هناك خمسة مقاطع تحذيرية في رسالة العبرانيين، ورسالتها الرئيسة هي: لا تسقط، احذر الارتداد، أكمل السباق، انظر إلى المسيح يسوع رئيس الإيمان، ولا ترجع إلى الوراء. ويمكن قراءة هذه المقاطع الخمسة في المواضع الآتية من الرسالة:
- عبرانيين ٢: ١–٤؛
- ٣: ٧–١٨؛
- ٥: ١١–٦: ١٢؛
- ١٠: ٢٦–٣١؛
- ١٢: ٢٥–٢٩.
ويرى بعض المفسّرين أن رسالة العبرانيين تقوم على أمرين رئيسين. أولًا، هي رسالة، أو عظة، تتحدث عن سموّ المسيح وسموّ عمله؛ فهو أعظم من الملائكة، ومن موسى، ومن يشوع، ومن ملكيصادق، ومن النظام الكهنوتي في العهد القديم. ثانيًا، يتخلّل الحديث عن سموّ المسيح هذه المقاطع التحذيرية الخمسة، وهي تمثّل تحذيرًا لمن بدأوا المسيرة مع المسيح، لئلّا يتركوه بعدما عرفوا عظمته وسموّه، وكفاية ذبيحته وكهنوته، وكل عمله الخلاصي.
لكن هذه المقاطع التحذيرية كثيرًا ما تثير صعوبة في الفهم. وبوجه خاص، تدفعنا إلى طرح عدد من الأسئلة: هل تشير هذه التحذيرات إلى أن المؤمن الحقيقي، المولود من الله، يمكن أن يرتد ويهلك؟ وإذا كان المؤمن الحقيقي لا يمكن أن يهلك، فهل تعبّر هذه المقاطع التحذيرية عن سيناريو غير حقيقي بالمرة؟ وهل يرفض المؤمنون بالضمان الأبدي فكرة «الارتداد» رفضًا كاملًا؟ أم يمكننا أن نؤمن بعقيدة الضمان الأبدي، وفي الوقت نفسه نؤمن بنوع من الارتداد الفعلي؟
في هذا المقال، سنقدّم هنا بعض المبادئ التي تساعدنا على فهم هذه المقاطع التحذيرية.
الثبات إلى النهاية
كل المؤمنين الحقيقيين سيثابرون إلى النهاية ولن يرتدّوا. هذا ما أكّده كاتب رسالة العبرانيين، وما أكّده الرب يسوع أيضًا في خدمته في أكثر من موضع، كما في متى ١٠: ٢٢ وعبرانيين ٣: ١٤. لاحظ صيغة الأفعال في هذا العدد:
لِأَنَّنَا قَدْ صِرْنَا شُرَكَاءَ ٱلْمَسِيحِ، إِنْ تَمَسَّكْنَا بِبَدَاءَةِ ٱلثِّقَةِ ثَابِتَةً إِلَى ٱلنِّهَايَةِ.
فعبارة «قَدْ صِرْنَا» تشير إلى ما حدث في الماضي، وعبارة «إِنْ تَمَسَّكْنَا» تشير إلى الاستمرار في الحاضر، وعبارة «إِلَى ٱلنِّهَايَةِ» تشير إلى المثابرة المستقبلية. فالمؤمن الحقيقي، بحسب كاتب رسالة العبرانيين، قد نال الخلاص في الماضي، إذ صار شريكًا للمسيح؛ والدليل على صدق هذا الخلاص هو مثابرته في الحاضر، أي تمسّكه بثقة الإيمان الأولى، واستمراره فيها إلى النهاية.
إذًا، ما تعريف المؤمن الحقيقي؟ هو الإنسان الذي يبدأ مسيرة الإيمان ويكملها إلى النهاية، لا بقوته الذاتية، بل بفعل نعمة الله العاملة فيه، كما يعلّمنا بولس في فيلبي ٢: ١٢–١٣. وهذه الفكرة الأخيرة ستكون محور النقطتين الثانية والثالثة.
قدرة الله على أن يُخلّص إلى التمام
سيثابر المؤمنون إلى النهاية لأن المسيح قادر أن يخلّص خاصته ويحفظهم إلى التمام.وهو يحفظهم إلى النهاية لأنه اشترى لهم هذا الحفظ بكفارته النهائية الكاملة، ويتمّمه بشفاعته الأبدية عنهم. اسمع ما يقوله كاتب رسالة العبرانيين في ٧: ٢٥:
فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى ٱلتَّمَامِ ٱلَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى ٱللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ (انظر أيضًا عبرانيين ٩: ١١–٢٨؛ ١٠: ١٤–١٨).
