إن سؤال «من أنا؟» ليس مجرد سؤال عابر يمر على الإنسان في مرحلة الشباب، بل هو صراع داخلي يرافق الإنسان كلما حاول أن يفهم ذاته أو يمنح لحياته معنى، ويبحث الإنسان عن حقيقية ترضي ما يدور عما حول السؤال ليجد إجابة منطقية. فكل إنسان يحمل في داخله صورة يتخيلها عن نفسه، ويحاول طوال حياته أن يجد ما يؤكدها أو يبررها، ولهذا لم يتوقف البشر عبر الأجيال عن البحث عن الهوية والقيمة والمعنى.
والحقيقة أن هذا السؤال لا ينفصل عن أسئلة أعمق: لماذا وُجد الإنسان؟ ما قيمته؟ وما الغاية من وجوده؟ لكن المشكلة أن الإنسان كثيرًا ما يبحث عن إجابته في داخله! أو في أعين الآخرين، بينما يتجاهل المصدر الوحيد القادر أن يكشف حقيقته. هنا يظهر الكتاب المقدس لا ككتاب مُقدمًا نصائح روحية فحسب، بل كإعلان يكشف للإنسان هويته الحقيقية، إننا أمام قضية مطروحة منذ زمن وهي ليست لتحسين صورة الإنسان عن نفسه، بل اكتشاف: هل هويتنا الحقيقية ثابتة في المسيح؟ أم أننا نبني ذواتنا على أمور متغيرة وزائلة؟ وهذا هو سؤالنا الذي يدمج بين الإثنين هويتنا الحقيقية التي تندرج تحت سؤال (من أنا؟) وكيف إنَ ذواتنا لا تبنى على وهم.
لهذا لن يكون حديثنا على فلسفات مجردة أو محاولات لإرضاء المشاعر، بل على حقيقة جوهرية: أن الإنسان لا يستطيع أن يفهم نفسه بعيدًا عن المسيح، لأن الحقيقة الكاملة عن الإنسان لا تُعرف إلا في الذي خلقه وفداه، كما يقول أوغسطينوس في اعترافاته: “لقد خلقتنا لأجلك، وقلوبنا لا تجد راحة حتى تستريح فيك”. لذا سوف ننتقل إلى مقالنا الذي فيه نحاول أن نجاوب على حقيقة من أنا؟ ونجد راحة لذهن يصارع لكشف الحقيقة، لذلك سوف تكون إجابتنا من الكتاب المقدس ليكشف من أنا وماذا حدث وما هي الهوية الأصلية لسؤال الباحث الحقيقي عن نفسه في ضوء الكتاب المقدس، وما هي النتيجة التي تعود على ذلك.
أولًا: حقيقة مبهرة: من أنا؟
يُعلن الكتاب المقدس عن واحدة من ضمن الحقائق الجوهرية عن الإنسان في ظل صراعات البشر عن أنفسهم، وهي أن هويته ليست أمرًا يصنعه بنفسه، بل حقيقة أعلنها من البدء إذ كنا فيه قبل خلق العالم وهذا ما نراه في قول كاتب المزمور اعْلَمُوا أَنَّ الرَّبَّ هُوَ اللهُ. هُوَ صَنَعَنَا، وَلَهُ نَحْنُ شَعْبُهُ وَغَنَمُ مَرْعَاهُ” مز 100: 3. الإنسان ليس كائنًا وُجد بالصدفة البحتة، ولا هو قيمة تُكتسب من نظرة الآخرين أو من إنجازات الحياة، بل هو خليقة الله وعمل يديه، فمن أعمق ما يكشفه لنا الكتاب المقدس أن الله حين خلق الإنسان لم يخاطب الأرض أو البحار كما فعل مع بقية الخليقة، بل قال ” وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ” تك 1: 26، لقد خاطب الله نفسه (الثالوث معًا لهم نفس المشيئة والمسرة والمحبة والوحدة)، وهنا تظهر خصوصية الإنسان وتميزه؛ فالإنسان خُلق في محيط إعلان إلهي يحمل قصد الله ومحبته ومسرته.
