من الفردوس إلى الشريعة
يقدّم سفر التكوين الإنسان، منذ البداية، بوصفه كائنًا جائعًا، ويصوّر العالم كمائدةٍ مفتوحة أمامه. يقول الله: “هُوَذا قَد أَعطَيتُكُمْ كُلَّ عُشبٍ يُبزِرُ بَذرًا… وَكُلَّ شَجَرٍ فيهِ ثَمَرُ شَجَرٍ يُبزِرُ بَذرًا، لَكُمْ يَكونُ طَعامًا” (تك ١: ٢٩). فالخليقة هنا ليست مجرد مخزنٍ للموارد، بل هي عطيةٌ صادرة عن محبة الله. فالله يخلق أولًا، ثم يهيّئ الطعام، ثم يضع الإنسان في وسط هذا العالم الموهوب له.
وقد عبّر ألكسندر شميمان عن هذه الصورة بقوله إن الإنسان، في الرواية الكتابية، يظهر أولًا ككائنٍ جائع، وإن العالم يُقدَّم له كطعام. غير أن الأكل، في هذا التصور، لا يقتصر على حفظ الحياة الجسدية، بل يرتبط بدعوة الإنسان إلى أن يستقبل الخليقة بالشكر، وأن يردّها إلى الله بالتسبيح. وهكذا يصير الأكل فعل شكرٍ واعترافٍ بالله، لا مجرد تلبيةٍ لحاجةٍ بيولوجية.[1]
لكن هذه المائدة الأولى ارتبطت منذ البداية بسؤال الطاعة. فالوصية الإلهية في الجنة جاءت مرتبطة مباشرة بالأكل: “وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا” (تكوين 2: 17). ومن ثمّ، لم تكن الخطيّة الأولى في الثمرة ذاتها، بل في الطريقة التي أُخذت بها. لقد صار الأكل هنا فعلَ تمرّد، إذ استُخدمت عطية الله ضدّ الله نفسه. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: «ماذا آكل؟» مجرد مسألة ذوقٍ أو ثقافة، بل أصبح مرتبطًا بطبيعة علاقة الإنسان بالله: هل يستقبل الطعام بوصفه عطيةً إلهية في طاعةٍ وشكر، أم يتعامل معه بوصفه رمزًا لاستقلاله عن الله؟
بعد السقوط، تحوّل الأكل من عطيةٍ سهلة إلى عطيةٍ تأتي عبر العرق والألم: “بِعَرقِ وَجهِكَ تَأكُلُ خُبزًا” (تك ٣: ١٩). ومع ذلك، ظلّ الأكل عطيةً، ولم يصبح لعنةً في ذاته. ثم مع العهد الذي أقامه الله مع نوح يظهر اتساعٌ جديد في نطاق الطعام: “كُلُّ دابّةٍ حَيّةٍ تَكونُ لَكُمْ طَعامًا. كَالعُشبِ الأَخضَرِ دَفَعتُ إِلَيْكُمُ الكُلَّ. غيرَ أنَّ لَحمًا بِحَياتِهِ، دَمِهِ، لا تَأكُلوهُ” (تك ٩: ٣–٤). هنا يسمح الله للإنسان بأكل اللحم، لكنه يضع له حدًّا واضحًا، هو احترام الدم بوصفه علامةً على الحياة التي تعود إلى الله وحده. ومن ثمّ، فالأكل ليس نهمًا أعمى، بل ممارسةٌ تجري داخل حدودٍ إلهية، حيث يمارس الإنسان سلطانه على الخليقة في إطار الاحترام والخوف من الله.
