دراسات لاهوتية: معجزات المسيح

التعريف

معجزات المسيح هي تعبير عن قوة الله في لاهوت المسيح، ويشهد الكتاب المقدس فيها لسلطانه. كما تشير هذه المعجزات إلى مجيء الخلاص المرتبط بإعلان ملكوت الله.


المُلخص

غالبًا ما يفترض المجتمع الغربي الحديث أن حقيقة المعجزات تتعارض مع منهجية العلم الحديث. وفي الواقع، يستند هذا الرفض على الفرضيات الطبيعية المسبقة، وليس بالضرورة مع العلم في حد ذاته. معجزات المسيح هي إعلان لقوة الله، والتي جسّدها المسيح بالكامل في تأنسه باعتباره ابن الله. يشهد الكتاب المقدس لهذه المعجزات. وحقيقة أن الكتاب المقدس صحيح تاريخيًا ويستمد سلطانه من الله، يجب أن تمنحنا القدرة على الصمود في وجه الاعتراضات التي ترفض مصداقية المعجزات بزعم أنها تتعارض مع الافتراضات الطبيعيّة المسبقة. كانت هذه المعجزات جزءًا أصيلًا من خطة الله للخلاص وتاريخ الفداء وفيه شهدت هذه المعجزات أن ملكوت الله، والذي من خلاله سيحقق الله الخلاص النهائي والتام لشعبه، قد جاء في شخص المسيح يسوع، ابن الله والمسيا الموعود.

هل قام المسيح بالفعل بالمعجزات التي سجلتها الأناجيل؟ وماذا نتعلم منها؟ وما هي أهميتها؟


حقيقة المعجزات

دعونا أولاً ننظر في مسألة ما إذا كانت المعجزات المسجلة في الأناجيل الأربعة قد حدثت بالفعل. فقد ظهر قدر كبير من الشكوك حول معجزات الكتاب المقدس في العالم الغربي. ومذهب الشك موجود في الدوائر العلمية، وفي ثقافة النخبة، كما هو موجود أيضًا في الثقافة الأوسع بشكل عام. لكن الشك الذي يتبناه البعض كهدف في حد ذاته، يعد ظاهرة غربية إلى حد كبير. فالناس في بعض الثقافات الأخرى يواجهون مشاكل أقل مع هذه الفكرة، لأنهم يؤمنون بالفعل بعالم الأرواح.

الضيق الثقافي لنظرية الشك

هذا الضيق الثقافي لنظرية الشك يُظهر أن رفض حدوث المعجزات مرتبط بالحدود والأطر الرئيسية التي ترسمها الثقافة الغربية، والتي تجعل من قبول إمكانية حدوث المعجزات أمرًا عسيرًا، إن لم يكن مستحيلًا. فجزء من المشكلة على الأقل يعود لتأثير النظرة المادية الطبيعية للعالم على العقلية الغربية. إذ تنادي هذه النظرة للعالم أن الكون نظام مادي مُحكم غير مخلوق، أو لم يأت للوجود عن طريق شخص، وطابعه الأساسي في الحركة هو المادة والطاقة. لا يوجد مكان في هذا النظام لإله شخصي. لا يوجد فيه مكان للأرواح محدودة القوة، مثل الملائكة والشياطين أو الأرواح المُرسلة. وبالتالي، لا مجال للمعجزات في هذا النظام. لا يوجد مكان لله، كإله شخصي، يتعامل فيه بطريقة شخصية تخرج عن الأنماط العادية والأطر المادية التي تحكم العالم. لا يوجد مكان أيضًا للأرواح المخلوقة محدودة القدرة التي قد تعيق مجرى الأطر الطبيعية للكون. وبالتالي يمكن تلخيص هذه النظرة “الطبيعة” باعتبارها غير شخصية، ولا يمكن أن يكون هناك استثناءات.

