تعاليم المسيح

التعريف

كانت تعاليم يسوع مثيرة للانتباه ولا تُنسَى، ليس فقط لأنَّه استخدم مجموعة مُتَنَوِّعَة من أساليب التعليم، ولكن أكثر من ذلك بسبب ما علَّمه: أنَّه الرَّبَّ الإله المُتَجَسِّد الذي أحضر ملكوته السماوي إلى الأرض، وأنَّ قوانين هذا الملكوت تختلف كثيرًا عن قوانين ممالك الأرض.

المُوجز

عُرِفَ يسوع بتعاليمه بسبب الأساليب التي استخدمها والرسالة التي كرز بها. استخدم يسوع طوال مُدَّة خدمته التعليميَّة مجموعة مُتَنَوِّعَة من الأساليب التي جعلت تعاليمه مثيرة للانتباه ولا تُنسَى وفي الوقت ذاته مفهومة ومُسْتَفِزَّة، وشملت هذه الأساليب الكثير من الأساليب المعروفة في زمنه بالإضافة إلى ألوان لا نزال نعرفها حتَّى الآن، الشِّعْر والحِكَم والمبالغة والأمثال والتشبيهات والألغاز والمُفَارَقَات. إلَّا أنَّ ما مَيَّز تعاليم يسوع عن التعاليم الأخرى كان الرسالة التي احتوتها تعاليمه. عَلَّمَ يسوع أنَّ ملكوت الله قد أتى وأنَّه، بصفته الرَّبَّ المُتَجَسِّد والإلهيّ، هو حَاكِمه، وتَحَدَّى هذا الملكوت معايير ممالك الناس ودَعَا مواطنيه إلى العَيْش بِطُرُقٍ مختلفة جذريًّا.


عُرِفَ يسوع بقدرته على التعليم، فهو يُدعَى “مُعَلِّمًا” خمسًا وأربعين مرَّة في العهد الجديد. يُستَخدَم اللقب الْأَرَامِيّ “رَبِّي [الذي تفسيره مُعَلِّم]” أربع عشرة مرة للإشارة إلى يسوع مع أنَّه لم يتدرَّب رسميًّا كَرَبِّي، ومع ذلك، أدرك الناس أنَّ يسوع هو بالفعل مُعَلِّمٌ مُرسَلٌ من الله. مثل المُعَلِّمين الآخرين، كان ليسوع تلاميذ، وأعلن وصايا إلهيَّة، ودَعَم تعليمه بالكتاب المقدَّس، وجادل الآخرين، وسُئِلَ عن النزاعات القانونيَّة، واستعمل أساليب متنوعة لجعل تعليمه أكثر قابليَّة للتَّذَكُّر. لقد عَلَّم يسوع في الريف وفي المُدُن، وعَلَّم في المجامع، وفي مناسبة واحدة على الأقل، من قَارِبٍ. غالبًا ما كان يسوع قادرًا على جمع حشود كبيرة من الناس قد تُؤْسَر بتعليمه لدرجة أنَّها تنسى ببساطة حاجتها إلى الطعام. ما جعل تعليم يسوع فريدًا لم يَكُنْ فقط ما عَلَّمَه، بل أيضًا كيف عَلَّمَه.

طريقة المسيح في التعليم

استخدم يسوع مجموعة متنوعة من أساليب التعليم لكي يطبع تعليمه في أذهان سامعيه، واستخدم يسوع مثل هذه الأساليب لتوضيح مَقْصِده، أو لتحفيز (أو أحيانًا صَدْم) المُستَمِعِين، أو لإعلان القصد الحقيقي لكلمة الله، وكل ذلك مع جَعْل تعليمه لا يُنسَى. تشمل بعض أشكال تعليم يسوع الشِّعْر والحِكَم والمبالغة والأمثال وغيرها الكثير (مثل الجِنَاس [مَتَّى 23: 24]، التشبيه [لوقا 17: 6]، الاستعارة أو التشبيه البليغ [مَتَّى 5: 13، 14]، الألغاز [مرقس 14: 58]، المُفَارَقَة [مرقس 12: 41-44]، المُفَارَقَة الساخرة [مَتَّى 16: 2، 3]، السؤال [مرقس 3: 1-4]).