إن قول الله: “نعمل الإنسان” يكشف أن الإنسان لم يكن مجرد كائن أوجده الله بلا جدوى، بل خليقة أراد الله أن تعكس صورته وتحيا في شركة معه. لهذا لا يستطيع الإنسان أن يجد هويته الحقيقية بعيدًا عن الله، لأن الكائن لا يفهم نفسه بعيدًا عن خالقه. كما أن هناك أمر آخر عجيب وهو أن الله جبل الإنسان من تراب الأرض، من شيء بلا قيمة في نظر البشر، لكنه بنفخة من الله صار إنسانًا حيًا يحمل كرامة وصورة إلهية. وهنا تكمن الحقيقة العظمى: أن قيمة الإنسان لا تأتي من المادة التي خُلق منها، بل من يد الله التي صنعته. ولكن لم تستمر الحقيقية هذه كما كانت حلاوتها في البداية كما هي!
ثانيًا: سقوط وتدهور، (تشوه الهوية).
رغم وجود حقيقة قوية وواضحة معلنة إلا إنها تشوهت، تشوهت الرؤية للخارج وللباطن، وبدأ يبحث عن هويته بعيدًا عن الله. واستمرار الكتاب المقدس في إعلان الحقيقة الثابتة: أن الإنسان لا تُسترد صورته الحقيقة إلا في المسيح، لأنه فيه تم الإعلان من جديد حقيقة الإنسان؛ حقيقة الإنسان كما أرادها الله منذ البدء. غير أن الصورة التي خلق الله الإنسان عليها لم تبقَ كما هي، إذ دخلت الخطية إلى العالم فشوّهت رؤية الإنسان لله ولنفسه، فهناك أمر سبب فجوة بين الأنا الأصلية التي تحمل تَكبر وتَعظم وتفَخم وبين الأنا المتضعة (الإنسان الذي ينكر ذاته من أجل المسيح)، التي تعكس جوهر الله الموجود داخل المؤمن (صورة الله، محبته، وسلامه…. إلخ) ولكن بالسقوط سقطت البشرية كلها وتشوهت.
إن الخليقة تشوهت بفعل الجُرم الذي ارتكبه آدم، بالتالي ما حدث في آدم حدث فينا لأننا جميعًا من صلب أبونا الأول، فسقوطه في البداية سبب تشوهه للكل، وبعد تشوه الصورة، لم تفقد الصورة بالكامل ولكن تشوهها جعل المسيح كما يقول الكتاب الله بنفسه يُعلن الحاجة إلى خلاص وذلك لأنه يحب الإنسان “نسل المرأة يسحق رأس الحية” تك 3: 15، فالله سوف يستردنا (كمختاري الله في ابنه) إليه بالمسيح يسوع، لقد أتى يسوع وتمم ما قصده الله حسب مسرة مشيئته وأعتقنا من عبودية الشر والفساد ونقلنا إلى ملكوته، فأصبحت لنا هوية في المسيح، أصبح لنا أهمية بالنسبة له فهو استعادنا، لذلك صِرنا فيه خليقة جديدة، فماذا يُعني هذا في ضوء السؤال المكتوب؟ إن من أنا صارت لها إجابة دقيقة ومميزة له. ولكن هل مميزة في ظل التدهور والتشوه الحادث الآن في عالم متدهور! أم ماذا؟ يحكى كالفن عن التشوه ويقول لقد تشوهت الصورة بعد السقوط وتضررت لكنها لم تفقد بالكامل، فلم يعد الإنسان قادر أن يحقق مقاصد الله، فالخطية أفسدت الإنسان وصار منحرفًا عن البر الذي خلق عليه من البداية، فالله رغم أنه لم يخلق شيء فاسد إلا إنه لم يترك الإنسان، بالفعل حدث تشوه، ولكن أيعقل أن الخالق يترك رعيتهم تائهين في سعيهم الحقيقي عن هويتهم؟ أتسال إذ كان الله ذلك! لكن الكتاب المقدس يُقدم ويفصح عن الحقيقة وعن الهوية الأصلية، الهوية التي كُلنا (كمؤمنين،) بشخص يسوع المسيح قد نلناها بالنعمة المجانية التي من الله، وبمحبته الفياضة التي لا تجف! لذلك يُعلن الكتاب أن رغم التشوه وعدم الرؤية الصحيحة للهوية أن الله قد أصلحها بنفسه في المسيح. وها هي أعظم إتمام وإصلاح لذلك حين قال: قد أُكمل. فالكتاب المقدس يُفتح أمامنا الآن الكثير عن هويتنا.
