كلمات المسيح الصادمة للمرأة الكنعانية

يُقال عادةً -بالصواب- إنَّ يسوعَ بطلُ كلِّ نصٍّ في الكتاب المقدَّس. لكنَّنا حين نلتقي به للمرَّة الأولى في متَّى 15: 26، لا يبدو لنا بطلاً على الإطلاق؛ بل في المقابل، يبدو لنا أنَّه أخفق في أداء دور المُرسَل، وأنَّه تعامل بفظاظة تامَّة. لنتناول معًا فيما يلي سياق هذا النصِّ.[1]

  • حين كان يسوع في “نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَاءَ” (متَّى 15: 21)، تقدَّمت إليه “ٱمْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ” (الآية 22)، الأمر الذي يمثِّل فرصة رائعة للكرازة بالإنجيل لأشخاص من ثقافات أخرى.
  • توسَّلت المرأة إلى يسوع ليشفي ابنتها، التي كانت “معذَّبة بشدَّة” من روح نجس (الآية 22). ومَن يمكنه أن يرفض طلبًا كهذا؟
  • خاطبت هذه المرأة المنزعجة والمضطربة يسوع بألقاب تنمُّ عن الاحترام، وعن وعيٍ منها بتراثه اليهوديِّ، وكذلك عن ثقة بقدرته، قائلة: “ٱرْحَمْنِي، يا سَيِّدُ، يا ٱبْنَ دَاوُدَ!” (الآية 22). لكن، كان ردُّ يسوع عليها صمتًا متحجِّر المشاعر، إذ “لَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ” (الآية 23).
  • وعندما طلب التلاميذ من يسوع أن يصرف هذه المرأة، قال ما معناه: “لم آتِ إلاَّ لبني إسرائيل المحتاجين”. فقد جاء يطلب خراف إسرائيل الضالَّة (الآية 24)، ولم يتكبَّد العناء حتَّى ليطلب من هذه المرأة الأمميَّة أن تغرب عن وجهه.
  • وحين أصرَّت المرأة على طلبها، نطق يسوع بالآية التي نحن بصدد دراستها الآن، قائلاً: “لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ ٱلْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلَابِ” (الآية 26)، إذ كانت الكلاب حيوانات لها دلالات سلبيَّة للغاية سواء في الكتاب المقدَّس أو في الثقافة اليهوديَّة.[2]

اليوم، إذا حدث وتفوَّه أيُّ قائد مسيحيٍّ بكلمات كهذه، كنَّا لنوصيه بالخضوع لعلاج تأهيليٍّ في مجال الدفاعيَّات والرعاية، بل وربَّما نبدأ في التشكُّك في أهليته للخدمة من الأساس. كيف إذًا يمكن أن نفسِّر ردَّ يسوع على المرأة الكنعانيَّة؟

استعراض الخيارات

تندرج التفسيرات تحت ثلاث فئات. الفئة الأولى هي التي تحاول التلطيف من قسوة الآية 26. فعلى سبيل المثال، يرى البعض أنَّ هذه الآية هي إعادة صياغة بسيطة للفكرة التي قدَّمها يسوع في الآية السابقة، وهي أنَّ شعب إسرائيل هم محور تركيز خدمته. يفترض آخرون أنَّ اللفظ kunarioi الذي جاء في إنجيل متَّى في صيغة تصغير (“الكلاب الصغيرة”) يحمل إيحاءات إيجابيَّة، بل وربَّما ينمُّ عن مشاعر تحنُّن. لكن هذا الرأي يُدحَض في النهاية، لأنَّ ردود يسوع تزداد حدَّة في بقيَّة القصَّة، إذ انتقل من الصمت، إلى التركيز (مخاطبًا التلاميذ) على المنتفعين اللائقين من خدمته، ثمَّ إلى رفض صريح (في حديث مباشر إلى المرأة) أن يكون kunarioi (“الكلاب”) ضمن هؤلاء المنتفعين. وإنَّ وصف متَّى للمرأة بأنَّها “كنعانيَّة” يستحضر إلى الأذهان العداوة القديمة بين إسرائيل وجيرانهم من الأمم. وفي ضوء هذا السياق، أيَّة إشارة إلى الكلاب تكون مزعجة حتَّى في أشدِّ التفسيرات تعاطفًا.

