أين تكلّم المسيح؟

أتعجب لمنابر إنجيليّة وقف يومًا عليها قامات من المُصلحين الأتقياء، ولكنها أضحت اليوم مرتع لكل ريح تعليم. وعلى مذبح المحبة والوحدة وقبول الآخر، صارت تُقدَّم نار غريبة وإنجيل آخر ليس فيه المسيح مركزًا، ولا الصليب افتخارًا، ولا النعمة نجاةً، ولا خلاصه وشخصه وعمله موضوعًا.

يدعيّ البعض أنهم في حِلٍّ من كل ما هو مكتوب بين ثنايا الكتاب المقدَّس طالما لم يتكلّم فيه المسيح بشكلٍ مباشر، وأنهم مُلتزمون فقط بما قاله المسيح. فيصادرون على آيات أو تعاليم واضحة في الكتاب تحت ادعاء أن هذا رأي بولس أو موسى الشخصيّ، وليس كلام المسيح! ولكن يتناسى هذا الادعاء عدة أمور هامة:

1. التعامل بانتقائيّة مع ما قاله المسيح نفسه

إن أولئك الذين يتعاملون مع الكتاب المُقدّس كما يتعاملون مع المولات التجاريّة، يختارون منها ما يروق لمزاجهم ويجذب أنظارهم تاركين ومتجاهلين ما لا يعجبهم، لا يتمسكون بكل كلمة من كلمات المسيح؛ بل ينتقون ما يطرب آذانهم ويتركون الباقي. إذ يمارسون ذات المنهاج الانتقائيّ مع تعاليم المسيح ذاته المدوّنة في البشائر الأربع!

فالسؤال الذي يجب أن نطرحه عليهم هو: عن أي مسيح تتكلّمون؟ في الأغلب يقصدون تعاليم المسيح عن المحبة والتسامح وقبول الآخر، وهذه حقائق عظيمة وسامية إن وضعت في سياقها جنبًا إلى جنب مع سائر كلمات المسيح والكتاب المقدس ككل. لكنهم يستخدمونها كحصان طروادة ليمرروا من خلالها تعاليم غير نقيّة وغير كتابيّة.

2. مكتوب، ومكتوب أيضًا!

علينا ألا ننسى أن حتى الشيطان استخدم “المكتوب” ليبرر أجندته! وكان السلاح الذي استخدمه المسيح لرد هجوم الشرير هو “مكتوب أيضًا” (متى 6:4-7). فالمسيح الذي لَمْ يأتِ ليدينَ الْعَالَمَ، بل جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا، وقف متممًا وظيفته كالنبيّ الذي تنبأ عنه موسى، وكإرميا الجديد نطق بالويلات والخراب والدمار على مدينته التي أحبها (أعمال الرسل 38:10؛ يوحنا 47:12؛ تثنية 15:18؛ عبرانيين 1:3-2؛ لوقا 10-11؛ متى 38:23). والذي تحنن على الجموع، صنع سوطًا وكَبَّ دَرَاهِمَ الصَّيَارِفِ وَقَلَّبَ مَوَائِدَهُمْ (متى 36:9؛ يوحنا 15:2). والذي قبل خطأة وأكل معهم، واجه رافضيه بأن أباهم هو إبليس (لوقا 2:15؛ يوحنا 44:8).

مكتوب أن الله محبة، ولكن مكتوب أيضًا أنه نور وليس فيه ظلمة البتة، وأنه نار آكلة (يوحنا الأولى 8:4؛ 5:1؛ عبرانيين 29:12). نراه في المزامير والنعمة تنسكب على شفتيه، ونراه في رؤيا يوحنا وسيف يخرج من فمه وهو ينطق بتحذيرات مخيفة للكنائس غير التائبة عن تعاليمها وحياتها الفاسدة (مزمور 2:45؛ رؤيا 16:1؛ 12:2). يكتب عنه يوحنا أنه حمل الله الذي يرفع خطية العالم، ويكتب عنه ذات الكاتب مُجددًا في سفر الرؤيا محذرًا من “غضب الخروف” (يوحنا 29:1؛ رؤيا 16:6). لذا كان من أهم مبادئ الإصلاح البروتستانتي هو “الكتاب المُقدّس وحده، والكتاب المُقدَّس كله”.

3. الإرساليّة ووحي العهد الجديد

يتناسى هؤلاء أن كل أسفار العهد الجديد وليس الأناجيل فقط هي إتمام للإرساليّة العظمى التي أمر بها المسيح تلاميذه أن يذهبوا ويتلمذوا جميع الأجناس والألسنة، ويُعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصاهم به. فما نقرأه في كل العهد الجديد هو كلام المسيح؛ هو إتمام لهذا التكليف وتحقيق للوعد الأعظم الذي أعطاه لتلاميذه قبل صلبه أن يرسل لهم مُعزياً آخر، يأخذ مما للمسيح ويعطيهم، يُذكرهم بكل ما قاله لهم، ويتكلّم فيهم ويسوقهم للكتابة لكنيسة المسيح عن شخص المسيح وعمله (يوحنا 14-16).

