أُلُوهِيَّة المسيح

التعريف

يُؤَكِّد العهد الجديد أنَّ يسوع المسيح مُساوٍ لله وأنَّه هو والله واحِدٌ. هو يعمل الأعمال التي لا يستطيع سِوَى الله وحده القيام بها. بصفته الابن، هو مُتَمَايِزٌ عن الآب؛ لكنَّه هو والآب والروح القدس جوهرٌ واحِدٌ.

المُلخّص

عَبَّرَ العهد الجديد عن أُلُوهِيَّة يسوع بشكلٍ غيرِ مباشرٍ، ولكن بصورةٍ متكررة في العهد الجديد. كان هذا التعبير غير مباشر؛ حيث اِعتَبَرَتْ عقيدة وحدانية الله القوية الموجودة في العهد القديم أيَّ اِدِّعاءٍ بالأُلُوهِيَّة تجديفًا. وكان واسعَ الانتشار في كلِّ العهد الجديد؛ حيث كانت الأدلة الدامِغة على أنَّ يسوع والله واحِدٌ تُسَيطِر على فكر الكنيسة وإيمانها وعبادتها منذ أيامها الأولى بعد حلول الروح القدس يوم الخمسين. اِتَّصَفَ يسوع بِدُعائِهِ لله كأبيه، وأَكَّدَ أنَّه مساوٍ لله في المكانة كموضوع الإيمان. رأى بولس أيضًا أنَّ يسوع المسيح ويهوه واحِدٌ في المكانة والجوهر، وينظر العهد الجديد كَكُلٍّ ليسوع المسيح على أنَّه خالِقٌ ودَيَّانٌ ومُخَلِّصٌ، وهي أعمالٌ لا يستطيع سِوَى الله وحده القيام بها. نجد يسوع موضوع العبادة، ومحور تسابيح العصور المسيحية المُبَكِّرة، وكثيرًا ما تُرفَع إليه الصلوات. باختصارٍ، يرى العهد الجديد يسوعَ والآب جوهرًا واحِدًا.


الخلفية

كان من شأن عقيدة التوحيد الصارِمة الموجودة في العهد القديم أن تستبعد على الفور أيَّ اِدِّعاءٍ بالأُلُوهِيَّة حاسِبَةً إيَّاه تجديفًا، وقد حَذَّرَ الله إسرائيل مِرارًا وتَكْرارًا أنَّه لا يوجد غيره إلهٌ، وأنَّ كلَّ العبادات الدينية الأخرى المزعومة هي عبادة أوثان (على سبيل المثال تث ٦: ٤؛ إش ٤٤: ٦–٨). ثم جاء السبي بعد ذلك ليُرَسِّخ هذا المفهوم.

