بعد أن قدّمت لمحة عن لاهوت التحرير الفلسطينيّ في مقالي السابق، جاعلًا صوت أربابه عاليًا قدر المُستطاع في تعريفهم عن لاهوتهم، حان الوقت لأُقدِّم دراسة نقدية لهذا اللاهوت في مقالين مُتتالين. في هذا المقال، سأتناول نقد لاهوتيّ للاهوت التحرير الفلسطينيّ، ثم في مقال ثالث سوف أقدّم نقد للمُغالطات التاريخية التي يدعيها أربابه.
إنَّ أي تقييم كتابي لنظام لاهوتي ما، لا بد أن يبدأ بدراسة نظرة أربابه لكل من الكتاب المقدس ومفهوم الخطية والخلاص. فانتقائية بعض النصوص لدعم توجّه لاهوتي معيّن، مع إقصاء نصوص أخرى واعتبارها غير ذات صلة، يثير تساؤلات جدّية حول مدى احترام هذا اللاهوت لسلطان الكتاب المقدّس باعتباره إعلانًا إلهيًا واحدًا متّسقًا وكاملًا.
الكتاب المقدس
تقوم سردية اللاهوت الفلسطينيّ–كما أسلفنا الذكر–على أن الواقع الجديد لقيام دولة إسرائيل قد جَلَبَ مخاوف من احتمالية استناد اليهود إلى نصوص العهد القديم للمطالبة بالمنطقة بأكملها. مما خلق أزمة هوية لدى بعض الفصائل الفلسطينية. وبالنسبة للمسيحيين الفلسطينيين، اكتست العديد من الشخصيات والقصص في العهد القديم بصبغة سياسية في ظل الظروف الراهنة؛ إذ يوضح متري راهب أن شخصيات مثل يشوع وداود، والتي كانت مألوفة وذات دلالات روحية عميقة في السابق، لم تعد تُفهَم بالطريقة نفسها؛ إذ لم تعد مرتبطة بالمسيح كما كان الحال سابقًا، بل باتت، في الوعي الفلسطيني، تُقترن بقادة إسرائيليين مثل مناحيم بيغن ويتسحاق شامير.[1] وينسحب الأمر ذاته على روايات غزو يشوع واستيطان الأرض التي يعدّها الفلسطينيون أرضهم الخاصة.
1. القراءة الإنتقائيّة
وصحيح أن تاريخيًا، دأبت الكنيسة المسيحية على تفسير العهد القديم من خلال عدسة المسيح، معتبرةً إيّاه نصًا مسيحيًا يشهد له ويقود إليه.[2] غير أنّ اللاهوت الفلسطيني ذهب بهذا المنهج خطوةً أبعد. إذ يرى نعيم عتيق أن الكتاب المقدس بمجمله ذو قيمة، ولكن ليست كل أجزائه تتمتع بذات القدر من القيمة والسلطان. فكل جزء من الكتاب المقدّس يقود الناس إلى فهم إعلان الله لذاته في المسيح يتمتّع بالسلطان والصلاحية بالنسبة للمؤمنين.[3] وانطلاقًا من هذا الطرح، يدعو عتيق صراحةً إلى إعادة قراءة جذرية، وإعادة كتابة، وإعادة تحليل لبعض نصوص العهد القديم.[4] ويبرّر عتيق هذا التوجّه بالقول إن السياق أو المضمون الحالي لبعض النصوص (مثل 2 ملوك 2: 23–24؛ وخروج 17: 14–16؛ وتثنية 25: 17–19؛ و1 صموئيل 15: 1–3؛ وإشعياء 43: 1–4؛ وإشعياء 61: 5–6) قد يكون غير مقبول للمسيحي المعاصر.[5]
يثير هذا المنهج في التعامل مع الكتاب المقدّس عددًا من الإشكالات الخطيرة:
- يقوم هذا المنهج على قراءة انتقائية للكتاب المقدّس، إذ تُقبَل النصوص التي تخدم الإطار اللاهوتي المطروح، بينما تُهمَل نصوص أخرى أو يُعاد تشكيلها لتتوافق مع السردية المراد بناؤها. وتُعدّ هذه القراءة الانتقائية متأثّرة إلى حدٍّ كبير بالنظرية ما بعد الحداثية المعروفة “بموت المؤلِّف”، والتي تفترض أن النصوص لا تحمل معاني ثابتة، بل إن القارئ هو الذي يمنح النص معناه وفقًا لسياقه الخاص. وبناءً على ذلك، يصبح النص الكتابي قابلًا لإعادة التفسير على نحوٍ مفتوح، بما يخضعه لتجربة القارئ وواقعه، بدلًا من الخضوع لسلطان مقصده الأصلي ومعناه الموضوعي.