الشِّعْر

مُعظَم الشِّعْر الذي استخدمه يسوع (والذي عَبَّر عنه كُتَّاب الأناجيل) يتضمَّن التوازي، مع وجود حوالي مِئَتَيْ مثال في الأناجيل. هناك أربعة أنواع رئيسة من التوازي: التوازي التَّرَادُفِيّ، التوازي التَّضَادِّيّ، التوازي التَّدَرُّجِيّ (أو التَّصَاعُدِيّ)، التوازي العَكْسِيّ.

في التوازي التَّرَادُفِيّ، يُعَبِّر السَّطْر (أو الأَسْطُر) اللاحق عن فكرة مشابهة (مُرَادِفَة) للسَّطْر السابق، ويمكن أيضًا للسطر الثاني، مع أنَّه قد يكون مُرَادِفًا تقريبًا للسطر الأوَّل، أن يُوَضِّح السطر الأوَّل أو يُقَوِّيه. يظهر في الأناجيل حوالي خمسين مثالًا لاستخدام يسوع التوازي التَّرَادُفِيّ، فيقول يسوع مَثَلًا: “لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ خَفِيٌّ لَا يُظْهَرُ، وَلَا صَارَ مَكْتُومًا إِلَّا لِيُعْلَنَ” (مرقس 4: 22). هُنَا، تُوازِي كلمةُ “خَفِيٌّ” كلمةَ “مَكْتُومًا”، وتُوازِي كلمةُ “يُظْهَرُ” كلمةَ “يُعْلَنَ”.

في التوازي التَّضَادِّيّ، يُضَادُّ السطرُ الثاني السطرَ الأوَّل، وهذا هو أكثر أشكال التوازي شيوعًا في تعليم يسوع مع وجود ما يَقرُب من 140 حالة. على سبيل المثال: “كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا ٱلشَّجَرَةُ ٱلرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً” (مَتَّى 7: 17)، حيث يُضَادُّ مُصطَلَحُ “جَيِّدَةٍ” مُصطَلَحَ “رَدِيَّةُ”، ويُضَادُّ مُصطَلَحُ “أَثْمَارًا جَيِّدَةً” مُصطَلَحَ “أَثْمَارًا رَدِيَّةً”.

في التوازي التَّدَرُّجِيّ (أو التَّصَاعُدِيّ)، يُواصِل السطر الثاني فكرة السطر الأوَّل ويُطَوِّرها. هناك حوالي عشرين مثالًا لهذا النوع من التوازي في تعليم يسوع، أَحَدُهم هو: “مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي، وَمَنْ يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي” (مَتَّى 10: 40). لاحِظْ أنَّ السطر الأوَّل يتكرَّر (“مَنْ يَقْبَلُنِي”) ثُمَّ يُزادُ عنصرٌ إضافيٌّ يُطَوِّر التعليم (“يَقْبَلُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي”).

أخيرًا، يتضمَّن التوازي العَكْسِيّ قَلْبَ العبارات المتوازية (أ، ب، ب1، أ1)، وهناك 16 حالة لهذا النوع من التوازي في الأناجيل. على سبيل المثال: “ٱلسَّبْتُ [أ] إِنَّمَا جُعِلَ لِأَجْلِ ٱلْإِنْسَانِ [ب]، لَا ٱلْإِنْسَانُ [ب1] لِأَجْلِ ٱلسَّبْتِ [أ1]” (مرقس 2: 27).

الحِكَم

يستعمل يسوع أيضًا الحِكَم، ولا ينبغي أن تُؤخَذ مثل هذه المقولات على أنَّها حقائق مُطلَقَة، بل هي مبادئ عامَّة. يقول يسوع على سبيل المثال: “لِأَنَّ كُلَّ ٱلَّذِينَ يَأْخُذُونَ ٱلسَّيْفَ بِٱلسَّيْفِ يَهْلِكُونَ!” (مَتَّى 26: 52)، وكما هو الحال مع الحكمة أو المقولة، لا يَتِمُّ تقديم استثناءات. لا تعني مقولة يسوع أنَّ كُلَّ الذين يُقاتِلون بالسيوف سيموتون بالسيف، وإنَّما المعنى هو أنَّ، بصفةٍ عامَّة، أولئك المعتادين على القتال بالسيوف من المُرَجَّح أن يُقتَلوا بالسيف؛ لذا فإنَّ الشخص الذي يَعلَم صِدْق المقولة سيكون حكيمًا إذا انتبه إلى تعليمها.

