كيف تحدثنا آلام أيوب عن آلام وصلب يسوع المسيح؟

يعرف الجميع آلام ومعاناة أيوب. ففي غضون بضعة أصحاحات، نرى كيف سُلبت حميره وجِماله، والتهمت النار ماشيته وأغنامه، وانهار المبنى على أبنائه وبناته من جرّاء ريح شديدة (أيوب 1: 13-19). وليس هذا كل شيء، فقد أُصيب أيوب نفسه بمرضٍ جلدي كريه (أيوب 2: 7). وكثيرًا ما نتساءل مرددين صدى تساؤلات أيوب وأصدقاءه: لماذا؟ لماذا اختبر أيوب كل هذه الآلام؟ في الواقع، لا يُقدّم لنا السفر إجابة واضحة.

فليس هدف سفر أيوب أن يُقدّم لنا أسباب واضحة لمشكلة الألم. بدلًا من ذلك، يشير أيوب إلى الشخص الذي أخذ مكاننا وتألّم نيابة عنّا.

كلاهما كان بار

تبدأ قصة أيوب بوصف الله لأيوب بأنه كان: “رَجُلٌ كامِلٌ ومُستَقيمٌ، يتَّقي اللهَ ويَحيدُ عن الشَّرِّ” (أيوب 1: 8). كما يؤّكد أيوب بقوة في (أصحاح 31) على بره وبالتالي براءته. في وسط عالم ساقط شرير، وُصفَ أيوب بأنه: “ليس مِثلُهُ في الأرضِ” (أيوب 1: 8).

ورغم ذلك، حتى أيوب لم يكن كامل. فقد شعر بذنبه على خطايا شبابه، كما تشكك في أنه ربما أخفى خطايا لا يذكرها (أيوب 13: 23، 26). وعند ذروة القصة، حينما رأى الله وجهًا لوجه، كانت أولى الكلمات التي نطق بها أيوب هي كلمات التوبة (أيوب 40: 4-5؛ 42: 2-6). ومع ذلك، ظل الله مسرورًا بأيوب، داعيًا إياه “عَبدي” (أيوب 42: 7).

بالطبع كان يسوع بار تمامًا. وقد وُصف يسوع، كأيوب، بكونه عبد وخادم لله. لكنه على العكس من أيوب، كان يسوع أيضًا هو ابن الله الحبيب (لوقا 9: 35). لقد جُرّب يسوع بصورة مروّعة من قِبَل إبليس نفسه، وبرغم ذلك لم يخطئ قط، ولا حتى مرة واحدة (عبرانيين 4: 15). فقد وصفه الرسول يوحنا، أفضل أصدقاء المسيح على الأرض، بأنه “يَسوعُ المَسيحُ البارُّ” (يوحنا الأولى 2: 1).

كان أيوب صالحًا صلاحًا نسبيًا، أما يسوع، فقط كان بارًا برًا مطلقًا، خاليًا من أيّ خطيّة. فهو “لَمْ يَعرِفْ خَطيَّةً”، “ولَمْ يَفعَلْ خَطيَّةً”، “وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ” (كورنثوس الثانية 5: 21؛ بطرس الأولى 2: 22؛ يوحنا الأولى 3: 5).

كلاهما تألم آلام شديدة

يُعد أحد أهم أوجه التشابه اللافتة للنظر بين أيوب ويسوع في لحظة آلامهما العميقة. حتى أنه يمكننا القول إن أيوب قد تحمّل نوعًا من الآلام التي تُشير وترمز لآلام المسيح [آلام خيانته والقبض عليه، وعذاباته ثم صلبه]. وفي آلام أيوب ومعاناته، نرى شيئًا من المسيح.

لم يفقد أيوب أسرته وممتلكاته فحسب، بل عانى من جرّاء آلام جسديّة شديدة. فقد أسود جلده بسبب القروح التي شوهته حتى أصبح من الصعب التعرُف عليه. بل ومنعته تلك الآلام حتى عن النوم (أيوب 2: 12؛ 30: 16-18، 27-30).

قبل موته، عانى المسيح أيضًا من آلام جسديّة مروّعة من جَلدٍ، وتاج شوكٍ، وآلام الصلب نفسه.

ولكن الآلام الجسديّة ليست هي الآلام الوحيدة التي نتعرّض لها، وأحيانًا كثيرة، ليست هي الأسوأ. فقد اتُهِمَ أيوب من قِبَل أصدقائه، وازدروا به، وسخروا منه. فيقول أيوب مثلًا: “فغَروا علَيَّ أفواهَهُمْ. لَطَموني علَى فكّي تعييرًا. تعاوَنوا علَيَّ جميعًا” (أيوب 16: 10-11؛ 30: 1-15). تبدو كلمات أيوب هنا رثاءً نبويًا عمّا تحمّله المسيح من سخرية وخيانة، سواء من الجموع أو حتى من أصدقائه المقربين.

ولكن هناك اختلاف رئيسي بين آلام أيوب وتلك التي للمسيح. فقد حفظ الله حياة أيوب ولم يسمح للشيطان أن يقتله. في المقابل، لم يشفق الله على حياة ابنه الحبيب، بل أسلمه ليموت. فالمسيح، العبد المتألّم الأعظم، دفع ثمن خطايا أيوب أيضًا، عاملًا الصُلح بين أيوب والله إلى الأبد. لقد تطلع أيوب نحو خلاصه كما في مرآة، حين ألتمس وسيطًا مُصالحًا وفاديًا يقف بينه وبين الله (أيوب 16: 19؛ 19: 25-27).

