لماذا أؤمن باستمرارية المواهب الروحيّة؟

يمكنك أيضًا قراءة مقال “لماذا لا أؤمن باستمرارية بعض مواهب الروح القدس؟” والذي يعرض وجهة النظر الأخرى.


إنه لامتياز عظيم أن نُناقش موضوع المواهب الروحيّة مع توماس شراينر والكثير ممن تعلمت منهم في العديد مِن المجالات.[1] “الأوَّلُ في دَعواهُ مُحِقٌّ، فيأتي رَفيقُهُ ويَفحَصُهُ” (أمثال 18: 17).

ولأن كتاب توماس شراينر وكتابي توصلوا إلى استنتاجات مختلفة بشأن استمرار المواهب الكاريزماتية، سيكون مِن السهل الوقوع في خطأ تكرار هذه المناقشة.[2] ولتجنب ذلك، أُخطط للقيام بثلاثة أمور في هذا المقال. أولًا، سأحاول أن أُعطي تعريفًا بسيطًا لنطاق النقاش لنتأكد مِن أننا نتحدث ضمن نفس النقاط مع بعضنا البعض. ثانيًا، سأعرض المنظور الكاريزماتيّ مع الحُجَج الثلاثة الرئيسية للفكر. وثالثًا، سأُلخص الحُجة الأقوى التي يطرحها مَن لا يؤمنون باستمرار المواهب الروحيّة، ثم سأعرض أسبابي لدحضها قبل أن أختم المقال.

1. نطاق النقاش

لبلورة النقاش في جملة بسيطة، أقترح ما يلي: هل يجب على المؤمنين اليوم أن يسعوا برغبة شديدة للمواهب الروحيّة، وخاصةً موهبة النبوة؟ أنا متأكد مِن أن توم شراينر وليجون دنكان سيقولان لا، بينما سأقول أنا وسام ستورمز نعم. إن التركيز على موهبة النبوة سيجعل مِن مناقشتنا مفيدة ومُركزة بشكلٍ أكبر.

وهنا لا نُناقش بشكل أساسي فكرة استمرار الرسوليّة (ἀπόστολοι)، لأننا مُتفقين جميعًا أن لا يوجد اليوم رسل بحسب تعريف العهد الجديد للرسل، إذ أن كل شهود العيان للقيامة قد انتقلوا (الرسوليّة بهذا المعنى في أعمال 1: 26-21 وكورنثوس الأولى 9:1؛ 15: 9-1)، ولكن الإرساليات أو المُرسلين مستمرون (الرسوليّة بهذا المعنى في كورنثوس الثانية 8: 23، وربما رومية 16: 7).  ومِن الجدير بالذكر أيضًا أن تلك النصوص التي يحث فيها بولس المؤمنين على السعي للمواهب الروحية، لم يذكُر الرسوليّة كواحدة منها. وعلى الرغم مِن أننا قد نختلف حول استمرار مواهب الألسنة، وتفسيرها، والشفاء، والمعجزات، وتمييز الأرواح، أعتقد أننا نتفق جميعًا على أن السؤال الرئيسي يتعلق باستمرار موهبة النبوة. هل يجب على تلاميذ الرب أن يسعوا برغبة شديدة للمواهب الروحية، وخاصةً موهبة النبوة؟ قد يحمينا توضيح ذلك الأمر مِن التعثر في مواضيع كثيرة.

