لاهوت التحرير الفلسطينيّ (1): مقدمة تاريخيّة ولاهوتيّة

لاهوت التحرير الفلسطينيّ (2): نقد لاهوتيّ
لاهوت التحرير الفلسطينيّ (3): الهويّة والإرسالية


منذ ستينيات القرن الماضي، تمخض الصراع المستمر بين إسرائيل والفلسطينيين عما يُعرف بـ “لاهوت التحرير الفلسطيني“. ومع ازدياد العنف بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، عادت إلى الواجهة الأسئلة حول شرعية هذا التوجّه اللاهوتي وفاعليته. ولا يقتصر هذا اللاهوت على الأراضي المقدسة؛ إذ تتنامى أعداد الكنائس العربية التي تتبنّاه، إمّا مجاراةً للأنظمة السلطوية في المنطقة أو قناعةً بأنه الأنسب للواقع العربي.

وقد تلقّت كنائس كثيرة هذه الرسالة وبدأت تروّج له بوصفه إطارًا جادًّا ومناسبًا للخدمة الرعوية في الشرق الأوسط، لأنه يسعى إلى الانحياز لمن يُنظر إليهم كمظلومين، ويقدّم قراءة للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي تتأثر بالسرديات القومية والإسلامية. ويؤكد أنصاره أنه السبيل الأكثر فاعلية للتواصل مع المسلمين في منطقة الشرق الأوسط.

سأفتتح هذا المقال بدراسة لاهوت التحرير الفلسطيني ضمن إطاره التاريخي، مع إبراز العوامل السياسية والقراءات الكتابية التي أسهمت في ظهوره وتطوره. وسأناقشه من زاويتين: بوصفه أحد تيارات لاهوت التحرير من جهة، وباعتباره تعبيرًا عن هوية قومية عروبية وإسلامية من جهة أخرى. ثم انطلاقًا من اللاهوت العهديّ، سأخصص المقال التالي لتقديم نقد موضوعي للاهوت الفلسطينيّ.

منظورات تاريخية ولاهوتية

يُعدُّ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أحد أكثر الصراعات حدة واستقطاباً في العصر الحديث؛ إذ يتشبث كل طرف برواية متفردة حول أحقيته في الأرض، وما قدمه من تنازلات، وما بذله من مساعٍ في سبيل السلام. ولكل من الفلسطينيين والإسرائيليين أنصاره وضحاياه، مما يزيد المشهد تعقيداً؛ فكلا الطرفين يتحمل نصيبه من اللوم، وتُثار تساؤلات متباينة حول استخدام القوة، حيث يدافع بعضهم عن حق إسرائيل في الدفاع عن النفس، بينما يبرّر آخرون ما يراه الفلسطينيون مقاومةً مشروعةً للاحتلال. وعلى مدى عقود، سادت إلى حدّ كبير عقلية «المحصلة الصفرية»، الأمر الذي جعل من الصعب على أي شخص—حتى من يتبنّى موقفًا حياديًا قدر الإمكان—أن يتجنب اتهامات الانحياز من أحد الطرفين، لا سيما إذا لم يلتزم التزامًا كاملًا بإحدى السرديتين المتقابلتين. ومع ذلك، فإن هدفي في هذه الورقة هو التركيز على البعد اللاهوتي أساسًا، مع تناول الجوانب السياسية والتاريخية بالقدر اللازم فقط لتوفير السياق المناسب. وانطلاقًا من ذلك، سأبدأ بدراسة التحديات السياسية التي أسهمت في نشوء هذا اللاهوت وتشكّله.

