الجنس والميول الجنسيّة

التعريف

الميل أو التوجّه الجنسي يشير إلى التصميم والنموذج البشري الذي وضعه الله للعلاقة التناسلية بين الذكر والأنثى، وكذلك لاختبار الرغبة الجنسية داخل إطار ذلك التصميم. أما نوع الجنس، فيشير إلى الاختلافات البيولوجية بين جسد الذكر والأنثى، والطرق الثقافية المختلفة التي يعبَّر بها عن هذه الاختلافات في الخلق بين الذكر والأنثى.

المُوجز

الميل الجنسي يشير إلى التصميم والنموذج البشري الذي وضعه الله للعلاقة التناسلية بين الذكر والأنثى، وكذلك لاختبار الرغبة الجنسية داخل إطار ذلك التصميم. أما نوع الجنس، فيشير إلى الاختلافات البيولوجية بين جسد الذكر والأنثى، والطرق الثقافية المختلفة التي يعبَّر بها عن هذه الاختلافات في الخلق بين الذكر والأنثى. فإن قصة الخلق، التي نقرأ عنها في تكوين 1-2، تمدُّ المؤمن بالحقائق الأساسية الكامنة وراء هذه الاختلافات: فقد خلق الله البشر، ذكرًا وأنثى، على صورته، أحدهما لأجل الآخر. وإنكار أيِّ جزء من هذا التعليم هو بمثابة إخضاع تصميم الله الهادف لرغبات البشر. وفي حين أن جزءًا كبيرًا من الثقافة الحديثة يريد أن ينكر هذه الاختلافات، وأن يفصل نوع الجنس عن الميل الجنسي، يعيد العهد الجديد التأكيد على تعليم العهد القديم بشأن هذا الأمر، ويبلغ بالفرق بين الذكر والأنثى إلى ذروته في العلاقة بين المسيح والكنيسة.

يبدأ الإطار المسيحي لنوع الجنس والميل الجنسي بإدراك أن أصل كلٍّ منهما، وتكوينه، والغرض منه يَكمُن في مشيئة الله للخليقة. فإن نوع الجنس والميل الجنسي هما، من المنظور المسيحي، جانبان مقدَّسان من كيان الإنسان، مصبوغان بالمعنى والغرض الإلهي. لكن، عندما تسير قصة الكتاب المُقدَّس إلى الأمام، يتأثر نوع الجنس والميل الجنسي بالخطية. لكن في ضوء الفداء، يُعاد التأكيد على التصميم والغرض الأصلي من نوع الجنس والميل الجنسي، كما يزداد معناهما عمقًا، إذ يوضح العهد الجديد الغاية النهائية منهما، ألا وهي أن يعكسا اتحاد المسيح بالكنيسة. والافتراض بأن نوع الجنس والميل الجنسي معيَّنان من الله، ولأجل الله، يوجد في تعارض صارخ مع وجهة النظر الحديثة التي تؤلِّه نوع الجنس والميل الجنسي في حد ذاتهما، إذ ترى أن كليهما يُحدَّد بالإجماع، ومن خلال الإرادة البشرية وحدها.

الميل الجنسي ونوع الجنس بحسب تصميم الله

ما الذي نعنيه عندما نتحدَّث عن الميل الجنسي ونوع الجنس؟

يمكن للميل الجنسي أن يحمل معنى واسع النطاق، ومعنى آخر أضيق نطاقًا. بحسب المعنى الأوسع نطاقًا، يشير الميل الجنسي إلى التصميم والنموذج البشري الذي وضعه الله للعلاقة التناسلية بين الذكر والأنثى. وبحسب المعنى الأضيق نطاقًا، يشير الميل الجنسي إلى اختبار الرغبة الجنسية. وبذلك، يمثِّل الميل الجنسي في الكتاب المُقدَّس جزءًا من تكوين الطبيعة البشرية والخبرة البشرية، وهو جزء تشكِّله وتصيغه مشيئة الله للخليقة. لكنه ليس الجانب الوحيد الذي يحدِّد هوية الإنسان.

