رسالة عصيان من قلب سجون الصين

12 ديسمبر/كانون الأوَّل 2018

بدءًا من يوم الأحد 9 ديسمبر/كانون الأوَّل 2018، شَنَّت الحكومة الصينيَّة حملة صارمة على كنيسة المطر المُبكِّر للعهد في تشنغدو بالصين Early Rain Covenant Church in Chengdu, China، واحتجزت أكثر من مائة شخص من قادة وأعضاء الكنيسة، من بينهم القسُّ وانغ يِي Wang Yi، الراعي الرئيس لكنيسة المطر المُبكِّر؛ وهو أحد أبرز الرعاة الإنجيليِّين في الصين، وكذا زوجته، جيانغ رونغ Jiang Rong، ولم يُعرَف شيئًا بشأنِهما منذ ذلك اليوم.

اتُّهِم القسُّ وانغ يِي وزوجته بالتحريض على تقويض سلطة الدولة، الأمر الَّذي قد يؤدِّي إلى الحكم بسجنهما لمدة تتراوح بين 5 – 15 سنة.

لم يكن هذا الاضطهاد مفاجئًا للراعي وانغ أو الكنيسة المكوَّنة من 750 شخصًا؛ فلطالما أوسَعت كنيسة المطر المبكِّر حدودها بعد أن كان مقصودًا لها أن تظل كنيسة منزليَّة غير مُعتَرَف بها من الحكومة.

وبكلِّ مُجَاهرة، انتقد وانغ معاملة الحكومة الصينيَّة للمسيحيين، ملقِّبًا الرئيس الصينيَّ شي چين بينغ بأنَّه الخاطئ الَّذي «اقترفت حكومته شرًّا عظيمًا ضدَّ الله، باضطهادها لكنيسة الربِّ يسوع المسيح.»

ومع وضع ذلك في الاعتبار، كتب وانغ خطابًا بين سبتمبر/آب وأكتوبر/تشرين الأوَّل في نفس العام ليتمَّ نشره على العامَّة في حالة اعتقاله.

في 11 ديسمبر، أصدرت كنيسة المطر المبكِّر رسالة وانغ، بعنوان «بياني بشأن عصيانٍ مؤمِن». فيه يشرح معنى وضرورة عصيان المؤمن، وكيف يختلف عن النشاط السياسيِّ أو العصيان المدنيِّ، وكيف ينبغي للمسيحيِّين أن ينفِّذوه.

وهذا هو نَصُّ الرسالة الأصليَّة:

بياني بشأن عصيانٍ مؤمِن

على أساسِ تعاليم الكتاب المُقدَّس، وكذا إرساليَّة الإنجيل؛ فإنَّني أحترم السلطات الَّتي وضعها الله في سُدَّة الحكم في الصين. لأنَّ الله يَعْزِلُ مُلُوكًا وَيُنَصِّبُ مُلُوكًا. وهذا هو السبب في أنَّني أخضع للترتيب الإلهيّ التاريخيّ والمؤسَّسيّ في الصين.

بصفتي راعيًا لكنيسةٍ مسيحيَّة؛ فإنّني أملك فهمًا ووجهات نظر خاصة، استنادًا إلى الكتاب المُقدَّس، حول ماهيَة النظام الخيِّر والحكومة الصالحة. وفي نفس الوقت، أستشيط غضبًا واشمئزازًا ممَّا تعانيه الكنيسة من اضطهاد من قِبَل هذا النظام الشيوعيّ، ومن شرِّ زبانيته المُفسدين للحريَّات الدينيَّة والضمير. لكنَّ الإرساليَّة الَّتي دعيت إليها ليست هي تغيير المؤسَّسات الاجتماعيَّة والأنظمة السياسيَّة، وليس هذا هو الهدف الَّذي من أجله أعطى اللهُ الإنجيلَ لشعبِه.

إذ أنَّ كلَّ أشكال الواقع البشِع، والسياسات غير العادلة، والقوانين التعسُّفيَّة، هي إعلان لصليب يسوع المسيح، الَّذي هو الوسيلة الوحيدة الَّتي من خلالها يجب أن يخلُص كلُّ شخصٍ صينيّ. كما أنَّها تُظهِر أيضًا حقيقة أن الرجاء الحقيقيّ والمجتمع المثاليّ لن يتمَّ العثور عليهما أبدًا بالتغيير الكليِّ لأيِّ مؤسَّسة أو ثقافة دنيويَّة، ولكن فقط من خلال الغفران المجانيِّ لخطايانا من قِبَل المسيح وعلى رجاء الحياة الأبديَّة.

