الضيقة العظيمة وضِدُّ المسيح

التعريف

إن الضيقة و”ضِدَّ المسيح” مفهومان منفصلان لكن مترابطان على نحوٍ متبادلٍ. تشير الضيقة إلى أيَّة أوقات يختبر فيها شعب الله المتاعب أو المِحَن، لكنها تشير أيضًا إلى فترةٍ مستقبليَّةٍ لضيقةٍ عظيمةٍ مكثَّفة، تَحْدُثُ مباشرةً قبل المجيء الثاني للمسيح. أما “ضِدُّ المسيح” فيشير إلى شخص مُلْهَمٍ على نحوٍ شيطانيٍّ، يقدِّمُ نفسَهُ كإلهٍ. هذا الروح الخاص بـ “ضِدِّ المسيح” يتجلَّى عمله في أيِّ تعليمٍ كاذب ينكر ألوهية المسيح أو يدعي بأنه المسيح، إلا أن تعبير “ضِدِّ المسيح” يشير أيضًا إلى قائدٍ أرضيٍّ شيطانيٍّ مستقبليٍّ يطالِب الناس بعبادته ويضطهد شعبَ الله.

المُلَخَّص

الإسخاتولوچي، أي الأُخْرَوِيَّات، مصطلحٌ شامل لحقائق روحية وكونية تحقَّقَتْ بشخص وعمل الرب يسوع المسيَّا، ويتطلَّع إلى الأمام صوب التحقيق النهائي لتتويجه ملكًا على الأرض في أورشليم الجديدة، وهكذا، يتحدَّث عن حقائق موجودة الآن لكن ليس بعد. هناك حقائق أُخْرَوِيَّة نختبرها، لكنها ستكْتَمِلُ بالمجيء الثاني للمسيح. وثمة حقيقتان أُخْرَوِيَّتان هما الآن وليس بعد: الضيقة ووجود “ضِدِّ المسيح”. مع أنهما حقيقتان حاضرتان، إلا أن وجودهما سيكون شديدًا ويبلغ ذروته عند اقتراب هذا الدهر من نهايته بالمجيء الثاني للمسيح. يدرُس هذا المقال التعاليم الكتابية عن الضيقة و”ضد المسيح” الآن ومستقبلًا.


تقدِّم أسفار العهد الجديد الأُخْرَوِيَّات باعتبارها الآن وليس بعد، وبذلك فهي واقعٌ حاضرٌ مع سلسلة من الأحداث المستقبلية. تشير الأُخْرَوِيَّات إلى الفكر اللاهوتي الخاص بالأمور الأخيرة، كما ترتبط في المعتاد بالنبوات التي تُنْبِئ بأحداث الأيام الأخيرة. ومع أن الأُخْرَوِيَّات ترتبط بالأحداث المستقبلية، فهي أيضًا سمة ثابتة من سمات الفِكر اللاهوتي المسيحي. إن القولَ بأن شيئًا ما أُخْرَوِيٌّ قد يعني بأنه يصف شيئًا مستقبليًّا، أو واقعًا حاضرًا، على سبيل المثال: الحياة الأبدية (يوحنَّا 16:3؛ 25:11). الأُخْرَوِيَّات مصطلح شامل لحقائق روحية وكونية تحقَّقَتْ بشخص وعمل الرب يسوع المسيَّا. كما أنها تتطلَّع إلى الأمام صوب التحقيق النهائي لتتويجه ملكًا على الأرض في أورشليم الجديدة. نحن نعيش حاليًا في تداخل بين دَهْرَيْن: الدَّهْر الحاضر، والدَّهْر الآتي. ‎على هذا النحو، هناك حقائق أُخْرَوِيَّة نختبرها لكنها ستصل إلى الاكتمال بالمجيء الثاني للمسيح. ثمة حقيقتان أُخْرَوِيَّتان هما الآن وليس بعد، هما الضيقة ووجود “ضِدِّ المسيح”. ومع أنهما حقيقتان حاضرتان، إلا أن وجودهما سيكون شديدًا ويبلغ ذروته حال اقتراب هذا الدهر من نهايته قبل المجيء الثاني للمسيح. يستجْلِي هذا المقال الضيقة و”ضدَّ المسيح” الآن ومستقبلاً.‎