كذلك، يمكن لنوع الجنس أن تكون له دلالة واسعة النطاق، وأخرى ضيِّقة النطاق. بحسب المعنى الأوسع نطاقًا، يشير نوع الجنس إلى الاختلافات البيولوجية بين جسد الذكر وجسد الأنثى. أما بحسب المعنى الأضيق نطاقًا، فيشير نوع الجنس إلى الاختلافات في خلق الذكر والأنثى، التي يعبَّر عنها في الثقافة (على سبيل المثال، الفتيات يتميزن باللون الزهري؛ بينما الصبيان يتميزون باللون الأزرق). وينبغي فهم نوع الجنس على أنه الواقع الثقافي الناتج عن خلق الله للرجال والنساء مختلفين بيولوجيًّا من حيث خصائصهم الجنسية. على المؤمنين أن يدركوا أن عليهم إذن، بصفتهم شركاء في خليقة الله الحسنة، أن يقرُّوا بالاختلافات في نوع الجنس الملائمة للثقافة، وأن يشتركوا فيها، وذلك لأن كل مجتمع يكتشف أساليب تحدِّدها الثقافة، يعكس بها الاختلاف البيولوجي في الخلق بين الرجال والنساء. يعني ذلك أنه على المؤمنين أن يلتزموا بالمعايير الخاصة بنوع الجنس، التي يحدِّدها مجتمعهم، طالما أن ما يمليه المجتمع والثقافة عليهم لا ينتهك ناموس الله الأخلاقي الذي يتمسَّك بالاختلاف الجنسي بين الذكر والأنثى (تثنية 22: 5؛ 1كورنثوس 11: 3-16). على سبيل المثال، ارتداء ملابس الجنس الآخر هو شرٌّ وخطية، لأنه ينتهك الحدود بين الذكر والأنثى التي وُضِعت في الخلق، والتي يعبَّر عنها من خلال معايير خاصة بنوع الجنس، وملائمة للثقافة. علينا أن نهتم جيدًا بالاختلافات في نوع الجنس التي يتمسك بها مجتمعنا، لأن تلك الاختلافات هي أداة من أدوات النعمة العامة، اللازمة للإقرار بالاختلافات الفطرية والجوهرية بين الذكور والإناث.

يُعرَف الميل الجنسي ونوع الجنس للمرة الأولى في قصص الخلق التي جاءت في الكتاب المقدس. في تكوين 1: 26-28، نقرأ أن الله خلق الرجل والمرأة على صورته، متساويَين في الكرامة، لكن مختلفَين في تصميمهما ودعوتهما. ثم كُلِّف الرجل والمرأة يأن “يُثمِرا، ويُكثِرا، ويملآ الأرض، ويخضعوها، ويتسلَّطوا عليها”. ويعرِّف تكوين 1 بكلٍّ من هوية الذكر والأنثى، ويقول إن هذه الهوية موجَّهة نحو اتحاد تناسلي، الغرض منه هو إعمار الأرض. وعندما يُنظَر إلى نوع الجنس والميل الجنسي في هذا الضوء، يصيران عمودين أساسيين في تتميم ما يسميه علماء اللاهوت بالتكليف الحضاري.