- تضع هذه المقاربة السلطة النهائية في يد الإنسان، لا في يد كُتّاب الكتاب المقدس الذين نَطَق فيهم الروح المُحييّ. فحين يبدو أحد النصوص الكتابية غير منسجم مع إدراكٍ البعض المحدود والمشوب بالخطيّة، يقول عتيق أن علينا أن نقول إن هذا النص لا يعكس سوى فهمٍ بشريّ لطبيعة الله ومقاصده، وهو فهم قد صُحِّح أو تمّ تجاوزه بإعلان الله في المسيح.[6] بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك مؤكداً أنه بالنسبة للمسيحيين في الشرق الأوسط، فإن مثل هذه المقاطع لا يمكن أن تكون ذات سلطان أو صالحة لفهمهم عن الله.[7] ويفتح هذا الطرح الباب واسعًا أمام التفسيرات الليبرالية التي تشكك في مدى ملاءمة الكتاب المقدس وجدوى بعض أجزاؤه في سياقنا المعاصر.
2.الكتاب المقدس والشهادة المسيحية
في حين أن اللاهوت الفلسطيني يسعى إلى أن يكون جسرًا بين الكتاب المقدّس والبشر، ولا سيّما المسلمين، إذ يقدّم نفسه كلاهوت سياقي يمكنه المساهمة في إعادة تشكيل الصورة الذهنية السلبية عن المسيحية؛ وخاصة تلك الصورة المرتبطة بالولايات المتحدة وأوروبا ودعمهما المطلق لإسرائيل ضد الفلسطينيين. إلا أن شهادة الكنيسة في سياقها الإسلامي ستظل ضعيفة ومرتبكة ما لم يكن التزامها بكلمة الله ثابتاً لا يتزعزع. فالشهادة الحقيقية والمؤثّرة للمسيح يجب أن تتأسس على الإيمان بسلطان الكتاب المقدس ككل، ووحيه، وعصمته. إذ تستمد سلطة الكتاب جذورها من كونه موحى به من الله (تيموثاوس الثانية 3: 16)، فهو كلمة المَلِك السيّد. وأن كلمة الله تحمل سلطانًا نهائيًا، فإنها تستوجب قبول الكتاب ككل بلا إنتقائيّة. إذ إنَّ الطاعة الجزئية ليست في جوهرها إلا ضربًا من العصيان.
وحتى تلك المقاطع في العهد القديم التي يجدها اللاهوتيون الفلسطينيون شائكة، ليست مجرد وجهات نظر بشرية حول طبيعة الله كما يزعم عتيق؛ بل هي أجزاء جوهرية من إعلان الله التدريجي عن ذاته، والتي تعبّر عن كمال صفاته كإلهٍ قدوس، ومحب، وعادل.
