.
صياغة مُصلَحة جامعة
يمكن تلخيص القراءة المقترحة في العبارات الآتية.
- الخطية عند بولس ذنب وسلطان. هي فعل عصيان يستوجب حكم الله، وهي أيضًا سيد يستعبد من يمارسها. لذلك يحتاج الإنسان إلى الغفران والتحرير معًا.
- موت المسيح بدلي وانتصاري. حمل المسيح لعنة الخطية ودينونتها ليس منافسًا لانتصاره على القوى، بل هو الطريق الذي به أبطل سلطان المشتكي والموت. والصليب ليس صراعًا بين العدل والرحمة، بل الموضع الذي ظهرا فيه معًا.
- التبرير حكم قضائي فعّال. الله يغفر ويحسب المؤمن بارًا بسبب المسيح، لا بسبب تغيره الداخلي. لكنه لا يصدر حكمًا عقيمًا، لأن الشخص المبرر متحد بالمسيح الحي.
- التحرير من سلطان الخطية منفعة حقيقية ومباشرة للاتحاد بالمسيح. المؤمن مات للخطية مرة واحدة من حيث انتقال السيادة، ثم يُدعى يوميًا إلى إماتة أعمال الجسد. هذا هو الفرق بين التقديس الحاسم والتقديس المتدرج.
- تعبر رو ٦: ٧ بجرأة عن التقاء العالمين. تحتفظ δεδικαίωται بلون الحكم والإخلاء من المطالبة، بينما يحدد السياق نتيجة هذا الحكم بوصفها تحررًا من سيادة الخطية. الآية لا تعيد تعريف كل تبرير بأنه تحرير، لكنها تمنعنا من تصور الحكم القضائي بمعزل عن الاتحاد بالمسيح وحياة القداسة.
خاتمة
أعاد المنظور الرؤيوي لبولس إلى الواجهة حقائق لا يجوز للكنيسة أن تفقدها: العالم الحاضر واقع تحت قوى الفساد، وقيامة المسيح افتتحت الدهر الآتي، والمؤمنون انتقلوا من آدم إلى المسيح، والخلاص يشمل هزيمة الخطية والموت وتجديد الخليقة. وهذه ليست إضافات هامشية إلى الإنجيل، بل عناصر أصيلة في بشارة بولس.
لكن قوة هذا المنظور تتحول إلى ضعف حين يضع التحرير مكان التبرير، أو يجعل الإنسان ضحية بلا ذنب، أو يفسر الصليب انتصارًا لا يحمل الدينونة، أو يعيد تعريف δικαιόω على أساس رو ٦: ٧ ثم يفرض هذا التعريف على نصوص المحكمة في رو ٣ و٨ وغلاطية.
يظهر التتبع اللغوي أن الاستعمال الغالب للفعل عند بولس قضائي: يبرر الله الفاجر، ولا يتبرر أحد بأعمال الناموس، ولا يستطيع أحد أن يشتكي على من بررهم الله. أما رو ٦: ٧ فتقع في سياق التحرير من عبودية الخطية، ولذلك يصح نقل نتيجتها إلى العربية بلفظ “تحرر”، لكن هذا لا يلغي خلفية الإخلاء من المطالبة والحكم المؤيد. الاستثناء السياقي لا يصبح القاعدة التي تعيد تعريف جميع المواضع.
القراءة المُصلَحة الأكثر اكتمالًا لا تختار بين المحكمة وساحة المعركة. في الصليب نفسه دان الله الخطية وغفر الخطايا، ومحا الصك وجرد القوات، وصالح أعداءه ونقلهم إلى ملكوت ابنه. وفي الاتحاد بالمسيح ينال المؤمن مكانة جديدة وحياة جديدة: يُحسب بارًا أمام الله، ويموت عن سيده القديم، ويبدأ السير في جدة الحياة. لذلك لا ينبغي فصل ما جمعه بولس، كما لا ينبغي خلط ما ميّزه. الإنجيل يعلن تبرير المذنب وتحرير العبد، لأن الشخص نفسه مذنب وعبد، والمسيح الواحد هو بره وحريته.
