عقيدة التبرير والمنظور المُستحدث عن بولس

التعريف

يرى المنظور المُستحدث عن بولس (The New Perspective on Paul) أن الفَهم البروتستانتي الأصيل لعقيدة التبرير هو فهم خاطئ. فبحسب هذا المنظور، لم يكن بولس معارض لبر الأعمال، إنما معارض لعلامات الحدود العرقيّة المُميّزة لليهود (أو ما أطلقوا عليه بالإنجليزية “the boundary markers”) وسط شعب العهد الجديد. فإحدى الأفكار الأساسيّة في المنظور المُستحدث عن بولس هو أن التبرير الأوليّ بالإيمان ليس تبرير فردي بين الشخص والله، وإنما في إطار جماعة العهد (الكنيسة)، بينما التبرير النهائي فهو جزئيًا بالأعمال، وإن كانت هذه الأعمال هي ثمر عمل الروح القدس.

المُلخّص

يُعّد المنظور المُستحدث عن بولس (The New Perspective on Paul) تحوّل رئيسيّ في الدراسات اللاهوتيّة الأكاديميّة والذي بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وأطروحته هي أن السياق اليهوديّ للعهد الجديد قد تم فَهمَه بشكلٍ خاطئ، مما أدى إلى أخطاء في الفهم البروتستنتي الأصيل لعقيدة التبرير.

بحسب المنظور المُستحدث هذا، لم تكن نُظُم الخلاص اليهوديّ قائمة على بر الأعمال، إنما على الناموسيّة العهديّة (covenantal nomism)، وهي الاعتقاد بأن الشخص يدخل إلى العهد بالنعمة، ولكن البقاء في العهد قائم على طاعته للناموس. مما يعني أنه لا يمكن أن يكون قصد بولس هو بر الأعمال عند استخدامه لمصطلح “أعمال الناموس”؛ وإنما كان يُشير إلى علامات الحدود العرقيّة المُميّزة لليهوديّة التي كانت تُميّز مَن كان ضمن شعب الله القديم. هذه هي القضيّة الرئيسيّة التي يُعارضها بولس في العهد الجديد، بحسب المنظور المُستحدث. وبالتالي، فإن للتبرير جانبين (وليس جانب واحد)؛ أحدهم هو بالإيمان، وهو ليس تبرير فرديّ بين الشخص والله، وإنما في إطار جماعة العهد (الكنيسة)، بينما التبرير النهائي فهو جزئيًا بالأعمال، وإن كانت هذه الأعمال هي ثمر عمل الروح القدس.

على الصعيد الآخر، يُعارض اللاهوتيون المُصلحون محاولات المنظور المُستحدث عن بولس إعادة تشكيل السياق اليهوديّ مؤكدين بأن هذا المضمار ليس صحيح تمامًا، وأنه هناك العديد من الأمثلة التي كان بولس يُعارضها لبر الأعمال في العهد الجديد. بالإضافة إلى أن الشهادة الكاملة لرسائل العهد الجديد (وليس فقط شهادة رسالة روميّة، وغلاطيّة، وفيلبي) تؤكد الفَهم البروتستانتي الأصيل لعقيدة التبرير.


منذ الثمانينات وحتى الوقت الراهن، حدث تحوّل كبير في المجال اللاهوتيّ الأكاديميّ حول منظور الرسول بولس لعقيدة التبرير. وقد قاد هذا التوجّه المُستحدث علماء لاهوت بارزون أمثال إي. پي. ساندرز (E. P. Sanders)، چيمس دي. چي. دن (James D. G. Dunn)، وإن. تي. رايت (N. T. Wright). قبل هذا التحوّل، كان معظم علماء اللاهوت الكتابيّ، حتى أولئك المنتمون إلى المعسكرات الليبراليّة والنقديّة المُختلفة، قد مالوا بطريقةٍ أو بأخرى نحو وجهة النظر الإنجيليّة الأصيلة حول منظور بولس لعقيدة التبرير. أصبح هذا الطرح الجديد يُعرف باسم “المنظور المُستحدث عن بولس” في مواجهة ما أطلقوا عليه المنظور “القديم” المتمثل في المنظور الإنجيليّ الأصيل، والذي يرونه أنه خاطئ أو على الأقل في حاجة إلى تعديل جَذري.