الخطيّة
على غرار سائر لاهوتات التحرير، يُعرّف لاهوت التحرير الفلسطيني الخطية والشر على أنهما متجذّران في البُنى الاجتماعية والأنظمة الظالمة القائمة.[8] أمّا اللاهوت الكتابيّ القويم، فينظر إلى الخطيّة بإعتبارها حالة متأصلة في قلب الإنسان (متى 12: 34-35؛ 15: 18-19)؛ حيث يتمرد كل فرد على الله ويكسر وصاياه، بغض النظر عن الظروف السياسية أو الاقتصادية المحيطة به (رومية 3: 23؛ 5: 12؛ 11: 32). وبينما يؤكّد الكتاب المقدّس أن الخطية ضدّ الله (خطية رأسيّة) هي الجذر الحقيقي لكل الخطايا المرتكبة ضدّ الآخرين (خطايا أفقية)، يقوم لاهوت التحرير بتحويل التركيز نحو الخطايا بين البشر، فيُعرِّف الخطية على أنها “أنانية” تفضي إلى الفشل في محبّة القريب، ومن ثمّ الفشل في محبّة الله ذاته.[9] وفي سياق اللاهوت الفلسطيني، يفسر منذر إسحاق الخطيئة من منظور لاهوت التحرير قائلاً:
الخطيّة بحسب لاهوت التحرير ليست فقط فرديّة، بل هناك مجتمعات وأنظمة وممارسات مبنية على الخطيئة ويجب إزالتها.[10]
وعلى النحو ذاته، تصف وثيقة “كايروس فلسطين 2009“، التي صاغها لاهوتيو تحرير فلسطينيون، الاحتلال الإسرائيلي بأنه “خطيئة ضد الله والإنسان”، لأنه يسلب الفلسطينيين حقوقهم الأساسية التي وهبهم الله إياها. بل إن الوثيقة تمضي أبعد من ذلك بدعوة المسيحيين الفلسطينيين إلى “التوبة” عن مغادرة فلسطين أو الفشل في المشاركة الكاملة في أداء شهادتهم داخل الأرض.[11]
إصلاح المجتمعات ثم الأفراد، أم الأفراد ثم المجتمعات؟
إن السؤال المشروع حول مفهوم الخطيّة في لاهوت التحرير الفلسطينيّ هو أيهما يأتي أولًا؟ أنبدأ بإصلاح الأنظمة، وبإصلاحها يُصلح الأفراد، أم يتجدد الأفراد ومن هنا تتغيّر المجتمعات؟ أنبدأ من الداخل إلى الخارج، أم من الخارج إلى الداخل؟
في الواقع، وبرغم أنه لا يمكنني إنكار واقع الكثير من الأنظمة السياسية والاجتماعية الآثمة والظالمة والفاسدة، إلا أن هناك نمطًا متكررًا عبر التاريخ يظهر جليًا وهو أنه عندما يُطاح بطاغية أو نظام قمعي، غالبًا ما يحل محله طاغية آخر. وتعكس تجارب لاهوتيات التحرير في أفريقيا وأمريكا اللاتينية هذا النمط؛ إذ تميل هذه الحركات إلى التركيز على تغيير الأنظمة الخارجية مع إهمال المعضلة الأعمق، وهي فساد القلب البشري، الذي هو بمثابة “مصنع دائم للأوثان.”[12]
ويمكن تلخيص الإشكاليات المتعلقة بتعريف لاهوت التحرير الفلسطيني للخطيئة في ثلاث نقاط رئيسة:
- يركّز هذا اللاهوت على مواجهة القضايا الخارجية مثل الظلم والاضطهاد في المجتمع، بينما نظرتهم لجذر المشكلة الحقيقي، أي الطبيعة الخاطئة الكامنة في قلب الإنسان، فهي نظرة ضبابية.
- يختزل اللاهوت الفلسطينيّ تعريف الخطية في مفهوم “الأنانية والقمع”. فبينما يُعدُّ القمع والأنانية بالفعل خطيّة، إلا أن الخطية مفهومٌ أشمل بكثير ولا يمكن إختزالها وحصرها في هذا التصنيف الضيق الآحاديّ.[13]
- تفضي هذه الرؤية إلى فهمٍ مغلوط لكل من الإنسان والخطيئة. فالكتاب المقدس يعلمنا أن البشر جميعاً خُلقوا على صورة الله، لكنهم خطاةٌ ساقطون ومحتاجون إلى الخلاص. بينما يقسم لاهوت التحرير الفلسطيني البشر إلى فئتين: ظالمين ومظلومين أو إلى قاهرين وضحايا (oppressors and victims).
هذا التقسيم يُبسط الواقع تبسيطًا مُخلًا متجاهلًا أن الجميع خطاة أمام الله، ويحتاجون إلى خلاصه. فالمظلومين ليسوا أكثر صلاحًا لمجرّد أنهم تحت ظروف قاسية، والعكس. كما أن هذا التقسيم يبرر ويُدين الناس بُناء على مواقفهم السياسيّة وطبقاتهم الاجتماعية هذا التقسيم يُبسِّط الواقع تبسيطًا مُخلًّا، إذ يتجاهل الحقيقة الكتابية الجوهرية القائلة إن الجميع خطاة أمام الله ويحتاجون إلى خلاصه على حدٍّ سواء.