الضيقة

في العبرية، تأتي اللفظة المترجمة إلى “ضيقةٍ” من اللفظتَيْن: “صَرْ”، و”صاراه”، وفي اليونانية من اللفظة “ثلِبْسِس”. وينطوي المعنى الأساسي لهذه المفردات على: “ضيقة، ضيق”، “مشقة، صعوبة”، “ألم، معاناة”، “بلوى، مصيبة”، و”محنة”. تُستخْدَم اللفظة للإشارة إلى أيِّ نوع من المصاعب أو الضيقات التي يمكن أن يختبرها شعب الله. تعني جذور المفردات العبرية “ضَيِّق narrow” (العدد 26:22) أو “ضغط” (أيوب 15:41). على هذا النحو، تحمل اللفظة فكرة “التقييد الشديد”، أو “التضييق”، أو “الانضغاط” إلى درجة الانسحاق (مَتَّى 14:7؛ مَرْقُس 9:3). أما اللفظة الإنجليزية “ضيقة” فهي تأتي من اللفظة اللاتينية “ترِبْيُولَمْ tribulum“، التي تعني “دَرَّاسة الحنطة”، وهي آلة تستخدم لضغط وفرك السنابل لفصل القشور (التبن) التي تغلِّف حبوب الحنطة.[1] أما اللفظة “ثلِبْسِس thlipsis“، فهي تشير في كلِّ مرَّة من مَرَّات استخدامها في سِفْر الرُّؤْيا إلى المتاعب، والمحن، والبلايا، والضيقات التي يختبرها المؤمنون (الرُّؤْيا 9:1؛ 9:2، 10، 22؛ 14:7). كما أنها تُستخدم على نحوٍ مُتَكَرِّر في كلِّ أسفار العهد الجديد بالارتباط مع الألم بسبب إيمان المَرْءِ.[2] حتى أن الرب يسوع قد أخبر تلاميذه: “فِي الْعَالَمِ سَيَكُونُ لَكُمْ ضِيقٌ وَلَكِنْ ثِقُوا: أَنَا قَدْ غَلَبْتُ الْعَالَمَ” (يوحنَّا 33:16). لذلك، تُعَدُّ الضيقات والمِحَن اختبارًا شائعًا للمؤمنين في هذه الحياة فلا ينبغي عليهم الاندهاش أو الانزعاج منها لأن الله يستخدمها لتقديس شعبه (يعقوب 2:1-3؛ 1 بُطْرُس 6:1-7).

مع أن المؤمنين قد يختبرون الضيقات حاليًا، يتوقَّع الكتاب المقدس زمنًا مستقبليًّا لضيقة عظيمة للغاية عتيدة أن تحدُث مباشرة قبل المجيء الثاني المسيح. يؤكِّد الرب يسوع على أنه “يَكُونُ حِينَئِذٍ ضِيقٌ عَظِيمٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنْذُ ابْتِدَاءِ الْعَالَمِ إِلَى الآنَ وَلَنْ يَكُونَ” وأن أيام هذا الضِّيق ستُقَصَّر “لأَجْلِ الْمُخْتَارِينَ” (مَتَّى 21:24-22). وبعدها بعدد من النصوص، يَصِفُ الرب مجيء ابن الإنسان the Son of Man بعبارات مماثلة لتلك الموجودة في (1 تَسَالُونِيكِي 16:4-17)، حيث يشير كلا النصَّيْن إلى “البوق” و “السحاب”. هذه الباروسيا أي المجيء الثاني، سوف تتحقَّق بعد هذا الضيق العظيم (مَتَى 29:24).