يسوع والآب

يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أنَّ استخدام يسوع المتكرر للقب «أبي» عند حديثه عن الله، وما يتضمنه ذلك من أنَّ يسوع هو الابن، كان أمرًا مُذهِلًا وغيرَ مسبوقٍ؛ فقد استخدم العهد القديم لقب «ابن الله» للتعبير عن المَسِيَّا (المسيح)، وأحيانًا للتعبير عن إسرائيل، ولكنَّه لم يستخدمه للتعبير عن شخص.[1] استخدم يسوع كلمة «آب» كاسمٍ شخصيٍّ لله، وليس على سبيل الاستعارة أو لوصف ما يبدو عليه الله،[2] فإنَّ إعلان الله كالآب لا يُشير إلى أُبُوَّةٍ عامةٍ لجميع مخلوقاته؛ وإنَّما يُشير إلى علاقاتٍ مُتَبَادَلةٍ داخل كِيان الله. يتحدث يسوع عن الهيكل على أنَّه «بَيْت أَبِي» (لو ٢: ٤٩؛ يو ٢: ١٦)، ووقت معموديته، نجد الآب يُعلِن أنَّه ابنه (مت ٣: ١٧). يؤكِّد يسوع أيضًا أنَّ الآب قد أرسله (يو ٥: ٣٠، ٣٦؛ ٦: ٣٨–٤٠؛ ٨: ١٦–١٨، ٢٦، ٢٩)، وأنَّه يَتَشَارَك مع الآب في إقامة الأموات (يو ٥: ٢٤–٢٩) ودينونة العالم (يو ٥: ٢٧). وسيُكْرِم الجميعُ يسوعَ كما يُكْرِمُون الآب (يو ٥: ٢٣). إنَّ التلاميذ (المؤمنين) أيضًا هُمْ عطية الآب ليسوع، ويُقبِلون إليه بِفِعْلِ اجتذاب الآب لهم (يو ٦: ٣٧–٦٥). يعرف الآبُ يسوعَ ويحبه بينما يُتَمِّم هو وصية الآب (يو ١٠: ١٥–١٨). في المقابل، نجد يسوع يرفع صلواته إلى الآب (مت ٦: ٩؛ يو ١٧: ١–٢٦)، وكلمته المعهودة في مخاطبة الله هي: «أَبَا» (مت ١٦: ١٧؛ مر ١٣: ٣٢؛ لو ٢٢: ٢٩، ٣٠)، تلك اللفظة الآرامية الحميمية لكلمة «أب».[3] نراه أيضًا في أصعب اللحظات، لحظة الموت، يدعو الآب في جَثْسَيْمَانِي، ويدعوه حتى على عود الصليب (مت ٢٦: ٣٩–٤٢، وأماكن أخرى؛ لو ٢٣: ٣٤).

يتحدث يسوع عن المجد الذي تَشَارَكه مع الآب قبل الخليقة مُنتَظِرًا تمجيده به ثانيةً (يو ١٧: ٥، ٢٢–٢٤) بعد أن أكمل العمل الذي كلَّفه به الآب (آية ٤)، ويتأمَّل أيضًا في اتحادِه وسُكْنَاه المُتَبَادَل مع الآب (الآيات ٢٠ وما يليها). قبل ذلك، دافع يسوع عن مساواته للآب وعن أنَّه هو والآب واحِدٌ (يو ١٠: ٣٠؛ ١٤: ٦–١١، ٢٠)، وهو اتحادٌ غيرُ قابلٍ للانقسام؛ ولهذا سيكون كلام يسوع الذي تكلَّم به هو المعيار الذي على أساسه سيدين الآبُ العالم (يو ٥: ٢٢–٢٤؛ ١٢: ٤٤–٥٠). يُخبِر يسوعُ أيضًا مريم المجدلية أنَّه سيصعد إلى أبيه (يو ٢٠: ١٧؛ رَاجِعْ ١٦: ١٠، ١٧، ٢٨؛ رَاجِعْ أيضًا ١٤: ١–٣).

ولكنَّنا بالمقابل نجد يسوع يقول أيضًا إنَّه أقل من الآب (يو ١٤: ٢٨)، إلَّا أنَّ هذا يُشير إلى حالته المُتَأَنِّسة التي فيها اِتَّحَدَ بطبيعةٍ بشريةٍ، وحَدَّ نفسَه بمحدودِيَّتها، إن جاز التعبير. ولذلك، لا يعمل يسوعُ شيئًا إلَّا ما ينظرُ الآبَ يعملُ (يو ٥: ١٩)، فكما أنَّ الآبَ يُقِيمُ الأموات، كذلك الابنُ أيضًا يُحْيِي مَنْ يشاءُ هو أن يُحْيِيه (يو ٥: ٢١)، وكما أَنَّ الآبَ له حياةٌ في ذاتِهِ، كذلك أعطى الابنَ أيضًا أنْ تكونَ له حياةٌ في ذاتِهِ، وأعطاهُ سُلطانًا أنْ يَدِينَ أيضًا (يو ٥: ٢٦–٢٩).

