التعريف
بعيدًا عن الوظائف التأسيسية الخاصة بالرُّسُل والأنبياء، حَظِيَتْ الكنائس الأولى بقادةٍ مُؤَهَّلين وشُيُوخًا وشَمَامِسَة، ممن خدموا الكنيسة تحت سيادة المسيح بإرشاد الأسفار المقدَّسَة والروح القدس.
الموجز
يقدِّم العهد الجديد نمطًا متَّسقًا للقيادة الكنسيَّة، وإن لم يكن موحَّدًا تمامًا. سُمِّيَتْ إحدى الوظائف بأسماء مختلفة: “شُيُوخ elders”، “أَسَاقِفَة overseers” أو “رعاة، قَسَاوِسَة pastors” (كل هذه المصطلحات اللغوية الثلاثة تشير إلى نفس المجموعة وقد اسْتُخْدِمَتْ بشكلٍ متبادَلٍ في أسفار العهد الجديد). كُلِّفَ هؤلاء القادة بقيادة، ورعاية، وتعليم، وتجهيز الرَّعِيَّة التي أُودِعَتْ أمانة لديهم. ثمَّة وظيفة أخرى، خاصة بالشَّمَّاس، وهي تهدُف إلى خدمة احتياجات القطيع وتمكين الشُّيُوخ من القيام بمسؤولياتهم. أما الوظائف الأخرى، التي تذكرها أسفار العهد الجديد، فتشير إما إلى دَوْرٍ تأسيسي (الرَّسُول، النَّبِي) أو دَوْرٍ لا يرتبط بِرَعِيَّة واحدة فردية (الرَّسُول، المُبَشِّر).
كان الهيكل التنظيمي للكنيسة الأولى بسيطًا، وإن لم يكُنْ موحَّدًا تمامًا. كان للكنائس قادةٌ مُؤَهَّلُون ومُعَيَّنون يخدمون الكنيسة تحت سيادة المسيح بإرشاد الأسفار المقدَّسَة والروح القدس. وعلى الرغم من استخدام ألقاب متنوعة لوصف القادة في الكنيسة، أمكن للكتبة، في كثيرٍ من الأحيان، استخدام مصطلحات متعدِّدة لوصف نفس الوظيفة. لكن كم عدد الوظائف الكَنَسِيَّة التي نجدها في أسفار العهد الجديد؟
عدد الوظائف الكنسيَّة
الرُّسُل، الأنبياء، المبشِّرون
في أَفَسُس 11:4 يشير الرَّسُول بُولُس إلى أن المسيح القائم من بين الأموات قد أعطى البعض أن يكونوا قادةً للكنيسة، بما يضمُّ في ذلك “الرُّسُل”، و”الأنبياء”، و”المبشِّرين” (1 كُورِنْثُوس 28:12). إذن، هل ينبغي لكلِّ رَعِيَّة أن يكون لها مثل هذه الوظائف المحدَّدة؟ السبب وراء عدم استخدام معظم الرعويات المسيحية لهذه الألقاب (ربما باستثناء “المُبَشِّر”) هو أن تلك الوظائف لم ترتبط أو تتقيَّد بِرَعِيَّة واحدة. وهذا ينطبق بشكلٍ خاصٍ على الرُّسُل، وعلى وجه التحديد الرُّسُل الاثني عشر (والرَّسُول بُولُس). في أسفار العهد الجديد، نجد أن المصطلح اليوناني “رَسُول” (أپوسْتُولُوس apostolos) له استخدامٌ فنيٌّ خاص يشير على نحوٍ مُحَدَّد إلى من اختارهم الرب يسوع وكلَّفَهم بالقيام بمهامِهِم، كما أنه له استخدامٌ غيرُ فنيٍّ يشير في العموم إلى أي “مبعوث” أو “مُمَثِّل معتمَد” (انظر على سبيل المثال: 2 كُورِنْثُوس 23:8؛ فِيلِبِّي 25:2). إن من خُلِع عليهم اللقب، وَفْقًا للمعنى الأول، تَعَيَّن عليهم أن يكونوا شهودَ عيانٍ على قيامة الرب يسوع من الموت (أعمال الرُّسُل 22:1؛ 1 كُورِنْثُوس 1:9)، وذلك بتكليفٍ من الرب ذاته (أعمال الرُّسُل 5:9-6، 15-16؛ 15:26-18؛ غَلاطِيَّة 1:1). يصرِّح الرَّسُول بُولُس أن هؤلاء الرُّسُل قد مَنَّ عليهم الرب من أجل الكنيسة بهذه الوظيفة بوصفها وظيفةً تأسيسيًّة (أَفَسُس 20:2)، وقد انطوت تلك الوظيفة أيضًا على تدوينهم للأسفار المقدَّسة. وعلى هذا النحو، لم يقتصر سلطانهم على كنيسة بعينها بل امتد ليشمل جميع الكنائس.