ثالثًا: الهوية حسب الكتاب المقدس.
إن الهوية بحسب الكتاب المقدس تُفهم من خلال ما صرنا عليه باتحادنا بالمسيح. فالهوية الحقيقية للمؤمن بعد الإيمان ليست ما يصنعه لنفسه، بل ما أعلنه الله عنه في المسيح. وهذا له صلة مباشرة بسؤالنا وما هي حقيقة هويتنا الآن؟ لقد كنا فعلًا في الظلمة وفي قتام وتحت سلطان الشر، ولكن ما فعله المسيح جَعلنا فيه شخصيًا، فحقيقتنا في المسيح تتميز بأننا جُعلنا له أبناء في اتحاد معه، بعد ما قبلناه بفضل أن سمح لنا بإعلانه الخاص بأن تنفتح أذهاننا ونقبله حيث من بعدها صرنا كما يقول كاتب الإنجيل يوحنا 1: 12؛ وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.
بفضل إعلان الله، الكلمة المقدسة الحقيقية، أصبح مواجهة الصراع الحاد هذا محسوم، فنقول مركزنا في المسيح لم نكتسبه بفضل أعمال صالحة، ولكن صيغة الفعل التي كان يستخدمها بولس في رسائله (من مبني مجهول ومبني تام) تشرح أمر هام وهو أن هويتنا كمؤمنين في المسيح لا نأخذها بفعل بشر، بل من خارج البشر فالله هو من يضعها فينا، الفعل لم يتم من المؤمن، بل تم من خارج المؤمن وكأنه بيقول للمؤمنين إن هويتكم ونظرة الله ليكم يصنعها الله بنفسه من خلال الابن، ولا سيما في الأفعال الواردة بكثرة في الرسالة إلى أفسس، علي سبيل المثال اخْتَارَنَا فِيهِ، إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ، إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِه، وكذلك ما ورد في أفسس الإصحاح الثاني وفي بعض من المقاطع الأخرى في الرسائل البوليسية، إننا أمام إعلان الله الذي لنا وهو إننا مبررون من الخطية وهذا إعلان من الله تم من خلال الوحي المقدس والمذكور في رسالة بولس إلى أهل رومية 3: 24 مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. فنحن اليوم نعيش في صراع ما بين هل نحن مبررون أم نحن خطأة مازلنا؟ إن الكتاب المقدس يحسم هذا الصراع بهذا القول الصريح إن كل من هم في المسيح مبررين أمام الله من ذنب الخطية. وكل من هو مبرر لا تنتظره دينونة وهذا الكلام مُعلن وبشدة في الكلمة المقدسة فيقول الكاتب “إِذًا لاَ شَيْءَ مِنَ الدَّيْنُونَةِ الآنَ عَلَى الَّذِينَ هُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ” رو 8: 1.
كثيرًا ما تكون أشواقنا للحقيقة طاغية على معرفتنا بها فنتوه في المنتصف، ولكن بالحكمة والهدوء والنظام وبقلب صادق نستكمل مسيرتنا حول اكتشاف حقيقتنا في المسيح وها هي حقيقة أخرى تنتظرنا إننا المبررين الذين لا شيء من الدينونة عليهم هم تحرروا من دائرة الخبث، دائرة الخطية، دائرة الموت “لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ” رو 8: 2. ولننتقل معًا في أمر جوهري وحقيقية مهمة وهي أن المؤمنون هم مقبولون عند الله في المسيح يسوع وذلك لأننا في المسيح، فقبولنا صار باتحادنا بالمسيح وهي حقيقة مهمة أننا في المسيح صار لنا قبول في الثالوث “الْمُقَدَّسِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، الْمَدْعُوِّينَ قِدِّيسِينَ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ” 1كو 1: 2، كوننا مقدسين في المسيح إشارة لكل شك إننا غير مقبولين، فنحن نصارع فكر شيطاني يريد أن يهدم أصلنا لكن الله انتصر.