يقول يسوع لتوما إنَّ معرفته بيسوع هي معرفته بالآب، ويقول لفِيلُبُّس: «اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ» (يو ١٤: ٦–٩)؛ وهذا يرجع لحقيقة أنَّ يسوع والآب واحِدٌ (يو ١٠: ٣٠)، وأنَّه هو والآب موضوع إيمان التلاميذ (يو ١٤: ١). لا يقدر أحدٌ أن يأتي إلى الآب إلَّا بيسوع. نجد أيضًا الأصحاحات ١٤–١٦ بالكامل من إنجيل يوحنا تتناول حديث يسوع عن نفسه بالعلاقة مع كلٍّ من الآب والروح القدس؛ فيذكر في خلال حديثه السُّكْنَى المُتَبَادَل للثلاثة معًا، ويتحدث عن إرسال الآب للروح القدس استجابةً لطلب يسوع نفسه (يو ١٤: ١٦ وما يليها، ٢٦؛ ١٥: ٢٦)، وعن أنَّه ينبغي على التلاميذ أن يرفعوا صلواتهم للآب في اسم يسوع (يو ١٥: ١٦).

يُؤَكِّد يسوع في إنجيل متى أنَّه يُشارِك الآب صفات العِلْم الكُلِّيّ والسِّيادة المُطْلَقَة (مت ١١: ٢٥–٢٧)، وقد وصف (إتش. آر. ماكينتوش) هذا المقطع الكتابي بأنَّه: «المقطع الأكثر أهمية للكريستولوجي (دراسة شخص وعمل المسيح) في العهد الجديد»؛ مُتَحَدِّثًا عَمَّا يُبرِزه هذا المقطع من «الارتباط التام بين الآب والابن».[4]

يحمد يسوعُ (الابن) الآبَ من أجل إخفائه «هذِهِ» (الأمور التي فَعَلَها يسوعُ وعَلَّمَ بها) عن الحكماء مُعلِنًا إيَّاها بدلًا من ذلك للأطفال، أي إنَّ يسوع يقول إنَّ الآب هو صاحب السِّيادة في الإعلان عن نفسه. ومع ذلك، نجد يسوع يقول بعدها مباشرةً إنَّه (أي الابن) لديه هذه السِّيادة أيضًا؛ فَأَنْ تعرفَ الآب هي عطيةٌ يمنحها الابن لِمَنْ يشاء هو أن يمنحها له. إذًا، فكما يُعلِن الآبُ «هذِهِ» الأمور المختصة بالابن لِمَنْ يشاء هو أن يُعلِنها له، هكذا أيضًا يُعلِن الابنُ الآبَ، و«كُلَّ شَيْءٍ» دُفِعَ إليه من الآب، لِمَنْ يشاء هو أن يُعلِنهما له.

إلى جانب ذلك، يشترك يسوع اشتراكًا كاملًا في عِلْمِ الآب الكُلِّيّ؛ فليس أحدٌ يعرفُ الابنَ إلَّا الآبُ، ولا أحدٌ يعرفُ الآبَ إلَّا الابنُ. وهذا يعني أنَّ يسوع يشترك اشتراكًا كاملًا في كلٍّ من: سيادة الله الآب المُطْلَقَة، وعِلْمه الكُلِّيّ. من ناحيةٍ أخرى، عندما نجد يسوع يقول في مقاطع كتابية مثل (مت ٢٤: ٣٦) إنَّه لا يعلم وقت مجيئِه الثاني، والذي لا يعلمه سِوَى الآب وحده، فيقصد يسوع بهذا محدودِيَّةَ حالةِ تأنسه التي وضع نفسه فيها طَوْعًا.

باختصارٍ، يسوعُ كالابن مُتَمَايِزٌ عن الآب، ولكنَّه في نفس الوقت هو والآب واحِدٌ. يُعَلِّق (ريتشارد بوكام) على هذا قائِلًا: «لا يقول يسوع إنَّه هو والآب أُقْنُومٌ واحِدٌ؛ وإنَّما يقول إنَّ كِلَيْهما إلهٌ واحِدٌ»،[5] وهذا يُمَيِّز يسوع عن الأنبياء، ويَسْتَلْزِم- كما يقول بولس في كتاباته- اشتراكه في صفات الله. [6]