2. القضية الكاريزماتية

الحجة الأولى: السبب التفسيريّ

بالنسبة لمَن يؤمنون بالفكر الكاريزماتيّ، فإن السبب الأول لقناعتهم باستمرارية المواهب الروحيّة هو سبب تفسيريّ–أي، أن بولس يقول ذلك. قد يبدو ذلك وكأنه مُلاحظة سطحية وليست محورية للقُراء، لكنه في الواقع أمرًا مهمًا للغاية. في بعض الأحيان، قد يبدو أن الجدل التفسيريّ محسوم على أنه نتيجة تعادل سلبية، حيث يُشير مَن يؤمنون باستمرار المواهب إلى أن العهد الجديد لا يذكر في أي موضع عدم استمرارية المواهب، ويُجيب مَن يؤمنون بعدم استمرارية المواهب أن العهد الجديد لم يذكر استمراريتها أيضًا. ولكن هذا يفترض أن إرشادات بولس ليست تعنينا اليوم وهذا غير صحيح. “ولكن جِدّوا للمَواهِبِ الحُسنَى” (كورنثوس الأولى 12: 31). “ولكن جِدّوا للمَواهِبِ الرّوحيَّةِ، وبالأولَى أنْ تتَنَبّأوا” (14: 1). “إذًا أيُّها الإخوَةُ جِدّوا للتَّنَبّؤِ، ولا تمنَعوا التَّكلُّمَ بألسِنَةٍ” (14: 39). “ولكن لنا مَواهِبُ مُختَلِفَةٌ بحَسَبِ النِّعمَةِ المُعطاةِ لنا: أنُبوَّةٌ فبالنِّسبَةِ إلَى الإيمانِ” (رومية 12: 6). “لا تُطفِئوا الرّوحَ. لا تحتَقِروا النُّبوّاتِ. امتَحِنوا كُلَّ شَيءٍ، تمَسَّكوا بالحَسَنِ” (تسالونيكي الأولى 5: 21-19). ونظرًا لوضوح هذه الإرشادات الرسوليّة، ونظرًا لأننا نفترض عادةً أن وصايا العهد الجديد تنطبق علينا إلا إذا اتضح مِن السياق عكس ذلك، يرى مَن يؤمنون بالفكر الكاريزماتي أن عبء الإثبات يقع على عاتق أولئك الذين يقولون إن تلك النصوص لا تنطبق علينا، وليس العكس.

ولكن يمكن بالطبع، في بعض الأحيان، تقديم إثباتات للتخلص مِن ذلك العبء. فعندما نقرأ إنجيل متى، نُدرك أن عبارة “إلَى طريقِ أُمَمٍ لا تمضوا” (10: 5) لا ينطبق على المؤمنين الذين قِيلَ لهم “فاذهَبوا وتَلمِذوا جميعَ الأُمَمِ وعَمِّدوهُم باسمِ الآبِ والِابنِ والرّوحِ القُدُسِ” (28: 19). كما لم يعتبر أي مسيحيّ أن الذهاب إلى ترواس للبحث عن رداء بولس أمرًا يعنيهم؛ مِن الواضح مِن سياق الرسالة أن ذلك لا يعني أحدًا غير تيموثاوس. ولكن إذا تكررت تلك الإرشادات، ووُجهت للعديد مِن الكنائس، وبشكلٍ مطول في بعض المقاطع، ولم يُشر النص بأي شكل مِن الأشكال أن تلك الإرشادات قد أُبطلت أو صارت نسبية، يتعين علينا أن نفترض أنها تنطبق علينا أيضًا، بل وتتطلب الإثبات مِمَن يُنادون بعكس ذلك. هذه هي ببساطة الحُجّة التفسيريّة للمواهب الكاريزماتيّة.

الحجة الثانية: السبب التاريخيّ

الحُجّة الثانية، التي قد تُفاجئ البعض، تاريخيّة. إن أحد أفضل الأسباب للإيمان باستمرارية المواهب بعد وفاة الرسل هو حقيقة إيمان آباء الكنيسة باستمراريتها. غالبًا ما تُفقد هذه النقطة في النقاشات المُعاصرة، وذلك لأن الموهبة الروحيّة التي أدت لأشد انقسام في المئة عام الماضية تقريبًا، وهي موهبة التكلم بالألسنة، تملك البرهان الآبائي الأقل وضوحًا. ولكني لست على دراية بأي كاتب قدَم حُجّة لعدم استمرار المواهب قبل يوحنا فم الذهب أو أغسطينوس – ومِن المعروف أن حُجّة أوغسطينوس تُشير في الأساس إلى موهبة التكلم بالألسنة، ويجب فحصها بجانب مُعالجته المستفيضة للمعجزات وآيات الشفاء في كتابه مدينة الله.