نادرًا ما يُذْكَر الأنبياء في حياة الكنيسة الأولى، وذلك في معظم الإشارات الخاصة بهم (أعمال الرُّسُل 28:11؛ 1:13؛ 22:15-23، 32؛ 11:21). نعلَمُ أيضًا أن الكنيسة في كُورِنْثُوس كان لديها أنبياءٌ (1 كُورِنْثُوس 28:12؛ 20:14). انحصرت الوظيفة الأساسية للنبي في المناداة بكلمة الله لشعبه، وهو أمر بالغ الأهمية قبل تدوين أسفار العهد الجديد (العبرانيين 1:1-2). مَرَّةً أخرى، يؤكِّد الرَّسُول بُولُس في أَفَسُس 20:2 أن الكنيسة مبنيَّة على أساس الرُّسُل والأنبياء.
يأتي مصطلح الـ “مُبِشِّر” مُسْتَخْدَمًا ثلاث مَرَّات فقط في أسفار العهد الجديد (أعمال الرُّسُل 8:21؛ أَفَسُس 11:4؛ 2 تِيمُوثَاوُس 5:4). ومع أننا لا نعرف الكثير عن المبشِّرين، إلا إنهم كانوا يرافقون الرُّسُل غالبًا أو يُرْسَلُون في مهامٍ خاصة. وتبعًا لما يشير إليه اللقب، انحصرتْ مَهَمَّتُهم الأساسية في مشاركة الإنجيل مع الآخرين. ولأن من شَغِلُوا هذه الوظيفة كانوا يخدمون خارج الكنيسة في تبشيرهم للضالين، لا ينبغي النظر إلى وظيفتهم على أنها تقتصر على رَعِيَّة كَنَسِيَّة محلِّيَّة.
مصطلحات غير رسميَّة
في بعض الأحيان، تشير النصوص إلى قادة بعينهم دون أيَّة ألقَابٍ خاصة بهم. على سبيل المثال، يشير نص غَلاطِيَّة 6:6 أن من يتلَقُّون التعليم يجب أن يدعمُوا “من يعلِّم”. وفي 1 تَسَالونِيكِي 12:5-13، يَحُثُّ الرَّسُول بُولُس رَعِيَّة الكنيسة على التقدير والنظر بعين الاعتبار “لمن” يتعبون من أجل الرَّعِيَّة، ويباشرون قيادتها وإنذارها في الرب. وبالمثل، يَحُثُّ كاتب الرسالة إلى العبرانيين الرعِيَّة على “طاعة” القادة و”الخضوع” لهم (العبرانيين 17:13؛ مع 7:13، 24). ومع أننا لا نعرف ما “الوظيفة” المحدَّدَة التي كان يشغلها هؤلاء القادة، إلا أننا نعلم يقينًا أن الكاتب يضع في اعتباره مجموعةً مميزة من الأفراد.
عندما كَتَبَ الرَّسُول بُولُس الرسائل الرعويَّة، كانتْ هناك وظيفتان ثابتان في الكنيسة: الأَسَاقِفَة والشَّمَامِسَة. وقد أشار الرَّسُول إليهما أيضًا في رسالته إلى أهل فِيلِبِّي السابقة على تلك الرسائل (فِيلِبِّي 1:1). في نص 1 تِيمُوثَاوُس 3، يصف الرَّسُول بُولُس مؤهلات الوظيفتين، مع التركيز على مؤهلات الأُسْقُف في (1تِيمُوثَاوُس 1:3-7؛ تِيطُس 5:1-9)، ومؤهلات الشَّمَامِسَة في (1تِيمُوثَاوُس 8:3-13).