التحديات السياسية

غالبًا ما ينظر لاهوت التحرير الفلسطيني إلى الأحداث السياسية والتاريخية المتعلقة بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي من منظار القومية العربية والرؤية الإسلامية. وتذهب هذه الرؤية إلى أن المسيحيين واليهود عاشوا تاريخًا في وئام وسلام جنباً إلى جنب مع جيرانهم المسلمين كأهل ذمّة يتمتعون بالحماية، في إطار من التسامح المتبادل والانسجام الاجتماعي، إلى أن تدخلت القوى الإمبريالية الغربية وأخلّت بهذه الوحدة. ووفقًا لهذا التصوّر، أدّى هذا التدخل في نهاية المطاف إلى قيام دولة إسرائيل، التي يُنظر إليها على أنها أحد بقايا الاستعمار الغربي ورموزه المستمرة.[1]

يرى العديد من اللاهوتيين الفلسطينيين، أمثال متري الراهب، أن قيام دولة يهودية على أرضهم كان مدفوعاً بشكل أساسي برغبة الدول الغربية في حل “المسألة اليهودية” في أوروبا عبر تهجير اليهود إلى الشرق الأوسط.[2]

وفي إطار هذه الرؤية المثاليّة، اعتبر بعض المسيحيين الفلسطينيين قيام الدولة الإسرائيلية امتدادًا لأشكال من الاستيطان الخارجي، الأمر الذي دفعهم إلى بناء تحالفات سياسية ووطنية مع المسلمين الفلسطينيين لمعارضته. وإنصافًا للطرح الفلسطيني، يجدر التنبيه إلى أنّ هذا التقارب بين المسيحيين الفلسطينيين والمسلمين العرب لم يكن، في جوهره، تعبيرًا عن عداء لليهود، ولا سيما من الجانب المسيحي، بل كان نابعًا من مخاوف واقعيّة من احتمال تحوّلهم إلى مواطنين من الدرجة الثانية في دولة يهودية ذات طابع ديني، في وضعٍ يُذكّر إلى حدٍّ ما بمكانتهم السابقة في ظلّ الحكم العثماني الإسلامي.

وبناءً على ذلك، التقى الفلسطينيون، مسلمين ومسيحيين، حول مشروع وطني مشترك يهدف إلى الحيلولة دون قيام وطنٍ قوميّ يهودي، والسعي بدلًا من ذلك إلى إقامة دولة قوميّة عربيّة، على غرار النماذج التي ظهرت لاحقًا في سوريا ومصر، تقوم نظريًا على مبدأ المساواة في الحقوق بين المسلمين والمسيحيين واليهود. وفي هذا السياق، لعب المسيحيون الفلسطينيون دورًا بارزًا في الحركة الوطنية المناهضة للصهيونية، وأسهموا فيها بطرائق متعدّدة، شملت الخطاب العام، والكتابة، والنشر، بل والمشاركة في بعض أشكال المقاومة المباشرة والنضال المستمر من أجل القضية الفلسطينية، كما يشير إلى ذلك مُنذِر إسحق.[3]

النص المُقدَّس كحجر عثرة

أدّى قيام دولة إسرائيل إلى ظهور تحدّيات كبيرة، ولا سيّما فيما يتعلّق بنصوص العهد القديم التي تتحدّث عن وعد الله غير المشروط بإعطاء الأرض لشعب إسرائيل ميراثًا أبديًا. وقد اقترن ذلك برفض الدول العربية لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947، والذي اقترح تقسيم الأرض إلى دولتين منفصلتين، يهودية وعربية، مع وضع أورشليم تحت نظام دولي خاص corpus separatum)) يخضع لإدارة دولية. وقد أسفر هذا الواقع، لا عن توتّرات سياسية فحسب، بل عن صراعٍ لاهوتي عميق أيضًا.

بحسب اللاهوت الفلسطينيّ، شكّل قيام دولة إسرائيل شرارة أزمة هوية عميقة، فبدى يُنظر إلى الفلسطينيين على نحوٍ متزايد باعتبارهم الأعداء التاريخيين لإسرائيل القديمة. كما دفعت الطبيعة الصهيونية للدولة الإسرائيلية هؤلاء المسيحيين إلى مصارعة أسئلة حسّاسة تتعلّق بمحبة الله والاختيار. فقد بدأوا يتساءلون عمّا إذا كانت محبة الله تشمل الفلسطينيين بالقدر نفسه الذي تشمل به «شعبه المختار» اليهود، الأمر الذي قادهم إلى إعادة النظر في موقعهم ضمن مقاصد الله وخطّته الخلاصية.[4]

غالباً ما يطرح لاهوتيو التحرير الفلسطينيون أطروحاتهم بوصفها استجابةً لأزمة الهوية التي فجرها قيام دولة إسرائيل. وفيما يلي نعرض لنماذج من ثلاثة لاهوتيين فلسطينيين استعرضوا صراعهم مع بعض النصوص والتفسيرات الكتابية، ولا سيّما تلك التي يصنفونها “كنصوصٍ صهيونية.”