فهل يمكن أن تفشل شفاعته؟ أو ينهزم عمله النهائي الذي أنجزه مرة واحدة لأجلهم؟ بالطبع لا، وهذا هو سرّ يقينهم بالخلاص، أن الذي بدأ فيهم عمل سيتممه (١ يوحنا ٤: ١٧-١٨؛ فيلبي ١: ٦). أن الذي صالحهم وهم أعداء لله، بالتأكيد سوف يتمم خلاصهم الآن وهم أبناء (راجع، رومية ٥: ١٠).
أمانة الله وقَسَمه
يرتبط حفظ المؤمنين إلى النهاية، في رسالة العبرانيين، بأمانة الله وقدرته وقَسَمه على تحقيق وعوده لشعبه (٢: ١٠؛ ٦: ١٠-٢٠). وتؤكد مقاطع كتابية أخرى أن الله لن يدع أحدًا من المؤمنين الحقيقيين يهلك، لأنه أمين وقادر على إتمام وعوده(رومية ٥: ١-١١؛ رومية ٨: ١٨-٣٩؛ يوحنا ٦: ٣٩-٤٠، ٤٤؛ يوحنا ١٠: ٢٥-٣٠). اسمع هذه الكلمات المعزية التي ترسّخ ضمان المؤمنين في أمانة الله:
فَلِذَلِكَ إِذْ أَرَادَ ٱللهُ أَنْ يُظْهِرَ أَكْثَرَ كَثِيرًا لِوَرَثَةِ ٱلْمَوْعِدِ عَدَمَ تَغَيُّرِ قَضَائِهِ، تَوَسَّطَ بِقَسَمٍ، حَتَّى بِأَمْرَيْنِ [بالوعد والقسم] عَدِيمَيِ ٱلتَّغَيُّرِ، لَا يُمْكِنُ أَنَّ ٱللهَ يَكْذِبُ فِيهِمَا، تَكُونُ [في الحاضر] لَنَا [للمؤمنين الحقيقين] تَعْزِيَةٌ قَوِيَّةٌ [في الحاضر]، نَحْنُ ٱلَّذِينَ ٱلْتَجَأْنَا [في الماضي] لِنُمْسِكَ بِٱلرَّجَاءِ ٱلْمَوْضُوعِ أَمَامَنَا [لاحظ البُعد المستقبلي]، ٱلَّذِي هُوَ لَنَا كَمِرْسَاةٍ لِلنَّفْسِ مُؤْتَمَنَةٍ وَثَابِتَةٍ، تَدْخُلُ إِلَى مَا دَاخِلَ ٱلْحِجَابِ، حَيْثُ دَخَلَ يَسُوعُ كَسَابِقٍ لِأَجْلِنَا (عبرانيين ٦: ١٧–٢٠).
الارتداد أمر حقيقيّ، ولكن…
الارتداد أمرٌ حقيقيّ لأشخاص وسط جماعة العهد (وسط الكنيسة المنظورة)، لكن الذين يرتدّون لم يكونوا مؤمنين حقيقيين، مهما بدت عليهم مظاهر الانتماء إلى المسيح. وبعبارة أخرى، لا يقع الارتداد النهائي ممن نالوا الخلاص فعلًا (أي الكنيسة غير المنظورة، أو من المؤمنين الحقيقيين المتحدين بالمسيح). ولذلك نجد أن كاتب رسالة العبرانيين، بعد المقاطع التحذيرية، كثيرًا ما يخاطب الذين نالوا الخلاص فعلًا بعبارات تميّزهم عن المرتدين، فيقول:
وَلَكِنَّنَا قَدْ تَيَقَّنَّا مِنْ جِهَتِكُمْ أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، أُمُورًا أَفْضَلَ، وَمُخْتَصَّةً بِٱلْخَلَاصِ، وَإِنْ كُنَّا نَتَكَلَّمُ هَكَذَا.” (٦: ٩). “وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا مِنَ ٱلِٱرْتِدَادِ لِلْهَلَاكِ، بَلْ مِنَ ٱلْإِيمَانِ لِٱقْتِنَاءِ ٱلنَّفْسِ (١٠: ٣٩).