تتمتع هذه النظرة العالمية بتأثير قوي لأنها منتشرة على نطاق واسع، ومع ذلك نادرًا ما يحلل الناس ما إذا كان لهذه النظرة المادية أساس يتخطى كونها تحاملاً ثقافيًا. ومن المفترض أن نجاحات العلوم الطبيعية تدعم النظرة المادية للعالم على نطاق واسع. ومع ذلك، فقد نشأت هذه النجاحات في الأصل في سياق أوروبا الحديثة المبكرة، والتي كانت لا تزال تتمتع بمنظور مسيحي للعالم. ففي الأزمنة المبكرة، كان يُنظر إلى العلم نفسه على أنه استقصاء عن حكمة الله بالطرق التي يحكم بها العالم. والذي ركز على دراسة القواعد والضبط الدقيق للكون، والذي نسميه “القانون العلمي”. وبالتالي، فقط من خلال تبني الالتزام الفلسفي المادي، باعتباره نوع من الإيمان الإلحادي، يمكن للناس أن يستخلصوا أنه يجب ألا يكون هناك استثناءات، ولا معجزات.

قوة الله

أحد جوانب معالجة معجزات المسيح هو رفض قبول النظرة الضيقة التي تتبناها وجهة النظر المادية الغربية الحديثة. بدلاً من ذلك، علينا أن نتعامل بإيجابية مع العالم الذي نعيش فيه. العالم الذي نختبره هو في الواقع عالم خلقه الله ضابط الكل وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته. الضبط الدقيق هو نظام حكمه الأمين للعالم. لكن يمكنه أيضًا التصرف بشكل استثنائي، وهذا ما نسميه “المعجزة”.

ألوهية المسيح

بعد ذلك، علينا أن نضع في اعتبارنا طبيعة شخص المسيح. وفقًا للكتاب المقدس، المسيح هو ابن الله الأزلي (يوحنا 1: 1)، الذي اتخذ الطبيعة البشرية وجاء إلى الأرض ليخلصنا. فإذا كان حقًا ابن الله السماوي، وليس مجرد رجل دين تقي، فإن هذا يحدث فرقًا كبيرًا في طريقة تفكيرنا. وبالنظر إلى شخصية الله، وشخصية ابن الله الذي تأنس لخلاص العالم، ينبغي أن نشعر بالدهشة إن لم يرتبط خلاص العالم بمعجزات مصاحبة. إن رفض البشر لحدوث المعجزات هو في جوهره رفض مرتبط بالتحامل ضد شخص المسيح وعمله الخلاصي.

دليل على الموثوقية التاريخية للكتاب المقدس

ويمكننا أيضًا أن نحتكم للمصداقية التاريخية للكتاب المقدس. فقد كتب العديد من العلماء كتباً تشير إلى عدد المرات التي يمكن فيها التأكد كم المصداقية التاريخية للكتاب المقدس في أماكن عديدة يمكن فيها التحقق من السجلات القديمة الأخرى.

السلطان الإلهي للنص المكتوب من الكتاب المقدس

ودعماً للمعجزات، يمكننا أن نلمس السلطان الإلهي للكتاب المقدس. فالعهد الجديد ليس مجرد نتاج لمؤلفين بشريين متنوعين اجتهدوا في تحقيقي المصداقية لكنهم ربما جانبهم الصواب في بعض الأحيان. بل إنه أيضًا عمل مؤلف من الله، بتكليف من يسوع المسيح. يرسل المسيح روحه إلى رسله وإلى معاوني الرسل الآخرين (مثل مرقس ولوقا) والذين سجلوا كلمته بأمانة بقوة وقيادة الروح (تيموثاوس الثانية 3:16؛ 2 بطرس 1:21).

معجزات خارج الكتاب المقدس

أخيرًا، يمكننا فحص تقارير المعجزات خارج الكتاب المقدس. هذه التقارير، بالطبع، ليس لديها نفس العصمة والسلطان الإلهي الذي للكتاب المقدس نفسه. لكن يمكنها أيضًا أن تشهد على حقيقة أننا نعيش في عالم شخصي يحكمه الله، عالم به أيضًا أرواح ملائكية وشيطانية.