تضُم الألقاب الأخرى المستخدَمة أيضًا لوصف قادة الكنيسة لَقَبَي: “الشيخ” و”الراعي”. مع أن مصطلح “الراعي، أو القِس” يُستخدم عادةً في سياق كنيستنا المعاصرة، إلا أنه يُستخدم مَرَّةً واحدةً فقط في أسفار العهد الجديد كإشارة إلى قائد الكنيسة (أَفَسُس 11:4). يأتي الفعل الخاص بالرعاية من “پيمينو poimaino”، بمعنى “يرعى، يقود إلى المرعى”، ومع ذلك يُسْتَخْدَم في (أعمال الرُّسُل 28:20؛ 1 بُطْرُس 2:5). وفي النص الأخير، يُفْهَم المصطلح مرتبطًا بلقب ربِّنا يسوع المسيح، بكونه “رَئِيسُ الرُّعَاةِ”، فإن النتيجة المنطقية من هذه الملاحظة أن وظيفة الراعي تشير غالبًا إلى كونه “راعيًا مساعدًا”.
لكن ما هي العلاقة بين المصطلحات: “إپيسْكُپوس episkopos أي أُسْقُف”، “پرِسْڤيتيروس presbyteros أي شَيْخ “، و”پيمِن poimēn أي راعٍ”؟
وظيفةُ الشَّيْخ
الشُّيُوخ والأساقفة
إن المصطلَحَيْن: “شَيْخ”، و”أُسْقُف” لقبان مختلفان يشيران إلى نفس الوظيفة. ويمكن البرهنة على هذا بأربع طرقٍ على الأقل. أولاً، يتم استخدام المصطلَحَين بشكلٍ متبادَل. في (أعمال الرُّسُل 20)، يستدعي الرَّسُول بُولُس “شُيُوخ” الكنيسة من أَفَسُس لمقابلته في مِيلِيتُسَ (17:20)، ثم يخبرهم أن الروح القدس أقامهم “أَسَاقِفَةً” لرعاية كَنِيسَةَ الله (28:20). أيضًا، يكتُب الرَّسُول إلى تِيطُس، ويأمرُه بأن يقيم في كلِّ مدينةٍ “شُيُوخًا” (تِيطُس 5:1)، لكن عندما يستعرض المؤهلات المطلوبة بعد عددَيْن فقط، يستخدم المصطلح “أُسْقُف” (7:1). وبوصفه شَيْخًا رفيقًا، يحُثُّ الرَّسُول بُطْرُس “الشُّيُوخ” على رعاية رعِيَّة الله، والعمل كنُظَّارٍ أو مشرفين أي كـ “أَسَاقِفَة” (1 بُطْرُس 1:5-2).
ثانيًا، لا تقدَّم نصوص العهد الجديد أبدًا أيَّة قوائم منفصلة خاصة بمؤهلات الشُّيُوخ. لو أن الشَّيْخَ والأُسْقُف وظيفتان منفصلتان، إذن يبدو من المنطقي أن نتوقع من الرَّسُول بُولُس (أو من أي كاتبٍ آخر في العهد الجديد) أن يقدِّم المؤهلات الضرورية لكل وظيفة على حِدَةٍ. في كل من 1 تِيمُوثَاوُس 1:3-7؛ وتِيطُس 7:1-9، يشير النصَّان فقط إلى المؤهلات الخاصة بوظيفة الأُسْقُف. ومع ذلك، تأتي الإشارة أيضًا إلى الشُّيُوخ في (1 تِيمُوثَاوُس 17:5-25 وتِيطُس 5:1). إن كانتْ الوظيفتان مختلِفَتَيْن، لن تقدِّم لنا النصوص أبدًا المؤهلات اللازمة لشخص ما ليصبح شَيْخًا، الأمر الذي سيكون مفاجئًا لمثل هذه الوظيفة المُهِمَّة (1 تِيمُوثَاوُس 22:5).