يرى النهج الثاني للتفسير أنَّ لغة يسوع تكشف عن عنصريَّة وتحيُّزٍ جنسيٍّ شديد، بينما في مقابل هذا الإخفاق من جانبه، يَظهَر إيمان المرأة الشجاع.[3] لكن بالإضافة إلى تعليم متَّى الواضح بأنَّ يسوع هو الله الظاهر في الجسد (متَّى 1: 23؛ 28: 18-20)، تدحض ثلاثة عوامل أخرى هذا التفسير. أوَّلاً، على القارئ اليقظ أن يتذكَّر أنَّ سلسلة نسب يسوع تضمَّنت امرأتين كنعانيَّتين، هما راحاب وراعوث (متَّى 1: 5).[4] يبيِّن ذلك أنَّ مقاصد الله -ومن ثمَّ موقف يسوع- تسمو فوق تحيُّزات المجتمع الإسرائيليِّ القديمة. ثانيًا، لم يتردَّد متَّى عن إخبارنا بأنَّ الكثيرين شعروا بالإهانة من كلام يسوع (متَّى 13: 57؛ 15: 12؛ 17: 27)، حتَّى أنَّ البعض منهم اتَّهموه بارتكاب الشرِّ (9: 3؛ 9: 34؛ 12: 24). لكن، لا يوجد أيُّ تلميح في هذا النصِّ إلى أنَّ هذه المرأة شعرت بأنَّه ارتكب خطأً في حقِّها؛ لكنَّها، على النقيض، صادقت على كلام يسوع (“نَعَمْ، يا سَيِّدُ!”)، مجيبة إشارته إلى “الكلاب” بإشارة منها إلى “ٱلْفُتَاتِ” (psichiōn، وهي الصيغة التصغيريَّة من كلمة psix). ثالثًا، من الواضح أنَّ المرأة كانت تتحلَّى بثقة تامَّة في قدرة يسوع. فقد حسبت أنَّه حتَّى “الفتات الصغير” من قدرة يسوع من شأنه أن يكفي لشفاء ابنتها. مثل هذا التوجُّه يبيِّن أنَّ المرأة لم تكن تنظر إلى يسوع على أنَّه خاطئ، الأمر الذي يمنع قرَّاء إنجيل متَّى من استخلاص مثل هذا الاستنتاج.

دعوة إلى إيمان أعمق

التفسير الأخير لهذا النصِّ يرى أنَّه كان أسلوبًا حكيمًا استخدمه السيِّد لإثارة الإيمان بداخل تلاميذه، وكذلك بداخل المرأة الكنعانيَّة. وهذا يجعل النصَّ مفهومًا على عدَّة مستويات:

