كيف تجذب الشباب للاجتماعات الروحيّة؟ الجزء الثاني

في السنوات الأخيرة أصبحت الرياضة والهدايا مع الموسيقى البديعة والأضواء المُبهرة هي من أهم طرق الجذب للاجتماعات المسيحيّة. في الأسبوع الماضي، تحدثنا عن الموسيقى والأضواء، واليوم نحتاج أن نناقش استراتيجيّة الرياضة والهدايا. ولأن كلمة الله تدعونا لمراجعة نفوسنا وطرقنا باستمرار، دعونا نفكر معًا في هذه الاستراتيجيات.

بالنسبة للرياضة

من جهة نعلم أن الرياضة عطية صالحة من الله نافعة للجسد (تيموثاوس الأولى ٤: ٨). ومن جهة أخرى، يُمكن أن تكون مصدر عبودية للإنسان الذي يحيا لأجلها. بالتأكيد، يُمكنها أن تكون نافعة، حتى يتسنى للمؤمنين أن تتعمّق علاقاتهم بعضهم بعضًا عبر القيام ببعض الأنشطة معًا، وأن يستخدمها الله كوسيلة لعمل جسور وبناء علاقات عفويّة مع غير المؤمنين.

لكننا نعلم أيضًا أن الرياضة كانت موجودة أيام المسيح والرسل في الثقافة الرومانيّة واليونانيّة، ولكنهم لم يستخدموها لجذب الجموع كجزء من وسائلهم في الخدمة! بل وفكرة جذب الجموع بأمور بشريّة، أو تحاشي بعض الأمور الروحيّة والتعاليم العقائديّة – ولا سيما الصعب منها – لئلا يتركنا ويرفضنا الجموع كانت فكرة مرفوضة تمامًا للمسيح ورسله (يوحنا ٦: ٦٠-٧١؛ كورنثوس الأولى ١: ١٨-٢: ١٦).

كما نعلم أن كنيسة أعمال الرسل كان لها استراتيجية رئيسية في جذب الجموع: فقد وعظت، ثم وعظت، ثم وعظت بكلمة الله. فحوالي ربع سفر أعمال الرسل وعظ (أي واحدة من كل أربع آيات في سفر الأعمال يُمثل جزء من عظة)، وكان الوعظ بالإنجيل، لا الرياضة بكل أصنافها، جاذبًا للمؤمنين.

الأسئلة الكاشفة

أحبائي الخدام، كم من وقت يضيع من قادة الاجتماعات في ترتيب الأيام الرياضية بدلاً من القيام بدراسة الكتاب والأمور الروحية؟ تلك الأمور التي ربما تجذب القليلين لكنها حتمًا ستجذب الحقيقيين. وكم من خدمة بدأت باسم “الخدمة بالرياضة” لتوصيل “رسالة الإنجيل”، وخُففت الرسالة فصارت رسالة اجتماعية: خدمة بالرياضة لتوصيل “مبادئ مسيحية – محبة وسلام وتعايش – دون المسيح”؟ ثم صارت خدمة بالرياضة دون أي أمر روحي، خدمة فقط “لفتح باب رزق للمسيحين المحتاجين عمل”! كم من شباب خدموا في فرق رياضيّة أو مسرحيّة تابعة للكنيسة وباتت أسمائهم “خدام”، وظنوا في أنفسهم أنهم كذلك، وهم لا يعرفون كتابهم المقدس ولا يبالون بحياة القداسة؟

ماذا عن استخدام الهدايا؟

إن التحدي الأكبر سواء مع أبنائي في البيت أو شباب كنيستي هو ألا تكون تقواهم وطاعتهم وحبهم للأمور الروحية مبني على أي مكسب أو كنز أرضيّ، بل في الأساس على الكنز السماويّ. لذلك، نحتاج للاتزان ولشرح تلك الحقائق باستمرار لمستقبِلي الهدايا. وربما نحتاج للامتناع عن الهدايا لبعض الوقت لكيلا ترتبط الحياة الروحيّة في أذهان المخدومين (خاصة الصغار) بالهدايا.

الاجتذاب الحقيقيّ

في الواقع، إن جذبتم الشباب للاجتماعات وللحياة الروحية بشكل عام بالرياضة، ثم الألعاب المتنوعة، ثم الهدايا، ثم العلاقات، فسوف يتركون الاجتماعات متى توقفت الرياضة، أو عندما يكبروا سنًا فلا يستطيعوا لعبها؛ سيتركون العبادة عندما يحصلون على الأموال التي تجعلهم قادرين على شراء الهدايا؛ أو يكتفون بعلاقات أخرى عندما ينشغلوا في وظائفهم.

لكن إن علّمتَهُم وعوَّدتهم على أن مركز عبادتنا هي الكلمة المقدسة، ومصدر حياتنا ليس الخبز الجسدي (أيًا كان ما يصنعه البشر ليغتذوا به)، بل كل كلمة تخرج من فم الله في الكلمة المقدسة؛ فعندما يتوقفوا عن الرياضة، وعندما يغتنوا بالأموال والعلاقات، وعندما يرتد ويترك المسيح الكثيرين من حولهم سيظلوا ثابتين قائلين: “يَارَبُّ، إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كَلَامُ ٱلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ عِنْدَك.” (يوحنا ٦: ٦٨)

إن أتيت بهم للاجتماع (الروحي!) بالجسد (أي بالأمور التي يحبها الجسد)، فسوف تحافظ عليهم بالأمور الجسدية، وعندما تتوقف الأمور الجسدية فسوف تخسرهم. وإن أتيت بهم للاجتماع بالأمور الروحية (عبر كلمة الله بعِظَم كنوزها، وشركة المؤمنين بفرح التفافهم حول المسيح)، فسوف تحافظ عليهم بالأمور الروحية، وإن توقفت الكنيسة عن تقديم دسم الكلمة الملوكيّة المجيدة فسوف تخسر الروحانيين منهم.