ثالثًا، يمارس الشُّيُوخ والأَسَاقِفَة نفس الوظائف في الحُكْم أو القيادة (أعمال الرُّسُل 28:20؛ 1 تِيمُوثَاوُس 4:3-5؛ 17:5)، والتعليم (1 تِيمُوثَاوُس 2:3؛ 17:5؛ تِيطُس 9:1). ولأنهم مُكَلَّفون بنفس المَهَام، ينبغي النظر إليهم على أنهم يمثِّلون نفس الوظيفة.
رابعًا، لا يتم إدراج الشُّيُوخ والأساقفة أبدًا كوظيفتين منفصِلَتين الأمر الذي يشير إلى أن النظامَ الكنسي المنطوي على ثلاثة مستويات للوظائف الكنسيَّة غريبٌ على العهد الجديد.
الشُّيُوخ والرُّعَاةُ
مع أن اللقبَ “راعي” يُستخدم بشكلٍ شائعٍ اليوم، إلا أنه يأتي مَرَّةً واحدةً فقط في أسفار العهد الجديد كوصف للقائد الكنسي. في أَفَسُس 11:4، يعلِن الرَّسُول بُولُس أنه بالإضافة إلى الرُّسُل والأنبياء والمبشرين، جادَ المسيح القائم من بين الأموات على الكنيسة بـ “رُعَاةٍ وَمُعَلِّمِين”. يرتبط مصطلح “الراعي” بمصطلح “المُعَلِّمٍ”، إذ يشير كلاهما مَعًا إلى رتبة وظيفية واحدة في الخدمة (أي الراعي-المعلِّم).
إذن، ما هي العلاقة بين وظيفة الراعي والشَّيْخ، أو الأُسْقُف؟ هناك سببان مقنعان بأن هذين المصطلَحَيْن يمثِّلان نفس الوظيفة. أولاً، يُعْطَى للشُّيُوخ أو الأَسَاقِفَة نفس مهام الرعاية كالرعاة (أعمال الرُّسُل 17:20، 28؛ أَفَسُس 11:4؛ 1 بُطْرُس 1:5-3)، والتعليم (1 تِيمُوثَاوُس 2:3؛ 17:5؛ تِيطُس 9:1). ثانيًا، إن كانت وظيفة الراعي منفصلةً عن وظيفة الشَّيْخ أو الأُسْقُف، إذن لن تكون لدينا قائمةٌ بالمؤهلات اللازمة لمن يشغلون وظيفة الراعي. قدَّم الرَّسُول بُولُس مؤهلات الشُّيُوخ أي الأساقفة لكن لم يقدِّم أبدًا أيَّ شيءٍ عن الرعاة. ومن هنا، من الأفضل النظر إلى المصطلحات الثلاثة: الشَّيْخ، الأُسْقُف، الراعي على أنها تمثِّل نفس الوظيفة في الكنيسة الأولى. وعلى ما يبدو، يمكن الاستدلال على هذه المساواة بين المصطلحات الثلاثة في (1 بُطْرُس 1:5-4).
عدد الشُّيُوخ
مع أن العهد الجديد لا يحدِّد عددًا معيَّنًا من الشُّيُوخ لقيادة الكنيسة، إلا أن هناك نمطًا ثابتًا في أن يقود كلَّ كنيسةٍ عددٌ كبير من الشُّيُوخ. في الحقيقة، القيادة المشتركة أمرٌ شائعٌ في الكتاب المقدس، وهذا ما نراه في أسفار العهد القديم مع شُيُوخ إسرائيل. في العهد الجديد، اختار الرب يسوع اثني عشر رسولاً لقيادة الكنيسة. كما عيَّنَتْ الكنيسة الأولى سبعة رجال لمساعدة الرُّسُل في العناية باحتياجات الأرامل المُهْملات (أعمال الرُّسُل 1:6-6). استمر هذا النمط التعدُّدي بتأسيس المشيخة المسيحيَّة.