واستهلالاً، نبدأ بالقس الأنجليكاني نعيم عتيق (المولود عام 1937)، والمُلَقَّب “بالأب المؤسِّس للاهوت التحرير الفلسطيني، والذي يبسط رؤاه في كتابه “الصراع من أجل العدالة”، والمُترجم إلى الإنجليزية تحت عنوان: “ Justice and Only Justice: A Palestinian Theology of Liberation“. ورغم علمي بصدور الكتاب باللغة العربية، فإنني اعتمدتُ على النسخة الإنجليزية، نظرًا لأن هذه الورقة البحثية نُشرت في الأصل باللغة الإنجليزية، إلا في المواضع التي يُشار فيها صراحةً إلى النسخة العربية بسبب وجود تباينٍ بين النصَّين. ويقول عتيق:

لقد أسهم الصهاينة المسيحيون، في بعض الأحيان من حيث لا يدرون، في تعميق معاناة الفلسطينيين واليهود في الشرق الأوسط . . .  واليوم، حين أذهب إلى الكنيسة وأشرع في ترتيل المزامير، أجد نفسي مذهولاً وقد انقبض صدري حين يمر اسم ‘إسرائيل’ على شفتي؛ إذ يستحضر هذا الاسم في ذهني صورة دولة صغيرة ذات طابع أوروبي–أوسطي . . . لقد أثّر قيام دولة إسرائيل في نظرة معظم المسيحيين الفلسطينيين إلى العهد القديم . . . فقبل قيام الدولة، كان العهد القديم يُعدُّ جزءاً لا يتجزأ من الكتاب المقدس، يشهد للمسيح ويشير إليه. أما منذ قيامها، فقد عمد بعض المفسرين اليهود والمسيحيين إلى قراءة العهد القديم، في جوهره، كنص صهيوني . . . حتى أضحى الفلسطينيون ينظرون إلى إله الكتاب المقدس بوصفه إلهاً منحازاً ومميِّزاً بين البشر.[5]

ويشاطره الرأي القس اللوثري منذر إسحق الحاصل على درجة الدكتوراه من مركز أكسفورد لدارسات الإرساليات عام 2016، حيث يبسط هواجس مماثلة في كتابه “مدخل إلى اللاهوت الفلسطينيّ”، قائلًا:

خلق قيام دولة إسرائيل معضلة دينية لاهوتية للمسيحيين الفلسطينيين. فلم تعد مصطلحات مثل إسرائيل وصهيون ويعقوب –وهي التي كانت دائمًا جزءًا من إرثنا الديني والليتورجي– لم تعد مصطلحات روحية سماوية محايدة، بل ارتبطت الآن بمفاهيم سياسية أرضية. كيف يقرأ المسيحي الفلسطيني اليوم العهد القديم؟ كيف نقرأ المزامير عن صهيون بعد أن ارتبط اسم صهيون الآن بحركة اقتلعتنا من أرضنا وشكّكت بأحقيّة وجودنا على هذه الأرض؟ وكيف نقرأ عن يشوع وتدمير أريحا بينما نرى المستوطنين الإسرائيليين يسرقون أرضنا استنادًا على نصوص مثل هذه؟ وماذا عن الوعد لإبراهيم ونسله بأن يعطيهم الله أرض كنعان ميراثًا أبديًا؟ ومما زاد الأمور تعقيدًا التفاسير الغربية الصادرة عمّن يدّعون «المسيحيون الصهاينة»، الذين استخدموا فيها الكتاب المقدس والوعود بأرض الميعاد لشعب إسرائيل في القديم لتبرير ودعم ظلم الاحتلال.[6]