وفي لاهوت بولس نرى هذا بكل ثبات بدون أي شك، أننا مقبولين في المسيح، وهذا يقودنا إلى كوننا مقدسين في المسيح ومقبولين أمام الله في المسيح يُعني أننا أطهار ومقدسون وهذا ما نجده في الآية الأتية ” وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً”. 1كو 1: 30، فقد صار لنا بالمسيح أمر جديدًا نعم، أمر لا يمكن أن يكون كالذي سبق، إننا صرنا فيه خليقة جديدة ” إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا” 2كو 5: 17، فنظُهر الآن أمام نفوسنا الحقيقة التي لنا في المسيح فالكتاب المقدس يعلن أن الله أعطانا التبرير أو التبني، ويعلن أن هذه البركات صارت لنا لأننا اتحدنا بالمسيح نفسه. فالمؤمن لا يقف أمام الله معتمدًا على هويته القديمة، بل على شخص المسيح الذي صار فيه وله. لذلك فإن كل ما للمسيح من قبول أمام الآب صار أساس قبول المؤمن أيضًا لذلك نحن للمسيح، إنها حقيقة يخاف منها الشرير ويرتعش أمامها، فمن للمسيح لا يمكن أن يخطف ويكون خارجًا، من للمسيح يقول عنه الكتاب ويشهد عن مصداقية هذه الحقيقة “إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ، لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ” أف 1: 5-6، وكذلك من في المسيح يقول عنهم الكتاب “مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ، كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ ” أف 1: 3-4. فالآن الأمر صار جلي بالمسيح معينين لنكون في شخصه الكريم، وفي شخصه الكريم باركنا بكل بركة روحية.
نحن نتمتع الآن بحقائق لا يمكن أن تُنكر، فكل من هو في المسيح صار خليقة جديدة وصار للمسيح، لذلك ما أكثر الحقائق وما أبهى بهاؤها فالمسيح الذي يقول عنه الكتاب ” الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ”. البهي الذي صِرنا فيه نتمتع بالأب والابن والروح القدس معًا بحمله إيانا لنكون في شركةً معًا. إن لهذا العمل القيم والثمين الذي لا يُمكن أن يُتمم لا بفضة ولا ذهب ولا بخيرات أي شيء في العالم، فهو عمل خَالِص من المسيح، لذا نجد نتيجة له، فلا يمكن أن يعمل الفخاري ولا يجد نتيجة له! لا يمكن ذلك، بل لعمله يجد نتيجة وهكذا المسيح؛ إن وجوده هنا كان عمل سماوي ثمين له نتيجة كان دافعه المحبة، لقد كان دافع الله الذي حركه نحو الإنسان هو محبة الله الخالصة، فمحبته جعلته يتحرك نحونا وليُصلح العلاقة معنا ومع الخليقة”[1]، لذا لعمل المسيح نتيجة، وهي تظهر في المؤمنين. فهذه الحقائق ليست مجرد امتيازات عقائدية نؤمن بها، بل واقع روحي ينعكس على حياة المؤمن اليومية.
رابعًا: نتائج تلك الهوية على المؤمن
ما فعله بهاء مجد الله ورسم جوهر الثالوث يدعونا لنفكر بقوة ومصداقية في نفوسنا حول مركزنا فيه، فالآن صرنا قريبين من الله بينما كُنا في بعد، في حالة من أن نشعر بحجب الله عنَا، لكنَ هذا نُقض بفضل خلاصه الكفاري لنا، لقد حجبت الخطية قربنا من الله، ولكن الآن بالخلاص صار لنا اقتراب حقيقي “وَلكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ”. أف 2: 13، اقترابنا لله هو بفعل عمل ابن الله بنفسه فهذا يضمن أن اقترابنا له حقيقي ولا يمكن أن نضيع كما كُنا، فالآن أيها المؤمن ” فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ” لقد جعلنا الله نقترب إليه، فهويتنا الجديدة بالمسيح بها سوف ننال بركات عظيمة ” لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ” غلا 3: 14، ” وَلأَجْلِ هذَا هُوَ وَسِيطُ عَهْدٍ جَدِيدٍ، لِكَيْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّونَ إِذْ صَارَ مَوْتٌ لِفِدَاءِ التَّعَدِّيَاتِ الَّتِي فِي الْعَهْدِ الأَوَّلِ يَنَالُونَ وَعْدَ الْمِيرَاثِ الأَبَدِيِّ” عبر 9: 15.