  1. أوَّلاً، كان ردُّ يسوع القاسي على المرأة كدعوة لها إلى إظهار عمق إيمانها.[5] ففي حين أخفق بعض التلاميذ المحتمَلين الآخرين ليسوع في الاستجابة للتحدِّيات التي وضعها أمامهم (متَّى 18: 19-22)، بل وبعضهم انصرفوا عنه كليَّةً (19: 16-22)، لم تستطع حتَّى تلك الكلمات القاسية التي نطق بها يسوع أن تثني من عزم هذه المرأة.[6] ولذلك، امتدحها يسوع بشدَّة في الآية 28، قائلاً: “يَا ٱمْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ”.
  2. ثانيًا، كان الغرض من تلك الكلمات القاسية التي وجَّهها يسوع لهذه المرأة هو أن يعلِّم الآخرين طبيعة الإيمان المثابر. ففي الروايات التي سبقت هذا النصَّ وتلته مباشرةً، أظهر تلاميذ يسوع افتقارهم إلى الإدراك الروحيِّ (متَّى 15: 18-19، 33)، الأمر الذي أظهر الفرق الواضح بين “قلَّة إيمانهم” (8: 26؛ 14: 31؛ 16: 8؛ 17: 20)، وعِظَم إيمان المرأة. يوحي ذلك بأنَّ يسوع أراد أن يتعلَّم الرسل -وأتباعه جميعهم- من خلال تعامله مع هذه المرأة معنى أن يتمتَّع المرء بإيمان يتغلَّب على كلِّ الحواجز. فمثل هذا الإيمان سيثبت، ولن ينهار البتَّة في أوقات التجربة (10: 22؛ 13: 21).[7]
  3. ثالثًا، كانت كلمات يسوع للمرأة الكنعانيَّة مثالاً توضيحيًّا عمليًّا عن معنى حمل الصليب واتِّباعه (متَّى 10: 38؛ 16: 24). فببساطة، إذا لم نكن مستعدِّين لتحمُّل الإهانة المتمثِّلة في أن نُشبَّه بالكلاب، فإنَّنا لسنا مستعدِّين بعد لعار حمل الصليب. وكما كانت المرأة تعلَم جيِّدًا، أيُّ تلميذ يكون “كمعلِّمه” ينبغي أن يكون مستعدًّا لتحمُّل الإهانة (10: 24-25؛ 5: 11).
  4. أخيرًا، أراد يسوع، من خلال إظهار مدى استعداد المرأة للاستجابة لمطالب التلمذة في إيمان حقيقيٍّ، أن يُعِدُّ أتباعه -والأجيال التالية أيضًا- لإرساليَّة عالميَّة وشاملة، فيها يكون الإيمان، وليس الانتماء العرقيُّ، هو الفيصل. فإنَّه “لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ ٱلْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلَابِ”، وكذلك، ليس حسنًا أن ننسى أنَّ الله يستطيع أن يقيم بنينًا كثيرين يشبه إيمانهم إيمان إبراهيم أبيهم (متَّى 3: 9؛ 8: 11؛ رومية 4: 1-17).

للوهلة الأولى، نقف في ذهول أمام تبلُّد مشاعر يسوع في متَّى 15: 26. لكن بعد تفكير متمعِّن، نجد أنَّ النصَّ يواجهنا نحن بتبلُّدنا -سواء تجاه قوَّة الإيمان المثابر الذي أظهرته أمٌّ يائسة، أو تجاه مطالب التلمذة، أو تجاه شدَّة الرحمة التي جعلت يسوع على استعداد أن يبارك كلَّ من يأتي إليه في إيمان حقيقيٍّ.


[1] لاحظ المقطع الكتابيَّ الموازي لهذا في مرقس 7: 24-30.

[2] انظر تثنية 23: 18؛ 2 صموئيل 16: 9؛ مزمور 22: 16؛ 59: 6، 14؛ أمثال 26: 11؛ 2 بطرس 2: 22.

[3] انظر الدراسات المشار إليها في المرجع التالي:

Charles H. Talbert, Matthew, Paideia (Grand Rapids: Eerdmans, 2010), 190.

[4] يوجد جدل عمَّا إذا كانت ثامار (متَّى 1: 3) أيضًا كنعانيَّة.

[5] انظر العظة الثانية والخمسين ليوحنَّا ذهبيِّ الفم عن إنجيل متَّى: “لم تكن كلماته هذه إذًا إهانة لها، بل دعتها كلماته إلى الكشف عن الكنز المذخر في داخلها”:

Homilies on the Gospel of St. Matthew, Nicene and Post-Nicene Fathers 10 [1888; reprinted Peabody, MA: Hendrickson, 2004], 323

[6] ذكر تالبرت (Talbert) أنَّه بحسب مدراش ربا لسفر راعوث (2.16)، على المعلِّم اليهوديِّ أن يقبل أيَّ شخص تلميذًا له إذا احتمل الرفض ثلاث مرَّات، وظلَّ على إصراره:

Talbert, Matthew, 190.

[7] وفقًا لكالفن، هذه المرأة “ظنَّت أنَّ الباب أغلِق في وجهها”، لكن كان غرض يسوع هو أن “يجعلها تحاول في إيمان أن تخترق شقوق هذا الباب الخشبيِّ”:

A Harmony of the Gospels Matthew, Mark, and Luke. Volume II, tr. T. H. L. Parker, Calvin’s Commentaries 2 (1972; reprinted Grand Rapids: Eerdmans, 1989), 171.

شارك مع أصدقائك

جيمي أجان

أستاذ العهد الجديد وعلم الوعظ في كليّةكوفننت للاهوت، بولاية ميزوري الأمريكيّة.