أهمية معجزات المسيح

ما معنى وأهمية معجزات المسيح الآن؟ هذا السؤال في حقيقة الأمر متعدد الجوانب، ويدخل بنا إلى فهم ماهية المعجزات، إذ نخطو خطوة أبعد من مجرد التحقق من حدوث المعجزات من عدمه. نتساءل هنا: لماذا حدث المعجزات؟ وما هي الرسالة التي يتضمنها إجراء الله للمعجزات في شخص المسيح؟

خطة الله الأعظم في التاريخ

تحدث المعجزات ضمن خطة الله الشاملة والتي تتكشف عبر تاريخ الفداء. المسيح ومجيئه في مركز هذا التاريخ. إن الأعمال التي صنعها – قبل كل شيء معاناته، وموته، وقيامته – هي الأساس المهم لخطة الله للفداء. لقد تنبأ العهد القديم بمجيء المسيح ومجيء ملكوت الله. وفي الأناجيل نرى تحقيق نبوات العهد القديم على أرض الواقع. وفي بقية العهد الجديد نرى استمرارية وتدفق لنتائج عمل المسيح الفدائي من خلال رسله، سواء في الأحداث التاريخية في سفر الأعمال أو في التفسيرات والعظات والتحذيرات في رسائل العهد الجديد. والرسائل تُظهر لشعب الله في العهد الجديد معنى خلاص المسيح والطريقة التي يؤثر بها على حياتهم وسلوكهم.

يسوع هو المسيح

تُعلن معجزات المسيح وتؤكد بعض الحقائق عن المسيح نفسه. فهي تعلن أن وعود العهد القديم التي تنبأت بمجيء المسيا قد تحققت، فهو الملك العظيم الذي جاء من نسل داود، وهو الذي سيحكم إلى الأبد (إشعياء 9: 6-7).

يسوع هو ابن الله المساوي له

تعلن المعجزات كذلك قدرة المسيح الإلهية. صحيح أن بعض الأنبياء في العهد القديم، مثل موسى وإيليا، صنعوا المعجزات. لكن يتضح من خلال السياقات أن هؤلاء الأنبياء لم يصنعوا المعجزات بقوتهم وقدرتهم. لقد كانوا مجرد خدام لله. وعلى النقيض من ذلك، شعر خصوم يسوع الدينيون بالاستياء منه لأنه تصرف بوعي ذاتي يتخطى كونه مجرد نبي. كان لديه سلطة في ذاته باعتباره ابن الله. ففي معجزة شفاء المفلوج، ادعى يسوع لنفسه سلطان مغفرة الخطايا والتي يخص الله وحده (متى 9: 1-8). وبعد هدوء العاصفة، سأل التلاميذ بعضهم البعض، “أَيُّ إِنْسَانٍ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّيَاحَ وَالْبَحْرَ جَمِيعًا تُطِيعُهُ! (متى 8: 27). وبعد حادثة سيره على الماء، “وَالَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ: «بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ اللهِ!” (متى 14: 33).

معجزات يسوع تُبرز القدرة الإلهية. فالله حاضر فيها بشكل فريد. والله يُظهر من خلالها مجيء ملكوته. فالله الآب يعمل أعماله في الابن: “لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ.” (يوحنا 14: 10).

المعجزات كعلامات للفداء

وإتيان الملكوت له جانب آخر. فالله ليس مجرد حاضر ليُعلن من هو. إنه حاضر ليحقق إنجاز الخلاص الذي وعد به طوال الطريق من خلال العهد القديم.