قال يوستينوس الشهيد: “إن المواهب النبويّة لا تزال موجودة معنا، حتى في وقتنا الحاضر”.[3] وقال إريناوس، “أولئك الذين هم بالحقيقة تلاميذه قد صنعوا معجزات حسب الموهبة التي أُعطيت لهم، كطرد الشياطين، والرؤى، وإعلان النبوات، وشفاء المرضى، وإقامة الموتى، والتكلم بلغات أخرى، وإعلان أسرار الله”.[4] وقد استخدم يوسابيوس القيصريّ هذا المقطع ليثبت أن “المواهب المختلفة بقيت موجودة بين أولئك المُستحقين لها حتى ذلك الوقت.”[5] واقتبس كذلك قول أبوليناريوس: “لقد اعتقد الرسول بضرورة استمرارية موهبة النبوة في كل الكنائس حتى المجيء الثاني.”[6]

يسخر ترتليان مِن مارسيون متحديًا إلهه، مثلما فعل إيليا على جبل الكرمل، مُطالبًا إياه بأن يتنبأ بأمور آتية، ويُكشف أسرار القلب، ويترجم الألسنة ويُفسر النبوات.[7] بينما اعتبر أوريجانوس أن نطاق المواهب قد تضاءل، ولكنه لم يختفِ: “لا يزال هناك آثار محفوظة بين المسيحيين للروح القُدُس الذي ظهر على شكل حمامة. لا يزال المسيحيون يطردون الأرواح الشريرة، ويشفون الكثير مِن الأمراض، ويتنبؤون بأحداثٍ مُعينة، وفقًا لمشيئة اللوجوس.”[8] وقال باسيليوس الكبير: “الروح يُنير الجميع، ويُوحي للأنبياء، ويعطي حكمة للمُشرّعين، ويُكرس الكهنة، ويُمكّن الملوك، ويُكمِّل العادِل، ويُمجد الحكيم، وهو فعال في مواهب الشفاء، ويُعطي حياة للموتى، ويُحرر المأسورين، ويُحول الغرباء إلى أبناء بالتبني.”[9]  وقال كيرلس الأورشليمي: “إنه [أي الروح] يستخدم كلمات رجل واحد ليُعطي حكمة؛ وروح آخر ليُعطي استنارة بالنبوة؛ ولآخر يُعطي السلطان لإخراج الشياطين.”[10] ويسرد أوغسطينوس قوائم من حالات غير عادية مِن الشفاء مِن العمى، والناسور الشرجي، وسرطان الثدي، والنقرس، والشلل، والفتق، وسُكنى الأرواح الشريرة وحتى الموت.[11]

إذًا، فمِن المنظور التاريخي، يبقى الاعتقاد بانتهاء مواهب الروح القدس بعد موت الرسل بلا دليل للدفاع عنه. هناك بالطبع مَن يؤمنون بعدم استمرارية المواهب الروحيّة الذين يؤيدون تلك الفكرة، ويرون أن انتهاء النبوة والمواهب الأخرى حَدَث تدريجيًا عبر القرون الأربعة الأولى. ولكن يعد هذا التنازل هاماً لأنه يُظهر أنه لا يوجد تعارض ضروري بين التعليم الرسوليّ الأساسي المعصوم والاستنارة النبويّة المستمرة. هذه هي النقطة التي شَدّدَ عليها مَن يؤمنون بالفكر الكاريزماتيّ منذ عقود.

الحجة الثالثة: السبب الأخرويّ

الحُجّة الثالثة تتعلق في الأساس بالأُخرويات. نَظَر الرسل إلى مواهب الروح، والنبوة على وجه الخصوص، على أنها ما تُمَيّز حقبة ما بين يوم الخمسين والمجيء الثاني، أي مجيء الروح وعودة المسيح. وطالما لا زلنا نعيش بين تأسيس واكتمال الملكوت، يجب علينا أن نستمر في الترقب والسعي للمواهب الروحيّة.[12]

نرى ذلك الترقب واضح في يوم الخمسين. فقد ربط بطرس في أول عظة بوضوح بين الأيام الأخيرة، وانسكاب الروح القُدُس على جميع الأمم، وموهبة النبوة، مؤكدًا بأن موهبة النبوة هي الدليل على انسكاب الروح. (كما يُفضل الكاريزماتيون الإشارة، فإن بطرس لا يقول “في الأيام الأخيرة سوف يسكُب الله روحه على جميع الناس، وسوف يتنبأون -لكن بعد ذلك لن يفعل، ولن يتنبأ الناس”.)