في صياغة أخرى لقصة أصول البشر، نقرأ في تكوين 2 أنه لم يكن جيدًا أن يكون الرجل وحده، وأنه كان بحاجة إلى معين. هذه المعين مماثلة ومختلفة عن الرجل في الوقت نفسه. فهي مماثلة للرجل في بشريتها، لكنها تختلف عنه في تصميمها. والغرض من ذلك هو أن يكوِّن الرجل والمرأة، بصفتهما نظيرَين، اتحادًا مكمِّلًا. يقول تكوين 2: 24، “لِذَلِكَ يَتْرُكُ ٱلرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِٱمْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَدًا وَاحِدًا”. هذه اللغة مجازية وحرفية في الآن ذاته. فهي مجازية لأنها تصف كيفية تأسيس وحدة عائلية مميزة، وحرفية لأنها تعبِّر عن الاتحاد الجسدي الذي صُمِّمت الصفة التشريحية للذكر والأنثى لأجله. وهذا النمط الجنسي هو النموذج لما يتوقعه الكتاب المقدس بشأن العلاقات الجنسية البشرية.

نجد في قصة تكوين 1-2 العديد من المبادئ المتصلة بنوع الجنس والميل الجنسي:

  1. الله خلق. يبدأ الفهم المسيحي لنوع الجنس والميل الجنسي بافتراض أساسي عن الكون نفسه. فإن الإله الواحد مثلث الأقانيم هو إله ترتيب، وليس إله فوضى، أو تشويش، أو مزج عشوائي. يؤمن المسيحيون بأن الله الواحد مثلث الأقانيم هو وحده الذي يأتي بالواقع والحياة إلى حيِّز الوجود. فالحياة والخبرة البشرية لا يخلقان نفسهما بنفسهما، أو يكوِّنان نفسهما بنفسهما. ويقرُّ المؤمنون بأن الإله الذي خلق الكون هو الله القدوس، وصاحب السيادة، والعادل، الذي يرتِّب كلَّ جوانب الحياة، بما في ذلك الميل الجنسي ونوع الجنس. وبالتالي، ليس نوع الجنس والميل الجنسي جانبين عرضيين في البشر، بل يَكمُن أصل كليهما في مشيئة الله الخالقة.
  2. الله خلق البشر. الفهم المسيحي عن نوع الجنس والميل الجنسي يبدأ أيضًا بافتراض أساسي عن الطبيعة البشرية. فإن الله هو خالق البشر، وبذلك، فإن له الحق أن يتحكَّم في حياتنا. فإننا رعاياه، الخاضعون له. والميل الجنسي ونوع الجنس هما جانبان أساسيان من سلطان الله على البشر. فإننا لسنا نخلق أو نكوِّن أنفسنا بأنفسنا. وبالتالي، فإن الميل الجنسي ونوع الجنس ليسا أمرين مرنين، يطوعان طوال الوقت كي يلائما رغبات البشر؛ بل يؤمن المسيحيون بأن نوع الجنس والميل الجنسي مرتَّبين عن قصد، نظير الجسد، ليتوافقا مع مشيئة الله للبشر (1كورنثوس 6: 13). يعني ذلك أن الطاعة، والالتزام بالسلوك بحسب مشيئة الله الخالقة، وثيقا الصلة بقداسة الإنسان وازدهاره.