تشير الأدلة في العهد الجديد إلى أن المعتاد لكلِّ كنيسة أن يقودها مجموعة من الشُّيُوخ. لا يوجد مثال في العهد الجديد لِشَيخٍ أو راعٍ واحدٍ يقود جماعةً ما بصفته القائد أو الرئيس الوحيد. كان هناك عددٌ كبيرٌ من الشُّيُوخ في الكنائس في أورشليم (أعمال الرُّسُل 30:11؛ 4:15، 22-23)، وأَنْطَاكِيَة بِيسِيدِيَّة، لِسْتِرَة، إِيقُونِيَةَ، دَرْبَةَ (أعمال الرُّسُل 23:14)، وأَفَسُس (أعمال الرُّسُل 17:20؛ 1 تِيمُوثَاوُس 17:5)، وفِيلِبِّي (فِيلِبِّي 1:1)، ومدن كِرِيت (تِيطُس 5:1)، وكنائس الشتات التي كَتَبَ إليها معلمنا يعقوب رسالته (يعقوب 14:5)، والمقاطعات الرومانية: بُنْتُسَ، غَلاَطِيَّةَ، كَبَّدُوكِيَّةَ، أَسِيَّا، بِيثِينِيَّةَ (1 بُطْرُس 1:1؛ 1:5)، وربما الكنيسة (أو الكنائس) التي كُتِبَتْ إليها الرسالة إلى العبرانيين (العبرانيين 7:13، 17، 24).
سلطان الشُّيُوخ
وَفْقًا لأسفار العهد الجديد، للشُّيُوخ سلطان. يوصي الرَّسُول بُولُس المسيحيين في مدينة تَسَالونِيكِي باحترام من “يتعبون” بينهم، القائمين عليهم في الرب، ممن يقدِّمون لهم النصح والإنذار في الرب (1 تَسَالونِيكِي 12:5). كما أن للشُّيُوخ سلطان في بيوتهم، لهم أيضًا سلطان في الكنيسة (1 تِيمُوثَاوُس 4:3-5). يخبر الرَّسُول بُولُس تِيمُوثَاوُس أن الشُّيُوخ الذين “يدبِّرون” (أو يقودون) حَسَنًا هم أَهْلٌ لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ (1 تِيمُوثَاوُس 17:5). يناشد كاتبُ الرسالة إلى العبرانيين المؤمنين في الكنيسة بالطاعة والخضوع لقادتهم (العبرانيين 17:13؛ انظر أيضًا 1 كُورِنْثُوس 15:16-16؛ 1بُطْرُس 5:5).
تُظْهِرُ واجبات الشُّيُوخ قدرًا معيَّنًا من السلطان. كمُعَلِّمين، فإنهم مُكَلَّفون بِمَهَمَّة المناداة بكلمة الله بكلِّ سلطان (1 تِيمُوثَاوُس 2:3؛ 17:5؛ تِيطُس 9:1). وباعتبارهم رعاةً، كُلِّفَوا بِمَهَمَّة قيادة شعب الله (أعمال الرُّسُل 28:20؛ أَفَسُس 11:4؛ 1 بُطْرُس 2:5). وبوصفهم نوَّابٌ، فإنهم يتحدثون ويتصرفون بالنيابة عن الجماعة كلها (أعمال الرُّسُل 30:11؛ 17:20).
ينبع سلطان الشُّيُوخ من الله لا من الجماعة (أعمال الرُّسُل 28:20؛ أَفَسُس 11:4). إلا أن سلطانهم ليس مطلقًا (غلاطية 8:1). يستمد الشُّيُوخ سلطانهم من كلمة الله. والسلطان الذي يملكونه لا يكمن في وظيفتهم بل بما يؤدونه من التزامات عليهم. أخيرًا لا يمتد سلطان الشُّيُوخ إلى ما هو أبعد من الكنيسة المحلية.
مؤهلات الشُّيُوخ وواجباتهم
تمثِّل مؤهلات الشَّيخ أو الأُسْقُف السمات الأساسية المتوقَّعَة من كل المسيحيين (1 تِيمُوثَاوُس 1:3-7؛ تِيطُس 5:1-9؛ 1 بُطْرُس 1:5-4). تركِّز المؤهلات على هُويَّة الشخص أكثر مما يفعله ذلك الشخص. المؤهِّل الوحيد الذي يرتبط مباشرة بواجبات الشَّيْخ في الكنيسة هو حتمية أن يكون “قادِرًا على التعليم” (1 تِيمُوثَاوُس 2:3)، أي تعليم العقيدة السليمة، وأن يكون قادرًا على تصحيح المخطئين (تِيطُس 9:1).