فلا أحد من الرسل قد جمح بأفكاره أو شطح بآرائه بعيدًا عمّا علّمه المسيح وأراده في كلمته المكتوبة والمعصومة. على سبيل المثال، يُفنّد ديفيد وينهام في كتابه “بولس: تلميذ للمسيح أم مخترع المسيحية –Paul: Follower of Jesus or Founder of Christianity” ادعاءات بولتمان ويُثبت كيف أن كافة تعاليم الرسول بولس تأتي في تناغم كامل ومتقن مع تعاليم المسيح وحياته وأعماله في البشائر الأربع.[1]

4. روح المسيح في العهد القديم

وماذا عن العهد القديم؟ في الحقيقة، ليس العهد القديم مجرّد كلمات موسى أو أحد الأنبياء أو الكُتّاب الخاصة، ولكن أشرف الروح القدس على كل ما كتبوا وحفظهم من الخطأ. والكنيسة الجامعة تُقر بوضوح بالوحي اللفظي والتام للكتاب المُقدس عبر اعترافها في قانون الإيمان النيقاويّ-القسطنطيني بأن الروح القدس هو “الناطق في الأنبياء”، أو الذي تكلّم من خلال الأنبياء.[2] فتقول رسالة بطرس الثانية: “لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ” (بطرس الثانية 21:1). وكذلك يُخبرنا بطرس في رسالته الأولى ليس فقط أن العهد القديم كُتب عن المسيح، بل أيضًا أنه كُتب بروح المسيح قائلًا:

الْخَلاَصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ، إِذْ سَبَقَ فَشَهِدَ بِالآلاَمِ الَّتِي لِلْمَسِيحِ، وَالأَمْجَادِ الَّتِي بَعْدَهَا (بطرس الأولى 11:1).[3]

أي أن من تكلم في أنبياء العهد القديم هو روح المسيح، أي الروح القدس. وبالتالي، فإذا شعرت وأنت تقرأ العهد القديم بروحٍ غريب من وجهة نظرك، ففي الأغلب إما أنك لم تفهم العهد القديم جيدًا في ضوء إعلان العهد الجديد، أو أنك لم تُدرك أبعاد روح المسيح حقًا.

5. المنظور الأخرويّ

يخفق هذا الرأي في إدراك الأزمنة الإلهيّة التي عيّنها الله ورتبها. فصحيح أن المسيح في مجيئه الأول جاء وديعًا ولم يأت ليدين، ولكن لن يكون الحال كذلك عند مجيئه الثاني. فيقول بولس: “اللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا… لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْمًا هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ الْمَسْكُونَةَ بِالْعَدْلِ، بِرَجُل قَدْ عَيَّنَهُ، مُقَدِّمًا لِلْجَمِيعِ إِيمَانًا إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ” (أعمال الرسل 30:17-31).

فالذي كان يَقبل الخُطاة ويأكل معهم في مجيئه الأول، سيقول للبعض في مجيئه الثاني: “إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ” (متى 22:7-23). والذي جاء يطلب ويُخلّص ما قد هلك في مجيئه الأول، والذي قيل إنه قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ، سيجلس في مجيئه الثاني مميزًا الخراف عن الجداء، والحنطة عن الزوان، ويُلقي الشجر الذي لم يصنع ثمرًا جيدّا في النار (متى 19:7؛ 40:13، 50؛ يوحنا 6:15). فيقول المسيح: “يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ، وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ” (متى 41:13-42).

أو ليس المسيح هو الوحيد في كل الكتاب الذي تكلّم عن جهنم النار؟ كل كتبة الوحي تحدثوا عن الدينونة العتيدة، ولكن المسيح وحده بصفته ابن الله المتجسد البار كان له هذا الحق الحصري أن يتحدث عن ماهيّة هذه الدينونة.

في النهاية أريد أن أقول أنه كما يُحذرنا المسيح من التعامل الانتقائيّ مع ناموس العهد القديم في قوله: “كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ” (متى 23:23)، علينا ألا نُقدِّم صورة انتقائيّة عن الله أو عن المسيح. صحيح أن العهد الجديد يؤكّد في مواضع عديدة أننا كمؤمني العهد الجديد في عهدٍ أفضل وأعظم (عبرانيين 22:7؛ كورنثوس الثانية 13:3-18)، ولكن لا يوجد سند إن قُلنا أن صورة الله في العهد القديم أقل إكرامًا من صورته في العهد الجديد!

فالله الذي ظهر في الزلزلة هو نفسه عمانوئيل الذي صار بشرًا وخيّم بيننا. وحينما استحضر كاتب الرسالة إلى العبرانيين مشهد الزلزلة وحضور الله على جبل سيناء، لم يدع أن صورة الله في العهد الجديد أعظم، لكنه قال إننا نحن أتينا إلى وضع أعظم، في ظل عهد أفضل وسيطه هو ابن الله ذاته، ولكن حين تحدث في ذات الإصحاح عن الله، تحدث عنه مؤكدًا الصورة التي وصفها موسى أن “إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ” (راجع العبرانيين 18:12-29).

باختصار، إن تفضيل صورة الله في العهد الجديد عن تلك الموجودة في العهد القديم هي ذات هرطقة مارقيون التي رفضتها الكنيسة شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا منذ مئات السنين.


[1] David Wenham, Paul: Follower of Jesus or Founder of Christianity? (Grand Rapids: Eerdmans, 1995).

[2] Gregg Allison, Historical Theology: An Introduction to Christian Doctrine (Grand Rapids: Zondervan, 2001), 62-63.

[3] Michael Horton, The Christian Faith: A Systematic Theology for Pilgrims on the Way (Grand Rapids: Zondervan, 2011), 485.

شارك مع أصدقائك

مينا م. يوسف

حاصل على ماجستير الآداب في الأديان المقارنة من Columbia International University، بولايّة ساوث كارولاينا، وماجستير اللاهوت من Southern Seminary، بولاية كنتاكي.