الخضوع للسُلطات

بوصفي قِسًّا؛ فإنَّ إيماني الراسخ بالإنجيل، وتعليمي، وتوبيخي لكلِّ أشكال الشرِّ؛ تنبع من وصيَّة المسيح في الإنجيل، وممَّا لديَّ من حبٍّ لا يُسبَر غورَه لهذا الملك المجيد. فحياة كلِّ إنسان قصيرة للغاية، والله يأمر الكنيسة بحرارة أن تقود وتدعو أيَّ إنسانٍ إلى التوبة متى أرادها. والمسيحُ يرغب، بل ويتوق، إلى أن يغفر لكلِّ مَن يتحوَّلون مبتعدين عن خطاياهم. هذا هو هدف كلِّ الجهود الَّتي تبذلها الكنيسة في الصين؛ أن تشهد للعالم عن المسيح، أن تشهد للمملكة الوسطى[i] عن ملكوت السماوات، وأن تشهد للحياة الأرضيَّة الزمنيَّة عن الحياة السماويَّة الأبديَّة. وهذه أيضًا هي الدعوة الرعويَّة الَّتي تلقَّيتُها.

لهذا السبب، فإنَّني أقبل وأحترم حقيقة أن الله قد سمح لهذا النظام الشيوعيَّ بالحكمِ مؤقَّتًا. وكما قال خادم الربِّ چون كالڤن John Calvin، فإنَّ الحكَّام الأشرار هم قضاء الله على شعبٍ شرِّير، والهدفُ من وراء هذا هو حثُّ شعب الله على التوبة والرجوع إليه من جديد. ولهذا السبب، فإنِّني أُسلِم نفسي لسلطاتهم التنفيذيَّة عن طيبِ خاطرٍ، كما لو كنتُ أُسلِمها إلى تأديب الربِّ وتهذيبه.

إدانة شرور السُلطات

في الوقت نفسه، أعتقد أن اضطهاد هذا النظام الشيوعيِّ للكنيسةِ هو عمل شرير وغير قانونيٍّ إلى حد كبير. وكراعٍ لكنيسة مسيحيَّة، يجب أن أستنكر هذا الشرّ بشكلٍ صريح وصارم. لكنَّ الدعوة الَّتي تلقَّيتُها تستلزم منِّي استخدام أساليب غير عنيفة لعصيان تلك القوانين الإنسانيَّة الوضعيَّة الَّتي تعصى الكتابَ المُقدَّس والله. ومخلِّصي المسيح يطلب منِّي أن أتحمَّل، عن طيب خاطرٍ، كلَّ تكاليف عصيان القوانين الشريرة.

لكن بأيِّ حال من الأحوال، هذا لا يعني أنَّ عصياني الشخصيّ وعصيان الكنيسة هو «نضالٌ حقوقيّ» أو نشاط سياسيّ في شكلِ عصيانٍ مدنيّ، لأنَّني لا أملك أيَّ نيَّة لتغيير أيَّة مؤسَّسات أو قوانين في الصين. فإنَّ الشيءَ الوحيد الَّذي يهمُّني كراعٍ هو عرقلة الطبيعة الإنسانيَّة الخاطئة من خلال هذا العصيان المؤمِن، والشهادة الَّتي يحملها لصليب المسيح.

علاقة الكنيسة بالدولة

بوصفي راعيًا، فإنَّ عصياني هذا هو أحد جوانب مأموريَّة الإنجيل. فإنَّ مأموريَّة المسيح العظمى تستلزم منَّا عصيانًا عظيمًا. وهدف العصيان ليس هو تغيير العالم، بل الشهادة لعالم آخر.

إذ أنَّ مهمة الكنيسة هي أن تكون كنيسةً فحسْب، لا أن تكون جزءًا من أيِّ مؤسَّسةٍ علمانيَّة. بشكل سلبي؛ فإنَّ الكنيسة يجب عليها أن تفصل نفسها عن العالم، وتحفظ نفسها من أن يحوِّلها العالم إلى مؤسَّسة. وبشكل إيجابي؛ فإنَّ كلَّ ما تعمله الكنيسة هو أن تحاول أن تُثبِت للعالم حقيقةَ وجود عالم آخر. يعلِّمُنا الكتاب المُقدَّس أنَّه في جميع الأمور المتعلِّقة بالإنجيل والضمير الإنسانيّ، يجب أن نطيع الله لا البشر. لهذا السبب، فإنَّ العصيان الروحي والمعاناة الجسديَّة هما طريقتان نشهد بهما عن عالم آخَر أبدي، وعن ملك آخَرَ مجيد.