ما الذي نحتاج أن نفعله؟

لأن الوضع صار مؤلم في الكثير من الكنائس، والكلمة المقدسة مُقدَّمَة ومشروحة صارت ثانوية، والموسيقى والأضواء والرياضة صارت جاذبة للناس (وكذا المنطق والفلسفة)، فلا يسعنا إلا الصراخ لله ليترأف علينا، ليعطنا شوق لكلمته ودراستها، ليهبنا فهم للإنجيل وأمجاده، وليمنحنا قوة للسلوك بمقتدى الكلمة، ونعمة وحكمة إلهية لترتيب كنيسة الله بحسب المثال الموجود في كلمة الله. ليعطي الله آذان لكل خادم لسماع كلمات بولس لتيموثاوس: “وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ أُبْطِئُ، فَلِكَيْ تَعْلَمَ كَيْفَ يَجِبُ أَنْ تَتَصَرَّفَ فِي بَيْتِ ٱللهِ، ٱلَّذِي هُوَ كَنِيسَةُ ٱللهِ ٱلْحَيِّ، عَمُودُ ٱلْحَقِّ وَقَاعِدَتُهُ” (تيموثاوس الأولى ٣: ١٥).

وقبل توجيه رسالة أخيرة لك عزيزي القارئ، إن كنت مُتفق مع كلمات هذا المقال (بجزئيه)، فتذكر أن التغيير في أي كنيسة، في أي خدمة وأي نظام للعبادة، سيحدث بالاتضاع والرُكَب الساجدة والتعليم طويل المدى، ومساعدة الآخرين لرؤية حقيقة هذه الأمور من كلمة الله. تذكر أن التغيير بطيء، وتذكر أن رسالة الإنجيل يجب أن تكون شغلك الشاغل قبل كل شيء.

وإن كنت معترض على كل أو بعض من كلمات هذا المقال، من فضلك لا ترفض ما قرأته لكونه “جديد عليك”، أو لكونك تنتمي (أو حتى تعرفت على المسيح في) كنيسة أو اجتماع يقوم بكل الأمور التي يتحداها هذا المقال. فكَّر فيما قرأت، امتحن ما تعودت عليه، واسأل دائما في مسيرة تلمذتك: “أين نجد في الكتاب المقدس هذا الأمر أو ذاك مما نمارسه في اجتماعنا؟” تذكر أن الله لا يحتاج لمساعدتنا، بل ينتظر أمانتنا في استخدام الوسائل التي وهبها لنا سواء في الكرازة أو العبادة.

رسالة أخيرة

لذلك، دعوني أختم برسالة إلى أصحاب الموسيقى الصاخبة البديعة في عبادة الله الثالوث، إلى أصحاب الأضواء البراقة اللامعة في عبادة خالق السماء والأرض، إلى أصحاب النشاطات والرياضات الجاذبة للشباب والهدايا الجاذبة للبسطاء:

إن كان هذا هو ما يؤثر على جموعكم بدلاً من “قوة الله” المُعلنة في رسالة الإنجيل، إن كان هذا ما يجذب شبابكم للاجتماعات بدلاً من الوعظ بـ”مجد صفات وأعمال الله” المُعلن في صفحات كلمته، فرجاء…

اسكتوا موسيقاكم، أطفئوا الأنوار البراقة الملونة واتركوا أنوارًا معتادة، واصرخوا لله ليفتح طريق أفضل. لتكن كلمة الله نوركم، وليكن إعلان الله موسيقاكم. لتكن كلمة الله المشروحة في الوعظ كافية في وسطكم، والروح القدس، غير المُحتاج لمساعدات بشرية جسدية، هو وحده قوتكم. لنشتاق لتأثير وحماس في جموعنا آتٍ من خلال “فهم عقلي” للكلمة يُغير “الإرادة”، فترجع لله وتترك الخطايا. وبعدها (وفقط بعدها) يؤثر هذا الفهم على “القلب والمشاعر”، فيترك القلب طرقه القديمة وتلتهب المشاعر بحب الفادي الحبيب.

حينها سنرى تغيير فينا وفي اجتماعاتنا، لا لأن المشاعر تحركت بموسيقى وأضواء، لكن لأن الروح حرك القلب بكلمة الله الخالقة، ولأنه الكلمة أضاءت في القلب بإشراقه مجد المسيح وإياه مصلوب. حينئذ سنرى حياة تُخلق في وسطنا لا بسبب الموسيقى والأضواء، أو الرياضة والهدايا، بل لأن شريعة الله المشروحة هناك جعلتني انكسر تحت حقيقة قبح خطيتي، وخبز الله الروحي المتوفر في الاجتماع جعلني آكل واشبع بدسم أمجاد محبوب السماء، يسوع المسيح.

ليعطنا الله أن نعمل أعمال الله بطرق الله لمجد الله!

شارك مع أصدقائك

د. مارك عبد المسيح

حاصل على درجة ماجستير الآداب M.A ودرجة ماجستير اللاهوت ThM في اللاهوت النظامي من كليّة Puritan Reformed Theological Seminary بولاية ميتشيغن الأمريكيّة. وهو أيضًا مُحاضر في كلية اللاهوت الأسقفية بمصر، وخادم في الكنيسة الإنجيليّة بعين شمس، القاهرة، مصر.