  3. الله خلق البشر على صورته. يتحدث سفر التكوين عن خلق الله للرجل والمرأة على صورته. تجادل علماء اللاهوت حول ما يمثِّله خلق الإنسان على صورة الله؛ لكن بوجه عام، يمكن أن نقول إننا صورة الله في البُعد الخاص بالعلاقات، وفي تصميمنا وتكويننا الجسدي، وفي إمكانياتنا الوظيفية. وفي حين ينبغي أن نحترس من اختزال الميل الجنسي ونوع الجنس إلى كونهما العلامة الوحيدة لحمل صورة الله، يليق بنا أن نفترض أنهما يسهمان في المعنى الكامل لحمل صورة الله. فإن وجود البشر في صورة ذكر وأنثى يوحي ضمنًا بأن تصميمنا الجنسي ونوع جنسنا يمثلان جزءًا من الكرامة والسمو الأساسيين، اللذين يقال إن البشر يتمتعون بهما لكونهم مخلوقين على صورة الله. فأن نكون مخلوقين على صورة الله يعني أنه لا يوجد جزء من بشريتنا بلا هدف، أو عديم الصلة بغرض الله من الخلق.
  4. الله خلق البشر ذكرًا وأنثى. عندما خلق الله البشر، لم يخلقهم كائنات بلا جنس، بل خلقهم في صورة ذكر وأنثى. يعني ذلك أن نوع الجنس، والهوية الجنسية –إذا كانت هذه الألفاظ مفهومة– هما واقع جسدي وملموس. فإن مفهوم الذكر والأنثى عن نفسهما لا يتكوَّن على أساس الحالة النفسية وحدها، بل إن الذكر والأنثى، بحسب الوصف الكتابي، هما حقيقتان ثابتتان، وجسديتان، بمعنى أنهما غير قابلتين للتبادل، أو المحو تمامًا. فهما حقيقتان معروفتان بصورة موضوعية ومطلقة، بحيث لا تكون هويتنا الجنسية كبشر سرًّا. وأخيرًا، كون الإنسان ذكرًا وأنثى يشير إلى وجود اختلاف جوهري. هذا الاختلاف ملحوظ حتى على المستوى الكروموسومي، والتشريحي، والتناسلي، والفيسيولوجي، والعاطفي. وهذا الاختلاف الفعلي يتجلِّى بوضوح شديد في التصميم التشريحي للذكر والأنثى، الذي يتيح التناسل، ويجعل تنفيذ التكليف الحضاري ممكنًا.
  5. الله خلق الذكر والأنثى أحدهما لأجل الآخر. أوصى الله بأن تمارَس العلاقة الجنسية حصريًّا داخل إطار العلاقة الزوجية بين رجل واحد وامرأة واحدة. والاختلاف الجنسي في الكتاب المُقدَّس يشهد عن الاتحاد الجنسي والتناسلي الذي يمكن لجسد الذكر والأنثى أن ينخرطا فيه. ففي الكتاب المُقدَّس، الاتحاد الجنسي يوثق عهد الزواج، الأمر الذي يدل على أن الغرض من اتحاد الزواج هو أن يكون دائمًا، وأحاديًّا، وحصريًّا (تكوين 2: 24؛ 1كورنثوس 6: 16). لاحظ في تكوين 1: 26-28 أن خلق الرجل والمرأة كان تكوينيًّا وديناميكيًّا على حد سواء. فإن تصميم البشر، ذكرًا وأنثى، مخلوقين على صورة الله، معيَّن كي يحقق غرضًا محدَّدًا، ألا وهو أن يملأوا الأرض، ويخضعوها، ويمارسوا سلطتهم عليها. وبشكل أكثر تحديدًا، يتحقَّق ذلك الغرض من خلال تصميم الذكر والأنثى، بمعنى أن فعل الإثمار والإكثار يعتمد على الاختلاف في نوع جنس كل منهما، وينبع من هذا الاختلاف. وفي هذا الأمر، ثمة توازٍ بين الإعلان العام والإعلان الخاص. فكما نعرف جميعًا، إن ممارسة الجنس تستطيع إنجاب الأولاد. وهذه الحقيقة مرتبطة حصريًّا بحقيقة واحدة فحسب، ألا وهي التكامُل بين الذكر والأنثى.