لنحيا مع المسيح فيما أعلنه لنا في شخصه المبارك العزيز، سنجد أننا به قد رُفعنا من القبر لنجلس معه في المجد، فما أبهج اليوم هذا إنني انتقلت من الموت للحياة، من العبودية والفساد إلى مجد يمسو به المسيح وحده وأنا معه ” وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ” أف 2: 6، فالآن لنا كل شيء مع المسيح لأن لنا المسيح، فنحن مملوؤون بالله ” وَأَنْتُمْ مملوؤون فِيهِ، الَّذِي هُوَ رَأْسُ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ.” كو 2: 10، ولأننا مملوؤون من الله ندخل إلى محضره بلا خوف، فالله ختمنا بالروح القدس مُلكًا خاصًا له، لذا سنحصل على مجدًا أبديًا في المسيح هذا لا مفر منه بفضل عمل الله، فهويتنا الحقيقة في المسيح هي كذلك إننا نكون معه في الأمجاد، مركزنا الحقيقي في المسيح، واقعنا الروحي الحقيقي، ما أعلنه لنا الله أننا سنكون معه وسوف ننال مجدًا أبديًا ” لأَجْلِ ذلِكَ أَنَا أَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ، لِكَيْ يَحْصُلُوا هُمْ أَيْضًا عَلَى الْخَلاَصِ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، مَعَ مَجْدٍ أَبَدِيٍّ. صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ: أَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ مُتْنَا مَعَهُ فَسَنَحْيَا أَيْضًا مَعَهُ. إِنْ كُنَّا نَصْبِرُ فَسَنَمْلِكُ أَيْضًا مَعَهُ” 2تيمو 2: 10-12.
في الختام بعدما استعرضنا بعضًا من الحقائق التي لا جدل حول حقيقتها وفاعليتها في حياة المؤمن حيث صارت لنا في المسيح، نجد الإجابة عن سؤال “من أنا؟” لم تعد غامضة كما كانت. فنحن بعدما تفتح ذهننا حول تلك الحقائق لسنا ما يقوله العالم عنا، ولسنا ما تَملِيهُ علينا تجارب الماضي أو إخفاقات ذلك الحاضر الآن، بل نحن ما أعلنه الله عنا في ابنه، الابن الوحيد، بهاء مجد الأب. ففي المسيح صرنا أبناء، مبررين، مقبولين، مقدسين، خليقة جديدة، قريبين من الله، ورثة للمجد الأبدي. لذا إن اكتشاف هويتنا الحقيقة لا يبدأ بالنظر إلى ذواتنا (إلى الماضي وأنفسنا ودائرة الفكر الحجري لعقولنا) بل بالنظر إلى المسيح الذي فيه نعرف من نحن. فهويتنا لم تُبنَ على خبرة ذاتية، بل على الاتحاد بالمسيح، لذلك من أنا في المسيح أمر لا شك فيه حيث نرى الكتاب المقدس بكل وضوح يقدم لنا هذه الإجابة نقبلها بالإيمان كما إننا نحيا بها بالإيمان، لذا إذا كانت هويتك قد أُعلنت في المسيح، فلماذا تستمر في البحث عنها في مكان آخر؟ فسؤال «من أنا؟» لا يجد جوابه الكامل في التأمل الذاتي ولا في تقييمات البشر، بل في إعلان الله عن الإنسان في المسيح. فكل محاولة لفهم الذات بعيدًا عن الخالق ستظل ناقصة، أما في المسيح سنجدها مُعلنة بالكامل في شخصه الكريم، حيث المعنى الحقيقي للوجود.
[1] Rev Ephraim Yacoub.