هذا المقال يشتبك بشكلٍ نقديّ مع المنظور المُستحدث بخصوص عقيدة التبرير. وسيركّز المقال على توضيح الأساس المنطقيّ الذي سلكه أولئك الكُتّاب الأكاديميين للوصول إلى وجهات نظرهم هذه.

يمكن تلخيص هذا الأساس المنطقيّ للمنظور المُستحدث فيما يمكن أن نُطلق عليه “نقاط المنظور المُستحدث الخمسة”.[1] ثم سيُقدّم هذا المقال بعض الانتقادات العامة للمنظور المُستحدث. لدراسة المنظور الإنجيليّ الأصيل لعقيدة التبرير، سوف نقوم قريبًا بنشر مقالٍ ضمن هذه السلسلة من “دراسات لاهوتيّة” حول هذا الأمر.

المنظور المُستحدث وعقيدة التبرير

إن المنظور المُستحدث هو في الحقيقة منظورين جديدين يعتمد كل منهما على الآخر. الأساس هو منظور جديد لنظام الخلاص (soteriological system) الذي كان موجودًا في يهوديّة القرن الأول الميلادي (أو ما يُطلَق عليه يهوديّة الهيكل الثاني). فبالنظر إلى هذا الأساس، يجب بناء منظور مختلف حول منظور نظام الخلاص لدى بولس. والسؤال هنا، ما أهميّة مفهوم الخلاص في يهوديّة القرن الأول بالنسبة لمفهوم بولس حول الخلاص؟ لقد لاحظ اللاهوتيون الذين صاغوا المنظور المُستحدث أن بولس كان قد قام بمناقشة “التبرير” عِدة مرات في سياقات تشمل إما اليهود غير المؤمنين بالمسيح أو اليهود الذين آمنوا بالمسيح (على سبيل المثال، روميّة 2؛ 9-11؛ غلاطيّة 3-5؛ فيلبي 3). فهم يُصرون على أن هذا المنظور المُستحدث للخلفيّة اليهوديّة يجب أن تُغيّر فهمنا لوجهة نظر بولس حول التبرير، لأنها تشرح بشكلٍ أفضل من هُم معارضي بولس، بل وحتى فكر بولس نفسه.

فما هو إذن هذا المنظور المُستحدث ليهوديّة القرن الأول؟

يُصرّح هذا المنظور بأن نظام الخلاص لدى الديانة اليهوديّة بجميع طوائفها وأشكالها كان نظامًا موحَدًا قائمًا على النعمة؛ أي أنه لم يكن نظامًا قائمًا على بر الأعمال. أطلق إي. پي. ساندرز على هذا النظام الموحد اسم الناموسيّة العهديّة. حيث يدخل الشخص إلى العهد بالنعمة، ولكن البقاء في العهد قائم على طاعته للناموس. وقد أكد ساندرز بأن البقاء في العهد بطاعة الناموس ليس هو نفسه للتبرير بأعمال الناموس، على الأقل بحسب تعريفه هو لبر الأعمال.

ويطرحون هنا سؤال: ما علاقة هذا المنظور اليهوديّ المُستحدث بمفهوم بولس عن التبرير، وخطأ المنظور الإنجيليّ الأصيل؟

لقد فهم المنظور المُستحدث بشكلٍ صحيح أن اللاهوت الإنجيليّ الأصيل ينظر إلى التبرير بالإيمان على أنه نقيض لبر أعمال الناموس؛ فالشخص يُعلَن بارًا بناءً على عمل المسيح وليس بناءً على أعماله. أي أن وجهة النظر الإنجيليّة الأصيلة ترى في تعاليم بولس مواجهة بين نظامين للخلاص: التبرير بالنعمة/ بعمل المسيح/ بالإيمان (الخلاص بالنعمة)، في مقابل التبرير من خلال أعمال الناموس (الخلاص ببر الأعمال). ولكن يرفض المنظور المُستحدث هذا الرأي حول مواجهة بولس لهذين النظامين. لماذا؟ لأنه وفقًا للمنظور المُستحدث حول الديانة اليهوديّة، لا وجود لمفهوم الخلاص ببر الأعمال! وبالتالي، لا يمكن أن يكون بولس قد جادل ضد أمر لا وجود له وهو الخلاص ببر الأعمال.