هذا هو سبب عدم اهتمامي بتغيير أيِّ أنظمةٍ سياسيَّة أو قانونيَّة في الصين. بل لست مهتمًّا حتَّى بمسألة متى ستتغيَّر سياسات النظام الشيوعيِّ الَّتي تضطهد الكنيسة. فبغض النظر عن النظام الَّذي أعيش فيه الآن أو في المستقبل، فما دام اضطهاد الحكومة العلمانيَّة للكنيسة، منتهكةً الضمائر البشريَّة الَّتي يختصُّ بها اللهُ وحدَه، فإنَّني سأستمر في عصياني بموجِب الإخلاص. إذ أنَّ المأموريَّة الَّتي أعطاني إيَّاها الله هي برمَّتها أن أُعلِّم المزيد من الشعب الصينيّ من خلالِ أفعالي أنَّ رجاء الإنسانيَّة والمجتمع لا يكون إلَّا في فداء المسيح، في سيادة الله فوق الطبيعيَّة المملؤة نعمة.

الاستعداد لتحمل الاضطهاد

إذا قرَّر الله استخدام اضطهاد هذا النظام الشيوعيِّ للكنيسة لمساعدة المزيد من الشعب الصينيِّ أن يفقدوا الرجاء في مستقبلهم، مُقتادًا إيَّاهم عبر بريَّة التحرُّر من الوهم الروحيّ، ومن ثمَّ اقتيادهم لمعرفة يسوع نتيجة هذا، وإذا كان الله من خلال هذا يواصل تأديب وبناء كنيسته؛ فإنَّني أرغب في الخضوع لخطَّة الله بفرح، فإنَّ خُطَطه هي الخير والإحسان على الدوام.

وعلى وجه الدِّقة، إنّني لا أهابُ أيَّة قوَة؛ اجتماعيَّة كانت أو سياسيَّة. لأنَّي لا أرجو من كلماتي وأفعالي البحث عن التغيير المُجتَمعيّ والسياسيّ. إذ أنَّ الكتاب المُقدَّس يعلِّمنا أن الله يؤسِّس السلطات الحكوميَّة من أجل مجازاة فاعلي الشرِّ، وليس لترويع فاعلي الخير. وإذا كان المؤمنون بيسوع لا يفعلون خطأً، فلا ينبغي لهم أن يخافوا من قِوى الظلام. وعلى الرغم من أنَّني أضعُف في كثيرٍ من الأحيان، إلَّا أنَّني أعتقد اعتقادًا راسخًا بأنَّ هذا هو وعد الإنجيل. هذا ما كرَّست كلَّ طاقتي له. وهذا هو الخبر السارُّ الَّذي أنشره في جميع أرجاء المجتمع الصينيِّ.

كما أفهم أنَّ هذا يحدث ليكون هو نفسه سببًا لامتلاء النظام الشيوعيِّ رعبًا من كنيسة لم تعُد تخاف منه.

إنْ سُجِنت لفترة من الزمن طالت أو قصرت، وإن استطعت أن أساعِد في الحدِّ من خوفِ السلطاتِ من إيماني ومن مخلِّصي، فأنا على أتمِّ استعداد أن أساعدهم عن طيب خاطرٍ بهذه الطريقة. لكنَّني أعرف أنَّه فقط يمكنني هذا عندما استنكر كلَّ فساد هذا الاضطهاد ضدَّ الكنيسة واستخدم الوسائل السلميَّة للعصيان؛ عساي حينها أن أتمكَّن حقًّا من مساعدة نفوس أفراد السلطة وقوَّات إنفاذ القانون. أرجو أن يستخدمني الله، عن طريق فقدان حريتي الشخصيَّة لأول مرة، لأخبِر أولئك الَّذين حرموني من حريَّتي الشخصيَّة بأنَّ هناكَ سلطة أعلى من سلطتهم، وأنَّ هناك حريَّة لا يستطيعون قمعها، وهي الحريَّة الَّتي تملأ كنيسة يسوع المسيح المصلوب والمُقام.

