ما معنى أن الله أبغض عيسو؟ (ملاخي 1)

إيرك أورتلند


تنزيل (PDF)

وَحْيُ كَلِمَةِ الرَّبِّ لِإِسْرَائِيلَ عَنْ يَدِ مَلَاخِي: «أَحْبَبْتُكُمْ، قَالَ الرَّبُّ. وَقُلْتُمْ: بِمَ أَحْبَبْتَنَا؟ أَلَيْسَ عِيسُو أَخًا لِيَعْقُوبَ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ، وَجَعَلْتُ جِبَالَهُ خَرَابًا وَمِيرَاثَهُ لِذِئَابِ الْبَرِّيَّةِ؟ لِأَنَّ أَدُومَ قَالَ: قَدْ هُدِمْنَا، فَنَعُودُ وَنَبْنِي الْخِرَبُ. هَكَذَا قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ: هُمْ يَبْنُونَ وَأَنَا أَهْدِمُ. وَيَدْعُونَهُمْ تُخُومَ الشَّرِّ، وَالشَّعْبَ الَّذِي غَضِبَ عَلَيْهِ الرَّبُّ إِلَى الْأَبَدِ. فَتَرَى أَعْيُنُكُمْ وَتَقُولُونَ: لِيَتَعَظَّمِ الرَّبُّ مِنْ عِنْدِ تُخْمِ إِسْرَائِيلَ. (ملاخي 1: 1-5)

السُلطان الإلهي:

تقدم الآية الأولى لهذا السفر ما هو أكثر من معلومات عن كاتبه البشري. كل كلمة فيها تدعم المصدر الإلهي وسلطانه على المقطع بأكمله؛ فكلمة “وَحْيُ” دائمًا ما تستبق النصوص النبوية (مثل، إشعياء 13: 1؛ 15: 1؛ 17: 1)، وتعني حرفيًا “ثِقْلَ” (عدد 4: 47؛ 11: 11)، كما تحمل إحساسًا بالإلحاح والاستعجال. ويُعرَّف هذا الثِقْلَ على إنه كلمة من الله (قارن 2 بطرس 1: 21) ينطق بها رسول بشري. وتعد هذه الكلمة النداء القدير للملك، العامل في التاريخ ليشكل أحداثه حسب مشيئته (إشعياء 55: 11؛ إرميا 1: 9-10؛ 23: 29). تُخاطب هذه الكلمة إسرائيلَ، حتى وإن لم يبق في أيام ملاخي سوى سبط يهوذا. فجماعة ما بعد السبي هم ورثة جميع وعود الله لإسرائيل.

إن كلمة الله الأولى عبر ملاخي لا تدين خطية إسرائيل (بخلاف إشعياء 1: 2-3؛ إرميا 2: 1-3؛ حزقيال 2: 3-4)، بل يعلن فيها محبته لهم. تعبر هذه الكلمة عن كل من العاطفة الشديدة والولاء الأصيل في جميع أنواع العلاقات البشرية (الزواج، تكوين 24: 67؛ الأبوين وأبنائهم، تكوين 25: 28؛ الأصدقاء المقربين، 1 صموئيل 20: 17). كما تُذَكِّر بمواعيد الله القديمة عن محبته لإسرائيل في أسفار موسى الخمسة؛ لقد أحب الله أجيال إسرائيل الأولى واختارهم (تثنية 4: 37؛ 10: 15)، وأظهر لهم محبته بمباركتهم وإكثارهم (تثنية 7: 13). هذه المحبة سيادية وغير مشروطة، وما من سبب ورائها سوى شخص الله المُحب والأمين. توضح الصيغة المثالية للفعل محبة الله على أنها عمل كامل متكامل. يبدأ الله سفر المحاكمات هذا بإعلان محبته الثابتة والدائمة لشعبه.

توحي كلمة “بِمَ” أحيانًا إلى الدليل الظاهر لحدث قد وقع أو سيقع (تكوين 15: 8؛ خروج 33: 16). لا يرى سامعو ملاخي أي دليل على محبة الله لهم. يشعرون إنهم غير محبوبين إطلاقًا، وكما سنرى، هذا الشعور لم يكن أبدًا دون تبرير. لكن ملاخي فضح أعماق شكوكهم في الله لكي يدحضها.

محبة ثابتة ليست عن استحقاق:

يتحدى ملاخي ادعاء الشعب بأنهم غير محبوبين بتذكيرهم ببداءة تاريخهم. على الرغم من تعقيد رواية يعقوب وعيسو (تكوين 25-36)، ويبدو فيها تبلد عيسو روحيًا في أكثر من موقف (25: 29-34؛ 26: 34-35؛ 28: 6-9)، يُظهر سفر التكوين أن نعمة الله رست على يعقوب قبل أن يولدا (25: 23؛ قارن رومية 9: 10-13). على الرغم من أن حالتهما الأولى كانت واحدة، وطرفا المعضلة متعادلان كإخوة، أحب الله يعقوب وليس عيسو، لا لسبب أصيل في طبيعتيهما. ولأن هذه المحبة لم تكن عن استحقاق، فاتسمت بالثبات. من قبل ولادة أجدادهم، وقد أحب الله إسرائيل. تشير صيغة الفعل الماضي الناقص في الآية 2 إلى محبة الله الثابتة ليعقوب، في حين صيغة الفعل الماضي التام في الآية 3 تُظهر معارضته الثابتة غير المتغيرة نحو عيسو.

