الله روح

التعريف:

إن حقيقة أن “الله روح” لا تشر فقط إلى كونه غير مادي وغير منظور، ولكنها تشير أيضًا إلى حقيقة أنه يعمل في العالم بقوة الروح القدس.

الملخص:

تشير كلمة الروح في الكتاب المُقَدَّس إلى الله باعتباره الأقنوم الثالث في الثالوث الأقدس، وتشير أيضًا إلى صفة يُظهرها خلال جميع أعماله. وباعتباره روحًا، فإن الله غير مادي وغير منظور، ولكنّه أيضًا مجيد وحاضر بشكل شخصيّ، وهو يُحْضِر خلاص الله إلى قلوب الناس ويمنح شعب الله القدرة على عبادة الله بطرق ترضيه. لذا فأن نقول إن الله هو روح فذلك يعني أنه يُظهر كل صفات الروح القدس بينما يسكن مع شعبه وداخل قلوبنا.


ويستخدم اللاهوتيون مصطلح الروح كصفة إلهية وكذلك للإشارة إلى الأقنوم الثالث في الثالوث. وللنظر إلى الروحانية كصفة لشخص الله، فإن النص الرئيسي هو يوحنا 4: 24، “اَللهُ رُوحٌ، وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا.” ولعل الإشارة في هذا النص إلى الروح كصفة إلهية، وليس إلى الأقنوم الثالث في الثالوث، ولكن هناك علاقة وثيقة بين الاثنين، كما سنرى.

هناك ارتباط في الكتاب المقدس بين الروحانية وعدم المادية (بما في ذلك عدم الرؤية). انظر إشعياء 31: 3 ولوقا 24: 36-43. لذلك أعتقد أنه من المنصف القول بأن حقيقة ان الله روح تتضمن عدم ماديته وعدم القدرة على رؤيته، بالرغم من أننا يجب أن نؤكد أن الله حر في أن يُظهر نفسه في أشكال مادية ومرئية. ويشمل ذلك ظهورات الله في العهد القديم مثل ملاك الرب (تكوين 16: 7-11، 22: 11-15، والعديد من النصوص الأخرى) وكذلك الحدث الأعظم للفداء، عندما اتخذ الله جسدًا وعاش وسط البشر بشكل منظور، ومات جسديًا وقام لفدائهم. لذلك فإن القول بأن الله غير مادي وغير منظور لا يعني أنه دائمًا غير مادي وغير منظور. بل يعني بالأحرى، لأنه رب المادة والرؤية، فأنه قادر على أن يتخذ هذه الأشكال أو لا يتخذها كما يشاء ويختار بسيادته المطلقة.

ولكن حقيقة أن الله روح هي أكثر من مجرد علاقته بالمادة والرؤية. ويربط مريديث جي. كلاين روح الله “بسحابة المجد” في العهد القديم:

هناك فعلًا عدد كبير من الإشارات الكتابية التي تحدد سحابة المجد كظهور خاص لروح الله. وهنا سنقتبس فقط بعض النصوص حيث الوظائف التي تؤديها سحابة المجد تُنسب للروح—نحميا 9: 19، 20؛ إشعياء 63: 11-14؛ وحجي 2: 5) وأيضًا ذِكْر التماثل بين عمل الروح القدس في يوم الخمسين ووظيفة سحابة المجد في الخروج وعند إقامة خيمة الاجتماع.[i]

ويساعدنا الربط بين الروح وسحابة المجد على فهم الأبعاد الأوسع لروحانية الله. فمجد الله هو “إشراق أو بصيص” منه، ليس فقط بضوء حرفي، ولكن أيضًا بقوة خلّاقة وصفات أخلاقية. وكما استقرت سحابة المجد على الخيمة ودخلت الهيكل، كذلك يسكن الروح القدس في المؤمنين الذين هم هياكل للروح القدس (1 كو 6: 19). وكما أن حضور الله في السحابة قد منح شعبه القوة، وأعطاهم التوجيه، ورافقهم بالبركة والدينونة، كذلك الروح يعمل في جميع أنحاء الكتاب المُقَدَّس.

بشكل عام، إذن، فإن روح الله هو حضوره في العالم، وقيامه بأعماله كربٍ. وتؤكد استعارات الريح والنَفَس (المتضمنة في المصطلحات اليونانية والعبرية للروح) على قوة حضور الله في العالم. فكما تَهُب الريح بشكل غير منظور وغير متوقع، كذلك يمنح الروح الولادة الجديدة (يوحنا 3: 5-8). وكما أن الكلمات لا يمكن أن تنتقل بدون النَفَس، كذلك يرافق الروح بانتظام كلمة الله إلى وجهتها (2 صم 23: 2؛ إشعياء 59: 21؛ يوحنا 6: 63؛ 1 تس 1: 5؛ 2 تي 3: 16؛ 1 بط 1: 12؛ 2 بط 1: 21). وهذا صحيح، ليس فقط في النبوة، ولكن في الخلق أيضًا (مز 33: 6).[ii]

وفي العديد من هذه النصوص، ليس من السهل التمييز بين صفة روحانية الله والروح باعتباره الأقنوم الثالث في الثالوث. في الواقع، القول بأن الله روحاني يعني أن شخصية الروح القدس هي شخصية الله نفسه. لذلك عندما يقول يسوع في يوحنا 4: 24 إن “اَللهُ رُوحٌ، وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا “، فإنه لا يقول فقط أن الله غير مادي وغير منظور، بالرغم من أن ذلك جزء مما يقصده. ولا يكمن قصده أنه في العبادة يجب التركيز على الأمور غير المادية. بل بالأحرى يتحدث يسوع عن الحدث العظيم الآتي (“وَلكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ “، العدد 23) عندما يأتي الروح بقوة على الكنيسة، بتكليف منه. فعندما يأتي الروح، ستكون العبادة، مثل الكرازة، “بالروح”. والقوة العظيمة للروح القدس هي التي ستحفز صلاة وتسبيح شعب الله.

تلك العبادة ستكون أيضًا “بالحق”. في هذا السياق، أعتقد أن هذا “الحق” ليس فقط الحقيقة في مواجهة الزَّيف. فإن عبادة العهد القديم، التي يقارن يسوع بينها وبين العبادة “بالروح”، لم تكن زائفة. لكن يسوع كان يشير هنا إلى الحق الذي جاء ليجلبه، الحق الخاص بالخلاص بدم صليبه، أي إنجيل النعمة. لذلك، فإن العبادة بالروح هي عبادة مركزها المسيح. فالروح يشهد للمسيح ويحرك شعب الله ليغني بتسابيح يسوع.

إذن القول أن “الله روح” يعني أن العبادة الحقيقية لله موجهة إلى الابن بالروح. ويُعَرِّف الله نفسه بالروح ويخبرنا هنا أن صفات الروح وأعماله هي حقًا صفات الله وأعماله. فحقيقة أن الروح القدس هو الله الكامل، هي ركن أساسيّ في عقيدة الثالوث. ولا تعني عقيدة أن الله روح أنه غير منظور وغير مادي فقط، بل أنه يُظهر كل صفات الروح الذي يسكن مع شعبه.


[i] Meredith M. Kline, “The Holy Spirit as Covenant Witness” (Th. M. thesis, Westminster Theological Seminary, 1972).

[ii] John Frame, The Doctrine of God (Phillipsburg, NJ: P&R Publishing, 2002), 597-99.

شارك مع أصدقائك

جون فريم

أستاذ الفلسفة واللاهوت النظاميّ في كليّة اللاهوت المُصلح بمدينة أورلاندو، بولاية فلوريدا الأمريكيّة.