هناك من يرتبطون بالمسيح اسميًا وسطحيًا، ويكونون جزءًا من جماعة العهد، لكنهم ليسوا مؤمنين حقيقيين متحدين بالمسيح. هؤلاء سيسقطون حتمًا، وعادة يكون سقوطهم ظاهرًا، وإن كان ممكنًا أيضًا أن يكون خفيًا. وأعضاء جماعة العهد الذين يرتدون عن الإيمان يشبهون:
- الشعب الذي خرج من أرض مصر بوصفه جماعة العهد، لكن أكثرهم تمرد في قادش برنيع (عدد ١٣-١٤) ولذلك قيل عنهم أنه:
“بِأَكْثَرِهِمْ لَمْ يُسَرَّ اللهُ، لأَنَّهُمْ طُرِحُوا فِي الْقَفْرِ” (١ كور ١٠: ٥؛ راجع، عب ٣: ١٦-١٩).
- هؤلاء سمعوا الكلمة بالفعل، بل وسمعوها مرارًا وتكرارًا،لكنهم لم يقبلوها بإيمان حقيقي.
“لِأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضًا قَدْ بُشِّرْنَا كَمَا أُولَئِكَ، لَكِنْ لَمْ تَنْفَعْ كَلِمَةُ ٱلْخَبَرِ أُولَئِكَ. إِذْ لَمْ تَكُنْ مُمْتَزِجَةً بِٱلْإِيمَانِ فِي ٱلَّذِينَ سَمِعُوا” (عب ٤: ٢).
- رغم أن هؤلاء ربما بدى عليهم بعض التأثيرات الروحية (أنار عمود النار لهم، ذاقوا المن–بلغة سفر الخروج، واستنيروا مرة وذاقوا المواهب السماوية–بلغة الرسالة إلى العبرانيين)، إلا أن كاتب العبرانيين يصفهم بالعصاة (مقتبسًا مزمور ٩٥)، وبمن لديهم “قَلْبٌ شِرِّيرٌ بِعَدَمِ إِيمَانٍ فِي ٱلِٱرْتِدَادِ عَنِ ٱللهِ ٱلْحَيِّ” (٣: ١٢).
فعلينا ملاحظة أنه بالرغم من وجودهم في جماعة العهد، إلا أن قلبهم يوصف بأنه “قلبٌ شريرٌ”، فهو قلب لم يتجدد بالمرة. ومرة أخرى، ربما نال بعض الاختبارات التي تبدو وكأنها تجديد للقلب واختبارات روحية حقيقية، لكن القلب استمر في حالته كقلب شرير.
بلغة اليوم، ربما رفع يديه في اجتماع كرازي ليسلم حياته، ربما حدث تبكيت من الروح وحتى دموع أشبه بالتوبة الحقيقية، لكن القلب استمر دون عمل الولادة الثانية الحقيقي، ودو توبة حقيقية وإيمان حقيقي. فما الدليل على أن ما حدث لم يكن حقيقيًا؟ الارتداد!
لذلك، فهناك نوعين من الناس لا ثالث لهما
الذين يثقون في كلمة الله ويثمرون، والذين يسمعون كلمة الله ولا يأتون بثمر حقيقي. نقرأ في عبرانيين ٦ عن النوعين. النوع الأول:
“لِأَنَّ أَرْضًا قَدْ شَرِبَتِ ٱلْمَطَرَ ٱلْآتِيَ عَلَيْهَا مِرَارًا كَثِيرَةً [أرتوت بالكلمة المقدسة والروح]، وَأَنْتَجَتْ عُشْبًا صَالِحًا لِلَّذِينَ فُلِحَتْ مِنْ أَجْلِهِمْ، تَنَالُ بَرَكَةً مِنَ ٱللهِ” (ع. ٧).
أمّا النوع الثاني:
“[إن سمعت الكلمة ونخسها الروح] وَلَكِنْ إِنْ أَخْرَجَتْ شَوْكًا وَحَسَكًا، فَهِيَ مَرْفُوضَةٌ وَقَرِيبَةٌ مِنَ ٱللَّعْنَةِ، ٱلَّتِي نِهَايَتُهَا لِلْحَرِيقِ” (ع. ٨).
وتؤكد مقاطع كتابية أخرى أن هناك أشخاصًا يقبلون كلمة الله إلى حين، ويُظهرون ثمرًا سطحيًا، ويكونون وسط جماعة المؤمنين، لكنهم ليسوا مؤمنين حقيقيين (متي ١٣: ٥-٦، ٢٠-٢٢، مثل الأرض الحجرية وأيضًا تلك المليئة بالأشواك؛ تذكر على سبيل المثال: يهوذا، أو وصف هيرودس بأنه “إذ سمِعَهُ (سمع يوحنا المعمدان)، فَعَلَ كثيرًا، وسَمِعَهُ بسُرورٍ” مرقس ٦: ٢٠ب).