يُمَيِّز الرسول بولس في تصريحه الهام عن الابن في (رومية ١: ٣، ٤) بَيْنَ ابن الله «الَّذِي صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ» وبَيْنَهُ عندما «تَعَيَّنَ بالروح القدس ابْنَ اللهِ في قوةٍ منذ القيامة من الأموات» (ترجمة الكاتب الخاصة). تُشير كِلْتَا العِبَارَتَيْنِ إلى يسوع المسيح، ابن الله (آية ٣أ)؛ فقد جاء ابنُ الله من نسل داود في تَأَنُّسِهِ، وأقامه الروح القدس من الأموات إلى حالةٍ جديدةٍ ومختلفةٍ تمامًا، وهي: ابن الله في قوةٍ. كان يسوعُ، وهو ابن الله، قبل الصلب في حالةِ ضعفٍ، «صُورَة عَبْدٍ» (في ٢: ٧)، ولكن الآن بعدما قام من الأموات، رَفَّعَهُ اللهُ الآبُ ليجلسَ عن يمينه (أع ٢: ٣٣–٣٦؛ في ٢: ٩–١١؛ أف ١: ١٩–٢٣؛ كو ١: ١٨؛ عب ١: ٣، ٤)، وهو يَمْلِكُ الآن على كلِّ دائرة الكون (مت ٢٨: ١٨) حاكِمًا كلَّ الأشياء إلى أن يخضع له جميعُ أعدائِهِ (١كو ١٥: ٢٤–٢٦)، وهي النقطة التي سَيُبْطَلُ عندها الموتُ أخيرًا، ويَرُدُّ يسوعُ الابنُ المُلْكَ للآب (١كو ١٥: ٢٤–٢٨). نرى إذًا أنَّ هناك تَمَايُزًا بين الآب والابن، ولكنَّنا في نفس الوقت نراهُما واحِدًا.

يسوعُ مُساوٍ للهِ، وهو واللهُ واحِدٌ

يُؤَكِّد يسوعُ أنَّه مُساوٍ للهِ وأنَّه هو واللهَ واحِدٌ في مواجهة اِتِّهاماتٍ من القادة اليهود له بالتجديف؛ فنجدهم يَتَّهِمونَه أولًا بأنَّه يُساوي نفسه بالله (يو ٥: ١٦–٤٧)، ولاحقًا، لِقَوْلِهِ إنَّه هو والله واحِدٌ (يو ١٠: ٢٥–٣٩)، ويُهَدِّدونَه بتوقيع عقوبة التجديف عليه (الرَّجم من كلِّ الجماعة – المُتَرجِم). في كِلْتَا الحالتين، يُنكِر يسوعُ التُّهْمَة المُوَجَّهة إليه على أساس أنَّه يقول الحق، داعِمًا حُجَّته بتَعَدُّدِ الشهود الذين يشهدون عليه، وهو الأمر الذي تَنُصُّ عليه الشريعة اليهودية. يضع يسوعُ نفسه أيضًا في نفس مرتبة الله كموضوع الإيمان في (يو ١٤: ١): «أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ فَآمِنُوا بِي». ونرى يوحنا يبدأ إنجيله بالإشارة ليسوع على أنَّه «الله» في (يو ١: ١٨)، ويُنهيه باعترافِ توما بيسوع أنَّه: «رَبِّي وَإِلهِي!» في (يو ٢٠: ٢٨)، تمامًا مثل البِرْوازِ المحيطِ بصورةٍ.

تَمَيَّزَ الرسول بولس في حديثه عن يسوع المسيح باستخدام كلمة «رَبّ» (kurios)، وهي الكلمة اليونانية التي تُستَخدَم عادةً للتعبير عن «يهوه» (יהוה)، الاسم العهدي لله في العهد القديم. يُظهِرُ بولس باستخدامه الواسع لهذا الاسم والمنتشر في كل كتاباته أنَّه ينظر ليسوع على أنَّ له مكانة الله بالتَّمام والكمال، وهو لا يقوم بأي محاولةٍ لشرح هذا الاسم أو الدفاع عنه، بل يذكره بِمُنْتَهَى الثقة والحرية وبدون تفكير؛ مِمَّا يدل- كما يُعَلِّق (لاري هِرتادو)- على شيوع استخدام هذا الاسم في حياة المسيحيين الأوائل اليومية.