المُبَالَغَة

يمكن أن تكون المُبَالَغَة أمرًا خاطئًا إذا استُخدِمَت بصورةٍ خَادِعَةٍ، خاصَّةً عندما لا يتوقَّع المُستَمِع لُغَة مُبَالَغَة، غير أنَّه في التعاليم الأخلاقيَّة، تُعَدُّ لُغَة المُبَالَغَة أداةً قويَّة يمكن أن تترك انطباعًا لا يُمحَى لدى السامع (أو القارئ). يوجد نوعان من لُغَة المُبَالَغَة: الإغْرَاقُ والغُلُوُّ. الإغْرَاقُ هو تصريح مُبَالَغ فيه من الممكن (وإن لم يَكُنْ مقصودًا) تنفيذه. على سبيل المثال، عندما عَلَّم يسوع: “فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ ٱلْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَٱقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ” (مَتَّى 5: 29)، فمع أنَّه يمكن القيام بمثل هذا العمل، ليس هذا هو القصد المنشود من تصريح يسوع. لكن الغُلُوُّ هو تصريح مُبَالَغ فيه من المستحيل تنفيذه. على سبيل المثال، يقول يسوع للْكَتَبَةِ والْفَرِّيسِيِّينَ: “أَيُّهَا ٱلْقَادَةُ ٱلْعُمْيَانُ! ٱلَّذِينَ يُصَفُّونَ عَنِ ٱلْبَعُوضَةِ وَيَبْلَعُونَ ٱلْجَمَلَ” (مَتَّى 23: 24)، فمع أنَّه من المستحيل أن يبلع شخصٌ ما جَمَلًا، فإنَّ القَصْد الأخلاقي واضح: لا تَكُونوا شديدي الاهتمام بالأمور الصغيرة حتَّى تتجاهلوا القيام بالأمور الكبيرة. تُمَثِّل المُبَالَغَة شكلًا قويًّا من أشكال التواصل إذ إنَّها تَأْسِرُ انتباه السامعين. إنَّها تُبَيِّن أيضًا خطورة الموقف، فعلى سبيل المثال، إذا كان نَزْعُ عَيْنٍ سيساعدك على تَجَنُّب جَهَنَّمَ، فالأمر يستحق النَّزْع.

الأمثال

رُبَّما يكون أسلوب يسوع الأكثر شهرة في التعليم هو المَثَل، والذي يُمَثِّل حوالي ثُلْث تعليمه، ففي الأناجيل، يروي يسوع ما لا يقل عن خمسين مَثَلًا مختلفًا. مع الأسف، إنَّ الأمثال ليست فقط بعضًا من أَعَزِّ تعاليم يسوع، بل إنَّها تُشَكِّل أيضًا بعضًا من أكثر تعاليمه التي يُسَاء فهمها.

ينطوي المَثَل في تعريفه الأساسي على مُقَارَنَة أو قياس أو تمثيل، فعلى سبيل المثال: “يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ كَنْزًا مُخْفًى فِي حَقْلٍ” (مَتَّى 13: 44)، وهكذا، فإنَّ “مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ” يُقَارَن (لديه بعض الشَّبَه) بـ “كَنْزًا”. من السهل إلى حَدٍّ ما فَهْم مثل هذه الأمثال حيث إنَّ هدف المقارنة عادةً ما يُسَلَّط الضوء عليه في المَثَل نفسه (على سبيل المثال: ضَحِّ بِكُلِّ ما تحتاج إليه لكي تدخل الملكوت لأنَّه يَسْتَحِقُّ)، لكن في أمثال أخرى (على سبيل المثال، مَثَل الزارع/التربة ومَثَل الْحِنْطَة والزَّوَانِ)، يُفَسِّر يسوع المقارنات المختلفة لأنَّها قد لا تكون واضحة لسامعيه. مع أنَّ الأمثال غالبًا ما فُسِّرَتْ رمزيًّا، فمن الأفضل البحث عن الفكرة الرئيسيَّة للمَثَل بناءً على سياق المَثَل (لماذا أعطى يسوع المَثَل؟). بالإضافة إلى ذلك، من المفيد أن نسعى إلى فَهْم المَثَل من منظور الجمهور الأصلي قبل تطبيقه على سياق حديث.