من هنا يتقدّم الإعلان الإلهي إلى الشريعة الموسوية، حيث يحتلّ الطعام مكانةً مركزية في تشكيل هوية شعب الله. ففي لاويين 11 وتثنية 14 تَرِدُ شرائع الأطعمة الطاهرة والنجسة، ويظهر فيها التمييز بين ما يجوز أكله وما لا يجوز. وتكشف هذه الشرائع أن الطعام يدخل في دائرة القداسة؛ فكما أن الشعب مكرّس للرب، كذلك يخضع طعامه أيضًا لعلامات التمييز والانضباط. ولا تعني هذه الحدود الغذائية أن بعض المخلوقات شريرة في ذاتها، بل إن الله يربط القداسة بكيفية التعامل مع عطايا الخليقة، بحيث لا تُمارَس الحرية الإنسانية على نحوٍ منفلتٍ من حدوده. وفي هذا السياق، يصير الطعام علامةً على الهوية والانتماء، لأن ما يأكله اليهودي، ومن يشاركه المائدة، يعبّر عن انتمائه إلى شعب العهد. لذلك ليس مستغربًا أن يستمرّ النزاع حول الطعام في العهد الجديد، سواء في العلاقة بين اليهود والأمم، أو في الأزمة التي نشأت حول الأكل مع الأمم الغلف، كما يظهر في غلاطية 2.
موائد العهد القديم: القداسة، الهويّة، والشركة مع الله
لا تقف الشريعة عند تقسيم الأطعمة إلى طاهرة ونجسة، بل تربط الأكل مباشرة بالعبادة. ففي ذبيحة السلامة مثلًا، لا تُحرَق الذبيحة كلها، بل يشترك المقرِّب وأهل بيته مع الكاهن في أكل جزءٍ منها أمام الرب (لاويين 7؛ تثنية 12: 7، 18). وهكذا تصير المائدة امتدادًا للمذبح، ويغدو الأكل فعلَ شكرٍ وشركة: الله يعطي، والإنسان يقدّم، ثم يأكل في حضرته.
وفي أسفار الحكمة تُستعمل صورة الطعام أيضًا للتحذير من الشره والسُّكر. فالأمثال يربط بين الإفراط في الأكل والشرب وبين الفقر والانحلال: “لا تَكُنْ بَينَ شَرّابي الخَمرِ، بَينَ المُتلفينَ أَجسادَهُم لأن السكير (والمسرف) يفتقران…” (أم ٢٣: ٢٠–٢١). ومن ثمّ، فالخطأ لا يكمن في الطعام ذاته، بل في القلب الذي يحوّل نعمة الأكل إلى عبوديةٍ للشهوة.
ويظهر هذا المعنى أيضًا عند كليمنضس الإسكندري في كتابه المربّي، إذ يهاجم الترف والإفراط في الطعام، ويربطهما بالانغماس في اللذة. فهو لا ينشغل بالطعام من جهة مادته فقط، بل من جهة تحوّله إلى علامة على حياةٍ يحكمها الإسراف بدل الاعتدال. ويصف ما يطلبه الإنسان المتنعِّم بألفاظ مثل: «الترف، والتنعُّم، والأطعمة المصنوعة بتكلّف، والتغذية المترفة، والشَّرَه»، ويرى أن ما يتجاوز الضرورة يدخل في باب الفائض الذي يقود الإنسان بعيدًا عن الحق.[2]
وتتقدّم أسفار الأنبياء خطوة أخرى، إذ لا تكتفي بنقد الشبع الأناني، بل ترفع النظر إلى وليمةٍ مستقبلية يعدّها الله بنفسه. ففي إشعياء 25 نقرأ عن “وَليمَةِ سَمائِن” يصنعها الرب لجميع الشعوب. وفي إشعياء ٥٥ يدعو العطاش والجياع قائلًا: “هَلُمّوا اشتَروا وَكُلوا… بِلا فِضّةٍ وبِلا ثَمَنٍ”.
والوليمة هنا ليست مجرد صورةٍ للوفرة، بل رمزٌ للخلاص الكامل وفرح الشركة مع الله. وليس اختيار صورة الأكل أمرًا عارضًا، لأن الله يستخدم خبرةً إنسانية يومية، هي الجوع والشبع، ليعلن بها عمق ما يقدّمه لشعبه: حضوره وعطاياه وشركته.
