دراسات لاهوتية: عقيدة الصلاة

التعريف

الصلاة هي أن تطلب من الله أن يفعل ما قد وعد به بالفعل، اقتداءً بالنموذج الذي قدمه، عبر كل الكتاب المقدس، الآباء الأوليّن (كإبراهيم واسحق ويعقوب) وكُتّاب المزامير والأنبياء والمسيح والرسل.


الخلاصة

الصلاة هي مطالبة الله أن يفعل ما قد وعد به بالفعل. ونفعل ذلك بواسطة قوة الروح القدس كأبناء بالتبني من خلال المسيح يسوع. نرى هذا النوع من التفاعل مع الله واضحًا خلال الكتاب المقدس، حيث يستمر شعب الله في مطالبته بالوفاء بوعوده وأن يأتي ملكوته وحُكمه. يمكننا أن نكون على ثقة من أن الله سيستجيب لصلواتنا لأجل أهدافه لأنه وعد صراحةً بتحقيقها. وتتضمن هذه الأهداف تمجيد الله لذاته، وغفرانه، وحكمته الإلهيّة، ومعرفتنا الشخصية به، ونوال قوة للطاعة، ونشر رسالة الإنجيل.


لم يتم تعريف الصلاة صراحة في أي مكان في الكتاب المقدس، ولكن معناها الأساسي هو أن نطلب. يتضح هذا، على سبيل المثال، في الصلاة الربانية (متى 6: 9-13)، حيث استجابة لطلب “عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ!” أعطى المسيح نموذجًا لتلاميذه ليطلبوا من الله أن يبني ملكوته، ويُقدس أسمه، وأن يغفر لهم ويعضدهم، كخدامه. إذًا، فإن “طلبهم” يجب أن يتشكل بعمل الله المسبق-بعبارة بسيطة، الصلاة هي أن تطلب من الله أن يفعل ما قد وعد به بالفعل بنعمته.

ليست الصلاة في الكتاب المقدس كلمة عامة لنشاط روحي مُبهم، لكنها متجذرة في طبيعة الله وعمله. يوضح چون كالڤن تلك النقطة في حديثه عن الصلاة في كتاب أسس الدين المسيحي (الكتاب الثالث، الفصل العشرون، 1):

كما أن الإيمان يولد من الإنجيل، هكذا تتدرب قلوبنا من خلاله أن ندعو باسم الله [رومية 10: 14-17]. وهذا بالضبط ما قاله [الرسول بولس] قبلًا: أن رُوحَ التَّبَنِّي الذي يختم شهادة الإنجيل في قلوبنا [رومية. 8 :16] يُنهِض أرواحنا فتجرؤ على أن تكشف لله عن رغباتنا، فيحرك فينا أنات لا ينطق بها [رومية. 8 :26]، ويشجعنا على أن نصرخ بثقة: “يَا أَبَا الآبُ!” [رومية 8: 15]

الصلاة في العهد القديم

إن إدراك أن الصلاة هي طلب من الله أن يفعل ما قد وعد به ظاهر في كل جزء تقريبًا من العهد القديم. من تكوين 4: 26، “حينَئذٍ ابتُدِئَ أنْ يُدعَى باسمِ الرَّبِّ” (على الأرجح لتحقيق وعد المخلص في تكوين 3 :15)، فصاعدًا، كانت صلوات شعب الله في الأساس بحسب “قالب الإنجيل”، يطالب شعب الله إلهه بتحقيق وعود عهده.

فعندما كان يصلّي إبراهيم وعائلته، فإنهم كانوا يطلبون من الله أن يفي بالتزامات عهده. لذلك صلى إبراهيم (بسذاجة) أن يكون إسماعيل وريثه (تكوين 17 :18)؛ وصلي كل من خادم إبراهيم وإسحاق نفسه من أجل إيجاد زوجة في تكوين 24-25، ثم صلى يعقوب بشكل لا يُنسى في (تكوين 32: 9-12) إلى “إلهَ أبي إبراهيمَ وإلهَ أبي إسحاقَ، الرَّبَّ الّذي قالَ ليَ…” على أساس وعده “أنتَ قد قُلتَ: إنّي أُحسِنُ إلَيكَ وأجعَلُ نَسلكَ كرَملِ البحرِ الّذي لا يُعَدُّ للكَثرَةِ.” (تكوين 32: 9-12). بحسب يعقوب، من الواضح أن الصلاة هي الطلب من الله أن يفعل ما قد وعد به، والذي يتضمن حمايته حتى يتم تحقيق الوعود لجده إبراهيم. ويتكرر هذا المنظور الأساسي في كل صلاة تقريبًا في الإصلاحات التالية.