الشر الأعظم في العالم

وبغضِّ النظر عن الجريمة الَّتي تتَّهمُني بها الحكومة، وأيَّا كانت القاذورات الَّتي يقذفونني بها؛ فما دامت هذه التهمة مرتبطة بإيماني وكتاباتي وتعليقاتي وتعاليمي، فإنَّها مجرَّد أكاذيب وتجارب شيطانيَّة. إنَّني أنكرها بشكل قاطع. سأكون خادمًا لعقوبتي، لكنَّني لن أكون خادمًا للقانون. سوف أُعدَم، لكنَّني لن أقرَّ بالذنب.

علاوة على ذلك، لا بدَّ لي من لفت الانتباه إلى أنَّ الاضطهاد ضد كنيسة الربِّ وضد كل الشعب الصيني الَّذي يؤمن بيسوع المسيح هو الشرُّ الأكثر فسادًا وترويعًا في المجتمع الصينيّ. فهذه ليست مجرَّد خطيَّة ضد المسيحيِّين. بل إنَّها أيضا خطيَّة ضد غير المسيحيِّين على السواء. فالحكومة تهدِّدهم بوحشيَّة وبلا رحمة وتعوقهم عن الإتيان إلى يسوع. ليس هناك شرٌّ في العالم أعظم من هذا.

الدينونة العتيدة

إن كان لا بدَّ لهذا النظام أن يطيح اللهُ به يومًا ما، فلن يكون هناك أيُّ سبب آخر وراء هذا سوى عقاب الله العادل وانتقامه المُحقِّ من هذا الشر. إذ أنَّ الأرض شَهِدَت كنيسةً عمرها ألفُ عامٍ. لكنَّها لم تشهد حكومةً دامت لألفِ عام. الإيمان وحدَه أبديّ. لكن لا توجد قوَّة أبديَّة.

وأولئك الَّذين يحبسونني ستحبسهم الملائكة ذات يوم. ومن يستجوبونني سيُستَجوَبون ويُدانون من قِبَل المسيح. عندما أفكِّر في هذا، يملؤني الربُّ بشفقة فِطرية وحزن تجاه أولئك الَّذين يحاولون أن يسجنونني أو يفعلون هذا الآن. صلُّوا أن يستخدمني الربُّ، وأن يمنحني الصبر والحكمة، علِّي أتمكَّن من نقل الإنجيل إليهم.

قد يفصلونني عن زوجتي وأطفالي، ويشوِّهون سمعتي، ويدمِّرون حياتي وعائلتي؛ إنَّ السلطات قادرة على القيام بكل هذه الأشياء. لكن مع ذلك، لا يمكن لأحد في هذا العالم أن يجبرني على إنكار إيماني. لا يمكن لأحد أن يجعلني أُغيِّر حياتي؛ ولا يمكن لأحد أن يقيمني من الموت.

وهكذا، أيُّها الضباط المحترمون، كفُّوا عن ارتكاب الشر. وهذا ليس لمصلحتي بل لمصلحتكم ومصلحة أطفالكم. إنَّني أتوسَّل إليكم بكل تفانٍ أن ترفعوا أيديكم عنِّي، لا ينبغي أن تدفعوا ثمن اللعنة الأبديَّة في الجحيم من أجل خاطئٍ وضيع مثلي أنا؟

إنَّ يسوع هو المسيح، ابن الإله الحيِّ الأزليّ. الَّذي مات من أجلِ الخطاة وأُقيم من الأموات إلى الحياة من أجلنا. إنَّه ملكي وملك كلِّ الأرض أمسًا، واليوم، وإلى الأبد. أنا عبده، وسُجِنتُ من أجل هذا. سأقاوم في وداعة أولئك الَّذين يقاومون الله، وسأنتهك عن طيب خاطر جميع القوانين الَّتي تنتهك قوانين الله.

خادم الربِّ،

وانغ يِي.

[i]  أحد أسماء إمبراطوريَّة الصين القديمة.

شارك مع أصدقائك

ق. وانغ يِي

راعي كنيسة المطر المبكر، وهي كنيسة كالفينية في تشنغدو، الصين. وهو كاتب ومحرر وعمل كأستاذ في جامعة تشنغدو قبيل تفرغه للعمل الرعوي.