فالمظلومون ليسوا أكثر برًّا لمجرّد خضوعهم لظروف قاسية، كما أن القوّة أو الامتياز لا يجعل الإنسان شريرًا بالضرورة. إن الخطية لا تُقاس بالموقع السياسي ولا بالانتماء الاجتماعي، بل بحالة القلب أمام الله القدّوس. كما أن هذا التقسيم الثنائي يفتح الباب أمام تبرير البعض وإدانة آخرين على أساس مواقفهم السياسية أو طبقاتهم الاجتماعية، لا على أساس معيار الله العادل. وبهذا يتحوّل اللاهوت من إعلان شامل يُدين الجميع ويُقدِّم النعمة للجميع، إلى خطاب أيديولوجي.
لاهوت الضحيّة
وكذلك، من خلال التعريف المُشوَّش لمفهوم الخطيّة في اللاهوت الفلسطيني، لا نجد أنفسنا أمام لاهوت كتابي سليم للخطيّة، بل أمام لاهوتٍ بديل يمكن تسميته “لاهوت الضحية”. فالخاطئ يُقِرّ بذنبه ويسعى إلى التوبة وطلب الغفران، أمّا من يرى نفسه ضحيّةً فإنّه غالبًا ما يتنصّل من المسؤوليّة عن أفعاله، وعن الفرص التي أُهدرت بسبب عناده ورفضه لمبادرات المصالحة والسلام. ومن ثمّ، فإنّ المسؤوليّة عن الواقع الراهن، وعن الإخفاق في تحقيق العدالة، لا تقع على عاتق دولة إسرائيل وحدها، بل تشمل أيضًا الفصائل الفلسطينيّة، والحكومات العربيّة التي تاجرَت—ولا تزال تتاجر—بالمشكلة الفلسطينيّة، وزايدت–ولا تزال تُزايد بها.
فكتابات لاهوت التحرير الفلسطيني تُبرز في كثير من الأحيان ما تصفه بالطموحات التوسّعية لإسرائيل، ووحشيتها، وأعمالها العسكرية. ورغم أن بعض هذه الادعاءات قد يكون له أساس واقعي، إلا أنها كثيرًا ما تتجاهل دور القرارات السياسية الفلسطينية السيئة، والأعمال الإرهابية المتهوّرة التي قامت بها فصائل فلسطينية، والتي تستخدمها إسرائيل بدورها مبرّرًا لإجراءاتها وسياساتها. ونادرًا ما تتناول هذه الكتابات أخطاء القيادات الفلسطينية أو العنف الذي مارسته منظمات مثل منظمة التحرير الفلسطينية أو حركة حماس.
ومع أن لاهوت التحرير الفلسطيني لا يدعو صراحةً إلى ممارسة العنف، إلا أنه غالبًا ما يصوّر الأعمال الإرهابية بوصفها نتيجة حتمية للسياسات الإسرائيلية. بل إن نعيم عتيق نفسه يلمّح إلى أن مثل هذه الأفعال هي نتاج ما صنعته إسرائيل بيدها (the product of Israel’s own making).[14] ويُعبِّر هذا المنظور عن ذهنية الضحية، التي يصفها كلٌّ من برادلي كامبل وجيسون مانينغ بأنها ثقافة تُصبح فيها المظلومية عنصرًا مركزيًا في تشكيل الهوية، وتُستَخدم لاكتساب تعاطف أخلاقي أو مكاسب اجتماعية من خلال إبراز المظالم والمتاجرة بها.[15] ويُلخّص ديكستر ف. زايل ساخرًا خطاب المظلومية وثقافة الضحية في اللاهوت الفلسطيني على النحو الآتي:
إنَّ الصراع برمّته هو خطأ إسرائيل، بينما الفلسطينيون أبرياء. الإسرائيليون يرتكبون خطايا، أما الفلسطينيون فيقعون في أخطاء. العنف الفلسطيني مُبرر، أما الدفاع الإسرائيلي عن النفس فليس كذلك. والهجمات الفلسطينية التي تستهدف المدنيين الإسرائيليين ليست إرهابًا بدافع الرغبة في تدمير إسرائيل، بل هي مقاومة مشروعة بدافع الرغبة في التحرر من الظلم . . . وحينما يكون اليهود الصهاينة–بحسب الادّعاء– مسؤولين عن المعاناة التي يرثيها [نعيم] عتيق، فإنه يكتب بقوة ويسمي الأشياء بمسمياتها؛ أما حينما يكون المسلمون هم المسؤولون، فإنه يمر دون ذكرهم. ويبدو أن الدعوة النبوية، في نظر عتيق، تقتضي مخاطبة الحقيقة في وجه القوة اليهودية فحسب، لا القوة الإسلاميّة.[16]