تبدأ قصة الخروج بصلاة مثل هذه (خروج 2: 23-25)، وتتسم تفاعلات موسى مع الله طوال الرحلة من سيناء إلى الأرض بعين الاهتمام ذاته: أن يتمم الله ما وعد به (على سبيل المثال، انظر تثنية 14: 13-20). ويُكمل يشوع ما انتهى إليه موسى (يشوع 7: 6-9)، كما يظهر ذلك في كافة الصلوات لأجل إنقاذ الشعب من الدينونة في سفر القضاة (على سبيل المثال، انظر قضاة 3 :15). الصلاة لا تقل أبدًا (ونادرًا ما تكون) عن مطالبة الله بفعل ما قد وعد به.

وهذا الأمر مدهش للغاية خاصة عندما ننظر إلى “الصلوات المؤثرة” في العهد القديم. فصلاة حنة في أعقاب إنهاء الله لعقمها بشكل مدهش لا تركز على طفلها، ولكن على التزام الله بالعمل في عالمنا بإرسال مسيحه (صموئيل الأول ٢: ١-١٠). وعندما صلى سليمان لتكريس الهيكل (ملوك الأول 8)، فإنه بشكل ملحوظ لا يركز على الحجر والطين ولكن على تقدُم عمل الله في العالم. وحتى عندما ركز حزقيا الملك على مصائبه في صلاته، فإن استجابة الله أعادت بلطف توجيه نظر حزقيا إلى تقدُم خطط الله في العالم. وبالمثل، فإن الصلوات في دانيال 9 ونحميا 9 بالكاد تمس ظروف أو احتياجات الأفراد الذين يصلون. فقد كانت بالأحرى صرخات للرب لمواصلة تدفق وعوده على مسرح تاريخ العالم. حتى “اعترافات” إرميا القلِقة (إرميا 12: 1-12) تستمد توترها من حقيقة أن الله يبدو كما لو أنه لا يفعل ما قد وعد به.

يساهم سفر المزامير بشكلٍ خاص في لاهوت الصلاة في الكتاب المقدس. يتسم العديد من المزامير بمخاطبة مباشرة وشخصية إلى الله (انظر على سبيل المثال مزمور 3: 1؛ 4: 1؛ 5: 1، إلخ). عددكبير من هذه المزامير كتبه داود، وهي مَعنية أولًا، على الأقل، بتجارب مسيح الله. فعندما نجد صلاة في أي مزمور لداود، فهي أولاً وقبل كل شيء صلاته. وعند الفحص الدقيق، لا يُقصد من اختبارات داود والطريقة التي يتفاعل بها مع هذه الاختبارات فهم عموميات حياة البشر الأرضيّة—إنما معرفة الحقيقة الضخمة للحياة لكونه “مسيح الله”. أي الشخص الذي يقف في قلب خطط الله على الأرض، ونتيجة لذلك، يكون محور اهتمام أعداء الله معاداة مسيحه. فمحاولة صلاة المزامير كصلوات شخصية دون إدراك ذلك، هو خطأ! ولكن هذه ليست نهاية القصة. فضمن سفر المزامير نفسه، هناك أيضًا تدرج للصلوات التي يصليها شعب المسيّا، وهم يصرخون إلى الله ليفعل ما قد وعد به كل من الآباء وملكه الممسوح (انظر مزمور 77؛ 103؛ 130). وبهذا المعنى، تصبح صلاة المسيّا هي ذاتها صلاة لشعب المسيّا. لذلك، فإن “تعليم” سفر المزامير عن الصلاة هو أكثر عمقًا مما يُدرَك غالبًا، ولكنه أيضًا أكثر توافقًا مع سائر تعاليم العهد القديم عن الصلاة. وينعكس الفهم الأساسي للصلاة في سفر المزامير على الطريقة التي يصلي بها الملك/المسيّا—بكونها دعوة الرب لتحقيق وعوده. كما يمتد هذا المفهوم الأساسي للصلاة إلى صلوات شعب المسيّا الصارخ باستمرار حتى يُرسِل الله الملك الداودي الأعظم، ويؤسس مملكته، ويُجذب إليه الأمم.

ومع نهاية العهد القديم، أصبح الاحتياج إلى الصراخ ومطالبة يهوه بالتحرك والعمل واضحًا للغاية. فعلى سبيل المثال، يسجل سفرا أخبار الأيام، عشر صلوات خاصة للغاية بالمقارنة بذات الأجزاء في سفري الملوك. وفي كل قصة، تركز الصلوات على مطالبة الله أن يقوم بعمله في العالم. أو بعبارة أخرى، فإنها صلوات بحسب قالب الإنجيل.

الصلاة في العهد الجديد

ليس غريبًا أن نجد ذات النمط والقالب في العهد الجديد. فالصلاة التي شكّلها الإنجيل وجعلها ممكنة، لا تزال تعمل بنفس الطريقة تمامًا.