الكتاب المُقدَّس وشهادة الخليقة المتنوِّعة عن نوع الجنس والميل الجنسي

في الجدالات، المعاصرة على الأقل، حول هذه القضايا، يُغوَى المؤمنون في بعض الأحيان بالتعامل مع نظرتنا عن الميل الجنسي ونوع الجنس على أنها شؤون أخلاقية خاصة بالمسيحيين وحدهم. هذه ليست طريقة كتابية سليمة للتعامل مع مثل هذه الموضوعات. فمثل هذا المنظور هو تفسير ناقص لسبب كون قناعات المسيحيين بشأن هذه الأمور ليست فقط قناعات مسيحية، لكنها قابلة للتطبيق على الجميع بوجه عام. فإن الكتاب المُقدَّس يقدم نظرة عن الميل الجنسي ونوع الجنس تتسم بكونها نظرة صحيحة قائمة على أساس كلٍّ من الإعلان الخاص والإعلان العام. كتب اللاهوتي ريتشارد بوكام يقول: “ليست الوصايا الكتابية هي أحكام اعتباطية أو عشوائية، لكنها متصلة بحالة العالم الحالية، وبالحالة التي سيكون عليها”.[1] عندما يناقش المؤمنون موضوع نوع الجنس والميل الجنسي، يجب أن يدركوا أن التصميم الخاص بنوع الجنس والميل الجنسي في الكتاب المُقدَّس هو التصميم الذي ينبغي على جميع البشر أن يعيشوا داخل إطاره، حتى وإن لم يبدُ هذا هو التصميم الطبيعي أو الأكثر سهولة في ضوء الخطية. فما يؤمن به المسيحيون عن الميل الجنسي ونوع الجنس ليس جدالًا “داخليًّا”، يدور بين المسيحيين وحدهم؛ بل يرى الكتاب المُقدَّس أن نوع الجنس والميل الجنسي هما حقيقتان متصلتان بالخلق، وهما تحدِّدان ما إن كان أي مجتمع سيعيش حياته في خضوع لسلطان الله، أم في رفض لهذا السلطان.

كتب عالم الأخلاق بيرند فانينفيتش (Bernd Wannenwetsch) يقول: “إن عقيدة الخلق المسيحية هي وسيلة تفسِّر سبب كون بعض الجوانب من الواقع والحياة تحمل أهمية أخلاقية معيارية”.[2] يعني ذلك أن تعليم الكتاب المُقدَّس عن نوع الجنس والميل الجنسي ليس تعليمًا خاصًّا بجماعة أو طائفة معينة. فإن هذه التعاليم ليست مبنية على أحكام وأوامر إيمانية، بل في المقابل، يخاطب الكتاب المُقدَّس الواقع المخلوق في حالته الخاطئة وحالته المفدية على حد سواء، وذلك لأن الرب يسوع يملك على الخليقة، ويوحد كلًا من الخليقة والفداء في إنجيله.[3] فإن نوع الجنس والميل الجنسي لا يستلزمان معتقدات مسيحية حصرية لفهمهما وتفسيرهما، لكن بسبب تشويه الخطية للإدراك البشري، يتطلب تعليم الكتاب المُقدَّس عنهما تفسيرًا في ضوء النطاق الكامل للعقيدة المسيحية. وأي نظرة إلى نوع الجنس والميل الجنسي لا تستوفي المتطلبات المقدَّمة في سفر التكوين ستظل خاضعة لإعادة تعريف وتغيير لا نهائية؛ ولهذا السبب، نفتقر النظريات المنقحة والمعدَّلة عن نوع الجنس والميل الجنسي – مثل الزواج المثلي، والتغير الدائم في الهوية الجنسية –إلى أساس متماسك ومتسق.

الثورة في الميل الجنسي ونوع الجنس

المبادئ الخمسة المقدَّمة أعلاه هي الخلفية التي تفسِّر سبب حظر الكتاب المُقدَّس للممارسات الجنسية والتعبيرات عن نوع الجنس التي تتعدَّى على الاختلافات التي وضعها الله في الخلق، والحدود التي رُسِمت في الخلق. ويبيِّن تأثير الخطية كيف حدث التعدي على كل مبدأ من هذه المبادئ.