تتجلّى مخاطر خِطاب الضحيّة بوضوح في صفحات التاريخ. فعلى سبيل المثال، استغلّ الحزبُ النازي سرديّاتِ المظلوميّة للوصول إلى سدّة الحكم في ألمانيا، الأمر الذي أفضى إلى اندلاع الحرب العالميّة الثانية وهلاك الملايين. وفي المقابل، تُظهر الهجماتُ الوحشيّة لتنظيم القاعدة خلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وما أعقبها من ردٍّ أمريكيٍّ في أفغانستان، أنَّ الضعيف أو من يشعر بالظلم ليس بالضرورة على حقّ؛ إذ قد يتّخذ خياراتٍ همجيّةً إرهابيّةً طائشة، مستخدمًا المدنيّين كدروعٍ بشريّة، الأمر الذي يُفضي إلى معاناةٍ لا حصر لها بين الأبرياء.
إنَّ ما يحتاجه لاهوت التحرير الفلسطيني هو رؤية أكثر جلاءً ودقة من الناحية الكتابية لمفهوم الخطية، فضلاً عن امتلاك الجرأة على نقد السياق العربي والفلسطيني من الداخل. ويشمل ذلك التصدي لظواهر الإرهاب والتطرف الإسلامي، التي لا تمنح إسرائيل تبريراً لأفعالها فحسب، بل تضاعف أيضاً من معاناة المدنيين الفلسطينيين، ولا سيما المسيحيين المسالمين. إنَّ أي لاهوت ينشد العدالة الحقيقية يجب أن يواجه هذه المعضلات الداخلية، بدلاً من الاكتفاء بتوجيه أصابع الاتهام نحو الخارج، كما يقول وين جرودم.[17]
العدالة والخلاص
الخلاص هو مبادرة إلهية لإنقاذ الخطاة المحكوم عليهم، وتحريرهم من عقوبة الخطيئة، وتبريرهم، وإعادتهم إلى علاقة صحيحة مع خالقهم. ويقود هذا التحوّل الجذري إلى أعمال صالحة بوصفها ثمرة لعمل الروح القدس في قلب المؤمن. ويؤكّد الرسول بولس هذا في أفسس 2: 10 قائلًا: “لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا.” وبناءً عليه، فإن فضائل مثل العدالة والأنشطة الاجتماعية هي ثمار للنعمة والخلاص، وليست وسيلة لتحقيقهما. ويقدّم الكتاب المقدّس الخلاص في ثلاثة أبعاد زمنية: فقد خُلِّصنا في الماضي، ونحن نُخلَّص في الحاضر من خلال مسيرة التقديس، وسنُخلَّص في المستقبل حين يأتي المسيح ليجدّد كلّ شيء.[18]
أما لاهوت التحرير، فيرى في تحقيق العدالة الأرضية مُرادفاً للخلاص ذاته، وهو هدفٌ يُسعى إليه في المقام الأول عبر النشاط السياسي.[19] ويرى لاهوتيو التحرير أن فهم الكتاب المقدّس يستلزم الانخراط في العمل الاجتماعي–السياسي. وبالمِثل، وعلى المنوال نفسه، يُصرِّح منذر إسحاق أنَّ اللاهوت الفلسطيني يشدد على واجب كل مسيحي يؤمن بالحق والعدل أن يقاوم قمع الاحتلال الإسرائيلي.[20] وتعكس وثيقة «كايروس فلسطين 2009» —وهي أحد أشهر أدبيات لاهوت التحرير الفلسطيني— هذا التوجه بقولها إن الموقف المسيحي في وجه الاحتلال الإسرائيلي هو المقاومة. وتصف هذه المقاومة بأنها حقٌّ وواجبٌ على المسيحيين، لكنها مقاومة خلّاقة متجذّرة في منطق المحبة.[21]