يُردِّد اللاهوتي الكاثوليكي جيريس سعد خوري (1952–2016) الرؤية نفسها، بما يعكس منظورًا مشتركًا عبر الكنائس الفلسطينية الكبرى. إذ كتب قائلًا:

نحن ضحايا قراءة أيديولوجية للكتاب المقدس الذي يستغلها الأكثرية اليهودية من أجل إقناع العالم بأن الأرض الفلسطينية هي أرض الميعاد التي وعدهم بها الله . . . إن طلبنا من الفلسطينيين بان يقبلوا هذه الطريقة، فهذا يعني أننا نطلب منهم أن يتخلوا عن حقهم في الأرض، وأن يعيشوا على أمل أن يعاملهم الإسرائيليون جيدًا.[7]

وبناءً على هذه الأطروحات، يمكننا أن نفهم أنَّ اللاهوتَ الفلسطيني قد نشأ–بحسب توصيف منظّريه–بوصفه ردًّا على بعض التفسيرات المسيحية الصهيونية لنصوص العهد القديم، وعلى إسقاط هذه التفسيرات وتطبيقها على السياق الفلسطيني في «أرض الموعد».

تعريف اللاهوت الفلسطينيّ

من المهم الإقرار بأن اللاهوت الفلسطيني يضم تنوّعًا واسعًا من الرؤى التي يقدّمها لاهوتيون ينتمون إلى طوائف مسيحية مختلفة. ورغم اشتراكهم في بعض الأطروحات الجوهريّة، فإن مواقفهم قد تختلف اختلافًا كبيرًا، إذ تتراوح بين أطروحات أكثر تطرّفًا، وأخرى أكثر اعتدالًا.

وفي القسم التالي من هذا المقال، سأقوم بتعريف لاهوت التحرير الفلسطيني من خلال إبراز عنصرين أساسيين: أولًا، كونه أحد فروع لاهوت التحرير، وثانيًا، كونه لاهوتًا متجذّرًا في الهوية القومية الفلسطينية.

لاهوت التحرير

يُعدُّ اللاهوت الفلسطيني نمطاً من أنماط لاهوت التحرير، وهو تيارٌ تبلور أصلاً في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كاستجابةٍ لمعضلات الفقر والظلم الاجتماعي في أمريكا اللاتينية، متأثراً بالأطروحات الماركسية.[8] وبما أنّ النظرية الماركسية ترى أن الاستجابات الدينية قد تُلهي أحيانًا عن ضرورة الفعل السياسي المباشر أو العمل الثوري، فإن لاهوت التحرير يسعى إلى إعادة تفسير الإيمان المسيحي في ضوء الصراعات التي تواجهها الشعوب المتخلّفة أو المهمَّشة، سواء كانت صراعات اقتصادية أو سياسية أو عرقية.[9]

يشترك لاهوتُ التحرير الفلسطيني في العديد من الخصائص الجوهريّة مع لاهوت التحرير بوجهٍ عام. فكلاهما نشأ بوصفه ردَّ فعلٍ على الإرساليات التبشيريّة الأوروبيّة، التي كانت، من وجهة نظر أنصارهما، تصطف غالبًا إلى جانب القوى القامعة والنُّخب الحاكمة.[10] ويقدّم كل من لاهوت التحرير ولاهوت التحرير الفلسطينيّ نفسيهما باعتبارهما شكلين من اللاهوت السياقي، الذي يتشكّل في ضوء البيئات الفريدة التي يعمل فيها.