  1. فيما يخص المبدأ الأول، إن ثقافة عدم الإيمان إما ترفض وجود الله، وإما ترفض سلطانه. وبحسب هذا النموذج، يكون الإنسان هو المقياس الذي يحكم على كل شيء. ويظهر هذا بأشد وضوح في إعادة التعريف اللانهائية للأخلاقيات الجنسية، وما يترتب على ذلك من خلط في نوع الجنس. فبما أنه لا توجد قوانين إلزامية، يصير الميل الجنسي ونوع الجنس مسألة رغبة وتفضيل شخصيين. وبهذا، يصير الميل الجنسي ونوع الجنس مسألة اختيار شخصي، نابع من الذات المستقلة. فبما أن البشر غير محكومين بأي قانون أخلاقي مطلق وعام، فما يرى المؤمنون أنه فجور جنسي، أو انتهاك لقصد الله بشأن التعبير عن نوع الجنس، يجرَّد من كلِّ المحرَّمات والنواهي – مثل إدمان المواد الإباحية (مزمور 101: 3؛ متى 5: 28؛ كولوسي 3: 5)، ومُضاجعة الحيوانات (لاويين 18: 23؛ 20: 15-16؛ خروج 22: 19)، وتعدُّد الزوجات (تكوين 2: 24؛ متى 19: 1-10)، والشهوة (متى 5: 28؛ مرقس 7: 20-23)، والزنى (1كورنثوس 6: 9-11)، والجنس الجماعيّ (غلاطية 5: 19-21)، والاغتصاب (تثنية 22: 23-29؛ حزقيال 45: 9؛ مرقس 12: 31)، والبيدوفيليا أو ممارسة الجنس مع الأطفال (متى 18: 5-6)، والمثلية الجنسية (رومية 1: 26-27؛ 1كورنثوس 6: 9-11)، والعلاقات الجنسية خارج الزواج (تكوين 2: 24؛ تثنية 22: 28-29؛ أفسس 5: 3؛ 1تسالونيكي 4: 1-18)، وزنا المحارم (لاويين 18: 8-18؛ 1كورنثوس 5: 1-5)، والدعارة (هوشع 4: 14)، وارتداء ملابس الجنس الآخر (تثنية 22: 5؛ 1كورنثوس 11: 3-16)، والتخنُّث، أو تمثُّل الذكر بمظاهر النساء (1كورنثوس 6: 9-10؛ تكوين 1: 27-28)، والإغراء الجنسي غير المشروع (تكوين 34؛ أمثال 7: 6-23)، والتحول الجنسي (تكوين 1: 27-28)، والتحرش أو الإيذاء الجنسي (تثنية 22: 25-27؛ مرقس 12: 31).
  2. بخصوص المبدأ الثاني، ينكر البشر أنهم مخلوقات إلهية جاءت بمشيئة ذكية وإلهية، وينكرون أن لحياتهم معنى أو غرضًا ثابتًا ومتأصلًا فيهم. وبالتالي، يصير أي فعل جنسي مباحًا، طالما كان بموافقة الطرفين. وأي تعبير عن نوع الجنس يصير مسموحًا به طالما يتوافق مع تصوُّر الشخص عن نفسه. فبما أن البشر ربما كانوا مخلوقين بيد كائن إلهي، وربما لا، فإن القول بأن فعلًا جنسيًّا معينًّا، أو تعبيرًا معينًا عن نوع الجنس، محظور هو ببساطة نتاج الأعراف الاجتماعية.
  3. بخصوص المبدأ الثالث، صار البشر يجرِّدون أنفسهم من أيَّة دعوة خاصة لحياتهم، تكون مبنيَّة على كونهم مخلوقين على صورة الله. فبما أننا لسنا مخلوقات خاصة، كُلِّفت بمهمة ممارسة السلطة، فإننا نلجأ إذن إلى تعبيرات باطلة عن الاستقلال البشري، وإلى تبريرات تحقِّق مصالحنا الشخصية. وتحررنا هذا من قيود الله يصير هو نفسه سبب فنائنا.
  4. بخصوص المبدأ الرابع، ينكر البشر أن الذكر والأنثى هما فئتان وحقيقتان مطلقتان وثابتتان، وفي المقابل، فإن الميوعة في نوع الجنس، ورفض الحقائق الجنسية الثابتة، ترسم صورة طيِّعة ومتغيرة بشكل لا نهائي لنوع الجنس والميل الجنسي، ومبنية على أساس نفسي. يبيح ذلك خطايا من قبيل التحوُّل الجنسي.
  5. بخصوص المبدأ الخامس، يُرفَض جمال التكامل بين الذكر والأنثى، بمعنى أن الحدود التي وُضِعت في الخلق للميل الجنسي تُلغَى. يبيح ذلك خطايا جنسية من قبيل المثلية الجنسية. لا يعني ذلك أن المثلية الجنسية أسوأ من كل الخطايا الأخرى، بل يعني أنها تكشف بطريقة نابضة بالحياة وظاهرة رفضًا ونفورًا من سلطان الله من جهة التصميم والحدود التي رُسِمت في الخلق.