لذا، فأول النقاط الخمس هي اتفاق اللاهوتيين الذين صاغوا المنظور المُستحدث على أن بولس لم يكن يُعلّم ضد أعمال بر الناموس لأنها لم تكن موجودة —أي أنهم قبلوا أطروحة الناموسيّة العهديّة التي قدمها ساندرز. وبما أن النظرة الإنجيليّة الأصيلة للتبرير على الأقل تُفهم جزئيًا من خلال ما تُصححه (أي بر الأعمال)، فإن نظرتها للتبرير هي نظرة خاطئة.

ومن ثمَّ، فإن النقطة الثانية هي أن أولئك اللاهوتيين الذين ينادوا بالمنظور المُستَحدَث لم يتفقوا على ما هو التبرير، وإنما رفضوا أن يكون التبرير هو المنظور الإنجيليّ الأصيل. مما سبق، يمكننا فهم ما الذي يُعارضه المنظور المُستحدث؛ وهو أنه ضد الآراء الإنجيليّة الأصيلة حول الأعمال والتبرير بُناء على فهمه ليهوديّة القرن الأول الميلادي.

ولكن بحسب المنظور المُستحدث، ماذا كان قصد بولس بمصطلحات مثل “أعمال الناموس”؟ يُعَرّف أولئك اللاهوتيون مصطلح “أعمال الناموس” (على سبيل المثال: رومية 3: 28؛ غلاطية 2: 16) على أنها تؤكّد في المقام الأول على ثلاث علامات للحدود العرقيّة المُميّزة لليهوديّة: أي تقديس السبت، والختان، وشرائع الأطعمة. في ظل العالم اليوناني-الروماني في القرن الأول الميلاديّ، ميّزت تلك العلامات الثلاث اليهود عن الأمم الوثنيين. فما يريد بولس قوله هو أن ما يبرر الشخص هو الإيمان وليست علامات الحدود العرقيّة المُميّزة لليهود (لاحظ أن المنظور المُستحدث لا يرى هذه العلامات القوميّة كجزء من موضوعٍ أكبر هو بر الأعمال كما يقدمه المنظور الإنجيليّ الأصيل). وبالتالي، فإن النقطة الثالثة من “النقاط الخمس” هي أن أولئك اللاهوتيون يتفقون على أن “أعمال الناموس” تشير في المقام الأول إلى علامات الحدود العرقيّة المُميّزة لليهود: شرائع الأطعمة، والسبت والختان.

ولماذا تُعتبر تلك العلامات القوميّة مهمة جدًا لبولس؟ يجادل أولئك اللاهوتيون بأن ما دفع بولس لمناقشة موضوع التبرير هو إرساليته للأمم؛ فهي ليست بالضرورة نظرة محوريّة في الخلاص عند بولس. فقد ناقش بولس موضوع التبرير في المواقف التي أراد فيها التأكيد على قبول المسيحيين اليهود للمسيحيين من الأمم. فلولا وجود هذه المشكلة، لِما كان هناك داع لمناقشتها. لذا، فالنقطة الرابعة، هي أن أولئك اللاهوتيون يتفقون على أن إرساليّة بولس إلى الأمم هي سياق تعليمه حول التبرير.

وأخيرًا، ما هو المنظور المُستحدث حول التبرير؟ قبل أن نجيب على هذا السؤال، يجب أن نلاحظ أن جميع النقاط الأربع السابقة تم الاتفاق عليها من قِبَل جميع اللاهوتيين المنادين بالمنظور المُستحدث؛ ومع ذلك، فإن المعنى الحقيقي للتبرير لدى بولس هو محل خلاف بين أولئك اللاهوتيين أنفسهم؛ فهم لم يتفقوا على مفهوم واحد للتبرير.

أحد أشهر وجهات النظر هذه هي ما يقدمه كل من چيمس دن وإن. تي. رايت. فبالنسبة لهم، يتألّف التبرير من عنصرين، أوليّ ونهائي. يتعلّق التبرير الأوليّ بمن هو داخل الكنيسة أو بحالة الوجود داخل جماعة العهد (إكليسيولوچي/ العقيدة عن الكنيسة)؛ ولا علاقة له بالتحوّل إلى المسيح (سوتريولوچي/ العقيدة عن الخلاص). يرتبط التبرير الأوليّ بالنعمة وعمل المسيح والإيمان، لكنه لا يتعلّق بحُسبان عمل المسيح للمؤمن. بينما يعتمد التبرير النهائيّ على أعمال الشخص، وإن كانت هذه الأعمال هي نتاج عمل الروح القدس.