على الرغم من وجود دلائل تشير إلى وجود مستقبلي لـ “ضِيقٍ عَظِيمٍ” يسبقُ مباشرة المجيء الثاني للرب يسوع، فإن “علامات الضيق” لا تحدُث فقط في نهاية الزمان إذ تشير علاماته إلى أي وقتٍ يختبر فيه شعب الله الألم والمعاناة. وبناءً عليه، فإن الضيقة العتيدة أن تحدُث قبل النهاية مباشرة هي فقط مجرَّد تكثيف لضيقٍ موجودٍ بالفعل. هذا ما يوصف بأنه “ضيقةٌ عظيمةٌ” ومدتها إما سبع سنوات، أو ثلاث سنوات ونصف، أو مجرد فترة زمنية لضيق شديد لكن غير محددة قبل مجيء المسيح. في سِفْر الرُّؤْيا، هناك تحريض للمؤمنين على الشهادة للمسيح مع الاحتمال بصبرٍ وسط الضيق، بوصفهم مواطني الملكوت (الرُّؤْيا 9:1). يجمع البشير يوحنَّا مفردات الموضوعات: الضيق، الملكوت، الاحتمال بصبر باعتبارها مفردات ذات صلة خاصة بالجماعات المسيحية. تشير لفظة “ضيق”، التي تأتي مَرَّتَين في سِفْر الرُّؤْيا إلى الألم، والمصاعب، والاضطهادات التي تصيب المؤمنين الأمناء (الرُّؤْيا 9:1؛ 9:2-10). كما تأتي اللفظة مَرَّتَيْن موصوفة بالصفة “عظيمة” (megas في 22:2؛ 14:7)، وذلك فيما يرتبط بالدينونة التي يدين بها المسيح النَّبِيَّة الكذَّابة (وأتباعها)، وكذلك سكان الأرض. وبناءً عليه، ينبغي على المسيحيين أن يتوقَّعوا الاضطهادات والمصاعب كجزء لا يتجزأ في الحياة لأجل المسيح. يقدِّم سِفْر الرُّؤْيا تصوُّرًا عن الاكتمال الأُخْرَوِي لملكوت المسيح (الرُّؤْيا 15:11؛ 10:12)، الذي يوضع في السِّفْر بالتوازي مع المملكة الشيطانية لهذا العالم (الرُّؤْيا 10:16؛ 12:17، 17-18). ولكون المؤمنون أعضاءً في ملكوت المسيح، ينبغي عليهم احتمال الآلام التعسفية لأن نجاتهم أكيدة عندما يتأسَّس ملكوت المسيح بشكلٍ منظورٍ على الأرض. وبناءً عليه، يمثِّل الاحتمال فضيلةً رئيسةً للمؤمنين في زمن الصعوبات والقمع (الرُّؤْيا 9:1؛ 2:2-3، 19؛ 10:3؛ 10:13؛ 12:14-13).

ضِدُّ المسيح

من بين كلِّ أسفار العهد الجديد، لا نجد اللفظة المهينة: “ضِدَّ المسيح antikristos” إلا في رسائل البشير يوحنَّا (1 يوحنَّا 18:2، 22؛ 3:4؛ 2 يوحنَّا 7:1). ومع أن التعبير نفسُه قد صاغه غالبًا البشير يوحنَّا، من المرجح أيضًا أن البشير قد استخدَمَ مفهومًا شائعًا في الكتابات اليهودية والمسيحية للإشارة إلى العدو اللَّدود لشعب الله. ومع ذلك، فإن اهتمام البشير يوحنَّا بـ “ضِدِّ المسيح” مدفوعٌ بشكلٍ كريستولوچيٍّ في محاولته لدحض الأفكار الهرطوقية. يصف البشير المعلمين الكذبة بأنهم “أَضْدَادٌ لِلْمَسِيحِ” (18:2)، وأن لديهم روح “ضِدِّ المسيح Antichrist” (3:4). والعلامة الجليَّة على أن المعلمين الكذبة يرتبطون بـ “ضدِّ المسيح” هي إنكارهم لحقيقة أن الرب يسوع هو المسيح وأنه قد جاء في الجسد (1 يوحنَّا 22:2؛ 3:4؛ 2 يوحنَّا 7:1). هناك عدد من الملاحظات المُهِمَّة التي تثري مفهومنا عن “ضِدِّ المسيح” في الرسائل اليوحنَّاوية، خاصة عندما يتعلَّق الأمر بالأُخْرَوِيَّات والنبوة المستقبلية.