في كل هذه المبادئ الخمسة، ما الأمر الذي يَكمُن في أصل تعدِّي البشر على المظاهر التي حدَّدها الله للميل الجنسي ونوع الجنس؟ هو الضرب بسلطان الله على الرغبة الجنسية والعلاقات الجنسية، وبتصميمه لكيفية فهم نوع الجنس والتعبير عنه، عرض الحائط. وكما هو الحال مع أيَّة قضية أخلاقية، إن فكرة وجود معيار مطلق وملزِم تبدأ وتنتهي بوجود الله من عدمه، وبما إن كان ينوي أم لا أن يحاسب البشر على أفعالهم.

علاقة الجنس والميول الجنسيّة برسالة الإنجيل

في حين اجتهد كاتب هذه المقالة ليقدِّم حُجة تؤيِّد تعليم الكتاب المُقدَّس عن نوع الجنس والميل الجنسي، تكون صحيحة على أساس كلٍّ من الإعلان العام والخاص، لكنه سيكون ناقصًا إذا لم يتناول كيفية فهم الميل الجنسي ونوع الجنس داخل إطار رسالة الإنجيل.

  1. يعيد العهد الجديد التأكيد على النظرة إلى نوع الجنس والميل الجنسي المقدَّمة في سفر التكوين. ويقدِّم الإنجيل وعدًا بإرشاد الروح القدس لنا كي نعيش حياة القداسة. فالإنجيل لا ينشئ توقُّعًا جديدًا تمامًا أو منفصلًا بشأن الأخلاقيات الجنسية والتعبير اللائق عن نوع الجنس. ففي متى 19، أكد يسوع أن نموذج الذكر والأنثى الذي تأسس في الخلق، كما نقرأ في تكوين 1-2، يظل ساريًا وملزِمًا للبشر. وفي أعمال الرسل 15، أكد قادة الكنيسة الأوائل أن إطاعة ناموس العهد القديم لم يكن أمرًا منتظَرًا من المؤمنين من الأمم، لكن كان يُنتظَر من المسيحيين أن يتمسَّكوا بالمعيار نفسه الذي وضعه العهد القديم بشأن الأخلاقيات الجنسية، وهو المعيار الذي بدأ في الخلق. وبالتالي، فإن النموذج المختص بالعلاقات الجنسية والتعبير عن نوع الجنس، المقدَّم للمؤمنين الأوائل، يؤكِّد ويثبت النموذج الذي بدأ من سفر التكوين. علاوة على ذلك، إن المحظورات التي وضعها العهد الجديد بشأن الممارسات الجنسية (مثل المثلية الجنسية، وزنا المحارم) تردِّد صدى الأخلاقيات الجنسية في العهد القديم. وهذه الأخلاقيات متأصِّلة في ناموس الله الأدبي، ولا يمكن أن نتخلص أو نعفي أنفسنا منها، باعتبارها كانت مختصة بشعب إسرائيل وحده. ويبيِّن العهد الجديد أن التمرد الجنسي، ورفض الحدود اللائقة لنوع الجنس، يجعلان المرء مذنبًا أمام دينونة الله (1كورنثوس 6: 9-11).