كما تتردّد أصداء النظرة السلبيّة إلى الإرساليات الأوروبيّة في أدبيّات اللاهوت الفلسطيني، على نحوٍ مماثل لما نجده في سائر أدبيّات لاهوتات التحرير المختلفة. فعلى سبيل المثال، يرى اللاهوتي الفلسطيني متري الراهب في بحثه المعنون “الإرسالية في سياق التشرذم”، أن تاريخ العمل المُرسلي أسهم في إحداث تفكّك اجتماعي داخل المجتمع الفلسطيني.[11] ويظهر نقد مشابه أيضًا في مقاربة نعيم عتيق للاهوت الفلسطيني، حيث يوجّه تساؤلات جذرية حول دور الإرسالية المسيحية وعلاقتها بالسلطة والهيمنة في السياق الفلسطيني. فيستهل عتيق طرحه للاهوت التحرير الفلسطيني بنقد اللاهوتيات السائدة في الأرض المقدسة، والتي وفد جلُّها على يد الإرساليات الغربية؛ إذ يرى أن الأطر اللاهوتية داخل مختلف الكنائس المسيحية في إسرائيل وفلسطين إما أنها ركنت إلى الجمود لعقود خلت، أو أنها كانت بضاعة مستوردة من سياقات أجنبية، مما جعلها تقف عاجزة عن المقاربة الفاعلة للاحتياجات والوقائع الراهنة للسكان المحليين.[12]

ومن السمات المشتركة الأخرى أن لاهوت التحرير عمومًا، واللاهوت الفلسطيني خصوصًا، يميلان إلى إيلاء الأولوية للأهداف السياسية والاجتماعيّة؛ حيث ينصب التركيز على الممارسة العملية (orthopraxis) أكثر من التركيز على العقيدة القويمة (orthodoxy).[13] وكلا النهجين ينطلقان من رصد المظالم الاجتماعية والمعاناة الإنسانية، سعيين إلى تقويضها عبر إحداث تغييرات اقتصادية وسياسية تفضي إلى ما يسميانه “بتحرير المستضعفين”.[14]

فمن منظور لاهوتيات التحرير، لا تستطيع الكنيسة ولا لاهوتيوها أن يقفوا موقف الحياد في مواجهة الظلم؛ بل يتعيّن عليهم أن ينحازوا إلى جانب المظلومين، وأن يعملوا على تمكينهم لقيادة نضالهم بأنفسهم، وأن يربطوا ذواتهم وقضاياهم بقضيتهم.[15] وحيث إن الاعتقاد السائد هو أن الله يصطف إلى جانب المظلومين، فإن لاهوت التحرير يسعى بدوره إلى الانحياز للمستضعفين والمهمشين. ويتجلى هذا المبدأ ذاته مراراً في كتابات لاهوتيي التحرير الفلسطينيين وعظاتهم. فعلى سبيل المثال، قال القس اللوثري منذر إسحق في عظة ألقاها في مسجد «القدس» بجنوب أفريقيا:”

الحياد ليس خيارًا. فالحياد في حقيقته انحياز إلى صفّ المُضطهِد. [فعندما تلتزم الحياد]، فإنك تقول للمُضطهِد: “لا بأس أن تواصل ما تفعله، لأنني لا أبالي، أو لأن الله لا يبالي.”[16]

الهوية القومية العربية

يتمثل الوجه الآخر للاهوت التحرير الفلسطيني في تشديده على الهوية القومية للفلسطينيين. فعلى غرار لاهوتيات التحرير الأخرى ومبادئ “نظرية العرق النقدي (Critical Race Theory)”، يتماهى اللاهوت الفلسطيني مع “لاهوت العالم الثالث (Third World theology)”، إذ يرى نفسه جزءًا من جماعة أوسع من الشعوب التي عانت من الاستعمار الأوروبي. ويعمد الفلسطينيون إلى عقد مقارنات بين تجاربهم الخاصة وتجارب مجتمعات “السود” في جنوب أفريقيا، أو مجتمعات “السكان الأصليين” في أمريكا؛ إذ ينظرون إلى أنفسهم كجماعات مضطهدة تشترك في السعي نحو العدالة وحق تقرير المصير.