رسالة تعليم يسوع

كان يسوع هو المُعَلِّم المُتَكَامِل، ليس فقط بسبب الطريقة التي عَلَّم بها، لكن أيضًا بسبب ما عَلَّمَه. سوف يشرح القسم التالي ثلاثة مواضيع بارزة في تعاليم يسوع: (1) حقيقة ملكوت الله، (2) العَيْش في ملكوت الله، (3) رَبُّ ملكوت الله.

حقيقة ملكوت الله

إنَّ ملكوت الله هو الموضوع المركزي في تعليم يسوع. بحسب مرقس، يمكن تلخيص رسالة يسوع على النحو التالي: “قَدْ كَمَلَ ٱلزَّمَانُ وَٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِٱلْإِنْجِيلِ” (مرقس 1: 15؛ اُنظُرْ أيضًا مَتَّى 4: 17، 23؛ لوقا 4: 43). تحتوي الأناجيل على سِتَّةٍ وسبعين قَوْلًا مختلفًا ليسوع عن الملكوت (وما يزيد قليلًا عن مِئَةٍ بما في ذلك الأقوال المُشَابِهَة). لا يُشير الملكوت إلى مملكة ماديَّة، بل إلى مُلْك الله، فَقَدْ قال يسوع نفسه: “مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا ٱلْعَالَمِ” (يوحنَّا 18: 36)؛ لذلك يمكن تعريف الملكوت بأنَّه ممارسة الله النهائيَّة الحَاسِمَة لِمُلْكِهِ السياديّ، والتي دُشِّنَتْ خلال خدمة يسوع وستكتمل عند عودته.

مع أنَّ عبارة “ملكوت الله” لا تُستَخدَم في العهد القديم، فإنَّ مفهوم الله كَمَلِكٍ ومُتَسَلِّطٍ عَلَى مملكته يَكْثُرُ وجوده (دانيال 2: 44؛ مزمور 22: 27، 28؛ 103: 19). كثيرًا ما يتم الحديث عن الله بصفته مَلِك إسرائيل والعالم بِأَسْرِهِ، ومع ذلك، هناك أيضًا تَوَقُّع بأنَّ الله سَيَتَسَلَّط يومًا ما على كل شعبه بطريقةٍ منقطعة النظير؛ لذلك فعندما جاء يسوع يكرز بأنَّ ملكوت الله قد أتى، عَلِمَ جمهوره اليهودي أنَّه يُشير إلى تَسَلُّط الله الكامل على إسرائيل وجميع الأمم.

عَلَّمَ يسوع أنَّ ملكوت الله حاضِرٌ (الآن) ومُسْتَقْبَلِيٌّ (ليس بَعْدُ)، أي إنَّ ملكوت الله هو واقعٌ حاضرٌ (مَتَّى 11: 11؛ 12: 28؛ مرقس 1: 15؛ 9: 1؛ لوقا 11: 2؛ 17: 20، 21) ورجاءٌ مُسْتَقْبَلِيٌّ (مَتَّى 6: 9، 10؛ 7: 21؛ 8: 11، 12؛ مرقس 14: 25). عندما جاء يسوع (المَلِك) إلى الأرض دَشَّن الملكوت، إلَّا أنَّ هذا الملكوت لا يزال مُقَاوَمًا وغيرَ مُعتَرَفٍ به في العالم، ولن يتم اختباره بالكامل حتَّى تَجْثُو كُلُّ رُكْبَةٍ وَيَعْتَرِف كُلُّ لِسَانٍ بيسوع كالمَلِك، وسَيَتَوَجَّب على هذا الأمر الانتظار حتَّى يعود المَلِك (المجيء الثاني ليسوع).