ملحق: مواضع الفعل δικαιόω في رسائل بولس
| الدلالة السياقية الأقرب | التحليل الصرفي المختصر بالعربية والإنجليزية | الصيغة اليونانية | الموضع |
| الحكم لصالح فاعلي الناموس في الدينونة | مستقبل مبني للمجهول، خبري، الغائب الجمع، Future Passive Indicative, 3rd Person Plural | δικαιωθήσονται | رو ٢: ١٣ |
| إثبات صدق الله وتزكيته في كلامه | ماضٍ بسيط مبني للمجهول، احتمالي، المخاطب المفرد، Aorist Passive Subjunctive, 2nd Person Singular | δικαιωθῇς | رو ٣: ٤ |
| التبرئة أو القبول أمام الله | مستقبل مبني للمجهول، خبري، الغائب المفرد، Future Passive Indicative, 3rd Person Singular | δικαιωθήσεται | رو ٣: ٢٠ |
| التبرير المجاني بالنعمة | اسم فاعل مضارع مبني للمجهول، مرفوع مذكر جمع، Present Passive Participle, Nominative Masculine Plural | δικαιούμενοι | رو ٣: ٢٤ |
| الله الذي يحكم لصالح المؤمن | اسم فاعل مضارع معلوم، منصوب مذكر مفرد، Present Active Participle, Accusative Masculine Singular | δικαιοῦντα | رو ٣: ٢٦ |
| التبرير بالإيمان دون أعمال الناموس | مصدر مضارع مبني للمجهول، Present Passive Infinitive | δικαιοῦσθαι | رو ٣: ٢٨ |
| فعل الله في تبرير اليهود والأمم | مستقبل معلوم، خبري، الغائب المفرد، Future Active Indicative, 3rd Person Singular | δικαιώσει | رو ٣: ٣٠ |
| تبرير إبراهيم، في فرض جدلي | ماضٍ بسيط مبني للمجهول، خبري، الغائب المفرد، Aorist Passive Indicative, 3rd Person Singular | ἐδικαιώθη | رو ٤: ٢ |
| الله الذي يبرر الفاجر | اسم فاعل مضارع معلوم، منصوب مذكر مفرد، Present Active Participle, Accusative Masculine Singular | δικαιοῦντα | رو ٤: ٥ |
| حكم التبرير الذي ينتج سلامًا مع الله | اسم فاعل ماضٍ بسيط مبني للمجهول، مرفوع مذكر جمع، Aorist Passive Participle, Nominative Masculine Plural | δικαιωθέντες | رو ٥: ١ |
| التبرير بالدم والنجاة من الغضب | اسم فاعل ماضٍ بسيط مبني للمجهول، مرفوع مذكر جمع، Aorist Passive Participle, Nominative Masculine Plural | δικαιωθέντες | رو ٥: ٩ |
| أُخلي من مطالبة الخطية، فتحرر من سلطانها | تام مبني للمجهول، خبري، الغائب المفرد، Perfect Passive Indicative, 3rd Person Singular | δεδικαίωται | رو ٦: ٧ |
| فعل الله الحاسم في سلسلة الخلاص | ماضٍ بسيط معلوم، خبري، الغائب المفرد، ورد مرتين، Aorist Active Indicative, 3rd Person Singular, occurring twice | ἐδικαίωσεν | رو ٨: ٣٠ |
| حكم الله ضد كل شكوى أو اتهام | اسم فاعل مضارع معلوم، مرفوع مذكر مفرد، Present Active Participle, Nominative Masculine Singular | δικαιῶν | رو ٨: ٣٣ |
| التبرئة أو التزكية، لا مجرد راحة الضمير | تام مبني للمجهول، خبري، المتكلم المفرد، Perfect Passive Indicative, 1st Person Singular | δεδικαίωμαι | ١ كو ٤: ٤ |
| التبرير المتميز عن الغسل والتقديس | ماضٍ بسيط مبني للمجهول، خبري، المخاطب الجمع، Aorist Passive Indicative, 2nd Person Plural | ἐδικαιώθητε | ١ كو ٦: ١١ |