في البداية، يُميِّز البشير يوحنَّا بين “أضْدَّاد المسيح” (بصيغة الجمع) و”ضِدِّ المسيح” (بصيغة المفرد). إذن، صيغة الجمع: “أضْدَّاد المسيح” هي بالفعل مرادف لـ “الأنبياء الكَذَبَة”، و”المُسَحَاء الكَذَبَة” الذين سَبَقَ وحذَّر منهم الربُّ يسوع في خطابه لتلاميذِهِ على جبل الزيتون (مَتَّى 11:24، 24؛ مَرْقُس 22:13). إن أقرب ما يكون لمصطلح “أضْدَّاد المسيح” هو تعبير “المُسَحَاء الكَذَبَة” المنطوق في اليونانية على النحو “بسُودُوخرِستي pseudokristoi“، والموجود في (مَتَّى 24:24؛ مَرْقُس 22:13)، إلا أن اختيار البشير يوحنَّا للبادئة “آنتاي” بمعنى “ضد anti” بدلاً من “بسُودُو” بمعنى “كاذب” يشير إلى أنه أراد وصف طبيعتهم كـ “مقاومين” للمسيح بدلاً من ادعائهم الكاذب بأنهم المسيح، إذ إنهم لا ينادون بأنهم المسيح، بالأحرى، تمثِّل تعاليمهم المشوَّهة عن الرب يسوع إهانة دنيئة للحق الخاص بالمسيح وتحريفًا للفكر اللاهوتي المستقيم عنه. في هذا الصدد، يعلِّق روبرت ياربرو Robert Yarbrough بالقول: “من المفترض أن يكون أضْدَّاد المسيح قادة مجموعات أو مناصرين لمجموعات فرعية من الكنيسة … وقد تَبَيَّن أن أهدافهم وممارساتهم غير مقبولة للمعايير والنتائج التي ترسَّخَتْ تحت سيادة المسيح المباشرة بواسطة القادة المختارين بعناية من الرُّسُل كالرَّسُول  يوحنَّا”.[3] يستمد “أضْدَّاد المسيح” إلهامهم من روح “ضِدَِّ المسيح” (3:4)، المعروف عمومًا بالعدو الروحيِّ والأُخْرَوِيِّ للمسيح وشعبه.

من المرجَّح بالضرورة أن يرتبط “ضِدُّ المسيح” (1 يوحنَّا 3:4) بـ “رِجْسَة الْخَرَابِ” (مَرْقُس 14:13)، و”إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ” (2 تَسَالُونِيِكِي 3:2-4)، و”الوَحْش” (الرُّؤْيا 1:13-9، 11-18؛ 7:11). إن توقُّع هذه الشخصية الشريرة متأصِّل في رؤى النبي دانيآل (دانيآل 8:7، 19-25؛ 27:9؛ 31:11، 36-37؛ 11:12). وشخصيات شريرة أخرى مماثلة في العهد القديم (حِزْقِيَال 2:28-3). تزخر التقاليد اليهودية الرُّؤيوية بنبوات متشائمة عن رجل مولع بالشر لمقاومة شعب الله الحقيقي. ومع ذلك، بالإشارة إلى “رُوحُ ضِدِّ الْمَسِيحِ” (1 يوحنَّا 3:4)، لا بُدَّ أن البشير يوحنَّا كان يتصوره كائنًا خارقًا للطبيعة. والأكثر من ذلك، يُنظَر إليه على أنه ممثِّلٌ بشريٌّ وتجسيدٌ للشرير الذي تحدَّث عنه الرب يسوع في (مَتَّى 13:6؛ يوحنَّا 15:17؛ مع يوحنَّا 44:8). بوسعنا القبول بتقييم مارشال Marshall بأن البشير يوحنَّا “لم يرفع البعد الأسطوري عن شخصية ضِدِّ المسيح، ولم ينكر أيضًا مجيئه المستقبلي، إلا أنه كان منشغلاً على الأكثر بالواقع الحاضر المرتبط بوجود المعلمين الكَذَبَة في الكنيسة الذين لديهم روح “ضِدِّ المسيح”.[4]