وتشهد رسائل بولس على أنَّ الإيمان بالأُلُوهِيَّة الكاملة ليسوع المسيح كان الحقيقة الأساسية المُسَلَّم بها في الكنيسة، ولم يَكُنْ مَوضِعَ خِلافٍ، ويُشير (هِرتادو) أيضًا إلى أنَّ الشِّعار الآرامي المشترك «marana tha» أو «مَارَانْ أَثَا» (أيُّها الرَّبُّ، تَعَالَ!) الموجود في (١كو ١٦: ٢٢) يُؤَكِّد على ذلك.

يستخدم بولس هذه العِبارَة في سياقٍ أمميٍّ دون تفسيرٍ أو ترجمةٍ، مُوَجِّهًا إيَّاها للمسيح في صلاةٍ ليتورچيةٍ جماعيةٍ بالمهابة التي يستحقها الله وحده. بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ جذور هذه الصلاة تعود إلى فلسطين، إلى كنيسة أورشليم، وكانت معروفةً كذلك على نطاقٍ واسعٍ خارج حدود فلسطين، ومن المُحْتَمَل أنَّها كانت موجودة قبل زمن بولس،[7] ويكتب (بوكام) أيضًا عن «أصلها المُبَكِّر جدًا».[8] يُعطي إذًا بولسُ الاسمَ الإلهي (يهوه) للمسيح باستعمال كلمة kurios «دون تفسيرٍ أو تبريرٍ؛ مِمَّا يُوحِي بأنَّ قُرَّاءَه كانوا بالفعل على دِرايةٍ بهذه الكلمة ومَدْلولِها»، وعلى الأرجح، فإنَّ بولس في (رو ٩: ٥) يُشير ليسوع المسيح صراحةً على أنَّه: «theos» (الله). يكتب (بِن ويذرنجتون) عن يوحنا كذلك أنَّه: «على استعدادٍ أن يُسنِد إلى يسوع ما يُسنِده إلى الرَّبِّ الإله؛ لأنَّه يراهُما مُتَسَاوِيَيْنِ».[9]

يستشهد كاتب رسالة العبرانيين أيضًا، في إطار حُجَّتِه لإثبات سُمُوِّ المسيح، بمزمور ٤٥ ليُبَرهِن كَوْنَ الابن المُتَأَنِّس له مكانة الله (عب ١: ٨، ٩). نجد كذلك في رسالة العبرانيين أنَّ الابن هو بهاء مجد الآب ورَسْم جوهره، وأنَّ على كلِّ الملائكة تقديم العبادة له (عب ١: ١–١٤)، وبِكَوْنِهِ أعظم من الملائكة، «فهو ينتمي إلى هوية الله الواحِد الفريدة»،[10] كما يُعلِّق (بوكام). ويقوم كاتب الرسالة إلى العبرانيين أيضًا بتطبيق مزمور ١٠٢ (والذي يُشير إلى خالِق الكون) رأسًا على المسيح. إنَّ المسيح على حَدِّ تعبير (تي. إف. تورانس): «ليس مُجَرَّد ‹قائِمٍ بأعمال› الله أو ‹بديلٍ› لله في غيابه؛ وإنَّما هو حضور يهوه في الجسد».[11]

عِلاوةً على ذلك، تكشف قيامة يسوع أنَّه الرَّبُّ، وأصبحت أُلُوهِيَّة المسيح «الحقيقة الأسمى للإنجيل… ونقطة المَرْجِعِيّة المركزية المُتَّسِقة مع التسلسل الكامل للأحداث التي سبقت الصلب وتَبِعَتْهُ».[12] تَتَمَرْكَز أيضًا العلاقة المتواصلة بين الابن والآب في قلب رسالة العهد الجديد. [13]