| التبرير لا بأعمال الناموس | حاضر مبني للمجهول، خبري، الغائب المفرد، Present Passive Indicative, 3rd Person Singular | δικαιοῦται | غل ٢: ١٦ |
| غاية الإيمان بالمسيح، أن نتبرر | ماضٍ بسيط مبني للمجهول، احتمالي، المتكلم الجمع، Aorist Passive Subjunctive, 1st Person Plural | δικαιωθῶμεν | غل ٢: ١٦ |
| نفي تبرير أي جسد بأعمال الناموس | مستقبل مبني للمجهول، خبري، الغائب المفرد، Future Passive Indicative, 3rd Person Singular | δικαιωθήσεται | غل ٢: ١٦ |
| طلب التبرير في المسيح | مصدر ماضٍ بسيط مبني للمجهول، Aorist Passive Infinitive | δικαιωθῆναι | غل ٢: ١٧ |
| الله يبرر الأمم بالإيمان | مضارع معلوم، خبري، الغائب المفرد، Present Active Indicative, 3rd Person Singular | δικαιοῖ | غل ٣: ٨ |
| لا أحد يتبرر بالناموس عند الله | مضارع مبني للمجهول، خبري، الغائب المفرد، Present Passive Indicative, 3rd Person Singular | δικαιοῦται | غل ٣: ١١ |
| التبرير بالإيمان | ماضٍ بسيط مبني للمجهول، احتمالي، المتكلم الجمع، Aorist Passive Subjunctive, 1st Person Plural | δικαιωθῶμεν | غل ٣: ٢٤ |
| محاولة طلب التبرير بالناموس | مضارع مبني للمجهول، خبري، المخاطب الجمع، Present Passive Indicative, 2nd Person Plural | δικαιοῦσθε | غل ٥: ٤ |
| تزكية المسيح وإظهار بره بالروح | ماضٍ بسيط مبني للمجهول، خبري، الغائب المفرد، Aorist Passive Indicative, 3rd Person Singular | ἐδικαιώθη | ١ تي ٣: ١٦ |
| التبرير بالنعمة ومنح مكانة الورثة | اسم فاعل ماضٍ بسيط مبني للمجهول، مرفوع مذكر جمع، Aorist Passive Participle, Nominative Masculine Plural | δικαιωθέντες | تي ٣: ٧ |
قائمة المراجع
المصادر اليونانية والمعاجم
Bauer, Walter, Frederick William Danker, William F. Arndt, and F. Wilbur Gingrich. A Greek-English Lexicon of the New Testament and Other Early Christian Literature. 3rd ed. Chicago: University of Chicago Press, 2000.
Holmes, Michael W., ed. The Greek New Testament: SBL Edition. Atlanta: Society of Biblical Literature; Bellingham, WA: Logos Bible Software, 2010.
https://www.sbl-site.org/resources/digital-texts/sbl-greek-new-testament/
Tauber, J. K., ed. MorphGNT: SBLGNT Edition. Version 6.12. 2017.
https://doi.org/10.5281/zenodo.376200
دراسات المنظور الرؤيوي وبولس
Beker, Johan Christiaan. Paul the Apostle: The Triumph of God in Life and Thought. Philadelphia: Fortress Press, 1980.
Campbell, Douglas A. The Deliverance of God: An Apocalyptic Rereading of Justification in Paul. Grand Rapids: Eerdmans, 2009.
Campbell, Douglas A. “Rereading Paul’s ΔΙΚΑΙΟ-Language.” In Beyond Old and New Perspectives on Paul: Reflections on the Work of Douglas Campbell, edited by Chris Tilling, 196-213. Eugene, OR: Cascade Books, 2014.
Eastman, Susan. “Double Participation and the Responsible Self in Romans 5-8.” In Apocalyptic Paul: Cosmos and Anthropos in Romans 5-8, edited by Beverly Roberts Gaventa, 89-109. Waco, TX: Baylor University Press, 2013.