إن وجود “أَضْدَادٍ لِلْمَسِيحِ” في العالم حاليًا، كما نرى، هو دليل على أننا نحيا حاليًا من الناحية الأُخروية في الـ “إسخاتيه هورا” أي في “السَّاعَة الأَخِيرة”. يقول البشير: “مِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّهَا السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ” (18:2) وأن “رُوح ضِدِّ الْمَسِيحِ الآنَ هُوَ فِي الْعَالَمِ (3:4). ترتبط “السَّاعَة الأَخِيرة” غالبًا بتأكيدٍ لاهوتيٍّ أكثر من كونها مؤشرًا زمنيًا. عندما يُنْظَر إليها كتعبير تِقَنِيٍّ، فإنها تشير إلى فترةٍ زمنيةٍ، طويلةٍ أو قصيرةٍ، فإنها تصبح إيذانًا ببدء ذروة الدهور المؤدية إلى لاكتمال الدينونة النهائية والخلاص الإلهي الموعود. إن مفهوم الأيام الأخيرة متأصِّل في توقُّعات أسفار العهد القديم لزمنٍ سوف يتدخَّل الله فيه بشكلٍ واضحٍ لتحقيق مقاصده من جهة العالم وشعبه (إشعياء 2:2؛ دانيآل 40:11-13:12). وبالمثل، كان لكَتَبَةِ أسفار العهد الجديد إيمانٌ راسخٌ بأن عمل يسوع المسيح،: مجيئه، وموته، وقيامته، قد دشَّنَ تحوُّلاً أُخْرَوِيًّا يشير إلى أن الأيام الأخيرة قد بَدَأَتْ الآن، وأنها ستبلغ ختامَها المناسب بالمجيء الثاني للمسيح (أعمال الرُّسُل 17:2؛ 1 كُورِنْثُوس 11:10؛ 2 تِيمُوثَاوس 1:3؛ العبرانيين 2:1؛ 1 بُطْرُس 20:1؛ 2 بُطْرُس 3:3؛ مع يوئيل 28:2؛ مِيخَا 1:4). ومع أن كَتَبَة العهد الجديد آمنوا أنهم كانوا يعيشون بالفعل في الأيام الأخيرة، إلا أنهم توقَّعوا أيضًا تصاعدًا لوتيرة الشَّر والأحداث قَبْلَ المجيء الثاني للمسيح (مَتَّى 24؛ مَرْقُس 13؛ لوقا 21؛ 1 تِيمُوثَاوس 1:4؛ 2 تِيمُوثَاوس 1:3؛ 2 بُطْرُس 3:3؛ يهوذا 18:1).

يشير الرَّسُول بُولُس إلى هذا الشخص الأُخْرَوِيِّ الذي سيظهر قبل مجيء المسيح باعتباره “إِنْسَان الْخَطِيَّةِ” (2 تَسَالُونِيكِي 1:2-3). وَفْقًا للرسول، ينهضُ “إِنْسَانُ الْخَطِيَّةِ” ساعيًا لترفيع نفسه فوق الله، مطالبًا بعدم عبادة أي إله آخر سواه (عدد 4). سوف يضطهد بشدة من يرفضون عبادته. كما أنه سيصنع آياتٍ وعجائبَ لخداع الناس مُقَدِّمًا لهم التعاليم الزائفة (العددين 9، 11). في محاكاته لقدرة المسيح على التعليم وصنع الآيات المعجزية، يبدو وكأنه المسيح، لكنه سينهزم بالمجيء الثاني للرب (عدد 8). على مَرِّ التاريخ، اعتقد البعض أن بعض الأشخاص مثل نيرون، وبابا روما، وستالين، وهتلر، وغيرهم هم “ضِدُّ المسيح” الأُخْرَوِي. ومع أنهم كانوا بالفعل مخطئين، ينبغي علينا أن ندرك أن كلَّ جيلٍ يَظْهَرُ فيه من يقاومون المسيح، ومن ثم يمكن أن يُطْلَق عليهم بحق أنهم “أضْدَّاد المسيح”.