وتنطلق هذه اللاهوتات من افتراضٍ مفاده أن مفهوم اللاهوت ليس حقيقة كونية مجرّدة، بل متجذّر في الصراعات التاريخية الملموسة للشعوب المقهورة. ومن ثمّ، فإن غاية هذا اللاهوت لا تقتصر على فهم الحقائق المجرّدة أو صياغتها نظريًا، بل تتجاوز ذلك إلى السعي لتغيير الواقع والعالم تغييرًا فعليًا.[17]

ففي أطروحته للدكتوراه، يربط صموئيل جاكوب كوروفيلا تطوّر اللاهوت الفلسطيني بالمرحلة التي أدرك فيها الفلسطينيون أن حلّ الدولة الواحدة لم يعد خيارًا قابلًا للتحقيق. وعلى إثر ذلك، استجاب المسيحيون الفلسطينيون من خلال تأسيس معاهد متخصّصة في الحوار المسيحي–الإسلامي، إضافة إلى مراكز تُعنى بلاهوت التحرير واللاهوت السياقي. وقد أُنشئت هذه المؤسّسات بهدف تعزيز التواصل والتفاهم بين الجماعتين، اللتين رأتا نفسيهما متحدتين في مواجهة ما اعتبرتاه خصمًا مشتركًا، أي الدولة الديمقراطية اليهودية–دولة إسرائيل.[18]

وهذا ما يُوضّحه متري الراهب بأن لاهوت التحرير الفلسطيني نشأ بوصفه ردًّا على المساعي الإسرائيلية لفرض واقعٍ معيّن، وتعزيزًا للهويّة الفلسطينية. ووفقًا لرؤيته، تحوّل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي إلى صدامٍ بين هويتين متقابلتين، لا مجرّد نزاع سياسي على الأرض.[19]

ويصف منذر إسحاق اللاهوت الفلسطيني بأنه عملية قراءة للكتاب المقدس بعيون فلسطينية، وتأويل لنصوصه ضمن السياق الفلسطيني الخاص.[20] كما يضيف بأن هذا اللاهوت صاغته أطر القومية العربية، إذ يرى نفسه جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي والعرقي والسياسي للشعب العربي الفلسطيني.[21]

يُعَدّ هذا المنظور القومي في اللاهوت الفلسطيني عنصرًا محوريًا بالغ الأهمية؛ فهو يصيغ رؤية لاهوت التحرير الفلسطيني لجوهر لاهوته ولرسالة الكنيسة على حد سواء، لا سيما في دورها كشاهد لليهود والمسلمين في هذه المنطقة.

وانطلاقًا من إيمانهم بأن الله يصطف إلى جانب المظلومين، يرى لاهوتيو التحرير الفلسطيني أنفسهم مرتبطين ارتباطاً لا انفصام فيه بالمسلمين الفلسطينيين، ومشاركين لهم في المعاناة والخبرة والنضال.[22]

لذا، فهم يفسرون أي موقف حيادي تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، من قِبَل بعض الفصائل والكنائس الفلسطينية، على أنه تهديد للوحدة الفلسطينية، وطعنٌ في الولاء لقضيتهم المركزية؛ وبناءً عليه، يشددون على أنهم والمسلمون يشكلون جبهة موحدة في مواجهة إسرائيل.

وكما ذكر نعيم عتيق في ختام الطبعة العربية من كتابه “الصراع من أجل العدالة”، فإن اللاهوت الفلسطينيّ يضع على عاتقه مسؤولية نقل قضيتهم إلى العالم الغربي، والعمل على تبديد الصور النمطية السلبية الملتصقة بالعرب والمسلمين![23]

وتُعدّ هذه العبارة الخطيرة، والتي غابت عمدًا عن النسخة الإنجليزيّة من كتابه، ذات دلالة لافتة؛ إذ تُسلّط الضوء على أحد الاتجاهات الفكرية لدى عددٍ من منظّري اللاهوت الفلسطيني، ولا سيّما في ما يتعلّق بمحاولة تهوين وتهميش المعاناة التي تعرّض لها المسيحيون واليهود في ديار الإسلام منذ الفتح الإسلاميّ المُبين. كما تُفسِّر هذه العبارة، إلى حدٍّ كبير، دوافع العديد من الأنظمة العربيّة الحاكمة في ممارسة الضغوط على الكنائس الإنجيليّة لحملها على تبنّي هذه السرديّة وهذا التوجّه.