Fahim, Sherif A. “Man’s Need for Salvation: Engaging Apocalyptic Paul’s View and Implications.” In The Crown of Creation: Humanity, the Image of God, and the Fall. Theo Global Journal 2, 327-338. Sola Media, 2025.
Gaventa, Beverly Roberts. “The Cosmic Power of Sin in Paul’s Letter to the Romans: Toward a Widescreen Edition.” Interpretation 58, no. 3 (July 2004): 229-240.
Käsemann, Ernst. Perspectives on Paul. Philadelphia: Fortress Press, 1971.
Martyn, J. Louis. Galatians: A New Translation with Introduction and Commentary. Anchor Bible 33A. New York: Doubleday, 1997.
Wright, N. T. Paul and His Recent Interpreters. Minneapolis: Fortress Press, 2015.
الدراسات النقدية والتفسيرية
Clark, Bruce. “Review Article: The Deliverance of God: An Apocalyptic Rereading of Justification in Paul by Douglas A. Campbell.” Tyndale Bulletin 64, no. 1 (2013): 65-76.
Moo, Douglas J. “Review Article: The Deliverance of God.” Journal of the Evangelical Theological Society 53, no. 1 (2010): 143-150.
Prothro, James B. “The Strange Case of Δικαιόω in the Septuagint and Paul: The Oddity and Origins of Paul’s Talk of ‘Justification.’” Zeitschrift für die neutestamentliche Wissenschaft 107, no. 1 (2016): 48-69.
https://doi.org/10.1515/znw-2016-0003
Schreiner, Thomas R. Romans. Baker Exegetical Commentary on the New Testament. Grand Rapids: Baker Books, 1998.
المصادر المُصلَحة
Calvin, John. Institutes of the Christian Religion. Translated by Ford Lewis Battles. Edited by John T. McNeill. 2 vols. Philadelphia: Westminster Press, 1960.
The Heidelberg Catechism. Question 60.
Murray, John. “Definitive Sanctification.” In Collected Writings of John Murray. Vol. 2, Select Lectures in Systematic Theology, 277-313. Edinburgh: Banner of Truth, 1977.
Murray, John. The Epistle to the Romans. Vol. 1. New International Commentary on the New Testament. Grand Rapids: Eerdmans, 1959.
The Westminster Confession of Faith. Chapter 11.
[1] Ernst Käsemann, Perspectives on Paul (Philadelphia: Fortress Press, 1971), 26; Johan Christiaan Beker, Paul the Apostle: The Triumph of God in Life and Thought (Philadelphia: Fortress Press, 1980), 8, 189; N. T. Wright, Paul and His Recent Interpreters (Minneapolis: Fortress Press, 2015), 136. See also the critical survey in Sherif A. Fahim, “Man’s Need for Salvation: Engaging Apocalyptic Paul’s View and Implications,” in The Crown of Creation: Humanity, the Image of God, and the Fall, Theo Global Journal, vol. 2 (Sola Media, 2025), 327-338.
[2] Douglas A. Campbell, The Deliverance of God: An Apocalyptic Rereading of Justification in Paul (Grand Rapids: Eerdmans, 2009), 36-61, 658-665; Douglas A. Campbell, “Rereading Paul’s ΔΙΚΑΙΟ-Language,” in Beyond Old and New Perspectives on Paul: Reflections on the Work of Douglas Campbell, ed. Chris Tilling (Eugene, OR: Cascade Books, 2014), 196-213, esp. 208. For a summary of the objection, see Douglas J. Moo, “Review Article: The Deliverance of God,” Journal of the Evangelical Theological Society 53, no. 1 (2010): 143-150, esp. 145-146.
[3] Käsemann, Perspectives on Paul, 26.
[4] Susan Eastman, “Double Participation and the Responsible Self in Romans 5-8,” in Apocalyptic Paul: Cosmos and Anthropos in Romans 5-8, ed. Beverly Roberts Gaventa (Waco, TX: Baylor University Press, 2013), 100.