لتلخيص “نقاط المنظور المُستحدث الخمس”:

        1. يتفق اللاهوتيون الذين صاغوا المنظور المُستحدث على أن بولس لم يكن يُعلِّم ضد أعمال بر الناموس لأنها لم تكن موجودة —أي أنهم قبلوا أطروحة الناموسيّة العهديّة التي قدمها ساندرز.

2. يتفقوا ليس على ما هو التبرير، وإنما على أن ما ليس تبرير هو المنظور الإنجيليّ الأصيل.

3. يتفقوا على أن “أعمال الناموس” تشير في المقام الأول إلى علامات الحدود العرقيّة المُميّزة لليهود: شرائع الأطعمة، وتقديس السبت والختان.

4. يتفقوا على أن إرساليّة بولس إلى الأمم هي سياق تعليمه حول التبرير.

5. لا يتفق اللاهوتيون الذين صاغوا المنظور المُستحدث حول مفهومهم حول التبرير. أحد النظريات الأساسيّة تنادي بأن التبرير الأوليّ هو بالإيمان (إكليسيولوچيًا/ من الناحيّة الكنسيّة)، بينما يعتمد التبرير النهائيّ على أعمال الشخص، وإن كانت هذه الأعمال هي نتاج عمل الروح القدس.

ثلاث انتقادات عامة للمنظور المُستحدث عن بولس

لدى المنظور الإنجيليّ الأصيل مشكلتين رئيسيتين مع المنظور المُستحدث حول التبرير: أولًا، تضمين أعمال المؤمن كجزء من التبرير النهائي؛ أي أنه في النهاية، يُعلَن أن المؤمن بار (مبرر) بناء على مزيج ما بين إيمانه وأعماله؛ وثانيًا، هو إنكارهم لحُسبان عمل المسيح للمؤمن. بالنظر إلى هذين الأمرين، لم يعد التبرير إعلانًا لمرة واحدة ونهائية فيها يُعلن الله بالنعمة وحدها أن الخطاة أبرار أمامه بناءً على عمل المسيح وحده، ومن خلال الإيمان وحده (رومية 4: 5؛ 8: 1؛ غلاطية 2: 16؛ فيلبي 3: 9؛ أفسس 2: 8؛ تيموثاوس الثانية 2: 9؛ تيطس 3: 7).

ولا يسعنا في هذا المقال القصير أن نسهب في تناول الردود الموسعة حول الخلفيّة اليهوديّة وتفاسير النصوص التي كتبها بولس. ولكن، سنكتفي هنا بتقديم ثلاث انتقادات عامة لتعاليم المنظور المُستحدث. فبما أن رأي المنظور المُستحدث حول التبرير مرتبط بشدة بإنكار أن بولس كان يُعلّم عن التبرير ضد بر الأعمال، فسوف يقتصر تركيزنا هنا على بر الأعمال.

1. الكِتابات اليهوديّة وبر الأعمال

كما ذكرنا سابقًا حول النقاط الخمس للمنظور المُستحدث عن بولس، فإن نقطة البداية المنطقية التي يستند إليها المنظور المُستحدث هي المنظور المُستحدث ليهوديّة القرن الأول، والتي تدّعي عدم وجود أعمال بر الناموس بشكلٍ عام في يهوديّة القرن الأول. ولكن من أين أتى ساندرز بهذا الرأي في حين أن هناك العديد من الكِتابات اليهوديّة المبكرة التي تتضمن تعاليم إما عن الخلاص ببر الأعمال (بطريقة أشبه بالتعليم المتطرف لبلاچيوس)، أو تعاليم تجمع الإيمان والأعمال (بطريقة أشبه بالتعليم الشبه بلاچي)؟ ومن ضمن هذه الأمثلة سفر عزرا الرابع 7؛ سيراخ 3: 14، 30؛ 16: 14؛ باروخ الثاني 14: 12؛ 24: 1؛ 41: 6؛ عهد إبراهيم 12أ: 12-13؛ 14أ: 2-4؛ قانون الجماعة (1QS) 1، 7-8؛ 3، 9-12؛ كتاب پشر [تفسير] حبقوق (1QpHab) 8: 1-3؛ مخطوط (4QMMT) ج 26-32، قيدوشين 1: 13-16.