متى تتحقّق العدالة وينتهي الصراع؟
غير أنّ مفهوم مقاومة القهر والظلم والسعي إلى العدالة في لاهوت التحرير الفلسطيني غالبًا ما يتّسم بالغموض، ويفتقر إلى تعريفٍ محدَّد. فمن خلال قراءتي لكتاباتهم وتصريحاتهم حول “الصراع والمقاومة والعدالة”، كثيرًا ما كنتُ أتوقّف متسائلًا: متى تتحقّق العدالة من وجهة نظرهم؟ ومتى تتوقف المقاومة، وينتهي الصراع؟ أَبإقامة دولةٍ للفلسطينيين، أم بزوال دولة إسرائيل؟ أو كما يشير وين جرودم في كتابه السياسة وفقًا للكتاب المقدس، فإنّ السؤال الجوهري الذي ينبغي على الفلسطينيين عمومًا، وعلى المسيحيين منهم خصوصًا، أن يطرحوه هو: “هل يتمحور الصراع حول حجم دولة إسرائيل أم حول وجودها من الأساس؟”[22] أهو صراع حدود يمكن التفاوض بشأنه، أم صراع وجوديّ تُخرَس فيه أصوات السلام وتُفعَّل فيه آلات الحرب؟
والحقيقةُ أنّ لاهوتيّي التحرير الفلسطينيين غالبًا ما يقدّمون إجاباتٍ تتّسم بالميوعة إزاء هذا السؤال، كما أنّ أفعالهم تتناقض مع تصريحاتهم الدبلوماسيّة. فمن جهةٍ، يؤكّدون أنّ اللاهوت الفلسطيني هو لاهوتٌ جدليٌّ حواريٌّ منفتح على اليهود، بينما يُظهر الواقع العملي أنّهم يُدافعون عن جماعاتٍ أيديولوجيّةٍ إسلاميّةٍ راديكاليّة، مثل حركة حماس، باعتبارها «حركة مقاومة للاحتلال»، في حين أنّها تُنكر في أدبيّاتها المعلَنة حقَّ إسرائيل في الوجود بالمطلق. كما أنهم كثيرًا ما يمتنعون عن إدانة المقاومة العنيفة صراحة، بل يعمدون إلى توصيفها –كما يقول ميشيل صباح–بأنها ليست إرهاباً، بل مقاومة مشروعة للاحتلال![23]
وبينما يرفضون الإقرار بالعنف الفلسطيني، فهم يهرعون لوصف الإجراءات التي تتخذها إسرائيل للدفاع عن سيادتها وحماية مواطنيها من الهجمات بأنها عنف وإرهاب، على حد تعبير منذر إسحاق.[24] وتُثير هذه الازدواجيّة تساؤلاتٍ جادّة حول الطبيعة الحقيقيّة لما يُسمّى «لاهوت المقاومة» الذي يُنادون به، وحول غاياته النهائيّة.
وبسبب تركيزهم المفرِط على القضيّة الفلسطينيّة، يلوذون بالصمت إزاء الجرائم الإرهابيّة التي ترتكبها الجماعاتُ الإسلاميّةُ المتطرّفة، سواء داخل الأراضي المقدّسة ضدّ اليهود والمسيحيّين الفلسطينيّين أنفسهم، أو في مناطقَ أخرى من العالم العربي والغربي. فلم يُسجل لأي من لاهوتيي التحرير الفلسطينيين موقفٌ يُدين الفظائع التي ارتكبها تنظيم داعش بحق الأقليات المسيحية والإيزيدية في سوريا والعراق، أو اضطهاد المسيحيين في مصر على يد الجماعات المتطرفة، بما في ذلك حركة حماس، إبان أحداث الربيع العربي. بل إنهم يميلون إلى تفسير جميع أعمال التطرّف والعنف الإسلامي، بدءًا من أحداث 11 سبتمبر وصولًا إلى هجمات 7 أكتوبر، على أنها نابعة في جوهرها من وجود إسرائيل في المنطقة. وهو ادعاءٌ طالما رددته شخصيات مثل بن لادن، والظواهري، ومقاتلي داعش، الذين برروا إرهابهم باعتباره جزءاً من معركة تحرير فلسطين!