[5] J. Louis Martyn, Galatians: A New Translation with Introduction and Commentary, Anchor Bible 33A (New York: Doubleday, 1997), 308.
[6] Beverly Roberts Gaventa, “The Cosmic Power of Sin in Paul’s Letter to the Romans: Toward a Widescreen Edition,” Interpretation 58, no. 3 (July 2004): 229-240, esp. 233, 236.
[7] Beker, Paul the Apostle, 189, 191.
[8] Campbell, Deliverance of God, 36-61. For a detailed criticism of Campbell’s methodology, see Moo, “Review Article,” 143-150.
[9] Moo, “Review Article,” 145; Campbell, Deliverance of God, 658-665.
[10] Campbell, Deliverance of God, 683-693; Fahim, “Man’s Need for Salvation,” 334-335.
[11] Greek New Testament text according to Michael W. Holmes, ed., The Greek New Testament: SBL Edition (Atlanta: Society of Biblical Literature; Bellingham, WA: Logos Bible Software, 2010), Rom. 6:7. Morphological analysis according to J. K. Tauber, ed., MorphGNT: SBLGNT Edition, version 6.12 (2017), https://doi.org/10.5281/zenodo.376200.
[12] Walter Bauer, Frederick William Danker, William F. Arndt, and F. Wilbur Gingrich, A Greek-English Lexicon of the New Testament and Other Early Christian Literature, 3rd ed. (Chicago: University of Chicago Press, 2000), 249.
[13] James B. Prothro, “The Strange Case of Δικαιόω in the Septuagint and Paul: The Oddity and Origins of Paul’s Talk of ‘Justification,’” Zeitschrift für die neutestamentliche Wissenschaft 107, no. 1 (2016): 48-69, esp. 57-66, https://doi.org/10.1515/znw-2016-0003.
[14] Prothro, “Strange Case,” 57-60. See Deut. 25:1; Exod. 23:7; Prov. 17:15 in the Septuagint.
[15] The count is based on the SBLGNT text and MorphGNT data: twenty-seven forms in twenty-five verses, fifteen in Romans, two in 1 Corinthians, eight in Galatians, one in 1 Timothy, and one in Titus. Holmes, Greek New Testament; Tauber, MorphGNT.
[16] For an exegetical discussion of Rom. 3:21-26, see Thomas R. Schreiner, Romans, Baker Exegetical Commentary on the New Testament (Grand Rapids: Baker Books, 1998), 177-207. For Rom. 5:1 and 5:9, see 248-261, 281-284.
[17] John Murray, “Definitive Sanctification,” in Collected Writings of John Murray, vol. 2, Select Lectures in Systematic Theology (Edinburgh: Banner of Truth, 1977), 277-313. Murray relates Rom. 6:7 to the decisive breach with sin’s dominion while retaining the generally forensic character of Paul’s use of δικαιόω.
[18] Bruce Clark, “Review Article: The Deliverance of God: An Apocalyptic Rereading of Justification in Paul by Douglas A. Campbell,” Tyndale Bulletin 64, no. 1 (2013): 65-76, esp. 72-73. Clark observes that the addition of ἀπό in Rom. 6:7 is a syntactical marker distinguishing the verse from Rom. 3:24 and its parallels.
[19] Prothro, “Strange Case,” 64-69. Prothro notes the proximity of justification language to baptismal traditions in 1 Cor. 6:11, Gal. 3:24, 27, and Rom. 6:3-7, without concluding that the term lost its judicial sense.
[20] Murray, “Definitive Sanctification,” 277-313. See also John Murray, The Epistle to the Romans, vol. 1, New International Commentary on the New Testament (Grand Rapids: Eerdmans, 1959), 212-229.
[21] The Westminster Confession of Faith, 11.1. See also Heidelberg Catechism, Q. 60.
[22] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, 3.11.1-4, trans. Ford Lewis Battles, ed. John T. McNeill, 2 vols. (Philadelphia: Westminster Press, 1960), 1:725-732.