وتضيف قصة دانيال في بابل بُعدًا آخر إلى لاهوت الأكل. فرفض دانيال وأصحابه أن يتنجّسوا بأطايب الملك لم يكن مجرد امتناعٍ غذائي أو حمية صحية، بل كان موقفًا روحيًا يعلن أن هويتهم لا تُشتق من القصر البابلي، ولا بدخولهم في شركة مع آلهة الأمم عبر طعام المذبح الوثني. وبهذا صار الطعام علامة ولاء، إذ انكشف من خلاله السؤال الأعمق: لمن ينتمي شعب الله؟ وتحت أي سيادةٍ يعيش؟
يسوع وموائد العهد الجديد: من الفِصح إلى مائدة الرب
مع مجيء المسيح، يتكثّف هذا التاريخ الكتابي كله حول الطعام في خدمته وموائده. ويحتلّ إنجيل لوقا مكانةً خاصة في هذا السياق، حتى إن بعض الدارسين أطلقوا عليه “إنجيل الموائد”، لكثرة المشاهد التي فيها يأكل يسوع مع الناس أو يتكلم عن ولائم.
فمثلًا، نجد وليمة لاوي العشّار، ومائدة الفريسيّ والمرأة الخاطئة، وإطعام الجموع، والطعام في بيت مريم ومرثا. كما نقرأ عن مَثَل العشاء العظيم، وكذلك عن العشاء مع زكّا، والعشاء الأخير، وأخيرًا كسر الخبز مع تلميذيّ عمواس.
ففي موائد لوقا، لا يكون الأكل مجرد خلفية للأحداث، بل يصبح كاشفًا لقلب الإنجيل نفسه. فعندما يجلس يسوع مع العشارين والخطاة، تصير المائدة علامة قبولٍ ونعمةٍ لمن نبذهم المجتمع الديني، وتغدو الشركة في الطعام تعبيرًا عمليًا عن مجيء الخلاص إلى المرفوضين. وفي المقابل، تكشف بعض موائد الفريسيين عن الكبرياء ومحبة المكانة وحسابات الشرف الاجتماعي، ولذلك ينتقد يسوع المتكآت الأولى وطلب المجد من الناس. كما يقدَّم الملكوت نفسه في لوقا في صورة وليمةٍ يُدعى إليها المساكين والعُرج والعميان.
وفي العشاء الأخير، يأخذ الرب يسوع فصح إسرائيل، أي وجبة الذكرى المرتبطة بالخروج والخلاص، ويجعله يتمحور حول شخصه هو. فالخبز يُعطى بوصفه جسده المبذول، والكأس تُعطى بوصفها “العَهدُ الجَديدُ بِدَمي” (لو ٢٢: ٢٠؛ ١كو ١١: ٢٥). وبذلك يصير الأكل والشرب عملًا عهديًا يربط جماعة العهد الجديد بموته الكفاري، ويجعل المائدة موضع تذكّرٍ حيٍّ للمسيح وشركةٍ كنسيةٍ مؤسسة على ذبيحته.
لكن العهد الجديد يتعامل أيضًا مع الوجه الآخر للأكل: الطعام المذبوح للأوثان. ففي العالم اليوناني–الروماني، كانت الذبائح الوثنية ترتبط كثيرًا بالولائم، ولم يكن كل اللحم يُحرَق على المذبح، بل كان جزءٌ منه يُؤكل في سياقٍ ديني أو يُباع في السوق لاحقًا.
ومن هنا يشرح بولس في 1 كورنثوس 8–10 أن المشكلة ليست في اللحم من حيث هو لحم، بل في المعنى العهدي والشركة التي يُعبِّر عنها الفعل. فيقول: “ما يَذبَحُهُ الأُمَمُ فإنَّما يَذبَحونَهُ لِلشَّياطينِ لا للهِ… لا تَقدِرونَ أن تَشرَبوا كأسَ الرَّبِّ وكأسَ شَياطينَ” (١كو ١٠: ٢٠–٢١).
هنا نرى أن اللاهوت الكتابي يطرح سؤالًا أعمق من مجرد: هل الأكل من هذا النوع من اللحم حلال أم حرام؟ إذ يتحوّل السؤال إلى: مع مَن أدخل في شركة حين آكل؟ وأيَّ مائدةٍ أُظهر بها انتمائي: مائدة الرب أم موائد الأصنام؟ ولهذا يميّز بولس بين حضور المؤمن في هيكلٍ وثني أو في وليمةٍ وثنية، حيث يحمل الأكل معنى المشاركة الفعلية في عبادةٍ أخرى، وبين أكل لحمٍ من السوق لا يُعرف أصله، حيث يترك الأمر لحرية الضمير مع مراعاة ضعف الإخوة.