النصوص التأسيسية

ولأنَّ لكلِّ نظامٍ لاهوتيٍّ نصوصًا كتابيّةً يستندُ إليها في بناء لاهوته، فإنّه من الضروري أن ننتقل إلى استكشاف هذه النصوص. فبينما يستمد لاهوت التحرير في أفريقيا وأمريكا اللاتينية إلهامه غالبًا من قصة “خروج شعب إسرائيل من أرض مصر”، بوصفها نموذجًا لتحرير الشعوب من الاضطهاد السياسي والاجتماعي، يجد اللاهوت الفلسطيني صعوبة بالغة في توظيف هذه القصة بالطريقة ذاتها؛ ذلك أن سردية الخروج لا تتماشى بسهولة مع السردية التي يسعون إلى تقديمها. ويوضح نعيم عتيق مكمن هذه الصعوبة مبيّنًا أنه لو طُبِّقت قصة الخروج تطبيقًا مباشرًا على الواقع الفلسطيني، فإنها ستضع الفلسطينيين في موضع الكنعانيين الذين أُزيحوا عن أرضهم بأمرٍ إلهي. وهذا ما يجعل من قصة الخروج نصًا إشكاليًا وصعب التوظيف في إطار لاهوت التحرير الفلسطيني.[24]

وهكذا، من نعيم عتيق إلى منذر إسحق، يتوجّه اللاهوتيون الفلسطينيون إلى قصة نابوت اليزرعيلي، الذي اغتُصبت أرضه ظلمًا على يد الملك آخاب (1 ملوك 21). فيُقدِّم نعيم عتيق كرم نابوت بوصفه رمزًا للمأساة الفلسطينية ولانتهاك الحقوق الفردية. كما يؤكّد أن محور هذه القصة يتمثّل في إله العدل الذي يقف إلى جانب المظلومين.[25]

وبناءً على ذلك، يرى لاهوتيو التحرير الفلسطينيون أنفسهم في موضع النبي إيليا، أو في موقع الصوت النبوي المدعو لمواجهة الملك الغاصب آخاب، وهو الدور الذي يسقطونه اليوم على دولة إسرائيل.[26] كما يُستَشهَد أيضًا بنصوص أخرى تتقاطع مع التجربة الفلسطينية، مثل المزمورين 42 و43.

وبهذا يتضح أن لاهوت التحرير الفلسطيني لم ينشأ في فراغ، بل تَشَكَّل في ظِل واقعٍ سياسيّ مُلتهِب وأزمةٍ تفسيريةٍ لنصوص العهد القديم. كما رأينا أن بعض منظّري هذا اللاهوت لا يكتفون بوصف المعاناة أو المطالبة بالعدالة، بل يعيدون صياغة وظيفة اللاهوت ودور الكنيسة بغرض التأكيد على هويتهم الجمعية في مواجهة خصمٍ سياسيّ.

في المقال القادم، سأقدّم نقدًا موضوعيًا للاهوت التحرير الفلسطينيّ، ومعضلة خلطه للسرديّة الإسلاميّة مع اللاهوت العهديّ، وخطورة مآلات تبرير كثيرٍ من العمليّات الإرهابيّة الفلسطينيّة والنظر إليها بوصفها نضالًا أو مقاومةً مشروعة.


[1]  متري الراهب، “الايمان،الصمود،المقاومة المبدعة في الفكر المسيحي الفلسطيني المعاصر،” موقع متري الراهب، 29 نوفمبر 2024، https://www.mitriraheb.org/ar/article/1486385199

[2] Samuel Jacob Kuruvilla, “Radical Christianity in the Holy Land: A Comperative Study of Liberation and Contextual Theology in Palestine-Israel” (PhD diss., University of Exeter, 2009), 81.

[3] منذر اسحق، “المسيحيون الفلسطينيون: الواقع والتحديات،” مدخل إلى اللاهوت الفلسطيني (بيت لحم: ديار للنشر، 2017)، 13.

[4] Riah Abu El-Assal, Caught in Between: The story of an Arab Palestinian Christian Israeli (London: SPCK, 1999), 56; Kuruvilla, Radical Christianity in the Holy Land, 92.