إنَّ عِبَارَتَيْ “مَلَكُوتَ الله” و”مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ” هُما عِبَارَتَان مُتَرَادِفَتَان تُمَثِّلان الحقيقة ذاتها، ويمكن إثبات ذلك من خلال مقارنة المقاطع المُتَوَازِيَة التي يقول فيها أحد النَّصَّيْن “مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ” (مَتَّى 5: 3)، بينما يقول الآخر “مَلَكُوتَ ٱللهِ” (لوقا 6: 20)، فـ “ٱلسَّمَاوَاتِ” بديلٌ للاسم الإلهي “ٱللهِ”. علاوةً على ذلك، يستخدم مَتَّى المُصطَلَحَيْن بالتبادُل في نفس السياق: “إِنَّهُ يَعْسُرُ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ! وَأَقُولُ لَكُمْ أَيْضًا: إِنَّ مُرُورَ جَمَلٍ مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ ٱللهِ!” (مَتَّى 19: 23، 24). أيضًا، ملكوت الله (حُكْم الله) ليس مُطابِقًا للكنيسة (شعب الله).

العَيْش في ملكوت الله

لم يأتِ يسوع فقط تتميمًا لوعود المَلِك الداودي الذي سَيَتَسَلَّط على إسرائيل والأمم، بل أتى أيضًا كَنَبِيٍّ أعظم من موسى (تثنية 18: 18). في هذا الدور، عَلَّمَ يسوع كيف ينبغي لمواطني الملكوت أن يسلكوا، ومع ذلك، لا يُقَدِّم يسوع أبدًا نظامًا أخلاقيًّا مَنْهَجِيًّا. علاوةً على ذلك، تبدو بعض تعاليم يسوع متناقضة، فعلى سبيل المثال، الناموس قائم إلى الأبد (مَتَّى 5: 17-20؛ مرقس 12: 28-34)، ولكن تُلغَى بعض الوصايا (مَتَّى 5: 31-42؛ مرقس 7: 14-23). في أماكن أخرى، يبدو أنَّ تَوَقُّع يسوع للطاعة مستحيل، فَيُصَرِّح يسوع مَثَلًا: “فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ” (مَتَّى 5: 48)، وليست الطاعة الخارجيَّة فقط هي المطلوبة، بل حتَّى الطاعة الداخليَّة -بما في ذلك دوافع الشخص- مطلوبة (مَتَّى 5: 3-8؛ 12: 33-37؛ 23: 35، 36؛ لوقا 11: 33-36). أخيرًا، من الممكن أن تكون بعض تعاليم يسوع مُلزِمَة لأفراد مُعَيَّنين فقط، فَمَثَلًا يأمر يسوعُ الرئيسَ الشابَّ الغني قائلًا: “اِذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ ٱلْفُقَرَاءَ” (مرقس 10: 21)، لكنَّه لا يطلب ذلك على وجه التحديد من الجميع.

في ضوء هذه الصعوبات، كيف يمكننا أن نفهم تعليم يسوع الأخلاقي؟ أوَّلًا- يجب أن نكون على دراية بالأشكال الأدبيَّة التي استخدمها يسوع في تعليمه، وخاصَّةً المُبَالَغَة (اُنظُرْ مَتَّى 5: 33-37، 38-42؛ 7: 1؛ مرقس 9: 43-48؛ لوقا 14: 26). ثانيًا- ليس كُلُّ تعليم يسوع يتطلَّب تطبيقًا عامًّا، فيسوع يطلب من الرئيس الشابَّ الغني أن يبيع كل ممتلكاته ويُعطي الفقراء؛ لأنَّ يسوع يَعلَم أنَّ ثروة هذا الشاب وممتلكاته هُمَا الوثن الذي يُبقِيه خارج الملكوت. ثالثًا- يجب أن نسعى إلى فَهْم القصد الأصلي لتعليم يسوع، فمن المُغري أن نقرأ قَصْدَنا نحن في النَّصِّ، ولكن ينبغي تَجَنُّب ذلك. يقول يسوع في (لوقا 6: 20): “طُوبَاكُمْ أَيُّهَا ٱلْمَسَاكِينُ، لِأَنَّ لَكُمْ مَلَكُوتَ ٱللهِ”، ومع أنَّه قد يكون من المُغري قراءة كلمة “ٱلْمَسَاكِينُ” من الناحية الاقتصاديَّة فقط، فإنَّ المقطع المُوازي في (مَتَّى 5: 3) [“طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِٱلرُّوحِ“] يَحظُر مثل هذا التفسير الضَّيِّق. أخيرًا، إنَّ تعاليم يسوع الأخلاقيَّة مُوَجَّهَةٌ في المقام الأوَّل إلى تلاميذ يسوع، أولئك الذين استجابوا بالفعل لدعوته بالإيمان.