يسوع الخالِق والدَّيَّان والمُخَلِّص

تُنْسَبُ ليسوع المسيح الأعمال التي لا يستطيع سِوَى الله وحده القيام بها، فيُعلِن يوحنا أنَّ يسوع المسيح هو ‹الكَلِمَة› الأَزَلِيّ الذي خَلَقَ كلَّ شيءٍ، والذي هو عِنْدَ الله، والذي هو الله (يو ١: ١–١٨)، ولم يَخْرُج شيءٌ واحِدٌ إلى حَيِّزِ الوجود بِغَيْرِ هذا ‹الكَلِمَة›. إنَّ ‹الكَلِمَةَ› الكائِنَ «فِي الْبَدْءِ» هو «عِنْدَ اللهِ»، وهو فِي حِضْنِ الآبِ، وهو الله. مِمَّا يعني الوجود المُسْبَق ليسوع المسيح. فهو ابن الله الوحيد، والذي هو الله (آية ١٨).

يُرَدِّد بولس هذا الأمر في (كو ١: ١٥–٢٠)، ويقول (عب ١: ١–٤) نفس الشيء أيضًا؛ حيث يقول إنَّ الابن عَمِلَ العَالَم ويُوَجِّهه نحو قصده الذي وَضَعَه. يجمع بولس في (١كو ٨: ٦) بين الله الآب والرب يسوع المسيح في عَمَلِ كلٍّ منهما في الخلق، وهذا يُلقي الضوء على أحداثٍ وَرَدَتْ في الأناجيل (مت ١٤: ٢٢–٣٦؛ رَاجِعْ كُلًّا من: مز ٧٧: ١٩؛ أي ٩: ٨؛ ٢٦: ١١–١٤؛ مز ٨٩: ٩؛ ١٠٧: ٢٣–٣٠)، يُظهِر فيها يسوع أعمال الأُلُوهَة المُتَمَثِّلة في السلطان المُطْلَق على عناصر الطبيعة. وهذه الأعمال التي قَدَّمَها يسوع كعلاماتٍ لملكوت الله تُشير في الوقت ذاته إلى سيادة يسوع على هذا العالم المخلوق بصفته مَلِكَه.

يصف يسوع نفسه في (يو ٥: ٢٢–٣٠) بأنَّه دَيَّان العالم، ومَنْ هو دَيَّانُ العالم سِوَى الله؟! وفي (مت ٢٥: ٣١–٤٦) نجد أنَّ يسوع باعتباره ابن الإنسان سيدين الأمم بالعدل (رَاجِعْ كُلًّا من: مر ٨: ٣٨؛ دا ٧: ١٤). يؤكِّد بولس هذه الحقيقة على نحوٍ حاسِمٍ (١تس ٣: ١٣؛ ٥: ٢٣؛ ٢تس ١: ٧–١٠)؛ «لاَبُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ» (٢كو ٥: ١٠).

يُشَدِّد العهد القديم على أنَّ الخلاص لا يمكن أن يأتي إلا من عند يهوه وحده لا الإنسان (مز ١٤٦: ٣–٦)[14]. إنَّ الاسم «يسوع» الذي أوصى الملاك به يوسف معناه: «مُخَلِّص»؛ إذ كان هو المُزمِع أن يُخلِّص شعبه من خطاياهم (مت ١: ٢١). تُثبِت معجزات الشفاء التي عَمِلَها يسوع أنَّه رَبُّ الحياة، ويَمْتَدُّ الأمر أيضًا إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فنرى يسوع يُخَلِّص من الخطية والموت.