[5] Naim Ateek, Justice and Only Justice: A Palestinian Theology of Liberation (Maryknoll: Orbis Books, 1989), 3, 76-77.

[6] منذر اسحق، “الكتاب المقدس في اللاهوت الفلسطينيّ،” مدخل إلى اللاهوت الفلسطيني (بيت لحم: ديار للنشر، 2017)، 88.

[7] جريس خوري، “لاهوت شجرة الزيتون المتجذر في الأرض الفلسطينيّة،” مدخل إلى اللاهوت الفلسطيني (بيت لحم: ديار للنشر، 2017)، 75.

[8] Phillip Berryman, Liberation Theology (Philadelphia, PA: Temple University Press, 1987), 138–39; Michael Novak, “The Case Against Liberation Theology,” The New York Times Magazine, October 21, 1984, https://www.nytimes.com/1984/10/21/magazine/the-case-against-liberation-theology.html

[9] Elisabeth Arweck, Researching New Religious Movements: Responses and redefinitions (New York: Routledge, 2006), 55.

[10] Deane William Ferm, Contemporary American Theologies: A Critical Survey (Eugene: Wipf &bStock, 1981), 59.

[11] Mitri Raheb, “Mission in the Context of Fragmentation,” International Review of Mission, Vol. 86, 397.

[12] Ateek, Justice and Only Justice, 2.

[13] Christopher J. H. Wright, The Mission of God: Unlocking the Bible’s Grand Narrative (Lisle, Il, IVP Academic, 2006), 281–286.

[14] منذر اسحق، “لاهوت التحرير والعدالة،” مدخل إلى اللاهوت الفلسطيني (بيت لحم: ديار للنشر، 2017)، 123–124؛

Ferm, Contemporary American Theologie, 62; Kuruvilla, Radical Christianity in the Holy Land, 52.

[15] Ferm, Contemporary American Theologies, 65.

[16] Munther Isaac, “Awakening the Conscience of the World,” YouTube, May 7, 2024, https://youtu.be/AlH4ll6jjyI?si=kFvr0kplmKZyP5Su

[17] Ferm, Contemporary American Theologies, 63.

[18] Kuruvilla, Radical Christianity in the Holy Land, 137.

[19] Raheb, Mission in the Context of Fragmentation, 343.

[20] منذر اسحق، “المقدمة،” مدخل إلى اللاهوت الفلسطيني (بيت لحم: ديار للنشر، 2017)، 9.

[21] اسحق، المسيحيون الفلسطينيون: الواقع والتحديات، 12–13.

[22] اسحق، المسيحيون الفلسطينيون: الواقع والتحديات، 15.

[23] نعيم عتيق، الصراع من أجل العدالة (أورشليم: دار الكلمة، 2012)، 214.

[24] Ateek, Justice and Only Justice, 86–87; Kuruvilla, Radical Christianity in the Holy Land, 98.

[25] Ateek, Justice and Only Justice, 87.

[26] Chris Katulka, “Palestinian Liberation Theology,” Israel my Glory, August 2012, https://israelmyglory.org/article/palestinian-liberation-theology/

شارك مع أصدقائك

مينا م. يوسف

باحثٌ مرشح لنيل درجة الدكتوراه (Ph.D) في الإرساليات والأديان المقارنة من الكلية المعمدانية الجنوبية (SBTS) بولاية كنتاكي الأمريكية. حصل على درجتيّ الماجستير (M.A) في الدراسات الإسلامية، أحدهما من الكلية المعمدانية الجنوبية عام 2023، والأخرى من جامعة كولومبيا الدولية (CIU) بولاية ساوث كارولاينا عام 2016. يشغل حالياً منصب رئيس تحرير ائتلاف الإنجيل (TGC عربي)، ويعمل أستاذاً مساعداً للدراسات العربية والإسلامية في الكلية المعمدانية الجنوبية. شغل سابقاً منصب مدير مشروعات الشرق الأوسط في خدمات الألفية الثالثة، وله إسهامات بحثية عديدة، من بينها المشاركة في تأليف كتاب (Medieval Encounters) باللغة الإنجليزية.