لا تركز عبارة “ملكوت الله” في الأناجيل على حقيقة أن الله يحكم العالم كله وكل التاريخ، على الرغم من صحة ذلك (مزمور 103: 19). بل يركز على الممارسة الجديدة لقدرته الإلهية في سياق تحقيق الخلاص الكامل والنهائي. في يسوع المخلص، الذي يسكن فيه الله الآب. والمعجزات هي معجزات الملكوت. لذلك، فهي أيضًا معجزات الخلاص المرتبط بمجيئ الملكوت. هذا لا يعني أن كل شخص شفاه يسوع قد خلص إلى الأبد. جاء الإيمان الخلاصي للبعض، ولكن ليس بالضرورة لجميع أولئك الذين تم شفاؤهم جسديًا. كان الشفاء الجسدي أمرًا جيدًا. لكنه في حد ذاته لم يكن نهائي. الأشخاص الذين تم شفاؤهم سيموتون في النهاية موتًا جسديًا.

لذلك فأن حالات الشفاء في خدمة يسوع أشارت إلى شيء آخر. لقد كانت آيات وعلامات تشير إلى أمر أعمق من ورائها. (يستخدم إنجيل يوحنا بشكل مميز كلمة “آية” (علامة) لوصف معجزات يسوع، وبالتالي يشير إلى معناها الأعمق). تعاملت المعجزات مع الناس الذين تم شفاؤهم من العلل الجسدية. أو الذين تحرروا من قوى شيطانية. كل من هذه الإنجازات كانت حقيقية في حد ذاتها. لكنها أشارت أيضًا إلى البنية الكاملة للخلاص ككل. لم يأتِ يسوع فقط ليحقق شيئًا مؤقتًا في حياة بعض الأفراد، بل ليحقق الخلاص الابدي والدائم. وهذا الخلاص يتضمن، بشكل مركزي، التحرر من الموت الروحي – التحرر من الخطية، من الذنب، من قوة مملكة إبليس. هذا الخلاص وصل لذروته في يسوع من خلال آلامه وموته وقيامته. فقيامته تعني لنا الخلاص الدائم من الخطية والدينونة. كما تضمن قيامة أجسادنا. فسنخلص في المستقبل بشكل كامل من كل داء ومرض جسدي، وحتى من الموت نفسه. فقد كانت المعجزات التي صنعها يسوع بمثابة إشارات مسبقة لهذا الخلاص على مرحلتين، في قيامته من الموت، ثم، في النهاية، في قيامتنا نحن بالجسد، بالاتحاد به وبقوة قيامته.

دعونا ننظر، على سبيل المثال، في شفاء عبد قائد المئة، المذكور في بشارة متى 8: 5-13. شفى يسوع العبد من الشلل ومن “العذاب الشديد” (متى 8: 6). إن التحرر من العجز الجسدي الناتج عن الشلل ينذر بالإطلاق النهائي عن كل إعاقة جسدية، والتي ستأتي مع قيامة الأجساد. الشلل الجسدي هو أيضًا نظير مناسب وانعكاس لـ “الشلل” الروحي الذي تحدثه الخطية، والذي يمنعنا من تنفيذ إرادة الله. يسوع في موته يأخذ خطايانا على نفسه، وفي قيامته يدخل حياة جديدة تعطينا القدرة على التحرر من الخطية وذنبها (رومية 4:25). فبدلاً من المعاناة في الجسد، في قيامة الجسد ندخل حياة خالية تمامًا من المعاناة (رؤيا 21: 4). وبدلاً من المعاناة الروحية من الخطية، ندخل إلى حرية مجد أولاد الله (رومية 8:21، 23).

وبنفس الطريقة، فإن العديد من معجزات يسوع خلال حياته الأرضية هي صور مصغرة، أو توقعات، أو تنبؤات لمرحلتي إنجازه الخلاصي النهائي: أولاً موته وقيامته؛ ثم مجيئه مرة أخرى، بما في ذلك إنشاء سماء جديدة وأرض جديدة (رؤيا 21: 1).

شارك مع أصدقائك