هؤلاء رغم وجودهم وسط جماعة المؤمنين، سوف تنكشف حقيقة زيف إيمانهم إما بالخروج من جماعة المؤمنين في هذا الدهر (١ يوحنا ٢: ١٩)، أو بإعلان المسيح عن زيفهم في مجيئه الثاني (متى ٧: ٢١-٢٢؛ ١٣: ٢٤-٣٠، ٣٦-٤٢؛ ٤٧-٥٠؛ متى ٢٥: ١١-١٢).
ماذا تقول هذه التحذيرات للمؤمن الحقيقيّ اليوم؟
هناك نفع وفائدة حقيقيان في هذه التحذيرات لكل المؤمنين من مستمعي رسالة العبرانيين، ولكل المؤمنين الحقيقيين عبر العصور. ويوضح روبرت كارا، في تفسيره لرسالة العبرانيين، أن الهدف الرئيس من التحذير هو تشجيع المؤمنين على حياة أكثر محبة لله.
ويقول كريج كوستر:
لم تُصمم التحذيرات لكي ما تسرق الرجاء من الناس [المؤمنين]، لكن لكي ما تبعدهم عن الخطر، ولكي تحفظهم لكي ما يثابروا ويرثوا مواعيد الله لهم.[1]
لذلك، سواء جاء النص في صورة تحذير أو تشجيع، فكلاهما من أدوات الله التي يستخدمها لكي يكمّل المؤمنون مسيرة إيمانهم (لاحظ تتابع الاثنين في مقاطع مثل عبرانيين ١٠: ٢٦-٣١ تحذير، ويليه التشجيع في ١٠: ٣٢-٣٩). فالتحذير والتشجيع هما أدوات الله لكي يستكمل المؤمنين مشوار إيمانهم. هم عصا الله وعكازه اللذان يتعزى بهما المؤمن ويُسند في مشواره للمدينة السماوية.
لذلك،فتأثير التحذير على المؤمن الحقيقي دائما ما يكون فحص الذات ثم:
- توبة خاصة في حالة الانزلاق الروحي؛
- امتنان وشكر لما خلص منه (امتنان لخلاص هذا مقداره!)؛
- أتكال على الروح لكي ينمو في محبة المسيح وفي كره الخطية والحذر من الاقتراب إليها.
فالتحذيرات تساعده لكي يُدرك أنه “من الأسهل إبقاء التجربة واغراء الخطية بعيدًا، من مقاومة الأغراء عندما يكون قريبًا” (متى هنري). كما تساعده أن يُدرك أن التحول عن المسيح هو ابتعاد عن رجاء الغفران والخلاص الوحيد.
ماذا تقول هذه التحذيرات لغير المؤمن؟
أما تأثير التحذير في غير المؤمن، ولا سيما فيمن يوجدون وسط شعب الرب، مع إمكان تطبيقه أيضًا على من هم خارج دائرة الكنيسة المنظورة، فيظهر في صور متعددة. فقد يستجيب الإنسان لهذه التحذيرات بإحدى الطرق الآتية:
- فحص الذات، واكتشاف الخطية، أو البرّ الذاتي، أو الخوف من الاضطهاد. وربما يقود هذا الفحص إلى الرجوع الحقيقي للرب (راجع، رسالة يهوذا ٢٣، “وَخَلِّصُوا ٱلْبَعْضَ بِٱلْخَوْفِ، مُخْتَطِفِينَ مِنَ ٱلنَّارِ”)؛
- تجاهل الشخص للتحذير والبقاء في حالة المُخدّر روحيًا، ويكتفي بالقول إن هذا التحذير “لا يخصّني، بل يخصّ هذا الشخص أو ذاك”، فيستمر الشخص متبلدً أمام التحذيرات – (ربما لفترة ما ثم يفتقده الرب)؛
- رفض التحذير بشكل واضح، والازدياد في قساوة للقلب والعناد وتجاهل كلمة الرب.
فكما هو تأثير كلمة الرب عمومًا في القلب، هكذا أيضًا تأثير التحذيرات. فهي كأشعة الشمس: تُليّن بعض القلوب كما تُليّن الشمس الشمع، وتُقسّي قلوبًا أخرى كما تُقسّي أشعة الشمس الإسمنت الرطب.
عن أيّة ردّة تتحدث الرسالة إلى العبرانيين؟
نوعية الخطية التي يواجهها المستمعون الرئيسيون في رسالة العبرانيين، أي يهود روما على الأرجح، بحسب ما نفهم من سياق الرسالة، هي الرجوع إلى نظام العهد القديم، والثقة في الطقوس والذبائح الحيوانية في الهيكل، بدل الاتكال على كفاية المسيح للخلاص. وبهذا الرجوع إلى الطقس، يتركون الله الحي نفسه.