ويذكر بولس عن أهل كورنثوس في مطلع رسالته الأولى: “حتَّى إنَّكُمْ لَستُمْ ناقِصينَ في مَوْهِبَةٍ مّا، وأنتُمْ مُتَوَقِّعونَ استِعلانَ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ، الّذي سيُثبِتُكُمْ أيضًا إلَى النِّهايَةِ بلا لومٍ في يومِ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحِ.” (كورنثوس الأولى 1: 8-7) بعبارة أخرى، إن المواهب الروحيّة (الكاريزماتية) ستبقى لهم بينما ينتظرون مجيء يسوع. يُطابق ذلك الخاتمة الشهيرة لكورنثوس الأولى 13، الآيات 10-8: “وأمّا النُّبوّاتُ فستُبطَلُ، والألسِنَةُ فستَنتَهي، والعِلمُ فسيُبطَلُ. لأنَّنا نَعلَمُ بَعضَ العِلمِ ونَتَنَبّأُ بَعضَ التَّنَبّؤِ. ولكن مَتَى جاءَ الكامِلُ فحينَئذٍ يُبطَلُ ما هو بَعضٌ.” يؤمن بولس بانتهاء المواهب الروحيّة، لكنه يؤمن أيضًا أن ذلك سيحدث “مَتَى جاءَ الكامِلُ”، ويشرح ذلك التناقض بأربع طرق: الناقص مقابل المثاليّ، الطفولة مقابل النضج، غموض النظر مقابل الوضوح التام، والمعرفة الجزئية مقابل المعرفة الكاملة. وعلى الرغم مِن المحاولات التفسيرية لإثبات عكس ذلك، فإن هذا بكل تأكيد لا يمكن إلا أن يُشير بحق إلى عودة المسيح. وقد أكّد توماس شراينر على هذا التفسير في كتابه.[13]

عندما نضع ذلك الإطار الإسخاطولوجيّ في الاعتبار عند قراءتنا لرسائل بولس – ونحن مُدركون أن المؤمنين يعيشون في “الأيام الأخيرة”، بين يوم الخمسين والمجيء الثاني، التي تتميز بامتلاك المواهب الروحية لحين عودة المسيح – نفهم الأمر بأكثر وضوح.

فنلاحظ أن دعوة بولس إلى الامتلاء بالروح القدس تتعلّق بتقديم “ترانيم وأغاني روحيّة” مستمرة طالما أن “الأيام شريرة” (أفسس 5: 16-19). ونلاحظ أن الدعوة إلى استخدام المواهب الروحيّة (بما في ذلك النبوة) في رومية ينطبق في الأساس على الفترة التي تقع بين قيامة المسيح وعودته: الزمن الذي فيه يتعين على المؤمنين ألا يُشاكلوا هذا الدهر، بينما يقترب خلاصهم مِن الاكتمال أكثر مِن أي وقت مضى. كما أن في رسالة تسالونيكي الأولى، تظهر وصية عدم إطفاء الروح أو احتقار النبوات في سياق العيش بتقوى حتى مجيء يسوع. بعض تلك النصوص، بالتأكيد، أكثر وضوحًا مِن غيرها. ولكن ما يبدو واضحًا هو أن بولس يتوقع أن المواهب الروحيّة، بما في ذلك النبوة والتكلم بالألسنة، ستبقى موجودة في الكنيسة حتى مجيء المسيح – وعند ذلك لن تكون الكنيسة في حاجة إليها فيما بعد.

باختصار شديد جدًا، تلك هي الحُجج الكاريزماتية لاستمرار المواهب. فمِن المنظور الأخروي، نتوقع استمرارها؛ وتاريخيًا، نر ى أنها قد استمرت بالفعل؛ وتفسيريًا، يجب أن نَجِدّ للمواهب بشغف، وخاصةً موهبة النبوة، كما أوضح بولس.

3. النقد الأقوى لعدم استمرار المواهب الروحيّة

إن النقد الأقوى للرأي الكاريزماتيّ القائل باستمرارية مواهب الروح القدس، هي حُجّة عِصمة نبوة العهد الجديد. والتي تقول بأنه إذا كانت نبوة العهد الجديد تأسيسية ومَعصومة مِن الخطأ، ومرتبطة بشهادة الرسل المعصومة والتأسيسية، فإنه لأمر غير كتابيّ أن تكون هناك نبوات في زماننا الحاضر قابلة للخطأ وغير مَعصومة. لذا مهما كان موقفنا مِن هذه الظاهرة، وأيًا كان ما نُطلق عليها (انطباعات، أم رؤى، أم مشاعر أو حدسنا الطبيعي، أم حتى جنون!)، فهذا ليس ما يعنيه العهد الجديد مِن مصطلح ” προφητεύω” أي، النبوة.