خُلاصَة القَوْل، يُعَلِّم يسوع أنَّ المطلوب هو موقف (قَلْب) جديد، وليس مُجَرَّد طاعة خارجيَّة (مَتَّى 15: 11؛ 23: 27، 28). إنَّ وصيَّة أن نُحِبَّ الله مِنْ كُلِّ قَلْبِنا وَنَفْسِنا وَفِكْرِنا وَقُدْرَتِنا، وأن نُحِبَّ قَرِيبَنا كَنَفْسِنا (مرقس 12: 29-31؛ راجِعْ تثنية 6: 5؛ لاويِّين 19: 18) تُلَخِّص كل الوصايا الإلهيَّة. ينبغي للمسيحيِّين أن يُعامِلوا الآخرين كما يريدون هُمْ أنفسهم أن يُعَامَلُوا (مَتَّى 7: 12). ينبغي أن تُفهَم المحبَّة للآخرين على أنَّها أفعال في المقام الأوَّل لا عاطفة (مَتَّى 25: 31-46؛ لوقا 6: 27، 28؛ 10: 25-30)، والتي يجب أن تَمتَدَّ حتَّى إلى أعدائنا.

رَبُّ الملكوت

بصفته المَلِك الذي طال انتظاره من نَسْل داود، يسوع من أجل ذلك هو رَبُّ الملكوت، ولكنَّه ليس مَلِكًا عادِيًّا، فهو لا يُدعَى فقط “مُشِيرًا عَجِيبًا” [الكتاب الشريف] و”أَبًا أَبَدِيًّا” و”رَئِيسَ ٱلسَّلَامِ”، بل يُدعَى أيضًا “إِلَهًا قَدِيرًا” (إِشَعْيَاء 9: 6). هناك عِدَّة ملامح في الأناجيل تُظهِر ربوبيَّة يسوع ومكانته الإلهيَّة، وهي: (1) ألقابه، (2) كلماته، (3) أفعاله.

ألقاب يسوع

تُظهِر عِدَّة ألقاب ربوبيَّة يسوع وأُلُوهِيَّته: أوَّلًا- يُدعَى يسوع “مَسِيَّا” أو “الْمَسِيح”. لقد اخْتِيرَ وأُفْرِزَ خِصِّيصًا ليكون وكيل الله الممسوح (راجِعْ مزمور 2: 2؛ 18: 50؛ 2صموئيل 1: 14؛ دانيال 9: 25). مع أنَّ يسوع يتجنَّب عادةً استخدام هذا المُصطَلَح بسبب دلالاته السياسيَّة، فإنَّه يعترف بملاءمة اللقب كوصف له في عِدَّة مناسبات (مرقس 8: 27-30؛ 14: 61، 62).

ثانيًا- يُشَدِّد لقب “ابن الله” على العلاقة الحميمة مع الله (مرقس 14: 36)، وعلى الانتخاب لأداء خدمة خاصَّة (مَتَّى 16: 16)، وعلى علاقة فريدة مع الله (يوحنَّا 20: 17)، و(في بعض السياقات) على الأُلُوهِيَّة (يوحنَّا 5: 17، 18؛ 8: 54-59؛ 10: 30-33).

ثالثًا- لقب “ابن الإنسان” هو اللقب الأكثر شيوعًا الذي يستخدمه يسوع لنفسه. مع أنَّ هذا المُصطَلَح يمكن أن يُشَدِّد على إنسانيَّة يسوع، فبناءً على ارتباطه بـ (دانيال 7: 13، 14)، ينبغي أن يُفهَم على أنَّه الحاكِم والقاضي الإِسْخَاتُولُوچِيّ أو الأُخْرَوِيّ (اُنظُرْ مَتَّى 10: 23؛ 19: 28؛ 25: 31؛ مرقس 8: 38؛ 13: 26؛ 14: 62).

رابعًا- يُشير لقب “ابن داود”، والموجود بكثرة في إنجيل مَتَّى، إلى مكانة يسوع المَلَكِيَّة بصفته الوريث الشرعي لعرش داود، ولكن يُعَلِّم يسوع أنَّ المَسِيَّا هو أكثر من مُجَرَّد نسل داود؛ في الواقع، هو رَبُّ داود (مرقس 12: 35، 37).