وللشُّيُوخ على الأقل أربعة أدوار رئيسة: (1) القيادة، (2) الرعاية، (3) التعليم، و(4) التأهيل. أولاً، الشَّيْخُ مدعوٌّ لقيادة الكنيسة. كما يقود الزوج أو الأب أسرته، يتحتَّم على الشَّيْخ أن يقود الكنيسة (1 تِيمُوثَاوُس 4:3-5). الشُّيُوخ الْمُدَبِّرُونَ حَسَنًا فَلْيُحْسَبُوا أَهْلاً لِكَرَامَةٍ مُضَاعَفَةٍ (1 تِيمُوثَاوُس 17:5). ثانيًا، الشَّيْخ مدعوٌّ لرعاية كنيسة المسيح (1 بُطْرُس 1:5-2). يَتَعَيَّن على الشُّيُوخ الاستعداد لحماية الخراف من المعلمين الكَذَبَة (أعمال الرُّسُل 28:20-29). الشُّيُوخ مدعوون لزيارة المرضى أو الضعفاء روحيًّا وجسديًّا (يعقوب 14:5). ينبغي عليهم العناية بالأرواح التي كُلِّفوا برعايتها على اعتبار أنهم “سَوْفَ يُعْطُونَ حِسَابًا” (العبرانيين 13:17). لا بُدَّ عليهم أن يتبعوا مثال الرب يسوع: “رَئِيسُ الرُّعَاةِ” (1 بُطْرُس 4:5). الذي وَضَعَ حياتَه من أجل الخراف (يوحنَّا 11:10؛ مع 13:15). ثالثًا، الشُّيُوخ هم المعلِّمون لكلمة الله (أَفَسُس 11:4؛ 1 تِيمُوثَاوُس 2:3؛ 17:5؛ تِيطُس 9:1). أخيرًا، ينبغي على الشُّيُوخ القيام بتأهيل وإعداد الآخرين للقيام بعمل الخدمة (أَفَسُس 11:4). وكما حَثَّ الرَّسُول بُولُس تلميذه تِيمُوثَاوُس على أن يُودِع ما تَعَلَّمَه إلى أناسٍ أمناءٍ لِيُعَلِّمُوا آخرين أيضًا (2 تِيمُوثَاوُس 2:2)، هكذا يَتَعَيَّن على الشُّيُوخ أيضًا تنشئة الجيل القادم من القادة، وصانعي التلاميذ في الكنيسة.
وظيفة الشَّمَّاس
وظيفةُ الشَّمَّاس وظيفةٌ منفصلة ومتميِّزة عن وظيفة الشَّيْخ (أي الأُسْقُف أو الراعي). تأتي لفظة “شَمَّاس” من المصطلح اليوناني دياكونوس diakonos، الذي يعني عادة “خادم”. ومع ذلك، في بعض السياقات، يمكن استخدام المصطلح بشكل رسميٍّ أكثر للإشارة إلى شخصٍ يشغل وظيفةً كنسيَّة. من بين 29 مَرَّة للفظة دياكونوس diakonos، تشير ثلاثة أو أربعة فقط إلى شاغل الوظيفة (رومية 1:16؛ فِيلِبِّي 1:1؛ 1 تِيمُوثَاوُس 8:3، 12). يبدو أن أصل الشَّمَّاس مرتبطٌ بالسبعة الذين تَمَّ اختيارهم في أعمال الرُّسُل 6. على الرغم من عدم استخدام الاسم “شماس”، إلا أن الصيغة الفعلية للفظة مستخدمة، وبالتالي فإن هذا المقطع بمثابة نموذج أولي عن الشَّمَّاس في العهد الجديد.