يسير الترتيب المنطقيّ لهذه الحُجّة على هذا النحو:

  1. كانت النبوة في العهد القديم تُعتبر وحيًا إلهيًا معصومًا مِن الخطأ. وبجانب جميع العبارات التي تقول “هكذا قال الرب”، فإن النصوص الأساسية هي في سفر التثنية والإصحاحات 13 و18، وخاصةً 18: 22: “فما تكلَّمَ بهِ النَّبيُّ باسمِ الرَّبِّ ولَمْ يَحدُثْ ولَمْ يَصِرْ، فهو الكلامُ الّذي لَمْ يتَكلَّمْ بهِ الرَّبُّ، بل بطُغيانٍ تكلَّمَ بهِ النَّبيُّ، فلا تخَفْ مِنهُ.”
  2. لا توجد أي إشارة لحدوث تغيير بين العهد القديم والعهد الجديد. لذا، يُمكننا أن نفترض أن نبوة العهد الجديد هي أيضًا وحيًا إلهيًا معصومًا مِن الخطأ.
  3. يصف بولس الكنيسة، أي جماعة المؤمنين، بأنهم “مَبنيّينَ علَى أساسِ الرُّسُلِ والأنبياءِ” (أفسس 2: 20)، مما يُشير إلى أن نبوة العهد الجديد ليست فقط معصومة، بل أيضًا تأسيسية، وليست لكل عصر.
  4. وبالتالي، يجب النظر إلى دعوات بولس للسعي للمواهب الروحية، وخاصة النبوة، على أنها تخص القرن الأول (أو القرون الأربعة الأولى) بالتحديد، ولم تعد إلزامية للكنيسة اليوم.

إذا كانت النقاط الثلاث الأولى صحيحة، فبالتالي ستكون النقطة الرابعة صحيحة أيضًا. ولكن سنقدم ثلاثة أسباب تفسيرية تتحدى هذه النقاط الثلاثة.

أولاً: هل كان النبوة في العهد القديم دائمًا إعلان إلهيّ معصوم مِن الخطأ؟ يوضح إيان ديجويد في كتابه التكريميّ للاهوتي الكبير ڤيرن بويثرس (Festschrift for Vern Poythress)، أنه في كل المقاطع التي تُستخدم فيها كلمة “نبيّ” أو “نبوة” في النص العبريّ للكتاب المقدّس، “لا توجد أي إشارة أن الشخص يسمع إلى إعلانات ذات سُلطان” (على سبيل المثال: تكوين 20: 7؛ العدد 11: 29-25؛ صموئيل الأول 10: 6؛ 19: 23-20؛ ملوك الأول 18: 4؛ ملوك الثاني 2: 3؛ 4: 38؛ 6: 1؛ 9: 1؛ 17: 13؛ أخبار الأيام الأول 25: 1-3؛ 29: 29؛ أخبار الأيام الثاني 9: 29؛ 12: 15؛ 13: 22).[14] بل يمكن للشخص أن يكون مُنخرطًا في الصلاة، أو يعظ، أو يقود وقت عبادة، أو يؤرخ أحداث، أو لا شيء مما سبق. في مثل تلك الظروف، يُجادل ديجويد قائلًا: “إن الغرض مِن النبوة ليس نقل معلومات موحى بها مِن الله، وإنما إظهار مَن يسكنهم روح الله.” لذلك فمِن الممكن – بل مِن الشائع أيضًا – ألا تضمن نبوات العهد القديم وحيًا إلهيًا معصومًا مِن الخطأ، ولكن تُظهر مَن يعمل فيهم روح الله. تمامًا كقول موسى الشهير في العدد 11: 29: “هل تغارُ أنتَ لي؟ يا لَيتَ كُلَّ شَعبِ الرَّبِّ كانوا أنبياءَ إذا جَعَلَ الرَّبُّ روحَهُ علَيهِمْ.”