يرجع أحد الأسباب في ذلك إلى تعريف ساندرز غير الدقيق لبر الأعمال. فتعريفه “للناموسيّة العهديّة” يتضمن طاعة الناموس كشرط البقاء في العهد. فهو لا يرى أن هذا التعريف في حد ذاته تعليم شبه بلاچي عن الخلاص ببر الأعمال. فماذا عن العديد من الأمثلة في هذه الكِتابات والتي تتحدث عن قياس الأعمال بالميزان لتحديد دخول الشخص للسماء؟ يجيب ساندرز على ذلك بأن هذه الكِتابات لم يكتبها علماء لاهوت نظاميّ، فاستخدموا أحيانًا بعض العبارات لتشجيع الناس على القيام بأعمال صالحة انتهكت نظام الخلاص الحقيقي لديهم! ولكن يمكن لأي شخص أن يرد على هذا المنطق بأن دوافع المرء للقيام بأعمال صالحة هي جزء من اللاهوت ككل لهذه الجماعة أو الشخص.

وصحيح أنه لم تكن كل الجماعات والوثائق اليهوديّة المبكرة ذات توجه نحو بر الأعمال (بل البعض فقط)، فما من داعٍ لإنكار أن مقاومي بولس كانت لديهم مثل هذه الأفكار، خاصة وأن هذه هي الطريقة المباشرة لفهم تعاليم بولس. فبمجرد الاعتراف بوجود كتابات يهوديّة تنتمي ليهوديّة الهيكل الثاني تُعلّم عن بر الأعمال، ينسف هذا المنطق الداخليّ لافتراضات المنظور المُستحدث حول استنتاجاته حول الحاجة إلى منظور جديد حول التبرير في فكر بولس. كما أن البرهان الأقوى للمنظور الإنجيليّ الأصيل هو الكتاب المقدس؛ فالأسفار والكتابات غير القانونيّة قد تكون مفيدة، ولكن فقط كأدوات تساعد على تفسير الكتاب المقدس.

2. العلامات العرقيّة المُميّزة لليهود وبر الأعمال

وكما ذكرنا سابقًا، يُعرّف المنظور المُستحدث تعبير بولس الشهير “أعمال الناموس” على أنه يتضمن في المقام الأول ثلاث علامات تُميّز القوميّة العرقيّة اليهوديّة وتفصلها عن سائر الأمم وهي: السبت، والختان، وشرائع الأطعمة. كما أنه لا يرى أن بولس كان يقابل نظامين خلاصيين هما التبرير بالإيمان والتبرير بأعمال الناموس (رومية 4: 2؛ غلاطية 2: 16). أي أن “أعمال الناموس” لا تتعلق بأي حال من الأحوال ببر الأعمال. فبالنسبة للمنظور المُستحدث، فإن قديسيّ العهد القديم تم تبريرهم النهائي بناءً على الإيمان بالله والأعمال. وبالمثل، تم التبرير النهائي لقديسيّ العهد الجديد بناءً على الإيمان بالمسيح والأعمال. كلا النظامين الخلاصيين في العهد القديم والعهد الجديد هما متماثلان، فكلاهما يشمل الإيمان والأعمال. وما تركيز بولس على “أعمال الناموس” إلا ليقول أن علامات الحدود العرقيّة المُميّزة لليهود لم تعد سارية في العهد الجديد.

أما المنظور الإنجيليّ الأصيل فهو يؤكّد إدراك بولس أن تعاليم خصومه الخاطئة عن علامات الحدود العرقيّة لليهود، خاصة في غلاطيّة، هي جزء من أمر أكبر وهو الخلاص ببر الأعمال. فحتى في بعض المواضع الكتابيّة التي لم تكن فيها علامات الحدود العرقيّة لليهود ظاهرة، ظل بولس يستخدم مصطلحات “الأعمال” و”أعمال الناموس”. على سبيل المثال، استخدمت كلمة “أعمال” (بالمعنى السلبيّ) في روميّة بطرقٍ مختلفة، سواء كانت تتضمن الحديث عن ناموس موسى، أو لا. فتحدث بولس عن الأعمال المتعلّقة بإبراهيم وإسحق وغيرهم ممن عاشوا قبل موسى وظهور العلامات القوميّة المُميّزة لليهود (روميّة 4؛ 9: 10-12). كما لم يركّز بولس في حديثه عن داود على تلك العلامات القوميّة (رومية 4: 6-8).