التعليم الأكثر تفصيلاً عن “ضِدِّ المسيح” الأُخْرَوِي نجده في سِفْر الرُّؤْيا 13، الذي يشير إليه باسم “الوَحْش”. في الرُّؤْيا 12، نجد الشيطان مصوِّرًا بأنه تنينٌ عظيمٌ أحمر، وهو في حربٍ ضِد الله وشعبه، لكنه يُطْرَح إلى الأرض، فيركِّز هجومه العنيف على شعب الله (13:12-17). يسخِّر التنينُ وَحْشَيْن خادمَيْن له لمواصلة حربه ضد القديسين (1:13-18). يمثِّل الوحشُ الصاعد من البحر “ضِدَّ المسيح” (الرُّؤْيا 1:13-8). ويمثِّل الوحشُ الصاعد من الأرض (11:13-17) نبيًّا كاذبًا يقود مؤسسة دينية تفرض على الناس عبادة الوحش الأول (أي عبادة إمبريالية). يشكِّل هؤلاء الثلاثة معًا ثالوثًا نجسًا، إذ في عملهم الشرير والقوي يحاكي التنين، وَوَحْشُ البحر، وَوَحْشُ الأرض الثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس.

يُثَبِّتُ “ضِدُّ المسيح” نفسَه بكلِّ غطرسةٍ كمسيحٍ كاذبٍ، مدَّعِيًا المكانة الإلهية كطاغية ذي سيادة، ويأمر بعبادة وثنية. إن الحُكم الظاهري للوحش على أمم الأرض هو حكمٌ يسخرُ عن عَمْدٍ من الحكم الشرعي للحَمَلِ. كما دفع الآب قدرته وسلطانه وعرشه لابنه يسوع المسيح (الرُّؤْيا 6:5-7)، يجود التنين على الوحش بقدرةٍ، وعرشٍ وسلطانٍ عظيمٍ (2:13). في الرُّؤْيا 3:13، حُكْمُ الوحش على الأمم مُؤَمَّن بقيامته الزائفة عندما يتعافى على نحوٍ معجزي من جرحٍ مميت في الرأس، مقارنةً بـ (الرُّؤيا 18:1). إن سكان الأرض يعبدون التنين ووحشه بوصفه طاغيةً لا يُقْهَر (4:13). يمارس “ضدُّ المسيح” سلطانه بشكلٍ استبداديٍّ بالهجوم التجديفي على الإله الحقيقي وشعبه. يستعير البشير يوحنَّا بشكلٍ موسَّعٍ من رؤيا النبي دانيآل المرتبطة بالقرن الصغير the little horn (دانيآل 6:7-8).[5] هذا القرن الصغير، الذي يمثِّل قائدَ مملكةٍ أرضيةٍ قويةٍ، يتحدَّث بكبرياء على الله ويصنع حربًا ضد القديسين لمدة ثلاث سنوات ونصف (دانيآل 21:7، 25). يُمْنَحُ هذا الخَصْمُ فترةً زمنيةً محدودةً لاضطهاد القديسين، لكن في نهاية هذا الزمن المحدَّد يعلن الله قضاءه بتبرير قديسيه، مؤسِّسًا ملكوته على الأرض (دانيآل 22:7؛ 26-27).