ثانياً: وهذا بالتحديد هو ما فعله الرب في يوم الخمسين. وهذا هو الاختلاف الجوهريّ بين العهدين القديم والجديد فيما يتعلق بموهبة النبوة: لا تفقد تلك النبوة فجأة عصمتها، ولكن يتسع نطاقها بشكل كبير (“أنّي أسكُبُ مِنْ روحي علَى كُلِّ بَشَرٍ، فيَتَنَبّأُ بَنوكُمْ وبَناتُكُمْ” أعمال الرسل 2: 17)، ويرتبط الغرض منها بعصر العهد الجديد، حيث سيسكُب الله روحه على جميع المؤمنين، كما التمس موسى في حياته. يمكننا أن نتجادل حول ما إذا كان أغابوس مُخطئًا في بعض التفاصيل في أعمال الرسل 21: 10-11، كما يختلف الكثير مِن المفسرين على تلك النقطة. ولكن تبقى النقطة الأساسية مِن سفر أعمال الرسل هي إظهار أن الكثير مِن النبوات لا تُطابق الشكل المذكور في التثنية 18، حيث نكتشف مِن النبوة إما نبي جديد مثل موسى أو مُحتلًا ينطق باسم آلهة أخرى. يستخدم المُصطلح على نطاق أوسع مِن ذلك بكثير، فقد يُشير إلى إعلان أعمال الله العظيمة للآخرين، أو تمجيد الله، أو تشجيع المؤمنين وتشديدهم، أو ببساطة لإظهار أن الشخص ممتلئًا مِن الروح القُدُس (أعمال الرسل 2: 11؛ 15: 32؛ 19: 6؛ 21: 9). وهذه التعددية ذاتها موجودة في كورنثوس الأولى 12-14، كما سنرى.

ثالثا: علينا أن نسأل أيضًا: هل تُشير أفسس 2: 20 إلى أن كل نبوات العهد الجديد هي إعلان إلهيّ مَعصوم مِن الخطأ؟ يتضح أن هذا هو بحق دور الأنبياء الذي يوضحه بولس في هذا النص (كما في 3: 5 أيضًا)، سواء اتفقنا مع واين جرودم أم لا في وجهة نظره (والتي لا نقبلها أنا وتوماس شراينر).[15] ولكن هل هذا هو الغرض الوحيد مِن النبوة، بحيث أن أي شيء لا يُوصف على أنه “تأسيسيًا” لا يُعتبر أنه “نبوة”؟ مِن المثير للاهتمام أن ريتشارد جافن يوضح النصوص التي تملُك الأولوية التفسيريّة مِن وجهة نظره، في قوله: “كمبدأ عام للتفسير، يجب تقدير الأهمية الجوهريّة والمُسيطرة لأفسس 2: 20 (في سياقها الدقيق). فذلك النص وغيره مِن النصوص التي تتعلق بالنبوة، مثل كورنثوس الأولى 14، ليست مِن نفس الثِقل التفسيريّ…. وإن أفسس 2: 20 تُقدم تعميمًا يشرح جميع إعلانات العهد الجديد الأخرى عن النبوة.”[16] وهنا ينبغي أن نسأل: لماذا؟ كيف تأخذ إشارة واحدة في رسالة أفسس – في جزء فرعيّ مِن جملة تتعلق في المقام الأول بوحدة الكنيسة – ثِقل أكبر مِما يُعطى لما يزيد عن ثلاثة إصحاحات تتعلق في المقام الأول بالمواهب الروحيّة؟

إذا أجلنا حُكمنا على الفكرة للحظة، وفحصنا كورنثوس الأولى مع احترام سياقها، سنحصل على منظورًا أشمل بكثير عن غرض النبوة. فالنبوة مُعطاه لتشجيع وتعزية وبُنيان المؤمنين في الكنيسة (14: 3). وتجلب غير المؤمنين إلى الإيمان بالرب (14: 24)، وتشهد على حضور الروح القُدُس في وسط الجماعة (14: 25)، وتُمكّن الجميع ليتعلم ويتعزى (14: 31). وإذا أضفنا تيموثاوس الأولى أيضًا، فإن النبوة تُقدم إرشادات شخصية للخدمة أيضًا (1: 18)، كما ترتبط بتعيين الشيوخ (4: 14). بناءً على ذلك، تتضمن العديد مِن التفسيرات الآن تعريف أنتوني ثيلسون كمعيار أساسي:

إن النبوة، وهي موهبة مِن الروح القُدُس، تجمع بين النظرة الرعوية لاحتياجات الأشخاص والجماعات والمواقف المختلفة مع القدرة على إشباع تلك الاحتياجات مِن خلال كلام منحه الله أو عظة أطول (سواء كان ذلك بشكل عفوي، أو مُعد بحكم وقرار وتفكير عقلانيّ) مما قد يتحدى، أو يُريح، أو يُدين، أو يُعزي المُستمعين. ففي جميع الأحوال، سيبني المُستمعين بشكل أو بآخر… وبينما يؤمن المتكلم أن مثل تلك الأقوال أو العظات هي مِن الروح القُدُس، تظل احتمالية وقوعه في الخطأ باقية، وبما أن المؤمنين، بمن فيهم الخدام أو الأنبياء، يظلون غير مَعصومين مِن الخطأ، يجب فحص ادعاءات النبوة واختبارها.[17]

لا يلغي أي شيء مِن ذلك أن مقاطع أفسس 2: 20 و 3: 5 يُشيران إلى الوحي الإلهيّ التأسيسيّ. إنه لأمرًا بسيطًا أن نُنكر أن هذه النصوص تضع إطارًا أساسيًا ينبغي أن يتلاءم مع كل استخدامات الكلمة. نحن نعلم أنه يوجد فرقًا بين “الرسولية (ἀπόστολοι)” في أعمال الرسل الإصحاح الأول، وفي كورنثوس الثانية الإصحاح الثامن. كما نفترض أن هناك فرقًا بين “المُعلّمين (διδάσκαλοι)” التي تدعونا رسالة العبرانيين 5: 12 أن نسعى لنكونهم، وبين مُعلّمين ” αλοι” التي يدعونا يعقوب في رسالته 3: 1 ألا نطمح لنكون. حتى أنه قد يكون هناك فرقًا أيضًا بين نوع “المُبَشِّر ( εὐαγγελιστής)”  الذي ينطبق على فيلبس، والنوع الذي دُعي تيموثاوس أن يكونه (أعمال الرسل 21: 8؛ تيموثاوس الثانية 4: 5). لذا نقول، نعم، إن كلمة “نبي (προφῆται)” في رسالة أفسس 2-3 تُعتبر أساسًا للكنيسة بأكملها فيما بعد.  وسواء كان هؤلاء المذكورون في كورنثوس الأولى 12-14 يعتبروا أساسًا للكنيسة أيضًا أم لا – وقد حذفت عمدًا الإشارات إلى مقاطع في رومية وتسالونيكي الأولى لتشابهها – يجب علينا إثبات ذلك وليس فقط افتراضه.

4. الخاتمة

في النهاية، أعتقد أنه هناك حُجّجًا تفسيريّة وتاريخية وأُخروية مناسبة للموقف الكاريزماتيّ، وأن أقوى حُجّة ضده لا تثبت في النهاية. أريد أن أنهي المقال بقصة عن تشارلز سبرجن. على حد علمي، لم يستخدم سبرجن أبدًا كلمة “نبوة” للإشارة إلى هذا النوع مِن الظواهر، على الرغم مِن إنه يتكلم عن الإعلانات، وأن الله يتكلم، وأن الروح القُدُس مستمر في العمل. ولكن قد يعطى ذلك لمحة تاريخية عما يمكن أن يكون قصد بولس، وربما أيضًا آباء الكنيسة المختلفين الذين اقتبست مِن كتاباتهم سابقًا. يكتب سبرجن قائلًا:

بينما كنت أعظ في قاعة في إحدى المرات، أشرت إلى رجلٍ في وسط الحشد وقلت، “هناك رجلٌ جالسٌ هناك، وهو صانع أحذية، يُبقي محله مفتوحًا يوم الأحد، كما كان مفتوحًا في صباح الأحد الماضي، وقد خدع زبوناً وأخذ منه أربع بنسات زيادة عن المبلغ المفترض؛ لقد باع روحه لإبليس مقابل أربعة بنسات!”