خامسًا- يُشار إلى يسوع باسم “الرَّبّ”، وهو الاسم الذي أُطلِقَ على يهوه في العهد القديم. مع أنَّه يمكن إطلاق هذا المُصطَلَح على الآلهة أو الملوك البَشَر أو السادة أو غيرهم، يُستَخدَم المُصطَلَح في عِدَّة سياقات للإشارة إلى يسوع في الوقت الذي يتوقَّع فيه الشخص اليهودي إطلاقه على الله (مرقس 2: 28). يستخدم يسوع هذا اللقب في الإشارة إلى نفسه في (مَتَّى 24: 42).

أخيرًا- في إنجيل يوحنَّا، يُعطَى يسوع بوضوح لقب “الله” (يوحنَّا 1: 1، 18؛ 5: 17، 18؛ 10: 30-33؛ 20: 28؛ راجِعْ رومية 9: 5؛ تيطس 2: 13؛ 1يوحنَّا 5: 20). تشمل الألقاب الأخرى: “مَلِك” (مَتَّى 2: 2)، “عَبْد الرَّبِّ” (مَتَّى 12: 18-21)، “نَبِيّ” (مَتَّى 13: 57)، “مُخَلِّص” (لوقا 2: 11)، “حَمَل الله” (يوحنَّا 1: 29، 36)، “الكَلِمَة” (يوحنَّا 1: 1).

كلمات يسوع

تظهر أُلُوهِيَّة يسوع أيضًا من خلال كلماته. بصفته أعظم من موسى، يملك يسوع سلطانًا فريدًا على الناموس (مَتَّى 5: 31-32، 33-37، 38-42؛ مرقس 7: 17-19). ستكون كلمات يسوع عن نفسه غير مناسبة وأنانيَّة لو لم يَكُنْ شخصًا إلهيًّا، فعلى سبيل المثال، يُشير يسوع إلى أنَّ مصير الإنسان الأبدي يَتَقَرَّر من خلال رفضه أو قبوله ليسوع كَرَبٍّ ومُخَلِّصٍ (مَتَّى 10: 32، 33؛ 11: 6؛ مرقس 8: 34-38؛ لوقا 12: 8، 9). علاوةً على ذلك، يُعلِن يسوع تَفَوُّقه على إبراهيم (يوحنَّا 8: 53)، ويعقوب (يوحنَّا 4: 12)، وموسى (مَتَّى 5: 21-48)، ويونان (مَتَّى 12: 41)، وسُلَيْمَان (مَتَّى 12: 42)، وداود (مرقس 12: 35-37)، والهيكل (مَتَّى 12: 6).

أفعال يسوع

أخيرًا، إنَّ أفعال يسوع (شكل من أشكال التعليم المَرْئِيّ) تُظهِر أيضًا أُلُوهِيَّته، فيسوع له سُلطَانٌ فريد على الهيكل (بتطهيره؛ مرقس 11: 27-33)، وعلى الأرواح الشريرة (بِإخراجهم؛ مرقس 1: 27، 32-34؛ 5: 1-13؛ لوقا 11: 20)، وعلى الشيطان (بِنَهْبِ بيته؛ مرقس 3: 27؛ لوقا 11: 21، 22)، وعلى المرض (بشفاء المرضى؛ مرقس 1: 29-31، 40-45؛ 2: 10-12؛ 7: 32-37)، وعلى السبت (بِكَوْنِهِ رَبًّا مُتَسَلِّطًا عليه؛ مرقس 2: 23-28). تُرَى أُلُوهِيَّة يسوع أيضًا في قدرته على التَّنَبُّؤ بالمستقبل (آلامه وقيامته وخراب أورشليم)، وعلى معرفة الأفكار التي تدور في أذهان الناس (مرقس 10: 21؛ 12: 24)، وعلى مغفرة الخطايا، وهو الأمر الذي لا يقدر أن يفعله إلَّا الله (مرقس 2: 10؛ لوقا 5: 21-24).

شارك مع أصدقائك

أستاذ العهد الجديد واللغة اليونانية في الكلية المعمدانية الجنوبية الشرقية بولاية نورث كارولاينا الأمريكية.