لذلك، فهي خطية عمدية (١٠: ٢٦) ضد الله الثالوث (عب ١: ١-٤؛ ١٢: ٢٥؛ ٦: ٦؛ ١٠: ٢٩)، وفيها رفض واضح لشخص المسيح وعمله، ورفض لشخص الروح القدس وعمله (١٠: ٢٩)، وهذا الرفض ليس عابرًا أو مؤقتًا. فتعبير “أخطائنا” في ١٠: ٢٩ يأتي في صيغة الاستمرار.
وليس المقصود بعبارة “أخطائنا باختيارنا” (١٠: ٢٦) أية خطية اختيارية يرتكبها المؤمن بعد إيمانه؛ إذ كانت حتى بعض الخطايا الواعية في العهد القديم لها ذبائح للتكفير (لاويين ٦: ١-٦). لكن المقصود، كما ذكرتُ، هو رفض شخص المسيح وعمله رفضًا نهائيًا ومستمرًا.
ولأن هذه الخطية تتضمن ترك رسالة الإنجيل نفسها، والاتكال على إنجيل آخر، فإنها تترك الإنسان بلا ذبيحة عن الخطايا (١٠: ٢٦؛ راجع، غلاطية ١: ٥-١٠).
أما الذين يسقطون في أي نوع من الخطايا في حياتهم المسيحية، مهما بلغ ضعفهم، فإن كاتب العبرانيين لا يغلق أمامهم باب الرجاء، بل يشجعهم على الهروب إلى عرش النعمة بجرأة، متكلين على عمل المسيح الكافي (٢: ١٨؛ ٤: ١٤-١٦).
أما المرتدون، فلن يكون لديهم قلق حقيقي أو اهتمام صادق بالرجوع إلى المسيح، بل تتصلب قلوبهم، ويبررون مواقفهم وتوجهات حياتهم، مصرّين على عدم الرجوع إليه. أما المؤمنون الحقيقيون، فهم الذين تبقى عيونهم مثبتة على المسيح إلى النهاية، كما كانت عيون مؤمني العهد القديم مثبتة عليه إلى النهاية (عب ١٢: ١، ٢).
لذلك، فرسالة العبرانيين تحثنا جميعًا، “أنظر للمسيح، ثبّت عينك على رئيس الإيمان، وثق أنه هو مُكّمله!”
صورة توضيحية ختامية
يذهب بعض الناس إلى أماكن ترفيهية فيها برج للانزلاق الحرّ، أو ما يُعرف بـ”Zip line”. وهو برج عالٍ مربوط بسلك معدني يمتد إلى برج آخر أقل ارتفاعًا، وينزلق الشخص عبره من موضع إلى آخر. ويتم ذلك بربط الشخص بحزام أمان قوي حول وسطه، ثم يُوصَل هذا الحزام بالسلك المعدني بواسطة رباط مُحكَم. ولا بد أن يكون كل شيء مثبتًا بإحكام قبل أن يقفز الشخص، فيصير معلّقًا في الهواء بهذه الحبال حتى يعبر إلى الضفة الأخرى.
تخيّل الآن أن شخصًا يقف على البرج، وأن هناك من يحذّر جميع المستعدين للقفز قائلًا: «تأكّد أن الحزام مربوط بإحكام حول وسطك، لكي تصل سالمًا إلى النهاية». هل هذا التحذير مفيد وضروري، ويقوم بدور الصديق؟ نعم، بكل تأكيد.
فإن كان هناك شخص، لأي سبب من الأسباب، واقفًا وسط الجماعة المستعدة للقفز، وهو غير مربوط أصلًا، فقد يدفعه هذا التحذير إلى أن ينتبه ويربط حزام الأمان. وإن كان مربوطًا بالفعل، لكن رباطه بدأ يرتخي، فإن التحذير يشجعه على فحص الرباط وشدّه جيدًا. وإن كان رباطه مُحكَمًا أصلًا، فسيكون هو أيضًا ممتنًا لمحبة ذلك الشخص واهتمامه، لأنه جعله يراجع نفسه مرة أخرى ويتأكد من سلامته.
ولا شك أن أغرب ما يمكن أن يحدث وسط هذه الجماعة هو أن يسمع شخص غير مربوط بالحزام كل هذه التحذيرات، ثم يقفز من البرج العالي متجاهلًا إياها.
[1] Koester, ‘Warnings are not designed to rob people of hope, but to steer them away from danger in order to preserve them so that they persevere and inherit what has been promised to them’ (Hebrews, 209).