وفي المقابل، حين يتحدث بولس عن الأطعمة في 1 تيموثاوس 4، فإنه يهاجم الذين “يَمنَعونَ عن أطعمةٍ قَد خَلقَهَا اللهُ لتُتناول بالشُّكرِ” (١تي ٤: ٣). ويفسّر كالفن هذا النص بأن الله لم يخلق الطعام عبثًا، بل ليُنتفَع به في إطار الشكر، وأن الخالق، إذ أعطى الطعام، أعطى أيضًا حرية استعماله، فلا يملك البشر أن يحرّموا ما أباحه الله. ومن ثمّ، فإن الفرح الصحيح للمؤمن لا يقوم على الخوف من الطعام ولا على تأليهه، بل على استقباله بوصفه عطيةً من الله تُستعمل بحريةٍ نقية وشكرٍ مقدّس.[3]
درُّج الإعلان بين الحرية وضبط النفس
أعلن الرب يسوع مبدأً حاسمًا حين قال: “لَيسَ ما يَدخُلُ الفَمَ يُنجِّسُ الإنسانَ، بل ما يَخرُجُ مِنَ الفَمِ هذا يُنجِّسُ الإنسانَ” (مت ١٥: ١١). ويعلِّق في إنجيل مرقس أن: “ذلك يُطهِّر كل الأطعمة” (مر ٧: ١٩).
ومن ثمّ، لم تَعُد النجاسةُ متعلّقةً بنوع الطعام في ذاته، بل بالقلب الذي يسيء استخدام عطايا الله. كذلك، تُظهِر رؤيةُ بطرس في أعمال 10 المرحلةَ التالية من تدرُّج الإعلان: الملاءةَ المملوءةَ بكل دواب الأرض، والصوتَ القائل: “ما طَهَّرهُ اللهُ لا تُنجِّسْهُ أنتَ”. وقد ورد هذا المشهد في سياق دعوة بطرس للأمم؛ فهو يتعلّق أولًا بقبول غير اليهود، لكنه في الوقت نفسه يفتح الطريق لإنهاء الحدود الغذائية القديمة كحواجز فاصلة بين اليهود والأمم، وإقامة مائدةٍ واحدة تجمعهما في الكنيسة.
ويلخّص بولس هذا في ١ تيموثاوس ٤: “لِأَنَّ كُلَّ خَليقَةِ اللهِ جَيِّدَةٌ، ولا يُرفَضُ شَيءٌ إذا أُخِذَ مَعَ الشُّكرِ، لأَنَّهُ يُقَدَّسُ بِكَلِمَةِ اللهِ وَالصَّلاةِ” (١تي ٤: ٤–٥). وفي ضوء ذلك، يرفض كالفن كلَّ محاولةٍ لفرض نظمٍ غذائيّة صارمة بوصفها علامةً أسمى للقداسة، ويرى فيها إنكارًا لحرّية الإنجيل وحرمانًا لله من تسبيح الشكر الذي يليق به حين نتمتّع بعطاياه باعتدال. وفي كتابه: أسس الدين المسيحي، ي يؤكّد كالفن مرارًا أنّ المؤمن مدعوّ إلى استخدام عطايا الله بفرحٍ ورزانة، فلا يرفضها بدافع خوفٍ دنيوي، ولا ينغمس فيها بلا ضابط.[4]
كما يقدّم أوغسطينوس إطارًا عميقًا يساعد في فهم ذلك، حين يميّز في كتابه «في التعليم المسيحي» بين الاستمتاع (frui) والاستخدام (uti). فالله وحده هو موضوع الاستمتاع النهائي؛ أمّا المخلوقات—ومنها الطعام—فنَعبر من خلالها إلى الله، فنستخدمها كوسائل تقودنا نحوه، لا كغاياتٍ نهائيّةٍ تحبس قلوبنا فيها. فعندما يتحوّل الطعام إلى غاية، يصبح صنمًا، وعندما يُستَقبَل كوسيلةٍ للشكر والتمجيد، يصير بركةً حقيقيّة.[5]
ويتّضح هذا التمييز أيضًا في تقليد الكنيسة بشأن الشَّرَه؛ فمثلًا يشرح توما الأكويني في كتابه «الخلاصة اللاهوتيّة» أنّ الشَّرَه لا يعني فقط الإفراط في الكميّة، بل يشمل أيضًا الإفراط في الترف والبحث المَرَضي عن الجودة أو التوقيت أو الشكل—أي رغبةً غير منضبطة في الطعام في أيّ بُعدٍ من أبعاده. ويصبح الأكل خطيّة حين ينفلت من سلطان العقل ويتعارض مع غاية الحياة مع الله.[6]