وفيما بعد شرح صانع الأحذية هذا قائلًا:

لقد أخذت بالفعل أربعة بنسات زائدة وحسبتها على أنها ربحي في ذلك اليوم، لكني لا أفهم، كيف عرف ذلك؟ ثم ذُهلت عندما أدركت أن الله كان يُخاطب روحي مِن خلاله، ولذا أغلقت متجري يوم الأحد التالي. في بداية الأمر، كنت أخشى أن أذهب مرة أخرى لسماع ذلك الواعظ، خائفًا أن يُخبر الناس بأكثر مِن ذلك عني؛ ولكني ذهبت في يومٍ وقد دعاني الرب وخلصني.

وأضاف سبرجن:

يُمكنني أن أحكي عن العديد مِن المواقف المختلفة التي أشرت فيها لشخصٍ ما في القاعة دون أن يكون لي أدنى معرفه به، أو أدنى فكرة عما إذا ما كان الذي أقوله صحيحًا أم لا، إلا أنني كنت مؤمنًا أن روح الله قد حركني لأقول ذلك؛ والمُبهر هو أن العديد مِن الأشخاص كانوا يذهبون لأصدقائهم ويقولون، “تعالوا انظروا إنسانًا قال لي كل ما فعلت.[18]

في النهاية أقول ما قاله الرسول بولس: جِدّوا للمَواهِبِ الرّوحيَّةِ، وبالأولَى أنْ تتَنَبّأوا.


[1] قدمت هذه الدراسة أول مرة في نوفمبر 2018، في المؤتمر السنوي للجمعية اللاهوتيّة الإنجيليّة (The Evangelical Theological Society) والذي ناقش الأبعاد المختلفة للمواهب الروحيّة. وقد أدار النقاش باتريك شراينر، وقام بالتعليق توماس شراينر وليجون دانكن.

[2] Thomas R. Schreiner, Spiritual Gifts: What They Are and Why They Matter (Nashville: B&H, 2018); Andrew Wilson, Spirit and Sacrament: An Invitation to Eucharismatic Worship (Grand Rapids: Zondervan, 2019).

[3] Justin Martyr, Dialogue with Trypho 82.

[4] Irenaeus, Against Heresies 2.32.4; 5.6.1.

[5] Eusebius, Ecclesiastical History 5.7.1–6.

[6] Ibid., 5.17.4.

[7] Tertullian, Against Marcion, 5.8.

[8] Origen, Against Celsus 1.2, 46, 67; cf. also 2:8; 3:3; 7.8; 8:58.
يتم الاستشهاد بأوريجانوس أحيانًا لدعم وجهة النظر الرافضة لاستمرارية مواهب الروح القدس.ولكن يتضح مما قاله في كتابه ضد سيلسيوس أن المواهب قد خفُتت لكنها لم تحتف.

[9] Basil, Homily 3, translated in Mark DelCogliano, St Basil the Great: On Christian Doctrine and Practice (Yonkers, NY: St Vladimir’s Seminary Press, 2013), 238.

[10] Cyril of Jerusalem, Catechetical Lectures 16.12.

[11] Augustine, City of God 22.8.

[12] Oscar Cullmann, Christ and Time: The Primitive Christian Conception of Time and History, trans. Floyd V. Filson, rev. ed. (London: SCM, 1962).

[13] Schreiner, Spiritual Gifts, 147–53.

[14] Iain M. Duguid, ‘What Kind of Prophecy Continues? Defining the Differences Between Continuationism and Cessationism’, in Redeeming the Life of the Mind: Essays in Honor of Vern Poythress, ed. John Frame, Wayne Grudem and John Hughes (Wheaton, IL: Crossway, 2017), 112–28.

[15] Wayne Grudem, The Gift of Prophecy in the New Testament and Today, 2nd ed. (Wheaton, IL: Crossway, 2000), 329–46.

[16] Richard Gaffin, Perspectives on Pentecost: New Testament Teaching on the Gifts of the Holy Spirit (Phillipsburg, NJ: Presbyterian and Reformed, 1979), 96.

[17] Anthony Thiselton, The First Epistle to the Corinthians, NIGTC (Grand Rapids: Eerdmans, 2002), 965.

[18] Charles Spurgeon, The Autobiography of Charles H. Spurgeon (Cincinnati: Curts & Jennings, 1898–1900), 2:226–27.

شارك مع أصدقائك

أندرو ويلسون

حاصل على درجتي الماجستير من جامعة كامبريدج، والدكتوراة (PhD) من كينجز كولدج، ويخدم كراع لكنيسة الملك بلندن.