لقد أعْطِيَ لـ “ضدِّ المسيح” أن يتكلَّم بتجاديفٍ وأن يحكُمَ لمدة اثنين وأربعين شهرًا (ثلاث سنوات ونصف). وفي الرُّؤْيا 7:13، أعْطِيَ سلطانًا لِيَصْنَعَ حربًا ضد القديسين ويغلبهم. مع أن نصَّ الرُّؤْيا 11:12 يؤَكِّدُ صراحةً على أن القديسين قد غلبوا الشيطان بشكلٍ نهائي، إلا أنهم سيواجهون الموت الجسدي أثناء هذه الفترة من الحرب. وهكذا، يستمر إجهاض العدالة لأن كلَّ سكان الأرض سيعبدون الوحش (8:13)، كما يأمر النبيُّ الكذَّاب (أي وحش الأرض) بالعبادة الوثنية الجبرية، وتفويض السلطة القانونية بإعدام المخالفين، وترسيخ القيود الاقتصادية التي تهدُف لقمع القديسين (11:13-17). وبينما يواصل الشيطان حربَهُ ضد القديسين على الأرض، فإن المذابح اللاحقة للأبرار من شأنها أن تجعل الأمور بادية وكأن الشيطان انتصر بالفعل عبر هذه المظالم. يقوم الرَّسُول يوحنَّا بإدراج تحذيرٍ نبويٍّ موجزٍ للقديسين، في الرُّؤْيا 9:13-10، لتشجيعهم على أن يستمروا أمناءً وهم يحتملون بصبرٍ الأسر والموت (راجع إرميا 2:15).

الخاتمة

في حياتنا، قد نختبر الضيقات ونواجه أضْدَّاد للمسيح. وربما نتوقَّع في المستقبل أيضًا قبل المجيء الثاني للمسيح وقوعَ ضيقةٍ عظيمةٍ مع ظهورٍ لـ “ضدِّ المسيح”. هذا يعني أنه عندما نواجه المصاعب والمعلمين الكذبة، ينبغي علينا الانتباه واليقظة في تحمُّل ومواجهة هذه الأمور. مع اقترابنا من مجيء المسيح، علينا أن ندرك أن الضيقَ سوف يزداد وفي مرحلة ما، سَيَظْهَر المخادع الذي يطلب اضطهاد المسيحيين ويسعى وراء عبادته. إن الغرض من هذه التعاليم هو تشجيع المؤمنين على تحمُّل الصعاب، والاستمرار في أمانتهم للمسيح كشهودٍ له. إن بداية ومدة الضيقة العظيمة هي أمور ثانوية مفتوحة للنقاش والتفسير والتكهُّنات.


[1] B. A. Milne, “Tribulation ضيقة,” in the New Bible Dictionary قاموس الكتاب المقدَّس الجديد (D. R. W. Wood et al., eds.; Downers Grove: InterVarsity Press, 1996), 1206–1208.

[2] انظر (مَتَّى 21:13؛ 9:24؛ مَرْقُس 17:4؛ يوحنَّا 33:16؛ أعمال الرُّسُل 19:11؛ 22:14؛ 33:20؛ رومية 35:8؛ 2 كُورِنْثُوس 8:1؛ 17:4؛ 4:6؛ 2:8؛ فِيلِبِّي 17:1؛ 1 تَسَالُونِيكي 6:1؛ 3:3، 7؛ 2 تَسَالُونِيكي 4:1، 6؛ العبرانيين 33:10).

[3] Robert W. Yarbrough, 1–3 John, BECNT (Grand Rapids: Baker, 2008), 143.

[4] I. Howard Marshall, The Epistles of John, NICNT (Grand Rapids: Eerdmans, 1978), 151. See also Akin, 1, 2, 3 John, 268–69.

[5] لقراءة تحليل أكثر شمولاً عن استخدام البشير يوحنَّا لنبوة سِفْر دانيآل انظر: Beale, Book of Revelation, 681–703.

شارك مع أصدقائك

حاصل على درجة الدكتوراة في اللاهوت (PhD) من الكلية المعمدانية الجنوبية الشرقية للاهوت، ويعمل كأستاذ العهد الجديد واللغة اليونانية بجامعة أوكلاهوما المعمدانية.