في وصف بولس الدائم ليسوع بالمُخَلِّص إسنادٌ ضِمْنِيٌّ بالأُلُوهِيَّة؛ نظرًا لأنَّ الخلاص هو عمل الله (تي ٢: ١١–١٣؛ ١: ٤؛ ٣: ٦؛ في ٣: ٢٠؛ ٢تي ١: ١٠؛ ٢بط ١: ١١). إنَّ النظرة التي سادت في السابق بأنَّ تعليم العهد الجديد عن المسيح كان وظيفيًّا بَحْتًا (أي يُشير إلى أعمال المسيح فقط ولا علاقة له بشخص أو طبيعة المسيح، وهو ما يُعرَف بالكريستولوجيا الوظيفية، والتي تفهم هُوِيَّة المسيح من خلال دراسة أعماله التي عَمِلَها، وهي عكس الكريستولوجيا الوجودية التي تفهم هُوِيَّة المسيح من خلال دراسة شخصه وطبيعته – المترجم) تُضيع المعنى الحقيقي؛ فَعَلَى حَدِّ قَوْلِ (بوكام): «إنَّ اشتراك يسوع في السيادة الإلهية الفريدة ليس هو فقط مسألة ما يفعله يسوع؛ ولكنَّه مسألة مَنْ هو يسوع بالنسبة لله»، وعلى هذا «يُصبِح الأمر بشكلٍ قاطِعٍ مسألة اعتبار يسوع ضِمْن الهُوِيَّة الواحدة والفريدة لله».[15]

تقديم العبادة ليسوع

نتقابل مع عددٍ من المقاطع الكتابية في العهد الجديد التي تُقَدِّم تسبيحًا ليسوع المسيح، مُظهِرةً بذلك المسيح كموضوعٍ للعبادة (يو ١: ١–١٨؛ عب ١: ٣، ٤؛ كو ١: ١٥–٢٠؛ في ٢: ٥–١١؛ ٢تي ٢: ١١–١٣)؛ فما يُوصَفُ به يسوع يستحق بلا شك تقديم التسبيحات لشخصه. كانت التسبيحات الواردة في سفر الرؤيا على الأرجح مبنية على ممارسةٍ موجودةٍ بالفعل وراسخة في الكنيسة؛ حيث إنَّها لم تَحْتَاجْ لتقديم أيِّ شرحٍ خاصٍ لها، وافترضت أيضًا معرفة الكنيسة بها على نطاق واسع. يرى (هِرتادو) كذلك أنَّ: «غناء تسابيح تُكرِم المسيح وتُعَظِّمه هي ممارسةٌ موجودةٌ منذ الفترة الأولى للحركة المسيحية».[16] فضلًا عن هذا، ليس هناك ما يُشير إلى اعتراض الكنائس اليهودية على ذلك؛[17] فبالنظر إلى أنَّ يسوع المسيح هو ابن الله الآب، يكون تقديم العبادة للمسيح هو في ذات الوقت تقديم العبادة لله الآب (في ٢: ٩–١١). يَسْرُد أيضًا (آرثر ويليام وينرايت) مجموعة متنوعة من التمجيدات المذكورة في العهد الجديد، والمُعْطَاة للمسيح إما بشكلٍ واضحٍ أو مُحْتَمَلٍ (٢بط ٣: ١٨؛ رؤ ١: ٥ب، ٦؛ رو ٩: ٥؛ ٢تي ٤: ١٨). [18]

يستنتج (بوكام) كذلك أنَّ الاسم الإلهي «يهوه» الذي يحمله يسوع المُقام من بين الأموات، باستخدام كلمة kurios، «يدل بما لا يَدَع مجالًا للشك على شُمُولِه في الهُوِيَّة الإلهية الواحِدة والفريدة، وهذا الإيمان بالهُوِيَّة الإلهية الواحِدة هو بالتحديد ما تعكسه العبادة في التقليد اليهوديّ التوحيديّ».[19]

كما تُرفَع الصلاةُ أيضًا للمسيح، فنجد استفانوس يصرخ للرب يسوع بينما يرجمونه حتى الموت (أع ٧: ٥٩، ٦٠)، وتأتي صرخته هذه بالتوازي مع كلمات يسوع نفسه على الصليب (لو ٢٣: ٤٦). يصلي كذلك بولس للمسيح المُقام أن يَنْزِع عنه شوكة الجسد (٢كو ١٢: ٨، ٩)، ويُشير بولس أيضًا إلى الشِّعار السائد بين المسيحيين الأوائل: «Maranatha» أو «مَارَانْ أَثَا»، «أيُّها الرَّبُّ، تَعَالَ!» (١كو ١٦: ٢٢؛ رَاجِعْ رؤ ٢٢: ٢٠)، (وللمزيد عن موضوع الصلاة للمسيح، اُنْظُرْ أيضًا ١تس ٣: ١١، ١٢؛ أع ٩: ١٤، ٢١؛ ٢٢: ١٦). يتوقف الخلاص نفسه على الاعتراف بيسوع المسيح أنَّه kurios، «رَبٌّ» (رو ١٠: ٩–١٣؛ ١كو ١٢: ١–٣؛ في ٢: ٩–١١).