كما أن محبة الله تعني كلًا من العاطفة والولاء، كذلك البغضة في العهد القديم تعني المقت والازدراء (مزمور 119: 163؛ الجامعة 2: 18) والرفض والمعارضة (مزمور 26: 5؛ إشعياء 66: 5؛ زوجة محبوبة أقل “مكروهة”، تثنية 21: 15). قد لم ترى إسرائيل في أيام ملاخي أي دليل على محبة الله لها، لكن كان أمامهم دلائل وفيرة عن بغضته لآدوم، حين جعل جباله خرابًا. في العهد القديم، كانت الجبال رمزًا على الخصب والوفرة (تثنية 33: 15؛ مزمور 50: 10؛ 72: 3) والقوة والاستقرار (مزمور 46: 2؛ إشعياء 54: 10)، مع ذلك خرب أقوى وأعجب مظهر لآدوم، لكي لا ينمو أي شيء. بالإضافة إلى حرمان آدوم؛ أُعطيَ ميراثه (قارن تثنية 32: 8-9) لآكلي الجيف. فصورة الحيوانات النجسة التي تعيش في مدينة أو أرض كانت مأهولة قبلًا موجودة في مواضع أخرى تدل على دينونة الله (مزمور 44: 19؛ إشعياء 13: 22؛ 34: 13؛ إرميا 9: 11؛ 10: 22؛ 49: 33). حملت هذه الصورة دلالات شريرة عند بني إسرائيل قديمًا، كما لو أن آدوم تُرك لقوة روحية مُظلمة.

قد يبدو غريبًا بل عدائيًا بالنسبة لله لكي يثبت محبته لشعب بعينه بخراب شامل لشعب آخر. لكن السبي البابلي كان عذابًا مهلكًا ومروعًا لشعب الله مما أسَّر آدوم بخراب إسرائيل (مزمور 137: 7)، كما أن استغلاله لضعف إسرائيل لمنفعته (حزقيال 35: 15؛ عوبديا 10) يتردد صداه في صفحات أنبياء العهد القديم بوصفه شرًا أثيمًا. (كما لو أنه احتفال بهتك عرض فرد من أفراد الأسرة). فدينونة الله على آدوم لم تُعَد إجحافًا قط.

في سعيه لإقناع شعبه بمحبته الثابتة نحوهم، أمات الرب اعتراضًا في مهده. حين كان اقتصاد سبط يهوذا في حالة كساد أيام ملاخي النبي، كان ما لآدوم في نمو وازدياد (فَنَعُودُ وَنَبْنِي الْخِرَبُ)، كان من المتوقع نهوضهم مرة أخرى كأمة. لم يأخذ الرب مقدرة آدوم على إعادة البناء على أنها مُجرد أماني، بل أكد على بغضه لآدوم بهدم كل ما يشرعون في بنائه. ولُقب أدوم “بتُخُومَ الشَّرِّ” أي أن الله ختم عليهم خطيتهم علانية وعلى مرأى الجميع كيلا يتساءل أحد لما أدان الله هذا الشعب.

عاقبة الخطية:

وُصِف مصير آدوم الروحي في عبارتين ” تُخُومَ الشَّرِّ” و”الشَّعْبَ الَّذِي غَضِبَ عَلَيْهِ الرَّبُّ إِلَى الْأَبَدِ”. تصف هاتان العبارتان كلًا من الأرض والشعب، السبب والعاقبة في دينونة الله الأبدية. إن كلمة غَضِبَ هنا متوازية مع كلمة “الْعَنْ” في عدد 23: 7، ومع “حمو غضب الله” في مزمور 69: 24 وزكريا 1: 12. خضعت آدوم إلى الأبد لغضب الله العادل والمتقد بسبب خطاياهم.

تختتم آية المقطع الأخيرة وصف إثبات الله لبغضته لآدوم بالتحول إلى الطريقة التي بها يثبت محبته لإسرائيل. قد يظن المرء أن الله سيؤكد لإسرائيل (على عكس آدوم) نهوضها وازدهارها، أو عدم استغلالها مرة أخرى. بل على النقيض، تحول نظر شعب الله إلى تمجيد الله لذاته خارج تخومهم.

هذه الآية القصيرة سهلة مُمتنعة وفي غاية الأهمية. أي أن إسرائيل “سترى” أي ستتحول شكوكها السابقة في محبة الله لها، بعدما ادعوا إنهم لا يرون هذه المحبة (أية 2). الآن سيتحدثون بنقيض ذلك وعلى اقتناع واضح. لكن حديثهم يتعلق بالكامل بالله ومجده، لا أنفسهم. كثيرًا ما ظهرت عظمة الله في تدخلاته بدلًا عن إسرائيل (مزمور 92: 5؛ 126: 2-3) أو عن شخصيات من إسرائيل (مزمور 35: 17؛ 40: 17؛ 86: 11). التحدث عن عظمة الله هو تقديم المجد له (قارن إشعياء 42: 21) والتعظيم (مزمور 99: 2). في هذه العبارة الموجزة، صور ملاخي دهشة إسرائيل في المستقبل من مجد الله المرئي أثناء تحقيقه للعدل في الأرض.

لا ينبغي تجاهل التوابع العالمية لهذا التعظيم — لِيَتَعَظَّمِ الرَّبُّ مِنْ عِنْدِ تُخْمِ إِسْرَائِيلَ. تتمركز عظمة الله داخل تخوم شعب عهده، لكنها ليست محدودة بها. بهذا يعبر الله عن محبته لشعبه المهزوم والمُهان؛ سيُجري عدلًا في الأرض لمجده العظيم.

تم ترجمة هذه المقالة بعد الحصول على الإذن من مؤسسة (Crossway).