يشير بولس في غلاطيّة إلى أن كلا المسيح ومؤمني العهد الجديد هم “تحت الناموس” (غلاطية 4: 4-5)، على الرغم من أن مؤمني العهد الجديد لم يعودوا خاضعين لجوانب الناموس الخاصة بالعلامات القوميّة. تُظهر مثل هذه الأمثلة أنه بالنسبة لبولس، فإن “الأعمال” “وأعمال الناموس” بها عنصر بر الأعمال الذي هو أكثر اهميّة من علامات الحدود العرقيّة لليهود. فهو يستخدم هذه المصطلحات حتى عندما يكون واضح أن العلامات القوميّة ليست هي المشكلة من الأساس. ومن ثم، ربما يكون صحيحًا بالنسبة لبعض النصوص في غلاطيّة أن العلامات القوميّة هي في بؤرة التركيز، ولكن كان بولس مهتم بإظهار أن مقاوميه من الناموسيين يطرحون أفكارهم من منطلق أعمال تتم في إطار الخلاص ببر الأعمال.

3. أفسس 2؛ تيموثاوس الثانية 1؛ تيطس 3 وبر الأعمال

من الواضح أن نصوص مثل أفسس 2: 8-10؛ وتيموثاوس الثانية 1: 8-10؛ وتيطس 3: 4-7 هي مقابلة بين الخلاص بالنعمة والخلاص ببر الأعمال. ومع ذلك، لا يوجد الكثير من الدراسات حول هذه النصوص الثلاثة سواء من قِبَل المؤيدين أو المعارضين للمنظور المُستحدث في الدراسات النقديّة/ الليبراليّة. ألا ينبغي أن تكون مثل هذه النصوص الثلاث جزءًا من النقاش والدراسة حول التبرير قي روميّة، وغلاطيّة، وفيلبي؟ والسبب إنما يرجع إلى أن معظم العلماء النقديين والليبراليين لا يعتقدون بأن بولس هو كاتب رسائل أفسس، تيموثاوس الثانيّة، وتيطس.

ولكن من المدهش حقًا أن العديد من اللاهوتيين المنادين بالمنظور المُستحدث عن بولس (إن لم يكن جميعهم)، يُقرون بأن أفسس 2: 8-10؛ وتيموثاوس الثانيّة 1: 8-10؛ وتيطس 3: 4-7 هي مقابَلَة بين الخلاص بالنعمة والخلاص ببر الأعمال (على سبيل المثال، چيمس دن). فيعتقدون بأن كاتب تلك النصوص الثلاثة قد تحرّك أكثر نحو المفهوم الإنجيليّ الأصيل لبر الأعمال، متجاوز بذلك النظر إلى الأعمال باعتبارها مجرد علامات للقوميّة اليهوديّة. أما من جهة المنظور الإنجيليّ الأصيل، فإن هذه النصوص الثلاثة قد كتبها أيضًا الرسول بولس. وبالتالي، فهذه النصوص متوافقة بشكلٍ جيّد مع فهم التبرير كما هو في روميّة، وغلاطيّة، وفيلبي.

إن إقرار اللاهوتيين المنادين بالمنظور المُستحدث عن بولس بأن كاتب رسائل أفسس، وتيموثاوس الثانيّة، وتيطس كان على دراية بمفهوم بر الأعمال، إنما يخلق صعوبة داخليّة للمنظور المُستحدث في قوله إن هذا المفهوم لم يكن موجودًا في اليهوديّة المبكرة. وحتى لو افترضنا بأن هذه الرسائل الثلاثة لا تتناول صراحة موضوع اليهود والمسيحيين اليهود، فإنه على الأقل علينا أن نعترف بأن مفهوم بر الأعمال كان موجود “في الواقع الثقافي” وأن المسيحيين في القرن الأول كانوا على دراية به.


[1] Robert J. Cara, Cracking the Foundation of the New Perspective on Paul, pp. 20-25.


تم نشر هذا المقال على موقع The Gospel Coalition: U.S Edition

شارك مع أصدقائك

روبرت كارا

رئيس المكتب الأكاديمي وأستاذ العهد الجديد في كليّة اللاهوت المُصلَح بمدينة شارلوت.