في الواقع، يركّز لاهوتُ التحرير الفلسطيني على تحقيق خلاصٍ فوريٍّ من الظلم والاضطهاد في هذا العالم، متغافلًا عن المراحل الثلاث للخلاص، والتي سبق وأشرنا إليها، ولا سيّما عن مفهوم “تحقُّق الخلاص، ولكنه ليس بالكامل بعد” (Already but not yet). فالكنيسة تعيش في توتّرٍ دائم بين عصرين: الزمان الحاضر، المليء بالخطيئة والظلم والموت، والدهر الآتي، حيث حريّةُ مجدِ أولادِ الله (رومية 8: 21). غير أنّ اللاهوت الفلسطيني كثيرًا ما يتجاهل هذا الواقع، ساعيًا بدلًا من ذلك إلى إقامة يوتوبيا أرضية هنا والآن، وهو مسعى يتّسم بقدر كبير من عدم الواقعية.
مآلات لاهوتيات التحرير وانعكاساتها الاجتماعية والسياسية
على امتداد التاريخ، أعلن عددٌ لا يُحصى من المسيحيّين الإنجيلَ بأمانة، من دون رتوشٍ تحريريّة، داعين الناس إلى المصالحة مع الله في المسيح، الأمر الذي أدّى إلى تغييراتٍ عميقة في القلوب والسلوك، وأسهم في ترسيخ الرحمة والعدل، وأحدث تحوّلًا ملموسًا في المجتمعات. وعلى النقيض من ذلك، لا تزال المجتمعات التي تبنّت لاهوت التحرير–سواء في أميركا اللاتينية أو أفريقيا أو في السياق الفلسطيني– تلهث وراء فكرةٍ مبهمة عن العدالة، في الوقت الذي يهلك فيه كثيرون في خطاياهم من دون أن تتاح لهم فرصة سماع بشارة الإنجيل.[25]
قارن موقفَ أربابِ اللاهوتِ الفلسطينيّ بموقفِ اللاهوتيّين المصريّين الذين وجدوا أنفسهم في لحظةٍ تاريخيّةٍ مشابهةٍ لمحنة الفلسطينيّين، حين سُلِبَت منهم سيناء. فلم نجد أحدًا منهم دعا إلى «لاهوت تحرير مصري» أو «لاهوت تحرّر سينائي». بل إنّ لاهوتيًّا قديرًا مثل الأب متّى المسكين صاغ موقف الكنيسة المصريّة من العنف والحرب بأسلوبٍ بليغ، إذ قال:
الكنيسة ليس لها أبدًا أن تُصلي من أجل نصرة الجيوش، ولكن عليها دائمًا أن تُصلي من أجل السلام. الكنيسة لا تقر الحرب لأي سبب كان، مهما كان. فالحرب عندها ليست وسيلة مشروعة للتفاهم، ولكنها لا تملك أن تمنعها. الكنيسة لا تُقِر الإعتداء بأي سلاح وبأي وسيلة حتى باللسان، ولا تقرّ رد الإعتداء، لأنها تسلّمت من الرب نفيه كيف أسلم ذاته لأعدائه فاكتسبهم أحباء . . . [الكنيسة] تُشيّع [أولادها] إلى ميدان القتال بالصلاة كمُسافرين فقط، ثم تظل تُصلي من أجل السلام! إنها لا تطلب نصرًا لأحد على أحد، فالكل عندها إخوة وهي أم . . . وكعروس لإله المحبة، لا تستطيع أن تُخاصم أحدًا أو تقف عدوة لإنسان.[26]
وعلى النقيض من تحذير المسيح في متّى 10: 28، يركّز لاهوتيو التحرير الفلسطينيون على خطر أولئك “الذين يقتلون الجسد ولا يقدرون أن يقتلوا النفس”، في حين نادرًا ما يتناولون الخطر الأعظم، وهو أنه من دون التوبة سيهلك الجسد والنفس معًا في جهنّم. ويكشف هذا الإغفال عن اختلالٍ مأساويٍّ في توازن رسالتهم.