فالصلاة بالنسبة ليسوع، هي في الأساس مطالبة أبيه بعمل ما قد وعد به. “الصلاة الربانية” في كل من إنجيل متى ولوقا هي نموذج لصلاة العهد الجديد الذي آتى المسيح ليؤسسه. الالتماسات الفردية مثل “ليَتَقَدَّسِ اسمُكَ. ليأتِ ملكوتُكَ. لتَكُنْ مَشيئَتُكَ…” الواردة في متى 6: 9-13 (ولوقا 11: 2-4)، كلها طلبات تتوافق تمامًا مع أهداف ووعود الله المعلنة سابقًا في الكتاب المقدس. فإن الطلب من الله استجابة لرسالة الإنجيل هو قلب الصلاة. والحقيقة المبهجة، بحسب يسوع، هي أنه لا داعي لنا أن نقلق إذا طلبنا شيئًا خطأً؛ بل على العكس، فنحن أحرار أن نسأل ونحن نعلم أن أبينا لن يعطينا ما هو غير نافع لنا (انظر على سبيل المثال لوقا 11: 5-13). كما يُحذرنا الكتاب من الشك في رغبة واستعداد الله لتحقيق وعوده عندما نسأل (يعقوب 1: 5-6). وأننا لسنا بحاجة إلى محاولة انتزاع الأشياء من يد الله كما لو كان متردد (انظر أيضًا لوقا 18: 1-8، حيث نجد المقابلة بين الله والقاضي الظالم الذي يحتاج إلى من يدفعه على التحرك). بل على النقيض، يمكننا أن نلقي بكل همومنا عليه (رسالة بطرس الأولى ٥: ٧، والتي تعني على الأقل ضمنيًا الصلاة)، ونحن عالمون من خلال الإنجيل، أن الله قد ألزم نفسه بالفعل باستجابة صلواتنا.

يوضح يسوع هذا في الوعد المزدوج في (يوحنا 14: 13-14): “ومَهما سألتُمْ باسمي فذلكَ أفعَلُهُ ليَتَمَجَّدَ الآبُ بالِابنِ. إنْ سألتُمْ شَيئًا باسمي فإنّي أفعَلُهُ.” يوضح السياق الخاص بهذا الوعد أن يسوع يتحدث عن عمل الله المعتلق بالإعلان، إذ يفتح أعين الآب الناس ليروا مجده المعلن في ابنه. في الواقع، نحن مدعوون لمخاطبة الله الآب كما خاطبه يسوع نفسه (“أَبَا الآبُ “، بحسب رومية 8 :15 وغلاطية 4: 6)، يشجعنا هذا على الصلاة وفقًا لإرساليته وأجندته، أي العمل الذي كلفه به الآب (يوحنا 14 :10).

يشجعنا الله كأبناء وبنات له أن نطلب منه أن يفعل ما قد وعد به في الابن ومن خلاله عبر “الصلاة باسم يسوع” (انظر كورنثوس الثانية 1: 2؛ أفسس 5: 2). ففي كل الكتاب المقدس، تُفسر الصلاة دائمًا على أنها مطالبة الله بعمل ما قد وعد به—سواء كان ذلك لإرسال المسيح وتأسيس ملكوته أو الاستمرار في بناء كنيسة الرب يسوع المسيح حتى عودته. بشكل أساسي، يجب أن نصلي من أجل أن يتمم الله عمل عهده الجديد من خلال الإنجيل، بواسطة كلمته ومن خلال روحه.

تطبيقات

إن الصلوات المحددة التي يشجعنا العهد الجديد عليها، تمكننا أن نثق من أن الله سيستجيب…

إذا صلينا أن يُمجّد الله نفسه (متى 6: 9؛ يوحنا 17: 5).

إذا صلّينا طلباً للغفران (متى 6 :12؛ يوحنا الأولى 1: 9؛ يعقوب 5: 13-20).

إذا صلّينا لنعرف الله بشكل أعمق (يوحنا 17: 3، 24-26، أفسس 1: 15-22).

إذا صلينا من أجل الحكمة (لنعرف كيف نحيا من أجل الله) (يعقوب 1: 5-6).

إذا صلينا من أجل القوة للطاعة (للعيش من أجل الله) (أفسس 3: 14-21؛ متى 6 :11، 13).

إذا صلّينا من أجل انتشار الإنجيل (لوقا 10: 2؛ أعمال الرسل 4: 27-29؛ كولوسي 4: 3).

يلتزم الله بالاستجابة لهذه الصلوات لأنها تُلخّص عمل الإنجيل. فكلها صلوات من أجل أن يتمم الله عمل عهده الجديد من خلال كلمته.

كما يجب أن نتذكر أيضًا أنه سيأتي يوم لا تكون فيه الصلاة ضرورية. الصلاة هي تدبير نعمة من الله للحياة في عالم ساقط. أما في الخليقة الجديدة، سوف تتحقق جميع وعود الله في المسيح. وفي حضوره المباشر، لن تكون هناك حاجة للصراخ إليه، فقط سنتمتع به إلى الأبد (انظر سفر رؤيا 21: 22-27).

شارك مع أصدقائك

چى.جاري ميلر

مدير كلية كوينزلاند للاهوت في بريسبان، أستراليا. ويقوم بتدريس مواد اللاهوت الكتابي وعلم الوعظ.