لقد نظم أيوب في معاناته أن الله قد تخلّى عنه، ولكن هذا لم يكن حقيقيًا. أما المسيح، فقد حجب الآب وجهه عنه عندما حمل خطايانا على الصليب. فقد صرخ مناديًا الآب: “إلهي، إلهي، لماذا ترَكتَني؟” (متى 27: 46)

كلاهما خاض معركة روحيّة

كان لآلام أيوب بُعد روحيّ غير منظور. ففي المشاهد الافتتاحيّة اشتكى الشيطان أيوب أمام الله وشكك في ولاءه له، وسمح الله للشيطان أن يُجرِّب أيوب. ولم يعرف أيوب أنه كان موضوع معركة سماوية. بالطبع كان أصدقاء أيوب أكثر جهلًا، فقد اعتقدوا أن أيوب كان يُعاقَب ويحصد نتائج خطاياه.

لقد خاض المسيح معركة أعظم من أجل مصير العالم نفسه. كما كان الحال في قصة أيوب، لم يكن هذا الصراع مرئيًا لمن حوله. لقد هتفت الجموع عندما جُلد يسوع وصُلب بتهمة التجديف والخيانة. بينما في الواقع، كان يسوع يدفع ثمن تجديفنا وخيانتنا لإله الكون.

هنا نرى فرقًا رئيسيًا آخر بين أيوب والمسيح. كثيرًا ما عجز أيوب عن الخضوع الكامل لخطة الله لحياته. نرى هذا واضحًا في أكثر من موضع، حيث نجده يلعن يوم ولادته، ويتهم الله بالتصرف بطريقة متقلبة. في الواقع، لم يكن أيوب راضي بل كاره لحياته (أيوب 9: 21؛ 10: 1).

أما المسيح، فقد علم أن آلام الصلب ستطول كل من النفس والجسد، ورغم ذلك فقد ظل خاضع لإرادة الآب. في بستان جثسيماني، نراه ساقطًا على وجهه وصار عرقه كقطرات دم، لكنه في نفس الوقت صلّى قائلًا: “لتَكُنْ لا إرادَتي، بل إرادَتُكَ” (لوقا 22: 41-44). لقد تألم يسوع وهو مُدرك ما هو مزمع أن يجتاز فيه، وباختياره أطاع مشيئة الآب.

كلاهما تم رده وتعويضه

في نهاية القصة، رد الله لأيوب كل ما فقده، وباركه أضعاف ما خسره من ثروة، وأولاد، وبسنوات عديدة سعيدة (أيوب 42: 10-17). ففي النهاية، كان لقصته المأساويّة الطويلة نهاية سعيدة.

ولكن المعجزة الأعظم حدثت يوم أحد القيامة، حين أقام الله يسوع من بين الأموات (لوقا 24). ولم يكن هذا هو كل شيء. فبسبب طاعة المسيح حتى الموت ” رَفَّعَهُ اللهُ أيضًا، وأعطاهُ اسمًا فوقَ كُلِّ اسمٍ” (فيلبي 2: 9-10).

وكما تم تعويض أيوب بعائلة جديدة، فإن المسيح بآلامه استرد لنفسه عائلة سماوية من المؤمنين المولودين من فوق كأفراد في عائلة الله (عبرانيين 2: 11-13).

تشفّع أيوب لأصدقائه، بينما خلّص يسوع أعداءه

وفي نهاية سفر أيوب، يوبخ الله أصدقاء أيوب لأنهم رغم حكمتهم لم يقولوا فيه الصواب كما فعل أيوب. ثم أمرهم الرب بتقدم الذبائح وأن يصلي أيوب لأجلهم (أيوب 42: 7-9). هنا نرى أيوب البار المتألم يتشفّع لأصدقائه طالبًا رحمة الله.

أما المسيح فهو شفيع أعظم، فهو يُصلي عن يمين الله لأجلنا إلى الأبد (عبرانيين 7: 25؛ رومية 8: 34). منذ البداية، كان الشيطان هو المشتكي على خطايانا، لكن المسيح المُخلّص الأعظم قد صالحنا مع الآب. وهو لم يُخلّص فقط من كانوا قبلًا أصدقاءه، بل من كانوا ألد أعداءه (رومية 5: 8-10).

مهما كانت الآلام التي نجتاز فيها اليوم، يمكننا أن نجد الراحة والتعزيّة في معرفة أن آلامنا هي جزء من معركة أكبر. لقد أخبرنا يسوع أن نتوقع ضيقات في هذا العالم (يوحنا 16: 33). وعندما نتحمّل آلام التجارب بقلب مليء بالرجاء، فإننا نسير على خُطى أيوب وغيره من نساء ورجال الإيمان (يعقوب 5: 11؛ عبرانيين 11: 32-12: 3). وبطريقة غامضة سرائريّة، تعكس آلامنا آلام المسيح-كما حدث مع أيوب- انتظارًا لذلك اليوم الذي فيه سيتم استرداد جميع أفراد عائلة الله (كولوسي 1: 24).

شارك مع أصدقائك

لورا باكستر

هي محامية وأستاذة في القانون، وخادمة في كنيسة The Bridge Community بولاية لويزيانا الأمريكيّة.