وبينما يرى اللاهوت المُصلح أن أعمال الرحمة والعدل هي “ثمر” للنمو الروحي (غلاطية 5: 22-23؛ أفسس 5: 9)، يتعامل لاهوت التحرير مع العمل السياسي-الاجتماعي بوصفه واجبًا أو ناموسًا يتحتم على المؤمنين القيام به. وهنا يكمن جوهرُ الإشكاليّة: فناموسٌ كهذا قد يكشف خطايانا وحاجتنا إلى مُخلِّص، لكنّه في ذاته لا يُخلِّص البتّة. وعلى الرغم من أنّ السعيَ إلى العدالة أمرٌ مهمٌّ ومأمورٌ به إلهيًّا، فإن تحويله إلى واجبٍ أخلاقيٍّ مستقلٍّ يجب علينا صونه ليس هو رسالةَ الإنجيل. لا لأنّ السعيَ إلى العدالة خطأ، بل لأنّ هذا الناموس، ببساطة، لا يملك القدرةَ على الخلاص والتغيير.[27] وحده الرب يسوع هو القادر على أن يُخلّص ويُغيّر القلوب، فتثمر ثمر بر ورحمة وعدالة ومحبة.
[1] Mitri Raheb, I Am a Palestinian Christian (United States: Fortress Press, 1995), 56.
[2] John H. Rodgers, Essential Truths for Christians: A Commentary on the Anglican Thirty-Nine Articles and an Introduction to Systematic Theology (Blue Bell PA: Classical Anglican Press, 2011), 179.
[3] Ateek, Justice and Only Justice, 83.
[4] Kuruvilla, Radical Christianity in the Holy Land, 106.
[5] Ateek, Justice and Only Justice, 83.
[6] Ateek, Justice and Only Justice, 83.
[7] Ateek, Justice and Only Justice, 84.
[8] Kuruvilla, “Radical Christianity in the Holy Land,” 52; Ferm, Contemporary American Theologies, 63.
[9] John M. Frame, A History of Western Philosophy and Theology (New Jersey: P&R, 2015), 427; Gutierrez, A Theology of Liberation, 36–37; Neil Shenvi and Pat Sawyer, Critical Dilemma: The Rise of Critical Theories and Social Justice Ideology Implications for the Church and Society (Eugene: Harvest House Publishers, 2023), 415.
[10] منذر اسحق، “لاهوت التحرير والعدالة” مدخل إلى اللاهوت الفلسطيني (بيت لحم: ديار للنشر، 2017)، 124.
[11] كايروس فلسطين، وثيقة وقفة حق، 2009، البند 2.5.
[12] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, ed. John T. McNeill, trans. Ford Lewis Battles (Philadelphia: Westminster Press, 1960), 1.11.8.
[13] Shenvi and Sawyer, Critical Dilemma, 415.
[14] Naim Ateek, “Suicide Bombers: What is theologically and morally wrong with suicide bombings? A Palestinian Christian perspective,” Information Clearing House, last accessed November 3, 2024, https://web.archive.org/web/20031004160349/http://informationclearinghouse.info/article4835.htm.
[15] Bradley Campbell and Jason Manning, The Rise of Victimhood Culture: Microaggressions, Safe Spaces, and the New Culture Wars (Cham Switzerland: Springer International Publishing, 2018), 11-21.
[16] Dexter Van Zile, “Updating the Ancient Infrastructure of Christian Contempt: Sabeel” Jewish Political Studies Review 23, no. 1/2 (2011): 8, 17. http://www.jstor.org/stable/41228554.
[17] Wayne Grudem, Politics According to the Bible: A Comprehensive Resource for Understanding Modern Political Issues in Light of Scripture (Grand Rapids: Zondervan, 2010), 457-470.
[18] Bruce Demarest, The Cross and Salvation: The Doctrine of Salvation (Wheaton: Crossway, 2006), 36.
[19] Frame, A History of Western Philosophy, 425.
[20] اسحق، لاهوت التحرير والعدالة، 127.
[21] كايروس فلسطين، وثيقة وقفة حق، 2009، البند 4-2-3 والبند 4-2-5.
[22] Grudem, Politics, 460.
[23] صباح، المقاومة السلمية في فلسطين، 151.
[24] اسحق، لاهوت التحرير والعدالة، 128.
[25] Shenvi and Sawyer, Critical Dilemma, 424.
[26] متى المسكين، “الكنيسة والدولة” في مقالات بين السياسة والدين (وادي النطرون: دير أنبا مقار، 1987)، 53.
[27] Shenvi and Sawyer, Critical Dilemma, 424.