عندما اكتشف الرُّسُل أن الأرامل اليونانيات يتعرَّضَن للإهمال، قرَّروا استدعاء كل التلاميذ معًا لاختيار سبعة رجال مؤهلين لمباشرة مَهَمَّة الإشراف على التوزيع اليومي للطعام. بتعيين هؤلاء الرجال، أخذ الرُّسُل هذه المشكلة على محمل الجِدِّ، وفي نفس الوقت أيضًا، لم يشتتوا انتباههم عن دعوتهم الأساسية للصلاة وخدمة الكلمة (أعمال الرُّسُل 1:6-6). هذا نموذج مماثل لما نراه في وظائف الشِّيخ أو الأُسْقُف والشَّمَّاس. على غرار الرُّسُل، فإن الدور الأساسي للشُّيُوخ هو الوعظ بكلمة الله (أَفَسُس 11:4؛ 1 تِيمُوثَاوُس 2:3؛ 17:5؛ تِيطُس 9:1). مثل السبعة، هناك حاجةٌ إلى الشَّمَامِسَة لخدمة الجماعة في أيَّة احتياجات يمكن أن تظهر بين الرَّعِيَّة. وهكذا، يقدِّم لنا الفصل 6 من سفر أعمال الرُّسُل نموذجًا مفيدًا عن الطريقة التي بها يمكن للخدام الأتقياء [الشَّمَامِسَة] مساعدة المدعوين للوعظ بالكلمة ورعاية كنيسة الله [الشُّيُوخ، أو الرعاة، أو الأساقفة].
لا تقدِّم أسفار العهد الجديد الكثير من المعلومات عن دَوْرِ الشَّمَامِسَة لأن المؤهلات في 1 تِيمُوثَاوُس 8:3-12 تركِّز على شخصية المَرْءِ وحياته العائلية. إن التمييز الأكثر وضوحًا بين الشُّيُوخ والشَّمَامِسَة هو أن الشَّمَامِسَة ليسوا في حاجةٍ إلى أن يكونوا “قادرين على التعليم” (1 تِيمُوثَاوُس 2:3)، الأمر الذي يشير إلى أن الشَّمَامِسَة ليس لديهم دَوْرٌ تعليميٌّ رسميٌّ في الكنيسة. وكما يشير اللقب نفسه، فإن الشَّمَامِسَة لا يحكمون أو يقودون الجماعة، لكن لديهم خدمة ذات توجُّهٍ خَدَمِيٍّ. وعلى غرار الشُّيُوخ، يَتَعَيَّن على الشَّمَامِسَة قيادة أسرهم بشكلٍ جيِّدٍ. لكن عند الإشارة إلى الشَّمَامِسَة، لا يذكر الرَّسُول بُولُس القسم الذي يضاهي فيه بين إدارة الأسرة ورعاية كنيسة الله (1 تِيمُوثَاوُس 5:3). لا يُمْنَح الشَّمَامِسَةُ مكانةً للحُكْم والقيادة في الكنيسة لأن هذه وظيفةٌ تخُصُّ الشُّيُوخ. على الرغم من أن أسفار الكتاب المقدس لا تشير بوضوح إلى وظيفة الشَّمَّاس. لكن بناءً على النموذج الذي تَرَسَّخَ في أعمال الرُّسُل 6 بالرُّسُل والسبعة، يبدو من الأفضل النظر إلى الشَّمَامِسَة كخدامٍ يقومون بكلِّ ما هو ضروري لتمكين الشُّيُوخ من إنجاز دعوة الله لهم لرعاية الكنيسة وتعليمها. ونتيجة لذلك، لكلَّ كنيسةٍ محليةٍ الحرية في تحديد مهام الشَّمَامِسَة بناءً على احتياجاتها الخاصة.
خاتمة
تُقَدِّم أسفار العهد الجديد نمطًا مُتَّسِقًا لقيادة الكنيسة، وإن لم يكن موحَّدًا تمامًا. في بعض الأحيان، يُطْلَق على هؤلاء القادة اسم “شُيُوخ”، أو “أَسَاقِفَة”، أو “رُعَاة” (تشير هذه المصطلحات الثلاثة إلى نفس الوظيفة وقد استخدمها الكَتَبَة في أسفار العهد الجديد بشكلٍ متبادَل). الدليل السَّاحق في العهد الجديد هو أن كلَّ رَعِيَّة كان يقودها مجموعة من الشُّيُوخ لا مجرَّد راعٍ واحدٍ فقط. ومع أن الشُّيُوخ يَنْعَمُون بسلطان قيادة الكنيسة، ينبغي أن يقاس توازن هذا السلطان بواسطة الرعِيَّة.