ويسير يوحنا ذهبي الفم في الاتجاه نفسه، إذ يؤكِّد أنّ المشكلة ليست في «البطن» ذاتها، بل في الشَّرَه. ويدعو المؤمنين إلى عدم طلب إزالة الخيرات الماديّة، بل إزالة إساءة استخدامها. وفي تعليقه على 1 كورنثوس، يضع تباينًا واضحًا بين البطن للأطعمة من جهة، والجسد للرب من جهة أخرى، مُظهِرًا أنّ غاية الجسد في النهاية هي أن يكون للرب، لا أن يُستعبَد للأكل.[7]
في المقابل، فإنّ الصوم في الكتاب المقدّس ليس رفضًا للطعام من حيث المبدأ، بل هو امتناعٌ مؤقّت عن عطيةٍ مشروعة، تعبيرًا أعمق عن التوبة أو التذلّل أو الطلب. وتعبّر المزامير عن ذلك بلغة إذلال النفس بالصوم (مز 35: 13؛ 69: 10)، كما تواصل الكنيسة الأولى هذه الممارسة. غير أنّ العهد الجديد يحذّر من تحويل الصوم إلى وسيلة رياء، أو إلى تقنيةٍ سحريّة للحصول على قوى أو مواهب.
ويهاجم بولس في كولوسي 2 الفلسفات التي تختزل القداسة في “لا تَمسّ، ولا تَذوق، ولا تَجسّ”، ويصف هذا النوع من التقشّف بأنّه غيرُ ذي قيمةٍ في مقاومة شهوات الجسد.
وفي النهاية، يُعيد العهد الجديد ربط كل الحديث عن الأكل بالأبدية ذاتها. فيقدّم سفر الرؤيا صورة «عشاء عُرس الخروف» (رؤ 19: 9)، كما يصف مدينة الله حيث «شجرة الحياة» تُعطي ثمرها للأكل وشفاء الأمم (رؤ 22). وهذه الصورة تُعيدنا إلى شجرة الحياة في عدن، ولكن هذه المرّة في سياق فداءٍ كامل. وهكذا يبدو مسار الكتاب المقدس كأنه ينتقل من أكلٍ مسروق في الجنة الأولى، إلى أكلٍ عهديّ في تاريخ إسرائيل والكنيسة، إلى أكلٍ احتفاليّ في السماء الجديدة والأرض الجديدة.
نحو روحانية مسيحية للأكل والصوم اليوم
في السياق العربي، يعيش كثيرون بين ضغطين متطرّفين. فمن جهة، تسود ثقافةُ ولائمَ مبالغٍ فيها، تُقاس فيها الكرامة أحيانًا بكمية الطعام أكثر من نوعيّة الشركة، مع غفلةٍ خطيرةٍ عن صحّة الجسد الذي هو هيكل الروح القدس. ومن جهةٍ أخرى، تظهر أشكالٌ من التقشّف الديني أو الممارسات الروحيّة التي تُلمِّح إلى أنّ الامتناع عن الأكل في ذاته يقرِّب الإنسان إلى الله أكثر من الإيمان والطاعة، أو تُحوِّل الصوم إلى وسيلةٍ للحصول على اختباراتٍ ومواهب روحيّة عابرة.
إنّ لاهوت الأكل في الكتاب المقدّس يدعونا إلى طريقٍ ثالث: طريق الشكر وضبط النفس. فعلى المستوى الشخصي، يُدعَى المؤمن إلى أن يرى كل وجبةٍ عاديّة فرصةً لعبادةٍ صامتة؛ يبدأها بشكرٍ حقيقي، لا كروتينٍ مكرَّر، بل كاعترافٍ بأن هذه اللقمة لم تأتِ من مجهول، بل من يد الآب، عبر تعب كثيرين. وأن يأكل ببطءٍ ووعي، لا كمن يهرب من ضغوطه إلى الثلّاجة، بل كمن يتعلّم أن يستقبل عطية الله بسلامٍ وانتباه.