وكما يقول (تي. إف. تورانس)، نحن لا نستند في إيمانِنا بأُلُوهِيَّة المسيح إلى أحداثٍ مختلفةٍ سَجَّلتها الأناجيل أو إلى تصريحاتٍ بعينها؛ وإنِّما نستند في هذا:

إلى كامِل البِنيَة الإنجيلية المتماسكة للإعلان الإلهي التاريخي المُعطَى في كُتُب العهد الجديد، والذي عندما نسكن فيه، نتأمله، نَعِيه ونُدرِكه، نتوغَّل داخله، ونجعله يتغلغل داخلنا، وعندما نجد أساسات حياتنا وتفكيرنا ذاتها تَتَغَيَّر وتَتَبَدَّل تحت يد المسيح الخالِقة والمُخَلِّصة، وعندما نَخْلُص بالمسيح ونتصالح شخصيًّا مع الله في المسيح- نؤمن به أنَّه الرَّبُّ وأنَّه الله. [20]

وبِناءً على هذا- حسبما يُواصِل تورانس حديثه- نحن نرفع الصلاة ليسوع بصفته الربّ، ونعبده ونُسَبِّحه بصفته الله. لا عَجَبَ إذًا أنَّ توما، أمام ذات الدليل الملموس على قيامة يسوع، اِمْتَلَكَ القدرةَ على أن يقول في المقابل: «رَبِّي وَإِلهِي!» (يو ٢٠: ٢٨).


[1] Arthur Wainwright, The Trinity in the New Testament (London: SPCK, 1963), 171–95.

[2] Peter Toon, Our Triune God: A Biblical Portrayal of the Trinity (Wheaton, Illinois: BridgePoint, 1996), 145–48.

[3] James Barr, “Abba Isn’t Daddy,” JTS 39 (1988): 28–47.

[4] H.R. Mackintosh, The Doctrine of the Person of Jesus Christ (Edinburgh: T.&T. Clark, 1912), 27.

[5] Richard Bauckham, Jesus and the God of Israel (Milton Keynes: Paternoster, 2008), 104.

[6] L. W. Hurtado, “Son of God,” in Dictionary of Paul and his Letters (ed. Gerald F. Hawthorne; Downers Grove: InterVarsity Press, 1993), 900–906.

[7] Larry Hurtado, One God, One Lord (Third edition; London: Bloomsbury T&T Clark, 2015), 110-12; idem, “Lord,” in DPL, 560–69.

[8] Bauckham, Jesus and the God of Israel, 128.

[9] B. Witherington III, “Lord,” in Dictionary of the Later New Testament and its Development (ed. Ralph P. Martin and Peter H. Davids; Downers Grove: InterVarsity Press, 1997), 672.

[10] Bauckham, Jesus and the God of Israel, 24.

[11] Torrance, The Christian Doctrine of God (Edinburgh: T&T Clark, 1996), 51.

[12] Torrance, Christian Doctrine of God, 46. See also 52; Toon, Our Triune God, 159.

[13] Torrance, Christian Doctrine of God, 49.

[14] Wainwright, Trinity, 155–70 on Christ as Savior.

[15] Bauckham, Jesus and the God of Israel, 31 [italics original].

[16] Hurtado, One God, One Lord, 106.

[17] Ibid, 107.

[18] Wainwright, Trinity, 93–97.

[19] Bauckham, Jesus and the God of Israel, 200.

[20] Torrance, Christian Doctrine of God, 53.

شارك مع أصدقائك

روبرت ليثام

أستاذ اللاهوت النظاميّ والتاريخيّ بكليّة وايلز الإنجيليّة للاهوت، في ويلز، بإنجلترا.