  2. يضفي الإنجيل وضوحًا متمِّمًا للنظرة عن نوع الجنس والميل الجنسي التي نجدها في سفر التكوين. فإن تعليم الكتاب المقدس عن نوع الجنس والميل الجنسي هو قصة لها ذروة. في أفسس 5: 22-23، أوضح بولس أن الغرض من الاتحاد بين الرجل والمرأة هو أن يكون ظلًّا لأقوى اتحاد في الكون، وهو الاتحاد بين المسيح والكنيسة. لم يكن الغرض قط من شرح الاتحاد بين المسيح والكنيسة هو أن يغطي على قيمة التكامل بين الذكر والأنثى، الذي يشكل خلفية هذا الاتحاد، والمقدَّم في سفر التكوين، أو أن يلغيها، أو يحل محلها. فإن قصة علاقة الإنجيل بالطبيعة المخلوقة – التي تشمل ميلنا الجنسي ونوع الجنس – تقول إن الطبيعة المخلوقة ستمضي في الاتجاه الذي لطالما كان مقدَّرًا لها أن تتجه إليه.[4] ومع أن الميل الجنسي ونوع الجنس لا يزالان يُفهَمان في ضوء الخلق، رغم السقوط، لكننا نرى، كمؤمنين، أن الغرض من كليهما في النهاية هو أن يعكسا الاتحاد بين المسيح والكنيسة.
  3. الإنجيل يؤيِّد المؤمنين بالقوة كي يعيشوا وفقًا للنظرة الكتابية عن نوع الجنس والميل الجنسي، التي يعلِّمها سفر التكوين. فإن إنجيل الرب يسوع المسيح يدعونا إلى أن نمجد الله في أجسادنا، لأنه هو الذي اشتراها (1كورنثوس 6: 20). وهذا الشراء يشمل الإنسان بأكمله (2كورنثوس 5: 17). فإننا مدعوون إلى أن نكرم الرب يسوع، ونُخضِع له رغباتنا الجنسية وسلوكنا أيضًا (متى 5: 28؛ غلاطية 5: 19-21؛ أفسس 4: 22-24؛ كولوسي 3: 5؛ 1تسالونيكي 4: 1-8). فعلينا أن نهرب من كل أشكال الفجور الجنسي (1كورنثوس 6: 18؛ أفسس 5: 3-5؛ 1تسالونيكي 4: 1-8). ونحن نَقبَل ونتبنَّى المعايير اللائقة بشأن نوع الجنس، وذلك لئلا نُسِّيء إلى أحد، أو نعثر أحدًا، بأيِّ تعبير غير لائق عن نوع الجنس (تثنية 22: 5؛ 1كورنثوس 6: 9؛ 11: 3-16؛ 1تيموثاوس 2: 9). يؤمن المسيحيون بأننا لسنا لأنفسنا، وبأننا ندين بكلِّ جانب من جوانب وجودنا – بما في ذلك تعبيرنا عن نوع الجنس وميلنا الجنسي – ليسوع المسيح (كولوسي 1: 15-20).

[1] see God and the Crisis of Freedom: Biblical and Contemporary Perspectives, 70

[2] see “Creation and Ethics: On the Legitimacy and Limitation of Appeals to ‘Nature’ in Christian Moral Reasoning,” in Within the Love of God: Essays on the Doctrine of God in Honour of Paul S. Fiddes, 209

[3] see Oliver O’Donovan, Resurrection and Moral Order: An Outline for Evangelical Ethics

[4] see Wannenwetsch, “Creation and Ethics,” 210

شارك مع أصدقائك

أستاذ علم الأخلاق المسيحيّ في الكليّة المعمدانيّة الجنوبيّة للاهوت.