وفي الوقت نفسه، لا يُدعَى المؤمن إلى أن يكره جسده أو يحتقر لذّة الأكل. فالحرمان المَرَضي ليس فضيلة، كما أنّ النَّهَم ليس حرّية. ففي الأخلاق المسيحيّة، الفضيلة هي الاعتدال لا القمع؛ أن يكون الطعام في موضعه الصحيح: خادمًا للصحة والشركة والخدمة، لا سيّدًا على الوقت والمال والقلب.
وعلى مستوى الشركة الكنسيّة، تضع مائدة الرب معيارًا عمليًّا لكل موائدنا الأخرى. فمن يشترك في جسد المسيح ودمه مدعوّ إلى أن يرى مائدته البيتيّة امتدادًا لمائدة الكنيسة: مكانًا للمغفرة، وللاستماع المتبادل، ولكرمٍ يعرف كيف يفرح بالبسيط، ولحساسيّةٍ تجاه الفقير والجائع. ولا يُقبَل لاهوتيًا أن نفرح بمائدة الرب ثم نغلق قلوبنا عمّن لا يجدون ما يأكلونه؛ أو أن نحفظ تقاليد الصوم وننسى الصوم المقبول الذي يربطه الكتاب بشَرْك الخبز مع الجائع (إش 58).
أخيرًا، يقدّم لنا هذا اللاهوت دعوةً عمليّة للقارئ العربي: أن يُعيد التفكير في الأكل، لا بوصفه موضوعًا صحيًّا فحسب، ولا مسألةً شرعيّةً فحسب، بل جزءًا من روحانيّته اليوميّة. وأن يسأل نفسه: هل يدفعني الطعام إلى الشكر أم إلى الشكوى؟ إلى مشاركة الآخرين أم إلى الانغلاق على نفسي؟ وهل أستخدم الصوم للهروب من الطعام، أم أستخدم الطعام للهروب من الله؟
حين نتعلّم أن نأكل بشكر، وأن نصوم باتضاع، وأن نشارك الطعام بمحبة، نبدأ—بنعمة الله—أن نحيا لاهوت الأكل الذي يلمّح إليه الكتاب من أوّل صفحةٍ إلى آخر صفحة: من شجرة الحياة في الفردوس، إلى مائدة الرب في الكنيسة، إلى عشاء عرس الخروف في المجد.
[1] Alexander Schmemann, For the Life of the World: Sacraments and Orthodoxy, rev. and expanded ed. (Crestwood, NY: St Vladimir’s Seminary Press, 1973), 11–16.
[2] Clement of Alexandria, The Instructor (Paedagogus) 2.1–2, in The Ante-Nicene Fathers, vol. 2, ed. Alexander Roberts and James Donaldson (Buffalo, NY: Christian Literature Company, 1885).
[3] John Calvin, Commentaries on the Epistles to Timothy, Titus, and Philemon, trans. William Pringle (Edinburgh: Calvin Translation Society, 1856), commentary on 1 Timothy 4:3–5.
[4] John Calvin, Institutes of the Christian Religion, trans. Ford Lewis Battles, ed. John T. McNeill, 2 vols. (Philadelphia: Westminster Press, 1960), 3.10.1–4; 3.19.7–9.
[5] Augustine, On Christian Doctrine, trans. D. W. Robertson Jr. (Indianapolis: Bobbs-Merrill, 1958), 1.3–5; 1.22–24.
[6] Thomas Aquinas, Summa Theologiae II–II, q. 148, a. 1–2, in Summa Theologica, trans. Fathers of the English Dominican Province (New York: Benziger Brothers, 1947).
[7] John Chrysostom, Homilies on First Corinthians 24–26, in Nicene and Post-Nicene Fathers, First Series, vol. 12, ed. Philip Schaff (Buffalo, NY: Christian Literature Publishing Co., 1889).

